«مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى⦗١٣٤⦘أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٢٨

الحديث رقم ٤٨٢٨ من كتاب «سورة حم الأحقاف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٢٨ في صحيح البخاري

«مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ضَاحِكًا حَتَّى

⦗١٣٤⦘

أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.

٤٨٢٩ - قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾».

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

﴿أَوْزَارَهَا﴾ آثَامَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ، ﴿عَرَّفَهَا﴾ بَيَّنَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَلِيُّهُمْ ﴿عَزَمَ الأَمْرُ﴾ جَدَّ الْأَمْرُ، ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ لَا تَضْعُفُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَضْغَانَهُمْ﴾ حَسَدَهُمْ ﴿آسِنٍ﴾ مُتَغَيِّرٍ.

﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨٢٨

٤٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو: أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ ، قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨٢٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - بَاب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَارِضٌ﴾ السَّحَابُ

٤٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.

[الحديث ٤٨٢٨ - طرفه في: ٦٠٩٢]

٤٨٢٩ - قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الْآيَةَ) سَاقَهَا غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَارِضٌ: السَّحَابُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيحُ إِذَا أَثَارَتْ سَحَابًا قَالُوا هَذَا عَارِضٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَأَبُو النَّضْرِ هُوَ سَالِمٌ الْمَدَنِيُّ، وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَادِ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَالْأَدْنَى مِصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتَهُ) بِالتَّحْرِيكِ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ فِي أَعْلَى الْحَنَكِ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لَهًى بِفَتْحِ اللَّامِ مَقْصُورٌ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) لَا يُنَافِي هَذَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ لِأَنَّ ظُهُورَ النَّوَاجِذِ - وَهِيَ الْأَسْنَانُ الَّتِي فِي مُقَدِّمَةِ الْفَمِ أَوِ الْأَنْيَابُ - لَا يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَ اللَّهَاةِ.

قَوْلُهُ: (عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْههِ) عَبَّرَتْ عَنِ الشَّيْءِ الظَّاهِرِ فِي الْوَجْهِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ ثَمَرَتُهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الدُّعَاءِ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ فِي أَوَاخِرِ الِاسْتِسْقَاءِ.

قَوْلُهُ: (عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ غَيْرَ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ آيَةِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ، فَفِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ الْآيَاتِ. وَفِيهَا: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَقَدْ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ عَنِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا تَطَّرِدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَيْنُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فَلَا. ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَادًا قَوْمَانِ قَوْمٌ بِالْأَحْقَافِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْعَارِضِ وَقَوْمٌ غَيْرُهُمْ، قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ثَمَّ عَادًا أُخْرَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّةَ عَادٍ الثَّانِيَةِ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٢٨ - ٤٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيْسَى) كذا في رواية أبي ذرٍّ: «ابن عيسى» وهو الهمدانيُّ التُّستريُّ المصريُّ الأصل، وسقطَ «ابن عيسَى» لغير أبي ذرٍّ، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه أحمد بنُ صالحٍ المصريُّ؛ يعني: ابنَ الطَّبري، ولعلَّه اعتمدَ على قول أبي عليِّ (١) بنِ السَّكنِ حيث قال: هو أحمد بنُ صالحٍ في المواضعِ كلها، وكذا قاله ابنُ مندهْ، وقيل: هو أحمد بنُ عبد الرَّحمن ابنِ أخي ابنِ وهب. قال الحاكمُ أبو عبد الله: هو أحمد بنُ صالحٍ أو أحمدُ بنُ عيسى، لا يخلو أن يكون واحدًا منهما، ولم يحدِّث عن ابنِ أخي ابنِ وهب شيئًا، ومَن زعم أنَّه ابنُ أخي ابن وهب فقد وهمَ، فاتَّفق الرُّواة على أحمد بنِ صالحٍ، أو أحمد بنِ عيسى، وقد عين أبو ذرٍّ في روايته أنَّه ابنُ عيسى قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ الحارثِ: (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) سالمًا المدنيَّ (حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضد اليمينِ (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بتحريك الهاء، جمع: لهاةٍ، وهي اللَّحمةُ الحمراءُ المعلَّقةُ في أعلى الحنكِ (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، مبنيًّا للمفعول (فِي وَجْهِهِ) الكراهيَّة، وذلك لأنَّ القلبَ إذا فرحَ تبلَّج الجبينُ، وإذا حزنَ اربدَّ الوجه، فعبَّرت عائشةُ عن الشَّيءِ الظَّاهر في الوجهِ بالكراهيةِ (٢)؛ لأنَّه ثمرتها (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، النَّاسُ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنَّ النَّاس» (إِذَا رَأَوا الغَيْمَ فَرِحُوا) به (رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي) بواو ساكنة ونون مشددة، ولأبي ذرٍّ: «يؤمنني» بنونين (أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ) هم قوم هودٍ (٣) حيث أهلكوا بريحٍ صرصرٍ (وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]) قد تقرَّر أنَّ

النَّكرة إذا أُعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب أنَّ الَّذين عذِّبوا بالرِّيحِ هم الَّذين قالوا: هذا عارضٌ، وقد أجابَ صاحب «الكواكب الدراري» عن ذلك: بأنَّ القاعدةَ المذكورة إنما تطَّرد (١) إذا لم يكن في السِّياقِ قرينة تدلُّ على الاتِّحاد، فإن كان هناك قرينةٌ كما في قولهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا، وعلى تقدير تسليمِ المغايرةِ مطلقًا فلعلَّ عادًا قومان: قومٌ بالأحقاف، أي: في الرِّمالِ؛ وهم أصحاب العارضِ، وقومٌ غيرهم. انتهى. ويؤيِّد قوله الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] فإنَّه يشعرُ بأنَّ ثمَّ عادًا أُخرى، وعند الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن الحارثِ بنِ حسَّانٍ البكريِّ، قال: خرجتُ أشكُو العلاءَ بن الحضرميِّ إلى رسول الله فمررتُ بالرَّبَذةِ فإذا عجوزٌ من بني تميمٍ منقطعٌ بها، فقالتْ لي: يا عبدَ الله، إنَّ لي إلى رسولِ الله حاجةً، فهل أنتَ مبلِّغِي إليه؟ قال: فحملتُها فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهله … الحديثَ. وفيه: فقلت: أعوذُ بالله ورسولهِ أن أكون كوافدِ عادٍ. قال: وما وافدُ عادٍ؟ -وهو أعلم بالحديث منه لكن يستعظمه (٢) - قلت: إنَّ عادًا قحطوا فبعثُوا وافدًا لهم يقال له: قَيْل بنَ عَنْزٍ (٣)، فمرَّ بمعاوية بن (٤) بكر فأقامَ عنده شهرًا يسقيهِ الخمرَ وتغنِّيهِ جاريتان يقال لهما: الجرادتانِ، فلمَّا مضى الشَّهر خرج إلى جبالِ مَهْرَة، فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنَّي لم أجئ إلى مريضٍ فأداويهِ، ولا إلى أسيرٍ فأفاديهِ، اللَّهمَّ اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيهِ، فمرَّت به سحاباتٌ سودٌ، فنودِيَ منها: اختَر، فأومأَ إلى سحابةٍ منها سوداءَ، فنُودي منها: خذهَا رَمَادًا رِمْدِدًا (٥)، لا تبقي من عادٍ أحدًا. رواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه، ذكرهُ ابنُ كثير بطوله في «تفسيره»، وابن حجرٍ مختصرًا، وقال: الظَّاهرُ أنَّه في قصَّة عادٍ الأخيرة لذكر مكَّة فيه.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٩٢]، ومسلمٌ في «الاستسقاءِ»، وأبو داود في «الأدب».

(((٤٧))) (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) مدنيَّة. وقيل: مكِّيَّة، وآيُها سبع أو ثمان وثلاثون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة محمد بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ، وتسمَّى السَّورة أيضًا سورة القتالِ.

(﴿أَوْزَارَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] أي (١): (آثَامَهَا) أو آلاتها وأثقالها، وهو من مجازِ الحذفِ، أي: حتَّى تضعَ أمَّة الحربِ، أو فرقة الحربِ أوزارَها، والمراد: انقضاء الحربِ بالكلِّيَّة (حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ) أو مسالمٌ، والمعنى: حتَّى يضعَ أهل الحربِ شركهم ومعاصيهم، وهو غايةٌ للضَّربِ أو الشَّدِّ أو للمنِّ والفداء أو للمجموعِ، يعني: أنَّ هذه الأحكامَ جاريةٌ فيهم حتَّى لا يكون حربٌ مع المشركين بزوالِ شوكتِهم، وقيل: بنزول عيسى، وأسندَ الوضع إلى الحربِ؛ لأنَّه لو أسندَه إلى أهلهِ بأن كان يقول: حتَّى تضعَ أمَّة الحربِ جازَ أن يضعُوا الأسلحةَ ويتركوا الحربَ، وهي باقيةٌ، كقول القائل:

خُصُوْمَتِي مَا انْفَصَلَتْ وَلَكِنْ … تَرَكْتُهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ

(﴿عَرَّفَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أي: (بَيَّنَهَا) لهم (٢)، وعرَّفهُم منازلها بحيث يعلم كلُّ واحدٍ منهم (٣) منزلهُ ويهتدِي إليه، كأنَّه كان ساكنهُ منذ خلقَ. أو طيَّبَها لهم، من العَرْفِ؛ وهو طيبُ الرَّائحة.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٤) وصلهُ الطَّبريُّ: (﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]) أي: (وَلِيُّهُمْ) وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.

(﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ (جَدَّ الأَمْرُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدَّ الأمرُ» وهو (١) على سبيلِ الإسنادِ المجازِي، كقوله:

قَدْ جَدَّتِ الحرْبُ بكم (٢) فَجِدُّوا

أو على حذفِ مضاف، أي: عزمَ أهلُ الأمرِ، والمعنَى: إذا جدَّ الأمرُ ولزم فرض القتالِ خالفُوا وتخلَّفوا.

(﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ [محمد: ٣٥]) أي: (لَا تَضْعُفُوا) بعدما وُجِدَ السَّبب، وهو الأمرُ بالجدِّ والاجتهادِ في القتالِ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿أَضْغَانَهُمْ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] أي: (حَسَدَهُمْ) بالحاء المهملة، وقيل: بغضهم وعداوتهم.

(﴿آسِنٍ﴾) في قولهِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] أي: (مُتَغَيِّرٍ) طعمُه، وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) بتشديد الطاء المكسورة على التَّكثير، ويعقوب: بفتح التاء وسكون القاف وفتح الطاء مخفَّفة، مضارع قطعَ، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - بَاب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَارِضٌ﴾ السَّحَابُ

٤٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.

[الحديث ٤٨٢٨ - طرفه في: ٦٠٩٢]

٤٨٢٩ - قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الْآيَةَ) سَاقَهَا غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَارِضٌ: السَّحَابُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيحُ إِذَا أَثَارَتْ سَحَابًا قَالُوا هَذَا عَارِضٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَأَبُو النَّضْرِ هُوَ سَالِمٌ الْمَدَنِيُّ، وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَادِ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَالْأَدْنَى مِصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتَهُ) بِالتَّحْرِيكِ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ فِي أَعْلَى الْحَنَكِ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لَهًى بِفَتْحِ اللَّامِ مَقْصُورٌ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) لَا يُنَافِي هَذَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ لِأَنَّ ظُهُورَ النَّوَاجِذِ - وَهِيَ الْأَسْنَانُ الَّتِي فِي مُقَدِّمَةِ الْفَمِ أَوِ الْأَنْيَابُ - لَا يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَ اللَّهَاةِ.

قَوْلُهُ: (عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْههِ) عَبَّرَتْ عَنِ الشَّيْءِ الظَّاهِرِ فِي الْوَجْهِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ ثَمَرَتُهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الدُّعَاءِ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ فِي أَوَاخِرِ الِاسْتِسْقَاءِ.

قَوْلُهُ: (عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ غَيْرَ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ آيَةِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ، فَفِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ الْآيَاتِ. وَفِيهَا: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَقَدْ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ عَنِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا تَطَّرِدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَيْنُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فَلَا. ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَادًا قَوْمَانِ قَوْمٌ بِالْأَحْقَافِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْعَارِضِ وَقَوْمٌ غَيْرُهُمْ، قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ثَمَّ عَادًا أُخْرَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّةَ عَادٍ الثَّانِيَةِ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٢٨ - ٤٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيْسَى) كذا في رواية أبي ذرٍّ: «ابن عيسى» وهو الهمدانيُّ التُّستريُّ المصريُّ الأصل، وسقطَ «ابن عيسَى» لغير أبي ذرٍّ، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه أحمد بنُ صالحٍ المصريُّ؛ يعني: ابنَ الطَّبري، ولعلَّه اعتمدَ على قول أبي عليِّ (١) بنِ السَّكنِ حيث قال: هو أحمد بنُ صالحٍ في المواضعِ كلها، وكذا قاله ابنُ مندهْ، وقيل: هو أحمد بنُ عبد الرَّحمن ابنِ أخي ابنِ وهب. قال الحاكمُ أبو عبد الله: هو أحمد بنُ صالحٍ أو أحمدُ بنُ عيسى، لا يخلو أن يكون واحدًا منهما، ولم يحدِّث عن ابنِ أخي ابنِ وهب شيئًا، ومَن زعم أنَّه ابنُ أخي ابن وهب فقد وهمَ، فاتَّفق الرُّواة على أحمد بنِ صالحٍ، أو أحمد بنِ عيسى، وقد عين أبو ذرٍّ في روايته أنَّه ابنُ عيسى قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ الحارثِ: (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) سالمًا المدنيَّ (حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضد اليمينِ (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بتحريك الهاء، جمع: لهاةٍ، وهي اللَّحمةُ الحمراءُ المعلَّقةُ في أعلى الحنكِ (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، مبنيًّا للمفعول (فِي وَجْهِهِ) الكراهيَّة، وذلك لأنَّ القلبَ إذا فرحَ تبلَّج الجبينُ، وإذا حزنَ اربدَّ الوجه، فعبَّرت عائشةُ عن الشَّيءِ الظَّاهر في الوجهِ بالكراهيةِ (٢)؛ لأنَّه ثمرتها (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، النَّاسُ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنَّ النَّاس» (إِذَا رَأَوا الغَيْمَ فَرِحُوا) به (رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي) بواو ساكنة ونون مشددة، ولأبي ذرٍّ: «يؤمنني» بنونين (أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ) هم قوم هودٍ (٣) حيث أهلكوا بريحٍ صرصرٍ (وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]) قد تقرَّر أنَّ

النَّكرة إذا أُعيدت نكرةً كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب أنَّ الَّذين عذِّبوا بالرِّيحِ هم الَّذين قالوا: هذا عارضٌ، وقد أجابَ صاحب «الكواكب الدراري» عن ذلك: بأنَّ القاعدةَ المذكورة إنما تطَّرد (١) إذا لم يكن في السِّياقِ قرينة تدلُّ على الاتِّحاد، فإن كان هناك قرينةٌ كما في قولهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا، وعلى تقدير تسليمِ المغايرةِ مطلقًا فلعلَّ عادًا قومان: قومٌ بالأحقاف، أي: في الرِّمالِ؛ وهم أصحاب العارضِ، وقومٌ غيرهم. انتهى. ويؤيِّد قوله الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] فإنَّه يشعرُ بأنَّ ثمَّ عادًا أُخرى، وعند الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن الحارثِ بنِ حسَّانٍ البكريِّ، قال: خرجتُ أشكُو العلاءَ بن الحضرميِّ إلى رسول الله فمررتُ بالرَّبَذةِ فإذا عجوزٌ من بني تميمٍ منقطعٌ بها، فقالتْ لي: يا عبدَ الله، إنَّ لي إلى رسولِ الله حاجةً، فهل أنتَ مبلِّغِي إليه؟ قال: فحملتُها فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهله … الحديثَ. وفيه: فقلت: أعوذُ بالله ورسولهِ أن أكون كوافدِ عادٍ. قال: وما وافدُ عادٍ؟ -وهو أعلم بالحديث منه لكن يستعظمه (٢) - قلت: إنَّ عادًا قحطوا فبعثُوا وافدًا لهم يقال له: قَيْل بنَ عَنْزٍ (٣)، فمرَّ بمعاوية بن (٤) بكر فأقامَ عنده شهرًا يسقيهِ الخمرَ وتغنِّيهِ جاريتان يقال لهما: الجرادتانِ، فلمَّا مضى الشَّهر خرج إلى جبالِ مَهْرَة، فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنَّي لم أجئ إلى مريضٍ فأداويهِ، ولا إلى أسيرٍ فأفاديهِ، اللَّهمَّ اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيهِ، فمرَّت به سحاباتٌ سودٌ، فنودِيَ منها: اختَر، فأومأَ إلى سحابةٍ منها سوداءَ، فنُودي منها: خذهَا رَمَادًا رِمْدِدًا (٥)، لا تبقي من عادٍ أحدًا. رواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه، ذكرهُ ابنُ كثير بطوله في «تفسيره»، وابن حجرٍ مختصرًا، وقال: الظَّاهرُ أنَّه في قصَّة عادٍ الأخيرة لذكر مكَّة فيه.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٩٢]، ومسلمٌ في «الاستسقاءِ»، وأبو داود في «الأدب».

(((٤٧))) (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) مدنيَّة. وقيل: مكِّيَّة، وآيُها سبع أو ثمان وثلاثون آية، ولأبي ذرٍّ: «سورة محمد بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ، وتسمَّى السَّورة أيضًا سورة القتالِ.

(﴿أَوْزَارَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] أي (١): (آثَامَهَا) أو آلاتها وأثقالها، وهو من مجازِ الحذفِ، أي: حتَّى تضعَ أمَّة الحربِ، أو فرقة الحربِ أوزارَها، والمراد: انقضاء الحربِ بالكلِّيَّة (حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ) أو مسالمٌ، والمعنى: حتَّى يضعَ أهل الحربِ شركهم ومعاصيهم، وهو غايةٌ للضَّربِ أو الشَّدِّ أو للمنِّ والفداء أو للمجموعِ، يعني: أنَّ هذه الأحكامَ جاريةٌ فيهم حتَّى لا يكون حربٌ مع المشركين بزوالِ شوكتِهم، وقيل: بنزول عيسى، وأسندَ الوضع إلى الحربِ؛ لأنَّه لو أسندَه إلى أهلهِ بأن كان يقول: حتَّى تضعَ أمَّة الحربِ جازَ أن يضعُوا الأسلحةَ ويتركوا الحربَ، وهي باقيةٌ، كقول القائل:

خُصُوْمَتِي مَا انْفَصَلَتْ وَلَكِنْ … تَرَكْتُهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ

(﴿عَرَّفَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أي: (بَيَّنَهَا) لهم (٢)، وعرَّفهُم منازلها بحيث يعلم كلُّ واحدٍ منهم (٣) منزلهُ ويهتدِي إليه، كأنَّه كان ساكنهُ منذ خلقَ. أو طيَّبَها لهم، من العَرْفِ؛ وهو طيبُ الرَّائحة.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٤) وصلهُ الطَّبريُّ: (﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]) أي: (وَلِيُّهُمْ) وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.

(﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ (جَدَّ الأَمْرُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدَّ الأمرُ» وهو (١) على سبيلِ الإسنادِ المجازِي، كقوله:

قَدْ جَدَّتِ الحرْبُ بكم (٢) فَجِدُّوا

أو على حذفِ مضاف، أي: عزمَ أهلُ الأمرِ، والمعنَى: إذا جدَّ الأمرُ ولزم فرض القتالِ خالفُوا وتخلَّفوا.

(﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ [محمد: ٣٥]) أي: (لَا تَضْعُفُوا) بعدما وُجِدَ السَّبب، وهو الأمرُ بالجدِّ والاجتهادِ في القتالِ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿أَضْغَانَهُمْ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] أي: (حَسَدَهُمْ) بالحاء المهملة، وقيل: بغضهم وعداوتهم.

(﴿آسِنٍ﴾) في قولهِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] أي: (مُتَغَيِّرٍ) طعمُه، وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) بتشديد الطاء المكسورة على التَّكثير، ويعقوب: بفتح التاء وسكون القاف وفتح الطاء مخفَّفة، مضارع قطعَ، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر