الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4879
الحديث رقم 4879 من كتاب «سورة الرحمن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حور مقصورات في الخيام.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
الْوَاقِعَةُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ زُلْزِلَتْ، بُسَّتْ فُتَّتْ، لُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ، الْمَخْضُودُ الْمُوقَرُ حَمْلًا. وَيُقَالُ أَيْضًا: لَا شَوْكَ لَهُ، ﴿مَنْضُودٍ﴾ الْمَوْزُ، وَالْعُرُبُ الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، ﴿ثُلَّةٌ﴾ أُمَّةٌ، ﴿يَحْمُومٌٍ﴾ دُخَانٌ أَسْوَدَُ، ﴿يُصِرُّونَ﴾ يُدِيمُونَ، الْهِيمُ الْإِبِلُ الظِّمَاءُ، ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ لَمُلْزَمُونَ، رَوْحٌ جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ الرِّزْقُ، ﴿وَنَنْشَأَكُمْ﴾ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تَعْجَبُونَ ﴿عُرُبًا﴾ مُثَقَّلَةً وَاحِدُهَا عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّةَ الْعَرِبَةَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْغَنِجَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ الشَّكِلَةَ. وَقَالَ فِي ﴿خَافِضَةٌ﴾ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، وَ ﴿رَافِعَةٌ﴾ إِلَى الْجَنَّةِ، ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ وَالْكُوبُ لَا آذَانَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ، وَالْأَبَارِيقُ ذَوَاتُ الْآذَانِ وَالْعُرَى. ﴿مَسْكُوبٍ﴾ جَارٍ، ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿مُتْرَفِينَ﴾ مُتَمَتِّعِينَ ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ هِيَ النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ، ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ الْقَفْرُ، ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقِطِ النُّجُومِ إِذَا سَقَطْنَ، وَمَوَاقِعُ وَمَوْقِعٌ وَاحِدٌ ﴿مُدْهِنُونَ﴾ مُكَذِّبُونَ مِثْلُ ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ مُسَلَّمٌ لَكَ إِنَّكَ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، وَأُلْغِيَتْ إِنَّ وَهُوَ مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدَّقٌ مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَسَقْيًا مِنَ الرِّجَالِ إِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ، ﴿تُورُونَ﴾ تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ أَوْقَدْتُ ﴿لَغْوًا﴾ بَاطِلًا ﴿تَأْثِيمًا﴾ كَذِبًا.
﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾
٤٨٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
الحديث يدل على تفاوت منازل الجنة ودرجاتها، فبعضها أعلى من بعض حسًّا ومعنى، حيث يكون بناؤها من الذهب، وأوانيها من الذهب، وبعضها يكون بناؤها من الفضة، وأوانيها من الفضة، ومعلوم أن الذهب هو أغلى المعادن وأنفسها لدى المخاطبين بالقرآن عند نزوله، ويجوز أن يكون فيها ما هو أعلى من الذهب وأرفع؛ لأن الله تعالى أخبر أن فيها ما لا عين رأته، ولا أُذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر، وقع في أول بعض روايات هذا الحديث: «جِنان الفردوس أربع، ثنتان من ذهب ...» الحديث
قوله: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» فيه التصريح بقرب نظرهم إلى ربهم، فإذا أراد تعالى أن يُنَعِّمَهم ويزيد في كرامتهم رفع رداء الكبرياء عن وجهه فنظروا إليه.
وأهل السنة يثبتون رداء الكبرياء لله تعالى، ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة، من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، كما يثبتون له وجهًا يليق بجلاله، ولا يجوز تأويل شيء من ذلك وصرفه عن ظاهره، كما هو مذهب السلف الصالح.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
[الحديث ٤٨٧٨ - طرفاه في: ٤٨٨٠، ٧٤٤٤]
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: الْمُرَادُ بِالدُّونِ هُنَا الْقُرْبُ، أَيْ وَقُرْبُهُمَا جَنَّتَانِ أَيْ: هُمَا أَدْنَى إِلَى الْعَرْشِ وَأَقْرَبُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى دُونِهِمَا بِقُرْبِهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَفْضِيلٌ. وَذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ بَعْدَهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِلتَّابِعِينَ. وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ (الْعَمِّيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: جِنَانُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ .. إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ .. إِلَخْ) يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْقَوْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَائِنِينَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
٢ - بَاب ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُورُ سُّودُ الْحَدَقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَاصِرَاتٌ لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ.
٤٨٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُونَ.
٤٨٨٠ - وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ كَذَا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أَيْ مَحْبُوسَاتٌ، وَمِنْ ثَمَّ سَمُّوا الْبَيْتَ الْكَبِيرَ قَصْرًا لِأَنَّهُ يُحْبَسُ مَنْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُورٌ سُودُ الْحِدَقِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَوَرُ سَوَادُ الْحَدَقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ: مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرن طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَاصِرَاتٌ: لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ) أَيِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ ﴿فِي الْخِيَامِ﴾، وَالْخِيَامُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ صِفَتُهَا.
قَوْلُهُ: (مُجَوَّفَةٌ) أَيْ وَاسِعَةُ الْجَوْفِ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْلٌ
لِلْمُؤْمِنِ.
قَوْلُهُ: (سِتُّونَ مِيلًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْخَيْمَةُ مِيلٌ فِي مِيلٍ، وَالْمِيلُ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ.
قَوْلُهُ: (يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: صَوَابُهُ الْمُؤْمِنُ بِالْإِفْرَادِ وَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا لِلْمُؤْمِنِ، أَوْ هُوَ مِنْ صَنِيعِ الرَّاوِي. وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَنَّتَانِ .. إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
٥٦ - سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ. بُسَّتْ: فَتَّتْ وَلُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ. الْمَخْضُودِ: لَا شَوْكَ لَهُ. مَنْضُودٍ: الْمَوْزُ. وَالْعُرُبُ: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ. ثُلَّةٌ: أُمَّةٌ. يَحْمُومٍ: دُخَانٌ أَسْوَدُ. يُصِرُّونَ: يُدِيمُونَ. الْهِيمُ: الْإِبِلُ الظِّمَاءُ. لَمُغْرَمُونَ: لَمُلْزَمُونَ. مَدِينِينَ: مُحَاسَبِينَ. رَوْحٌ: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَرَيْحَانٌ: الرِّزْقُ. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَفَكَّهُونَ: تَعْجَبُونَ. عُرُبًا: مُثْقَلَةً، وَاحِدُهَا عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّةَ الْعَرِبَةَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْغَنِجَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ الشَّكِلَةَ، وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ: لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، وَرَافِعَةٌ: إِلَى الْجَنَّةِ. مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ. وَالْكُوبُ: لَا آذَانَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ، وَالْأَبَارِيقُ: ذَوَاتُ الْآذَانِ وَالْعُرَى. مَسْكُوبٌ: جَارٍ. ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. مُتْرَفِينَ: مُتمَتِّعِينَ. ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ هِيَ النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقَطِ النُّجُومِ إِذَا سَقَطْنَ، وَمَوَاقِعُ وَمَوْقِعُ وَاحِدٌ. مُدْهِنُونَ: مُكَذِّبُونَ، مِثْلُ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسَلَّمٌ لَكَ. إِنَّكَ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، وَأُلْغِيَتْ (إِنَّ وَهُوَ مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدِّقٌ وَمُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَسَقْيًا مِنَ الرِّجَالِ إِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ، فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ، تُورُونَ: تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ أَوْقَدْتُ. لَغْوًا: بَاطِلًا. تَأْثِيمًا: كَذِبًا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْوَاقِعَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَاقِعَةِ الْقِيَامَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (بُسَّتْ: فُتَّتْ وَلُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بُسَّتْ كَالسَّوِيقِ الْمَبْسُوسِ بِالْمَاءِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لُتَّتْ لَتًّا، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُتَّتْ فَتًّا.
قَوْلُهُ: (الْمَخْضُودُ: لَا شَوْكَ لَهُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: الْمَخْضُودُ: الْمُوقَرُ حَمْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا .. إِلَخْ. تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مَنْضُودٍ: الْمَوْزُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ
تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْعُرُبُ: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَ: هِيَ الْمُحَبَّبَةُ إِلَى زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ: (ثُلَّةٌ: أُمَّةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الثُّلَّةُ: الْجَمَاعَةُ، وَالثُّلَّةُ: الْبَقِيَّةُ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ فِي قَوْلِهِ: (ثُلَّةٌ) قَالَ: كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: (يَحْمُومٍ: دُخَانٌ أَسْوَدُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ: مِنْ شِدَّةِ سَوَادِهِ، يُقَالُ: أَسْوَدُ يَحْمُومٌ فَهُوَ وَزْنُ يَفْعُولٍ مِنَ الْحَمَمِ.
قَوْلُهُ: (يُصِرُّونَ يُدِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا لَكِنْ لَفْظُهُ يُدْمِنُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا مِيمٌ ثُمَّ نُونٌ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: يُقِيمُونَ.
قَوْلُهُ: (الْهِيمُ: الْإِبِلُ الظِّمَاءُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (لَمُغْرَمُونَ لَمُلْزَمُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: مُلْقُونَ لِلشَّرِّ.
قَوْلُهُ: (مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (رَوْحٌ: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ) سَقَطَ هنا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَيْحَانٌ: الرِّزْقُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الرَّحْمَنِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَفَكَّهُونَ: تَعْجَبُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أَيْ: تَتَعَجَّبُونَ. مِمَّا نَزَلَ بِكُمْ فِي زَرْعِكُمْ، قَالَ: وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ تَنْدَمُونَ.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ شِبْهُ الْمُتَنَدِّمِ.
قُلْتُ: تَفَكَّهَ بِوَزْنِ تَفَعَّلَ وَهُوَ كَتَأَثَّمَ أَيْ أَلْقَى الْإِثْمَ، فَمَعْنَى تَفَكَّهَ أَيْ أَلْقَى عَنْهُ الْفَاكِهَةَ، وَهُوَ حَالٌ مَنْ دَخَلَ فِي النَّدَمِ وَالْحُزْنِ.
قَوْلُهُ: (عُرُبًا: مُثْقَلَةً وَاحِدُهَا عَرُوبٌ إِلَى قَوْلِهِ الشَّكِلَةُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَسَقَطَ ﴿فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْكُوبُ .. إِلَخْ. وَكَذَا قَوْلُهُ: مَسْكُوبٍ: جَارٍ) سَقَطَ كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ وَرَافِعَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى الْجَنَّةِ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قَالَ: خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، رَافِعَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى الْجَنَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَرَفَعَتْ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُنْخَفِضِينَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قَالَ: شَمِلَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، حَتَّى خَفَضَتْ أَقْوَامًا فِي عَذَابِ اللَّهِ وَرَفَعَتْ أَقْوَامًا فِي كَرَامَةِ اللَّهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ خَالِهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: (مُتْرَفِينَ: مُتَنَعِّمِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ النُّونِ وَبَعْدَ الْعَيْنِ مِيمٌ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُتَمَتِّعِينَ بِمِيمٍ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ مِنَ التَّمَتُّعِ، كَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ لِلْفَرَّاءِ وَمِنْهُ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُنَعَّمِينَ.
قَوْلُهُ: (مَا تُمْنُونَ: هِيَ النُّطَفُ يَعْنِي فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ يَعْنِي: النُّطَفَ إِذَا قُذِفَتْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَ تِلْكَ النُّطَفَ أَمْ نَحْنُ؟!
قَوْلُهُ: (لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ. وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ) قَالَ الْفَرَّاءُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مطرَتْ، فخُلِقنَ (١) من قطراتِ الرَّحمةِ، ثمَّ ضُرِبَ على كلِّ واحدةٍ (٢) خيمة على شاطئِ الأنهارِ، سعتُها أربعونَ ميلًا وليس لها باب، حتَّى إذا حلَّ (٣) وليُّ الله بالخيمةِ؛ انصدعَت عن باب؛ ليعلم وليُّ الله أنَّ أبصارَ المخلوقينِ من الملائكةِ والخدمِ لم تأخذْها، وقد اختُلِفَ أيُّهما (٤) أتمُّ حسنًا: الحورُ أم الآدميَّاتُ؟ فقيل: الحورُ؛ لما ذكر، ولقوله في «صلاة الجنازةِ»: «وأَبْدِلْه زوجًا خيرًا من زوجه»، وقيل: الآدميَّاتُ أفضل بسبعينَ ألفَ ضعفٍ.
٤٨٧٩ - ٤٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنزيُّ الزمِنُ (قَالَ: حَدَّثَنا) ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (٥) (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) العَمِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك (الجَوْنِيُّ) بفتح الجيم (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ) بفتح الواو المشددة، ذاتُ جوفٍ واسعٍ (عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا) والميلُ ثلثُ (٦) فرسخٍ أربعة آلافِ خطوة (فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) للمؤمن (مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ) قال الدِّمياطيُّ (٧): صوابهُ: المؤمنُ بالإفرادِ. قال في «الفتح» وغيره: أُجيب بجوازِ أن يكون من مقابلةِ المجموع (٨) بالمجموعِ.
(وجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا) مبتدأٌ قُدِّم (١) خبرُه، وهما خبرُ «جنَّتان» (وَمَا فِيهِمَا) أي: من فضَّةٍ كذلك (وَجَنَّتَانِ مِنْ كَذَا) من ذهبٍ، كما سبق (آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ) ذاته (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) ظرف لـ «القوم»، أو نصب على الحال من «القوم»، كأنَّه قال: كائنين في جنَّةِ عدنٍ، ولا دَلالةَ فيه على أنَّ رؤيةَ الله غير واقعةٍ؛ إذ لا يلزمُ من عدمِهَا في جنَّةِ عدنٍ أو في ذلك الوقت عدمها مطلقًا، أو رداءُ الكبرِ غير مانعٍ منها.
(((٥٦))) (الوَاقِعَةِ) مكِّيَّة، وآيُها تسع وتسعون، ولأبي ذرٍّ: «سورة الواقعة».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (رُجَّتْ)
من قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] أي: (زُلْزِلَتْ) يقال: رجَّهُ يرجُّهُ رجًّا؛ إذا حرَّكهُ وزلزلهُ، أي: تضطرِبُ (١) فَرَقًا من اللهِ حتَّى ينهدمَ ما عليها من بناءٍ وجبلٍ، وقال في قولهِ: (بُسَّتْ: فُتَّتْ) أي: (لُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ) بالسَّمن أو (٢) بالزَّيتِ، وقيل: سُيِّرت، من قولهم: بسَّ الغنمَ، أي: ساقَها.
(المَخْضُودُ) هو (المُوقَرُ حَمْلًا) بفتح القاف والحاء، حتَّى لا يبينُ ساقه من كثرةِ ثمرهِ؛ بحيث تنثنِي أغصانهُ (وَيُقَالُ أَيْضًا: لَا شَوْكَ لَهُ) خضَّدَ الله شوكهُ فجعلَ مكان كلِّ شوكةٍ ثمرةً، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله: «الموقرُ حَمْلًا».
ويقال أيضًا: (﴿مَّنضُودٍ﴾) في قولهِ: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] هو (المَوْزُ) واحده: طَلْحة، وقال السُّديُّ: طلحُ الجنَّةِ يشبهُ طلحَ الدُّنيا، لكنْ له ثمرٌ أحلَى من العسلِ، وقوله: ﴿مَّنضُودٍ﴾ أي: متراكبٍ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.
(وَالعُرُبُ) بضم الراء وسكونها في قولهِ تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٦ - ٣٧] هنَّ (المُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ) بفتح الموحدة المشدَّدة.
(﴿ثُلَّةٌ﴾) أي: (أُمَّةٌ) ﴿مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأممِ الماضيةِ من لدُن آدم إلى محمَّد ﵊، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] ممَّن آمن بمحمَّد ﷺ، جعلنَا الله منهم بكرمهِ. قال في «الأنوار»: ولا يخالفُ ذلك قوله ﵊: «إنَّ أُمَّتي يكثرونَ سائِرَ الأممِ»؛ لجوازِ أن يكون سابقُو سائر (٣) الأممِ أكثر من سَابقي هذه الأمَّة، وتابعو هذه أكثر من تابعِيهم.
(﴿يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]) أي: (دُخَانٍ أَسْوَدَ) بالجرِّ، ولأبي ذرٍّ: «يَحمُومٌ: دخانٌ أسودُ» برفع يَحْمُوم وتاليَيهِ، وقيل: اليحمومُ: وادٍ في جهنَّم.
(﴿يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦]) أي: (يُدِيمُونَ) ﴿عَلَى الْحِنثِ﴾ أي: الذَّنب العظيمِ.
(ذوأأة) في قولهِ تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] هي (الإِبِلُ الظِّمَاءُ) الَّتي لا تُروى من داءٍ معطِّشٍ أصابها، قال ذو الرِّمَّة:
فَأَصْبَحْتُ كَالهَيْمَاءِ لَا المَاءُ مُبْرِدٌ (١) … صَدَاهَا وَلَا يَقْضِي عَلَيْهَا هُيَامُهَا
وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.
(﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦]) أي: (لَمُلْزَمُونَ) غرامةَ ما أنفقنَا (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لملُومُون».
(رَوْحٌ) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] أي: (جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ) وقيل: معناه: فلهُ راحةٌ، وهو تفسيرٌ باللازم، وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ (٣).
(﴿وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩]) ولأبي ذرٍّ: «الرَّيحانُ» (الرِّزْقُ) يقال: خرجتُ أطلبُ ريحانَ الله، أي: رِزقَه، وقال الورَّاقُ: الرَّوحُ: النَّجاةُ من النَّارِ، والرَّيحانُ: دخولُ الجنَّةِ دار القرارِ.
((وَنَنْشَأَكُمْ)) بفتح النون الأولى والشين، ولأبي ذرٍّ: «﴿وَنُنشِئَكُمْ﴾» بضم ثمَّ كسر موافقة للتلاوة، وزاد: «﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]» أي: (فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ) وقال الحسنُ البصريُّ (٤): أي: نجعلكُم (٥) قردةً وخنازيرَ كما فعلنا بأقوامٍ قبلكُم، أو نبعثكُم على غيرِ صورِكُم في الدُّنيا، فيُجمَّلُ المؤمنُ ويقبَّحُ الكافرُ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]) أي: (تَعْجَبُونَ) ممَّا (٦) نزلَ بكم في زرعِكُم. قاله الفرَّاء، وقيل: تندمُون، وحقيقتهُ: تُلْقُون الفُكاهةَ عن أنفُسكم من الحزنِ، فهو
من باب تحرَّج وتأثَّم، ولأبي ذرٍّ: «تعَجَّبون» بفتح العين وتشديد الجيم.
(﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] مُثَقَّلَةً) بتشديد القاف، وضم الرَّاء من ﴿عُرُبًا﴾ (١) (وَاحِدُهَا عَرُوبٌ؛ مِثْلُ: صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا (٢) أَهْلُ مَكَّةَ العَرِبَةَ) بفتح العين وكسر الراء (وَأَهْلُ المَدِينَةِ الغَنِجَةَ) بفتح الغين المعجمة وكسر النون (وَأَهْلُ العِرَاقِ الشَّكِلَةَ) بفتح المعجمة وكسر الكاف، وهذا كلُّه ساقط لأبي ذرٍّ، وقرأ حَمزة وشُعبة بسكونها، وهو كرُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش.
(وَقَالَ) غير مجاهدٍ (فِي) قوله تعالى: (﴿خَافِضَةٌ﴾ [الواقعة: ٣]) أي: هي خافضة (لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ) ولأبي ذرٍّ: «بِقومٍ» بالموحدة بدل اللام (وَ ﴿رَّافِعَةٌ﴾) بآخرين (إِلَى الجَنَّةِ) وحذف المفعول من الثَّاني لدَلالة السَّابق عليه، أو هي ذات خفضٍ ورفعٍ.
(﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥]) أي: (مَنْسُوجَةٍ) أصله من وضنْتُ الشَّيء، أي: ركَّبتُ بعضَهُ على بعضٍ (وَمِنْهُ: وَضِينُ النَّاقَةِ) وهو حِزامها لتراكُبِ طاقاتهِ، وقيل: ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ أي: منسوجةٍ بقضبانِ الذَّهب، مشبَّكة بالدُّرِّ والياقوتِ.
(وَالكُوبُ) في قولهِ تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] إناءٌ بقضبانِ الذَّهبِ والفضَّةِ (٣) (لَا آذَانَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ) وقوله: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَطُوفُ﴾ (وَالأَبَارِيقُ ذَوَاتُ الآذَانِ وَالعُرَى) وهو جمع: إبريقٍ؛ وهو من آنيةِ الخمرِ، سمِّي بذلك لبريقِ لونهِ من صفائهِ.
(﴿مَّسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١]) أي: (جَارٍ) لا ينقطعُ، وسقطَ من قوله: «﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.
(﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]) أي: (بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) وفي التِّرمذيِّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا قال: «ارتِفَاعُها كمَا بينَ السَّماءِ والأرضِ، ومسيرةُ ما بينِهِما خمس مئة عامٍ».
(﴿مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أي: مُتَمَتِّعِينَ) بالحرامِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مُتَمتَّعين» بفوقية بين الميمين وفتح التاء المشددة، كذا في «فرعِ اليونينية» من التَّمتع، وفي فرع آخر: «مُمتَّعين» بميمين (١)، بعدهما فوقية مشدَّدة مفتوحة من الإمتاعِ (٢)، وفي نسخة: «مُتنعِّمِين» بفوقية قبل النون وبعد العين ميم، من التَّنعُّم.
(﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]) أي: (مُحَاسِبِينَ) ومنه: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مُحاسبون أو مجزيُّون، وسقط هذا (٣) لغير أبي ذرٍّ.
(﴿مَّا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] هِيَ النُّطْفَةُ) والمعنى: ما تصبُّونه من المنيِّ، ولأبي ذرٍّ: «من النُّطفِ» يعني (٤): (فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ) أي: أأنتم تصوِّرونَ منه الإنسانَ أم نحن المصوِّرون؟
(﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]) أي: (لِلْمُسَافِرِينَ، وَالقِيُّ) بكسر القاف (القَفْرُ) الَّتي لا شيء فيها، وسقطَ «﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]) أي: (بِمُحْكَمِ القُرْآنِ) ويؤيِّده ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] و ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]. (وَيُقَالُ: بِمَسْقِطِ النُّجُومِ إِذَا سَقَطْنَ) بكسر قاف «بمسقِطِ» أي:
مغاربِ (١) النُّجومِ السَّمائيَّةِ إذا غربنَ. قال في «الأنوار»: وتخصيصُ المغاربِ لما في غُروبِها من زوالِ أثرِها، والدَّلالة على وجودِ مؤثِّرٍ لا يزولُ تأثيرهُ (وَمَوَاقِعُ وَمَوْقِعٌ) الجمع والمفردُ (وَاحِدٌ) فيما (٢) يستفادُ منهما؛ لأنَّ الجمعَ المضاف والمفرد المضاف كلاهما عامَّان بلا تفاوتٍ على الصَّحيح، وبالإفراد قرأ حمزة والكسائيُّ.
(﴿مُّدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١]) أي: (مُكَذِّبُونَ) قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيره، وقيل: مُتهاونُون، كمن يدهن (٣) في الأمرِ، أي: يلينُ جانبه ولا يتصلَّب فيه تهاونًا به (مِثْلُ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]) يكذِّبون.
(﴿فَسَلَامٌ لَّكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أَيْ: مُسَلَّمٌ) بتشديد اللام، ولأبي ذرٍّ: «فَسِلْمٌ» بفاء بدل الميم وكسر السين وسكون اللام (لَكَ) أي: (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ، وَأُلْغِيَتْ) تُرِكَت (٤) (إِنَّ) من قوله: إنَّك (وَهْوَ مَعْنَاهَا) وإن أُلغِيت (كَمَا تَقُولُ) لرجلٍ: (أَنْتَ مُصَدَّقٌ) بفتح الدال المشددة (مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ) أي: أنت مصدَّق أنَّك مسافرٌ عن قليلٍ، فتحذف لفظ «أنَّ» (إِذَا كَانَ) الَّذي قلت له ذلك (قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ) وفي نسخة: «عن قريبٍ» بدل: «قليل» (وَقَدْ يَكُونُ) لفظ السَّلام (كالدُّعَاءِ لَهُ) للمخاطَب من أصحابِ اليمين (كَقَوْلِكَ: فَسَقْيًا مِنَ الرِّجَالِ) بفتح السين، نصب، أي: سقاكَ اللهُ سقيًا (إِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ؛ فَهْوَ مِنَ الدُّعَاءِ) وإن نصبتَ؛ لا يكون دعاءً، ولم يقرأ به أحدٌ.
(﴿تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]) أي: (تَسْتَخْرِجُونَ) من (أَوْرَيْتُ أَوْقَدْتُ) يقال: أوريتُ الزِّندَ؛ إذا (٥) قدحتَهُ فاستخرجتَ ناره.
(﴿لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥]) أي: (بَاطِلًا) ولا (﴿تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]) أي: (كَذِبًا) رواه ابنُ عبَّاسٍ فيما ذكره ابنُ أبي حاتمٍ. وسقطَ قوله: «﴿تُورُونَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَقُول: لآخذنك على غرتك، أَي: على غَفلَة مِنْك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله: {سنفرغ لكم} (الرَّحْمَن: ١٣) هَذَا وَعِيد وتهديد من الله عز وَجل، كَقَوْل الْقَائِل: لأتفرغن لَك، وَمَا بِهِ شغل قَالَه ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَمِنْ دُونِهِما جَنَتَّانِ} (الرَّحْمَن: ٢٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن دونهمَا جنتان} وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب وَلم يذكر بَاب قَوْله إِلَّا لأبي ذَر.
٢ - (بابٌ: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخيام} (الرَّحْمَن: ٢٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {حور مقصورات} الْحور جمع: حوراء وَهِي الشَّدِيدَة الْبيَاض الْعين الشَّدِيدَة سوادها. قَوْله: (مقصورات) ، محبوسات مستورات. (فِي الْخيام) خيمة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي الْخيام أَي: الحجال، يُقَال: امْرَأَة قَصِيرَة وقصورة ومقصورة إِذا كَانَت مخدرة، وَعَن مُجَاهِد يَعْنِي: قصرهن على أَزوَاجهنَّ فَلَا يبغين بهم بَدَلا.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: حُورٌ صُردُ الْحَدَقِ
الحدق جمع حدقة الْعين، وَرَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن الْفضل بن يَعْقُوب الرخامي حَدثنَا الْحجَّاج بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس بِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَقْصُوَراتٌ مَحْبُوسَاتٌ قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأنْفُسُهُنَّ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ قَاصِرَاتٌ لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أزْوَاجِهِنَّ.
رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا بن يمَان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد.
٩٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصَمَدِ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ الْجُونِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُها سِتُّونَ مِيلاً فِي كُلِّ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْها أهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ حدَّثنا جَنَتانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَتَانِ مِنْ كَذا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلَى رَبِّهِمْ إلَاّ رداءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقد مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حجاج بن منهال عَن همام عَن أبي عمرَان الْجونِي الخ وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن نصر بن عَليّ وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة الْجنَّة وَالنَّسَائِيّ فِي النعوت، وَابْن مَاجَه فِي السّنة كلهم عَن بنْدَار.
قَوْله: (مجوفة) ، أَي: ذَات جَوف وَاسع. قَوْله: (سِتُّونَ ميلًا) ، الْميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. قَوْله: (فِي كل زَاوِيَة مِنْهَا أهل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أهل لِلْمُؤمنِ. قَوْله: (مَا يرَوْنَ الآخرين) ، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي الْآخرُونَ، وَالتَّقْدِير: يرونهم الْآخرُونَ. نَحْو: أكلوني البراغيت، يطوف عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ. قَالَ الدمياطي: صَوَابه الْمُؤمن بِالْإِفْرَادِ. وَأجِيب: يجوز أَن يكون من مُقَابلَة الْمَجْمُوع بالمجموع. قَوْله: (إلاّ رِدَاء الْكبر) ، قيل: هَذَا يشْعر بِأَن رُؤْيَة الله تَعَالَى غير وَاقعَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدمهَا فِي جنَّة عدن أَو فِي ذَلِك الْوَقْت عدمهَا مُطلقًا.
٦٥ - ( {سُورَةُ الْوَاقِعَةِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْوَاقِعَة. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة وَاخْتلف فِي {وَأَصْحَاب الْيَمين} (الْوَاقِعَة: ٧٢) وَفِي: {أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون} (الْوَاقِعَة: ١٨) وَالْأولَى نزلت فِي أهل الطَّائِف وإسلامهم بعد الْفَتْح وحنين، وَالثَّانيَِة نزلت فِي دُعَائِهِ بالسقيا. فَقيل: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا، فَنزلت {وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون} وَكَانَ عَليّ يقْرؤهَا: وتجعلون شكركم، وَهِي ألف وَسَبْعمائة وَثَلَاثَة أحرف، وثلاثمائة وثمان وَسَبْعُونَ كلمة. وست وَتسْعُونَ آيَة، وَالْمرَاد بالواقعة: الْقِيَامَة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا رجت الأَرْض رجا} (الْوَاقِعَة: ٤) وَفَسرهُ بقوله: (زلزلت) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: رجفت وتحركت تحريكا من قَوْلهم: السهْم يرتج فِي الْغَرَض. أَي: يَهْتَز ويضطرب وأصل الرج فِي اللُّغَة التحريك، يُقَال: رجحته فارتج، فَإِن ضاعفته قلت: رجرجته فترجرج.
بُسَّتْ فُتَّتْ ولُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وبست الْجبَال} (الْوَاقِعَة: ٥) وَفَسرهُ بقوله: (فتت) وَهُوَ أَيْضا تَفْسِير مُجَاهِد، وَكَذَلِكَ: (لتت) تَفْسِير مُجَاهِد، وَيُقَال: بست ولتت بِمَعْنى وَاحِد أَي: صَارَت كالدقيق المبسوس، وَهُوَ المبلول: والبسيسة عِنْد الْعَرَب الدَّقِيق والسويق بلت ويتخذ زادا، وَعَن عَطاء: بست أذهبت ذَهَابًا وَعَن ابْن الْمسيب: كسرت كسرا. وَعَن الْحسن: قلعت من أَصْلهَا فَذَهَبت بَعْدَمَا كَانَت صخورا صمًّا، وَعَن عَطِيَّة تبسط بسطا كالرمل وَالتُّرَاب.
المَخْضُودُ: المُوقَرُ حَمْلاً وَيُقَالُ أيْضا: لَا شَرْكَ لَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي سدر مخضود} (الْوَاقِعَة: ٤٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (الموقر حملا) بِفَتْح الْقَاف والحاء هَذَا تَفْسِير الْأَكْثَرين. قَوْله: (وَيُقَال أَيْضا: لَا شوك لَهُ) لأبي ذَر، والخضد فِي الأَصْل الْقطع كَأَنَّهُ خضد شوكه أَي: قطع وَنزع، وَعَن الْحسن: لَا يعقر إلايدي. وَعَن ابْن كيسَان: هُوَ الَّذِي لَا أَذَى فِيهِ، وَعَن الضَّحَّاك: نظر الْمُسلمُونَ إِلَى وَج وَهُوَ وَاد فِي الطَّائِف مخصب فَأَعْجَبَهُمْ سدرها. قَالُوا: يَا لَيْت لنا مثلهَا. فَأنْزل الله عز وَجل هَذِه الْآيَة.
مَنْضُودٍ المَوْزُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وطلح منضود} (الْوَاقِعَة: ٩٢) وَلم يثبت هَذَا هُنَا لأبي ذَر، وَفَسرهُ بالموز، والطلح جمع طَلْحَة قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين وَعَن الْحسن، لَيْسَ هُوَ بموز وَلكنه شجر لَهُ ظلّ بَارِد طيب، وَعَن الْفراء وَأبي عُبَيْدَة: الطلح عِنْد الْعَرَب شجر عِظَام لَهَا شوك. والمنضود: المتراكم الَّذِي قد نضده الْحمل من أَوله إِلَى آخِره لَيست لَهُ سوق بارزة، وَفِي (الْمغرب) النضد ضم الْمَتَاع بعضه إِلَى بعض منسقا أَو مركوما. من بَاب ضرب.
وَالعُرُبُ المُحَبَّباتُ إلَى أزْوَاجِهِنَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فجعلناهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا} (الْوَاقِعَة: ٦٣، ٧٣) وفسرها: بالمحببات جمع المحببة اسْم مفعول من الْحبّ، وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره: حَدثنَا ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (عربا أَتْرَابًا) قَالَ: هِيَ المحببة إِلَى زَوجهَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عربا عواشق مُتَحَببَات إِلَى أَزوَاجهنَّ، قَالَه الْحسن وَمُجاهد وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير وَرِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْعرب جمع عرُوبَة وَأهل مَكَّة يسمونها العربة بِكَسْر الرَّاء، وَأهل الْمَدِينَة الغنجة، بِكَسْر النُّون. وَأهل الْعرَاق: الشكلة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْكَاف، وَقد مر هَذَا فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي صفة الْجنَّة، والأتراب المستويات فِي السن وَهُوَ جمع ترب بِكَسْر التَّاء وَسُكُون الرَّاء يُقَال: هَذِه ترب هَذِه أَي: لدتها.
ثُلةٌ أُمةٌ
أَي: معنى قَوْله تَعَالَى: {ثلة من الْأَوَّلين} (الْوَاقِعَة: ٩٣) أمة. وَقيل: فرقة.
يَحْمُومٌ دُخَانٌ أسْوَدُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وظل من يحموم} (الْوَاقِعَة: ٣٤) وَفَسرهُ بِدُخَان أسود لِأَن الْعَرَب تَقول للشَّيْء الْأسود يحموما.
يُصِرُّونَ يُدِعُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم} (الْوَاقِعَة: ٦٤) وَفَسرهُ بقوله: (يديمون) والحنث الْعَظِيم، الذَّنب الْكَبِير وَهُوَ الشّرك، وَعَن أبي بكر الْأَصَم: كَانُوا يقسمون أَن لَا بعث وَأَن الْأَصْنَام أنداد الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَكَانُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ فَلذَلِك حنثهم.
الْهِيمُ الإبِلُ الظَّمَاءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فشاربون شرب الهيم} (الْوَاقِعَة: ٥٥) وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. والهيم جمع هيماء يُقَال جمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم. أَي: عطاش، وَعَن قَتَادَة، هُوَ دَاء بِالْإِبِلِ لَا تروى مَعَه وَلَا تزَال تشرب حَتَّى تهْلك، وَيُقَال لذَلِك الدَّاء: الهيام، والظماء بالظاء الْمُعْجَمَة جمع ظمآن والظماء الْعَطش. قَالَ تَعَالَى: {لَا يصيبهم ظمأ} (التَّوْبَة: ٠٢١) وَالِاسْم الظمىء بِالْكَسْرِ، وَقوم ظماء أَي عطاش، والظمآن العطشان.
لَمُغْرَمُونَ: لَمُلْزَمُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا لمغرمون بل نَحن محرومون} (الْوَاقِعَة: ٦٦، ٧٦) وَفَسرهُ بقوله: (لملزمون) اسْم مفعول من الْإِلْزَام، وَاللَّام للتَّأْكِيد، وَعَن ابْن عَبَّاس. وَقَتَادَة: لمعذبون. من الغرام وَهُوَ الْعَذَاب، وَعَن مُجَاهِد: ملقون للشر، وَعَن مقَاتل: مهلكون وَعَن مرّة الْهَمدَانِي محاسبون.
مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين} (الْوَاقِعَة: ٦٨) أَي: غير محاسبين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: غير مربوبين من دَان السُّلْطَان رَعيته إِذْ ساسهم، وَجَوَاب: لَوْلَا قَوْله: ترجمونها. أَي: تردون نفس هَذَا الْمَيِّت إِلَى جسده إِذا بلغت الْحُلْقُوم إِن كُنْتُم صَادِقين.
رَوْحٌ جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ وَرَيْحَانٌ الرِّزْقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم} (الْوَاقِعَة: ٨٨، ٩٨) وَسقط هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن ابْن زيد: روح عِنْد الْمَوْت وَرَيْحَان يجنى لَهُ فِي الْآخِرَة، وَعَن الْحسن، أَن روحه تخرج فِي الريحان، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: فَروح أَي رَاحَة وَرَيْحَان مستراح، وَعَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير: الريحان رزق، وَقد مر هَذَا عَن قريب.
وَنَنَشْأكُمْ فِي أيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ} (الْوَاقِعَة: ١٦) أَي: نوجدكم فِي أَي خلق نشَاء فِيمَا لَا تعلمُونَ من الصُّور.
وَقَالَ غَيْرُهُ تَفَكَّهُونَ تَعَجَبُونَ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَو نشَاء لجعلناه حطاما فظللتم تفكهون} (الْوَاقِعَة: ٥٦) وَفَسرهُ بقوله: (تعْجبُونَ) وَكَذَا فسره قَتَادَة. وَعَن عِكْرِمَة: تلامون، وَعَن الْحسن: تَنْدمُونَ، وَعَن ابْن كيسَان: تَحْزَنُونَ. قَالَ: وَهُوَ من الأضداد تَقول الْعَرَب: تفكهت أَي: تنعمت وتفكهت أَي: حزنت، وَقيل: التفكه التَّكَلُّم فِيمَا لَا يَعْنِيك، وَمِنْه قيل للمزاح: فاكه.
عُرُبا مُثَقَّلَةً وَاحِدُها عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ يُسَمِّيها أهْلُ مَكَّةَ العَرَبَةَ وَأهْلُ المَدِينَةِ الضَجَةَ وَأهْلُ العِرَاقِ الشَّكِلَةَ.
هَذَا كُله لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ مُكَرر لِأَنَّهُ مضى فِي صفة الْجنَّة. وَهنا أَيْضا تقدم وَهُوَ قَوْله: وَالْعرب المحببات إِلَى أَزوَاجهنَّ، وَقد ذَكرْنَاهُ نَحن أَيْضا عَن قريب.
وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إلَى النَّارِ وَرَافِعَةً إلَى الجَنَّةِ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة خافضة رَافِعَة} (الْوَاقِعَة: ١، ٣) أَي: الْقِيَامَة أَي: يَوْم الْقِيَامَة تخْفض قوما إِلَى النَّار وترفع آخَرين إِلَى الْجنَّة. وَعَن عَطاء: خفضت قوما بِالْعَدْلِ وَرفعت قوما بِالْفَضْلِ.
مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ. وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {على سرر موضونة} (الْوَاقِعَة: ٥١) أَي: منسوجة وَلم يثبت هَذَا إلاّ لأبي ذَر، وَقد تقدم فِي صفة الْجنَّة. قَوْله: (موضونة) ، مرمولة مشبكة بِالذَّهَب وبالجواهر قد أَدخل بَعْضهَا فِي بعض مضاعفة كَمَا يوضن حلق الدرْع. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن هَذَا الْبَاب (وضين النَّاقة) وَهُوَ بطان منسوج بعضه على بعض يشد بِهِ الرجل على الْبَعِير كالحزام للسرج.
وَالكُوبُ: لَا آذَانَ لَهُ وَلا عُرْوَةَ. وَالأبَارِيقُ: ذَوَاتُ الآذَانِ وَالعُرَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {بأكواب وأباريق} (الْوَاقِعَة: ٨١) وَتَفْسِيره ظَاهر، والأكواب جمع كوب، والأباريق جمع إبريق سمي بذلك لبريق لَونه.
مَسْكُوب: جارٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَماءٍ مسكوب} (الْوَاقِعَة: ١٣) أَي: جَار، وَفِي التَّفْسِير: مَنْصُوب يجْرِي دَائِما فِي غير أخدُود وَلَا مُنْقَطع.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعَة على الأسرة، وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ: لَو طرح فرَاش من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا لم يسْتَقرّ فِي الأَرْض إلَاّ بعد سبعين خَرِيفًا.
مُتْرَفِينَ: مُتَنَعِّمِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك مترفين} (الْوَاقِعَة: ٥٤) وَفَسرهُ بقوله: منتعمين، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بتاء مثناة من فَوق بعْدهَا نون من التنعم وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ممتعين، بميمين بعدهمَا تَاء. قَالَ بَعضهم: من التَّمَتُّع وَهُوَ غلط بل هُوَ من الإمتاع. يُقَال: أمتعت بالشَّيْء. أَي: تمتعت بِهِ، قَالَه أَبُو زيد، وَإِنَّمَا يُقَال من التَّمَتُّع إِن لَو كَانَت الرِّوَايَة متمتعين.
مَا تُمْنُونَ: هِيَ النُّطْفَةُ فِي أرْحَامِ النِّسَاءِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلفونه أم نَحن الخالفون} (الْوَاقِعَة: ٨٥، ٩٥) وَفسّر قَوْله: (مَا تمنون) بقوله: (النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام) لِأَن مَا تمنون هِيَ النُّطْفَة الَّتِي تصب فِي الْأَرْحَام وَهُوَ من أمنى يمني إمناء، وقرىء بِفَتْح التَّاء من منى يمني، وَقَالَ الْفراء: يَعْنِي النطف إِذا قذفت فِي الْأَرْحَام أأنتم تخلقون تِلْكَ النطف أم نَحن.
لِلْمُقوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ وَالْقِيُّ القفرُ
وَهَذَا لم يثبت لأبي ذَر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {نَحن جعلناها تذكره ومتاعا للمقوين} (الْوَاقِعَة: ٣٧) وَفسّر المقوين بالمسافرين وَهُوَ
من أقوى إِذا دخل فِي أَرض القي فَألْقى، والقواء القفر الخالية الْبَعِيدَة من الْعمرَان والأهلين، وَيُقَال: أقوت الدَّار إِذا خلت من سكانها، وَقَالَ مُجَاهِد: للمقوين للمستمتعين بهَا من النَّاس أَجْمَعِينَ الْمُسَافِرين والحاضرين يستضيئون بهَا فِي الظلمَة ويصطلون بهَا فِي الْبرد وينتفعون بهَا فِي الطَّبْخ وَالْخبْز ويتذكرون بهَا نَار جَهَنَّم ويستجيرون الله مِنْهَا. وَقَالَ قطرب: المقوى من الأضداد يكون بِمَعْنى الْفَقِير وَيكون بِمَعْنى الْغَنِيّ. يُقَال: أقوى الرجل إِذا قويت دوابه وَإِذا أَكثر مَاله.
بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: بِمُحْكَمِ القُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقَطِ النُّجُومِ إذَا سَقَطْنَ، ومَوَاقِعُ وَمَوْقِعٌ وَاحِدٌ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم} (الْوَاقِعَة: ٥٧) وَفَسرهُ بشيئين أَحدهمَا قَوْله: (بمحكم الْقُرْآن) وَقَالَ الْفراء: حَدثنَا فُضَيْل ابْن عَبَّاس عَن مَنْصُور عَن الْمنْهَال بن عَمْرو. وَقَالَ: قَرَأَ عبد الله (فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم) قَالَ: بمحكم الْقُرْآن، وَكَانَ ينزل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نجوما وبقراءته قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَخلف، وَالْآخر بقوله: (ومسقط النُّجُوم إِذا سقطن) ومساقط النُّجُوم مغْرِبهَا، وَعَن الْحسن: انكدارها وانتشارها يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: منازلها. قَوْله: (فَلَا أقسم) ، قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين مَعْنَاهُ: أقسم، وَلَا نسلة وَقَالَ بعض أهل الْعَرَبيَّة، مَعْنَاهُ فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا تَقولُونَ: ثمَّ اسْتَأْنف الْقسم. فَقَالَ: أقسم قَوْله: (ومواقع وموقع وَاحِد) لَيْسَ قَوْله: (وَاحِد) بِالنّظرِ إِلَى اللَّفْظ وَلَا بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى، وَلَكِن بِاعْتِبَار أَن مَا يُسْتَفَاد مِنْهُمَا وَاحِد، لِأَن الْجمع الْمُضَاف والمفرد الْمُضَاف كِلَاهُمَا عامان بِلَا تفَاوت على الصَّحِيح، قَالَ الْكرْمَانِي: إِضَافَته إِلَى الْجمع تَسْتَلْزِم تعدده. كَمَا يُقَال: قلب الْقَوْم وَالْمرَاد قُلُوبهم.
مُدْهِنُونَ: مُكذِّبُونَ، مِثْلُ: لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون} (الْوَاقِعَة: ٧٨) أَي: مكذبون، وَكَذَا فسره الْفراء هُنَا وَقَالَ فِي قَوْله: لَو تدهن فيدهنون. أَي: تكفر لَو يكفرون، يُقَال: قد ادهن أَي: كفر. قَوْله: (أفبهذا الحَدِيث) يَعْنِي: الْقُرْآن (مدهنون) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: كافرون، وَعَن ابْن كيسَان: المدهن الَّذِي لم يفعل مَا يحِق عَلَيْهِ ويدفعه بِالْمَالِ، وَعَن المؤرخ المدهن: الْمُنَافِق الَّذِي يلين جَانِبه ليخفي كفره، وادهن وداهن وَاحِد وَأَصله من الدّهن.
فَسَلامٌ لَكَ. أيْ مُسَلَّمٌ لَكَ إنَّكَ مِنْ أصْحَابِ اليَمِينِ وَأُلْغِيَتْ إنَّ وَهُوَ مَعْناها كَما تَقُولُ أنْتَ مُصَدَّقٌ مُسافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ إذَا كَانَ قَدْ قَالَ إنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعاءِ لهُ كَقَوْلِكَ فَسَقْيا مِنَ الرِّجالِ إنْ رَفَعْتَ السَّلامَ فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين} (الْوَاقِعَة: ٠٩، ١٩) وَأَشَارَ إِلَى أَن كلمة: أَن، فِيهِ محذوفة وَهُوَ قَوْله: {أَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين} . قَوْله: (وألغيت: إِن) بالغين الْمُعْجَمَة من الإلغاء، وروى: وألقيت بِالْقَافِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَهُوَ مَعْنَاهَا) أَرَادَ بِهِ أَن كلمة: إِن، وَإِن حذفت فمعناها مُرَاد. قَوْله: (كَمَا تَقول) إِلَى قَوْله: (عَن قَلِيل) ، تَمْثِيل لما ذكره أَي: كَقَوْلِك لمن قَالَ إِنِّي مُسَافر عَن قريب أَنْت مُصدق مُسَافر عَن قَلِيل أَي أَنْت مُصدق إِنَّك مُسَافر عَن قَلِيل، فَحذف لفظ: إِن، هُنَا أَيْضا، وَلَكِن مَعْنَاهَا مُرَاد قَوْله: (وَقد يكون) ، أَي: لفظ سَلام. (كالدعاء لَهُ) أَي: لمن خاطبه من أَصْحَاب الْيَمين، يَعْنِي: الدُّعَاء لَهُ مِنْهُم كَقَوْلِك، فسقيا لَك من أَصْحَاب الْيَمين، وانتصاب: سقيا على أَنه مصدر لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: سقاك الله سقيا، وَأما رفع السَّلَام فعلى الِابْتِدَاء. وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء وَهُوَ من المخصصات وَمَعْنَاهُ: سلمت سَلاما ثمَّ حذف الْفِعْل وَرفع الْمصدر. وَقيل: تَعْرِيف الْمصدر وتنكيره سَوَاء لشُمُوله فَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْعُمُوم، وَقَالَ: الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ سَلام لَك يَا صَاحب الْيَمين من إخوانك أَصْحَاب الْيَمين، أَي: يسلمُونَ عَلَيْك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فسلام لَك رفع على معنى: فلك سَلام أَي: سَلامَة لَك يَا مُحَمَّد مِنْهُم فَلَا تهتم لَهُم، فَإِنَّهُم سلمُوا من عَذَاب الله تَعَالَى، وَقَالَ الْفراء: مُسلم لَك أَنهم من أَصْحَاب الْيَمين، وَيُقَال: لصَاحب الْيَمين إِنَّه مُسلم لَك أَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين، وَقيل: سَلام عَلَيْك من أَصْحَاب الْيَمين. قَوْله: (إِن رفعت السَّلَام) قيل: لم يقرأه أحد بِالنّصب فَلَا معنى لقَوْله: إِن رفعت، وَأجِيب بِأَن: سقيا بِالنّصب يكون دُعَاء، بِخِلَاف السَّلَام فَإِنَّهُ بِالرَّفْع دُعَاء وَبِالنَّصبِ لَا يكون دُعَاء.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
[الحديث ٤٨٧٨ - طرفاه في: ٤٨٨٠، ٧٤٤٤]
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: الْمُرَادُ بِالدُّونِ هُنَا الْقُرْبُ، أَيْ وَقُرْبُهُمَا جَنَّتَانِ أَيْ: هُمَا أَدْنَى إِلَى الْعَرْشِ وَأَقْرَبُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى دُونِهِمَا بِقُرْبِهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَفْضِيلٌ. وَذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ بَعْدَهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِلتَّابِعِينَ. وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ (الْعَمِّيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: جِنَانُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ .. إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ .. إِلَخْ) يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْقَوْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَائِنِينَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
٢ - بَاب ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُورُ سُّودُ الْحَدَقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَاصِرَاتٌ لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ.
٤٨٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُونَ.
٤٨٨٠ - وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ كَذَا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أَيْ مَحْبُوسَاتٌ، وَمِنْ ثَمَّ سَمُّوا الْبَيْتَ الْكَبِيرَ قَصْرًا لِأَنَّهُ يُحْبَسُ مَنْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُورٌ سُودُ الْحِدَقِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَوَرُ سَوَادُ الْحَدَقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ: مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرن طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَاصِرَاتٌ: لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ) أَيِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ ﴿فِي الْخِيَامِ﴾، وَالْخِيَامُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ صِفَتُهَا.
قَوْلُهُ: (مُجَوَّفَةٌ) أَيْ وَاسِعَةُ الْجَوْفِ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْلٌ
لِلْمُؤْمِنِ.
قَوْلُهُ: (سِتُّونَ مِيلًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْخَيْمَةُ مِيلٌ فِي مِيلٍ، وَالْمِيلُ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ.
قَوْلُهُ: (يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: صَوَابُهُ الْمُؤْمِنُ بِالْإِفْرَادِ وَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا لِلْمُؤْمِنِ، أَوْ هُوَ مِنْ صَنِيعِ الرَّاوِي. وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَنَّتَانِ .. إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
٥٦ - سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ. بُسَّتْ: فَتَّتْ وَلُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ. الْمَخْضُودِ: لَا شَوْكَ لَهُ. مَنْضُودٍ: الْمَوْزُ. وَالْعُرُبُ: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ. ثُلَّةٌ: أُمَّةٌ. يَحْمُومٍ: دُخَانٌ أَسْوَدُ. يُصِرُّونَ: يُدِيمُونَ. الْهِيمُ: الْإِبِلُ الظِّمَاءُ. لَمُغْرَمُونَ: لَمُلْزَمُونَ. مَدِينِينَ: مُحَاسَبِينَ. رَوْحٌ: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَرَيْحَانٌ: الرِّزْقُ. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَفَكَّهُونَ: تَعْجَبُونَ. عُرُبًا: مُثْقَلَةً، وَاحِدُهَا عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّةَ الْعَرِبَةَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْغَنِجَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ الشَّكِلَةَ، وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ: لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، وَرَافِعَةٌ: إِلَى الْجَنَّةِ. مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ. وَالْكُوبُ: لَا آذَانَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ، وَالْأَبَارِيقُ: ذَوَاتُ الْآذَانِ وَالْعُرَى. مَسْكُوبٌ: جَارٍ. ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. مُتْرَفِينَ: مُتمَتِّعِينَ. ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ هِيَ النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقَطِ النُّجُومِ إِذَا سَقَطْنَ، وَمَوَاقِعُ وَمَوْقِعُ وَاحِدٌ. مُدْهِنُونَ: مُكَذِّبُونَ، مِثْلُ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسَلَّمٌ لَكَ. إِنَّكَ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، وَأُلْغِيَتْ (إِنَّ وَهُوَ مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدِّقٌ وَمُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَسَقْيًا مِنَ الرِّجَالِ إِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ، فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ، تُورُونَ: تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ أَوْقَدْتُ. لَغْوًا: بَاطِلًا. تَأْثِيمًا: كَذِبًا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْوَاقِعَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَاقِعَةِ الْقِيَامَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (بُسَّتْ: فُتَّتْ وَلُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بُسَّتْ كَالسَّوِيقِ الْمَبْسُوسِ بِالْمَاءِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لُتَّتْ لَتًّا، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُتَّتْ فَتًّا.
قَوْلُهُ: (الْمَخْضُودُ: لَا شَوْكَ لَهُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: الْمَخْضُودُ: الْمُوقَرُ حَمْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا .. إِلَخْ. تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مَنْضُودٍ: الْمَوْزُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ
تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْعُرُبُ: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَ: هِيَ الْمُحَبَّبَةُ إِلَى زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ: (ثُلَّةٌ: أُمَّةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الثُّلَّةُ: الْجَمَاعَةُ، وَالثُّلَّةُ: الْبَقِيَّةُ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ فِي قَوْلِهِ: (ثُلَّةٌ) قَالَ: كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: (يَحْمُومٍ: دُخَانٌ أَسْوَدُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ: مِنْ شِدَّةِ سَوَادِهِ، يُقَالُ: أَسْوَدُ يَحْمُومٌ فَهُوَ وَزْنُ يَفْعُولٍ مِنَ الْحَمَمِ.
قَوْلُهُ: (يُصِرُّونَ يُدِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا لَكِنْ لَفْظُهُ يُدْمِنُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا مِيمٌ ثُمَّ نُونٌ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: يُقِيمُونَ.
قَوْلُهُ: (الْهِيمُ: الْإِبِلُ الظِّمَاءُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (لَمُغْرَمُونَ لَمُلْزَمُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: مُلْقُونَ لِلشَّرِّ.
قَوْلُهُ: (مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (رَوْحٌ: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ) سَقَطَ هنا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَيْحَانٌ: الرِّزْقُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الرَّحْمَنِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَفَكَّهُونَ: تَعْجَبُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أَيْ: تَتَعَجَّبُونَ. مِمَّا نَزَلَ بِكُمْ فِي زَرْعِكُمْ، قَالَ: وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ تَنْدَمُونَ.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ شِبْهُ الْمُتَنَدِّمِ.
قُلْتُ: تَفَكَّهَ بِوَزْنِ تَفَعَّلَ وَهُوَ كَتَأَثَّمَ أَيْ أَلْقَى الْإِثْمَ، فَمَعْنَى تَفَكَّهَ أَيْ أَلْقَى عَنْهُ الْفَاكِهَةَ، وَهُوَ حَالٌ مَنْ دَخَلَ فِي النَّدَمِ وَالْحُزْنِ.
قَوْلُهُ: (عُرُبًا: مُثْقَلَةً وَاحِدُهَا عَرُوبٌ إِلَى قَوْلِهِ الشَّكِلَةُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَسَقَطَ ﴿فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْكُوبُ .. إِلَخْ. وَكَذَا قَوْلُهُ: مَسْكُوبٍ: جَارٍ) سَقَطَ كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ وَرَافِعَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى الْجَنَّةِ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قَالَ: خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، رَافِعَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى الْجَنَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَرَفَعَتْ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُنْخَفِضِينَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قَالَ: شَمِلَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، حَتَّى خَفَضَتْ أَقْوَامًا فِي عَذَابِ اللَّهِ وَرَفَعَتْ أَقْوَامًا فِي كَرَامَةِ اللَّهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ خَالِهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: (مُتْرَفِينَ: مُتَنَعِّمِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ النُّونِ وَبَعْدَ الْعَيْنِ مِيمٌ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُتَمَتِّعِينَ بِمِيمٍ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ مِنَ التَّمَتُّعِ، كَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ لِلْفَرَّاءِ وَمِنْهُ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُنَعَّمِينَ.
قَوْلُهُ: (مَا تُمْنُونَ: هِيَ النُّطَفُ يَعْنِي فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ يَعْنِي: النُّطَفَ إِذَا قُذِفَتْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَ تِلْكَ النُّطَفَ أَمْ نَحْنُ؟!
قَوْلُهُ: (لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ. وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ) قَالَ الْفَرَّاءُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مطرَتْ، فخُلِقنَ (١) من قطراتِ الرَّحمةِ، ثمَّ ضُرِبَ على كلِّ واحدةٍ (٢) خيمة على شاطئِ الأنهارِ، سعتُها أربعونَ ميلًا وليس لها باب، حتَّى إذا حلَّ (٣) وليُّ الله بالخيمةِ؛ انصدعَت عن باب؛ ليعلم وليُّ الله أنَّ أبصارَ المخلوقينِ من الملائكةِ والخدمِ لم تأخذْها، وقد اختُلِفَ أيُّهما (٤) أتمُّ حسنًا: الحورُ أم الآدميَّاتُ؟ فقيل: الحورُ؛ لما ذكر، ولقوله في «صلاة الجنازةِ»: «وأَبْدِلْه زوجًا خيرًا من زوجه»، وقيل: الآدميَّاتُ أفضل بسبعينَ ألفَ ضعفٍ.
٤٨٧٩ - ٤٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنزيُّ الزمِنُ (قَالَ: حَدَّثَنا) ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (٥) (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) العَمِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك (الجَوْنِيُّ) بفتح الجيم (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ) بفتح الواو المشددة، ذاتُ جوفٍ واسعٍ (عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا) والميلُ ثلثُ (٦) فرسخٍ أربعة آلافِ خطوة (فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) للمؤمن (مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ) قال الدِّمياطيُّ (٧): صوابهُ: المؤمنُ بالإفرادِ. قال في «الفتح» وغيره: أُجيب بجوازِ أن يكون من مقابلةِ المجموع (٨) بالمجموعِ.
(وجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا) مبتدأٌ قُدِّم (١) خبرُه، وهما خبرُ «جنَّتان» (وَمَا فِيهِمَا) أي: من فضَّةٍ كذلك (وَجَنَّتَانِ مِنْ كَذَا) من ذهبٍ، كما سبق (آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ) ذاته (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) ظرف لـ «القوم»، أو نصب على الحال من «القوم»، كأنَّه قال: كائنين في جنَّةِ عدنٍ، ولا دَلالةَ فيه على أنَّ رؤيةَ الله غير واقعةٍ؛ إذ لا يلزمُ من عدمِهَا في جنَّةِ عدنٍ أو في ذلك الوقت عدمها مطلقًا، أو رداءُ الكبرِ غير مانعٍ منها.
(((٥٦))) (الوَاقِعَةِ) مكِّيَّة، وآيُها تسع وتسعون، ولأبي ذرٍّ: «سورة الواقعة».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَت البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (رُجَّتْ)
من قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] أي: (زُلْزِلَتْ) يقال: رجَّهُ يرجُّهُ رجًّا؛ إذا حرَّكهُ وزلزلهُ، أي: تضطرِبُ (١) فَرَقًا من اللهِ حتَّى ينهدمَ ما عليها من بناءٍ وجبلٍ، وقال في قولهِ: (بُسَّتْ: فُتَّتْ) أي: (لُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ) بالسَّمن أو (٢) بالزَّيتِ، وقيل: سُيِّرت، من قولهم: بسَّ الغنمَ، أي: ساقَها.
(المَخْضُودُ) هو (المُوقَرُ حَمْلًا) بفتح القاف والحاء، حتَّى لا يبينُ ساقه من كثرةِ ثمرهِ؛ بحيث تنثنِي أغصانهُ (وَيُقَالُ أَيْضًا: لَا شَوْكَ لَهُ) خضَّدَ الله شوكهُ فجعلَ مكان كلِّ شوكةٍ ثمرةً، وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله: «الموقرُ حَمْلًا».
ويقال أيضًا: (﴿مَّنضُودٍ﴾) في قولهِ: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] هو (المَوْزُ) واحده: طَلْحة، وقال السُّديُّ: طلحُ الجنَّةِ يشبهُ طلحَ الدُّنيا، لكنْ له ثمرٌ أحلَى من العسلِ، وقوله: ﴿مَّنضُودٍ﴾ أي: متراكبٍ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.
(وَالعُرُبُ) بضم الراء وسكونها في قولهِ تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٦ - ٣٧] هنَّ (المُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ) بفتح الموحدة المشدَّدة.
(﴿ثُلَّةٌ﴾) أي: (أُمَّةٌ) ﴿مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأممِ الماضيةِ من لدُن آدم إلى محمَّد ﵊، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] ممَّن آمن بمحمَّد ﷺ، جعلنَا الله منهم بكرمهِ. قال في «الأنوار»: ولا يخالفُ ذلك قوله ﵊: «إنَّ أُمَّتي يكثرونَ سائِرَ الأممِ»؛ لجوازِ أن يكون سابقُو سائر (٣) الأممِ أكثر من سَابقي هذه الأمَّة، وتابعو هذه أكثر من تابعِيهم.
(﴿يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]) أي: (دُخَانٍ أَسْوَدَ) بالجرِّ، ولأبي ذرٍّ: «يَحمُومٌ: دخانٌ أسودُ» برفع يَحْمُوم وتاليَيهِ، وقيل: اليحمومُ: وادٍ في جهنَّم.
(﴿يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦]) أي: (يُدِيمُونَ) ﴿عَلَى الْحِنثِ﴾ أي: الذَّنب العظيمِ.
(ذوأأة) في قولهِ تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] هي (الإِبِلُ الظِّمَاءُ) الَّتي لا تُروى من داءٍ معطِّشٍ أصابها، قال ذو الرِّمَّة:
فَأَصْبَحْتُ كَالهَيْمَاءِ لَا المَاءُ مُبْرِدٌ (١) … صَدَاهَا وَلَا يَقْضِي عَلَيْهَا هُيَامُهَا
وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ.
(﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦]) أي: (لَمُلْزَمُونَ) غرامةَ ما أنفقنَا (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لملُومُون».
(رَوْحٌ) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] أي: (جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ) وقيل: معناه: فلهُ راحةٌ، وهو تفسيرٌ باللازم، وسقطَ هذا لأبي ذرٍّ (٣).
(﴿وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩]) ولأبي ذرٍّ: «الرَّيحانُ» (الرِّزْقُ) يقال: خرجتُ أطلبُ ريحانَ الله، أي: رِزقَه، وقال الورَّاقُ: الرَّوحُ: النَّجاةُ من النَّارِ، والرَّيحانُ: دخولُ الجنَّةِ دار القرارِ.
((وَنَنْشَأَكُمْ)) بفتح النون الأولى والشين، ولأبي ذرٍّ: «﴿وَنُنشِئَكُمْ﴾» بضم ثمَّ كسر موافقة للتلاوة، وزاد: «﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]» أي: (فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ) وقال الحسنُ البصريُّ (٤): أي: نجعلكُم (٥) قردةً وخنازيرَ كما فعلنا بأقوامٍ قبلكُم، أو نبعثكُم على غيرِ صورِكُم في الدُّنيا، فيُجمَّلُ المؤمنُ ويقبَّحُ الكافرُ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]) أي: (تَعْجَبُونَ) ممَّا (٦) نزلَ بكم في زرعِكُم. قاله الفرَّاء، وقيل: تندمُون، وحقيقتهُ: تُلْقُون الفُكاهةَ عن أنفُسكم من الحزنِ، فهو
من باب تحرَّج وتأثَّم، ولأبي ذرٍّ: «تعَجَّبون» بفتح العين وتشديد الجيم.
(﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧] مُثَقَّلَةً) بتشديد القاف، وضم الرَّاء من ﴿عُرُبًا﴾ (١) (وَاحِدُهَا عَرُوبٌ؛ مِثْلُ: صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا (٢) أَهْلُ مَكَّةَ العَرِبَةَ) بفتح العين وكسر الراء (وَأَهْلُ المَدِينَةِ الغَنِجَةَ) بفتح الغين المعجمة وكسر النون (وَأَهْلُ العِرَاقِ الشَّكِلَةَ) بفتح المعجمة وكسر الكاف، وهذا كلُّه ساقط لأبي ذرٍّ، وقرأ حَمزة وشُعبة بسكونها، وهو كرُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش.
(وَقَالَ) غير مجاهدٍ (فِي) قوله تعالى: (﴿خَافِضَةٌ﴾ [الواقعة: ٣]) أي: هي خافضة (لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ) ولأبي ذرٍّ: «بِقومٍ» بالموحدة بدل اللام (وَ ﴿رَّافِعَةٌ﴾) بآخرين (إِلَى الجَنَّةِ) وحذف المفعول من الثَّاني لدَلالة السَّابق عليه، أو هي ذات خفضٍ ورفعٍ.
(﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥]) أي: (مَنْسُوجَةٍ) أصله من وضنْتُ الشَّيء، أي: ركَّبتُ بعضَهُ على بعضٍ (وَمِنْهُ: وَضِينُ النَّاقَةِ) وهو حِزامها لتراكُبِ طاقاتهِ، وقيل: ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ أي: منسوجةٍ بقضبانِ الذَّهب، مشبَّكة بالدُّرِّ والياقوتِ.
(وَالكُوبُ) في قولهِ تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] إناءٌ بقضبانِ الذَّهبِ والفضَّةِ (٣) (لَا آذَانَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ) وقوله: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَطُوفُ﴾ (وَالأَبَارِيقُ ذَوَاتُ الآذَانِ وَالعُرَى) وهو جمع: إبريقٍ؛ وهو من آنيةِ الخمرِ، سمِّي بذلك لبريقِ لونهِ من صفائهِ.
(﴿مَّسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١]) أي: (جَارٍ) لا ينقطعُ، وسقطَ من قوله: «﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.
(﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]) أي: (بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) وفي التِّرمذيِّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا قال: «ارتِفَاعُها كمَا بينَ السَّماءِ والأرضِ، ومسيرةُ ما بينِهِما خمس مئة عامٍ».
(﴿مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] أي: مُتَمَتِّعِينَ) بالحرامِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مُتَمتَّعين» بفوقية بين الميمين وفتح التاء المشددة، كذا في «فرعِ اليونينية» من التَّمتع، وفي فرع آخر: «مُمتَّعين» بميمين (١)، بعدهما فوقية مشدَّدة مفتوحة من الإمتاعِ (٢)، وفي نسخة: «مُتنعِّمِين» بفوقية قبل النون وبعد العين ميم، من التَّنعُّم.
(﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]) أي: (مُحَاسِبِينَ) ومنه: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مُحاسبون أو مجزيُّون، وسقط هذا (٣) لغير أبي ذرٍّ.
(﴿مَّا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] هِيَ النُّطْفَةُ) والمعنى: ما تصبُّونه من المنيِّ، ولأبي ذرٍّ: «من النُّطفِ» يعني (٤): (فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ) أي: أأنتم تصوِّرونَ منه الإنسانَ أم نحن المصوِّرون؟
(﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]) أي: (لِلْمُسَافِرِينَ، وَالقِيُّ) بكسر القاف (القَفْرُ) الَّتي لا شيء فيها، وسقطَ «﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]) أي: (بِمُحْكَمِ القُرْآنِ) ويؤيِّده ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] و ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]. (وَيُقَالُ: بِمَسْقِطِ النُّجُومِ إِذَا سَقَطْنَ) بكسر قاف «بمسقِطِ» أي:
مغاربِ (١) النُّجومِ السَّمائيَّةِ إذا غربنَ. قال في «الأنوار»: وتخصيصُ المغاربِ لما في غُروبِها من زوالِ أثرِها، والدَّلالة على وجودِ مؤثِّرٍ لا يزولُ تأثيرهُ (وَمَوَاقِعُ وَمَوْقِعٌ) الجمع والمفردُ (وَاحِدٌ) فيما (٢) يستفادُ منهما؛ لأنَّ الجمعَ المضاف والمفرد المضاف كلاهما عامَّان بلا تفاوتٍ على الصَّحيح، وبالإفراد قرأ حمزة والكسائيُّ.
(﴿مُّدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١]) أي: (مُكَذِّبُونَ) قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيره، وقيل: مُتهاونُون، كمن يدهن (٣) في الأمرِ، أي: يلينُ جانبه ولا يتصلَّب فيه تهاونًا به (مِثْلُ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]) يكذِّبون.
(﴿فَسَلَامٌ لَّكَ﴾ [الواقعة: ٩١] أَيْ: مُسَلَّمٌ) بتشديد اللام، ولأبي ذرٍّ: «فَسِلْمٌ» بفاء بدل الميم وكسر السين وسكون اللام (لَكَ) أي: (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ، وَأُلْغِيَتْ) تُرِكَت (٤) (إِنَّ) من قوله: إنَّك (وَهْوَ مَعْنَاهَا) وإن أُلغِيت (كَمَا تَقُولُ) لرجلٍ: (أَنْتَ مُصَدَّقٌ) بفتح الدال المشددة (مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ) أي: أنت مصدَّق أنَّك مسافرٌ عن قليلٍ، فتحذف لفظ «أنَّ» (إِذَا كَانَ) الَّذي قلت له ذلك (قَدْ قَالَ: إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ) وفي نسخة: «عن قريبٍ» بدل: «قليل» (وَقَدْ يَكُونُ) لفظ السَّلام (كالدُّعَاءِ لَهُ) للمخاطَب من أصحابِ اليمين (كَقَوْلِكَ: فَسَقْيًا مِنَ الرِّجَالِ) بفتح السين، نصب، أي: سقاكَ اللهُ سقيًا (إِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ؛ فَهْوَ مِنَ الدُّعَاءِ) وإن نصبتَ؛ لا يكون دعاءً، ولم يقرأ به أحدٌ.
(﴿تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]) أي: (تَسْتَخْرِجُونَ) من (أَوْرَيْتُ أَوْقَدْتُ) يقال: أوريتُ الزِّندَ؛ إذا (٥) قدحتَهُ فاستخرجتَ ناره.
(﴿لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥]) أي: (بَاطِلًا) ولا (﴿تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]) أي: (كَذِبًا) رواه ابنُ عبَّاسٍ فيما ذكره ابنُ أبي حاتمٍ. وسقطَ قوله: «﴿تُورُونَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَقُول: لآخذنك على غرتك، أَي: على غَفلَة مِنْك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله: {سنفرغ لكم} (الرَّحْمَن: ١٣) هَذَا وَعِيد وتهديد من الله عز وَجل، كَقَوْل الْقَائِل: لأتفرغن لَك، وَمَا بِهِ شغل قَالَه ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَمِنْ دُونِهِما جَنَتَّانِ} (الرَّحْمَن: ٢٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن دونهمَا جنتان} وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب وَلم يذكر بَاب قَوْله إِلَّا لأبي ذَر.
٢ - (بابٌ: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخيام} (الرَّحْمَن: ٢٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {حور مقصورات} الْحور جمع: حوراء وَهِي الشَّدِيدَة الْبيَاض الْعين الشَّدِيدَة سوادها. قَوْله: (مقصورات) ، محبوسات مستورات. (فِي الْخيام) خيمة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي الْخيام أَي: الحجال، يُقَال: امْرَأَة قَصِيرَة وقصورة ومقصورة إِذا كَانَت مخدرة، وَعَن مُجَاهِد يَعْنِي: قصرهن على أَزوَاجهنَّ فَلَا يبغين بهم بَدَلا.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: حُورٌ صُردُ الْحَدَقِ
الحدق جمع حدقة الْعين، وَرَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن الْفضل بن يَعْقُوب الرخامي حَدثنَا الْحجَّاج بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس بِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَقْصُوَراتٌ مَحْبُوسَاتٌ قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأنْفُسُهُنَّ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ قَاصِرَاتٌ لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أزْوَاجِهِنَّ.
رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا بن يمَان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد.
٩٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصَمَدِ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ الْجُونِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُها سِتُّونَ مِيلاً فِي كُلِّ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْها أهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ حدَّثنا جَنَتانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَتَانِ مِنْ كَذا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلَى رَبِّهِمْ إلَاّ رداءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقد مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حجاج بن منهال عَن همام عَن أبي عمرَان الْجونِي الخ وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن نصر بن عَليّ وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة الْجنَّة وَالنَّسَائِيّ فِي النعوت، وَابْن مَاجَه فِي السّنة كلهم عَن بنْدَار.
قَوْله: (مجوفة) ، أَي: ذَات جَوف وَاسع. قَوْله: (سِتُّونَ ميلًا) ، الْميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف خطْوَة. قَوْله: (فِي كل زَاوِيَة مِنْهَا أهل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أهل لِلْمُؤمنِ. قَوْله: (مَا يرَوْنَ الآخرين) ، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي الْآخرُونَ، وَالتَّقْدِير: يرونهم الْآخرُونَ. نَحْو: أكلوني البراغيت، يطوف عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ. قَالَ الدمياطي: صَوَابه الْمُؤمن بِالْإِفْرَادِ. وَأجِيب: يجوز أَن يكون من مُقَابلَة الْمَجْمُوع بالمجموع. قَوْله: (إلاّ رِدَاء الْكبر) ، قيل: هَذَا يشْعر بِأَن رُؤْيَة الله تَعَالَى غير وَاقعَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدمهَا فِي جنَّة عدن أَو فِي ذَلِك الْوَقْت عدمهَا مُطلقًا.
٦٥ - ( {سُورَةُ الْوَاقِعَةِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْوَاقِعَة. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة وَاخْتلف فِي {وَأَصْحَاب الْيَمين} (الْوَاقِعَة: ٧٢) وَفِي: {أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون} (الْوَاقِعَة: ١٨) وَالْأولَى نزلت فِي أهل الطَّائِف وإسلامهم بعد الْفَتْح وحنين، وَالثَّانيَِة نزلت فِي دُعَائِهِ بالسقيا. فَقيل: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا، فَنزلت {وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون} وَكَانَ عَليّ يقْرؤهَا: وتجعلون شكركم، وَهِي ألف وَسَبْعمائة وَثَلَاثَة أحرف، وثلاثمائة وثمان وَسَبْعُونَ كلمة. وست وَتسْعُونَ آيَة، وَالْمرَاد بالواقعة: الْقِيَامَة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا رجت الأَرْض رجا} (الْوَاقِعَة: ٤) وَفَسرهُ بقوله: (زلزلت) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: رجفت وتحركت تحريكا من قَوْلهم: السهْم يرتج فِي الْغَرَض. أَي: يَهْتَز ويضطرب وأصل الرج فِي اللُّغَة التحريك، يُقَال: رجحته فارتج، فَإِن ضاعفته قلت: رجرجته فترجرج.
بُسَّتْ فُتَّتْ ولُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وبست الْجبَال} (الْوَاقِعَة: ٥) وَفَسرهُ بقوله: (فتت) وَهُوَ أَيْضا تَفْسِير مُجَاهِد، وَكَذَلِكَ: (لتت) تَفْسِير مُجَاهِد، وَيُقَال: بست ولتت بِمَعْنى وَاحِد أَي: صَارَت كالدقيق المبسوس، وَهُوَ المبلول: والبسيسة عِنْد الْعَرَب الدَّقِيق والسويق بلت ويتخذ زادا، وَعَن عَطاء: بست أذهبت ذَهَابًا وَعَن ابْن الْمسيب: كسرت كسرا. وَعَن الْحسن: قلعت من أَصْلهَا فَذَهَبت بَعْدَمَا كَانَت صخورا صمًّا، وَعَن عَطِيَّة تبسط بسطا كالرمل وَالتُّرَاب.
المَخْضُودُ: المُوقَرُ حَمْلاً وَيُقَالُ أيْضا: لَا شَرْكَ لَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي سدر مخضود} (الْوَاقِعَة: ٤٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (الموقر حملا) بِفَتْح الْقَاف والحاء هَذَا تَفْسِير الْأَكْثَرين. قَوْله: (وَيُقَال أَيْضا: لَا شوك لَهُ) لأبي ذَر، والخضد فِي الأَصْل الْقطع كَأَنَّهُ خضد شوكه أَي: قطع وَنزع، وَعَن الْحسن: لَا يعقر إلايدي. وَعَن ابْن كيسَان: هُوَ الَّذِي لَا أَذَى فِيهِ، وَعَن الضَّحَّاك: نظر الْمُسلمُونَ إِلَى وَج وَهُوَ وَاد فِي الطَّائِف مخصب فَأَعْجَبَهُمْ سدرها. قَالُوا: يَا لَيْت لنا مثلهَا. فَأنْزل الله عز وَجل هَذِه الْآيَة.
مَنْضُودٍ المَوْزُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وطلح منضود} (الْوَاقِعَة: ٩٢) وَلم يثبت هَذَا هُنَا لأبي ذَر، وَفَسرهُ بالموز، والطلح جمع طَلْحَة قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين وَعَن الْحسن، لَيْسَ هُوَ بموز وَلكنه شجر لَهُ ظلّ بَارِد طيب، وَعَن الْفراء وَأبي عُبَيْدَة: الطلح عِنْد الْعَرَب شجر عِظَام لَهَا شوك. والمنضود: المتراكم الَّذِي قد نضده الْحمل من أَوله إِلَى آخِره لَيست لَهُ سوق بارزة، وَفِي (الْمغرب) النضد ضم الْمَتَاع بعضه إِلَى بعض منسقا أَو مركوما. من بَاب ضرب.
وَالعُرُبُ المُحَبَّباتُ إلَى أزْوَاجِهِنَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فجعلناهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا} (الْوَاقِعَة: ٦٣، ٧٣) وفسرها: بالمحببات جمع المحببة اسْم مفعول من الْحبّ، وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره: حَدثنَا ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (عربا أَتْرَابًا) قَالَ: هِيَ المحببة إِلَى زَوجهَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عربا عواشق مُتَحَببَات إِلَى أَزوَاجهنَّ، قَالَه الْحسن وَمُجاهد وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير وَرِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْعرب جمع عرُوبَة وَأهل مَكَّة يسمونها العربة بِكَسْر الرَّاء، وَأهل الْمَدِينَة الغنجة، بِكَسْر النُّون. وَأهل الْعرَاق: الشكلة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْكَاف، وَقد مر هَذَا فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي صفة الْجنَّة، والأتراب المستويات فِي السن وَهُوَ جمع ترب بِكَسْر التَّاء وَسُكُون الرَّاء يُقَال: هَذِه ترب هَذِه أَي: لدتها.
ثُلةٌ أُمةٌ
أَي: معنى قَوْله تَعَالَى: {ثلة من الْأَوَّلين} (الْوَاقِعَة: ٩٣) أمة. وَقيل: فرقة.
يَحْمُومٌ دُخَانٌ أسْوَدُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وظل من يحموم} (الْوَاقِعَة: ٣٤) وَفَسرهُ بِدُخَان أسود لِأَن الْعَرَب تَقول للشَّيْء الْأسود يحموما.
يُصِرُّونَ يُدِعُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم} (الْوَاقِعَة: ٦٤) وَفَسرهُ بقوله: (يديمون) والحنث الْعَظِيم، الذَّنب الْكَبِير وَهُوَ الشّرك، وَعَن أبي بكر الْأَصَم: كَانُوا يقسمون أَن لَا بعث وَأَن الْأَصْنَام أنداد الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَكَانُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ فَلذَلِك حنثهم.
الْهِيمُ الإبِلُ الظَّمَاءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فشاربون شرب الهيم} (الْوَاقِعَة: ٥٥) وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. والهيم جمع هيماء يُقَال جمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم. أَي: عطاش، وَعَن قَتَادَة، هُوَ دَاء بِالْإِبِلِ لَا تروى مَعَه وَلَا تزَال تشرب حَتَّى تهْلك، وَيُقَال لذَلِك الدَّاء: الهيام، والظماء بالظاء الْمُعْجَمَة جمع ظمآن والظماء الْعَطش. قَالَ تَعَالَى: {لَا يصيبهم ظمأ} (التَّوْبَة: ٠٢١) وَالِاسْم الظمىء بِالْكَسْرِ، وَقوم ظماء أَي عطاش، والظمآن العطشان.
لَمُغْرَمُونَ: لَمُلْزَمُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا لمغرمون بل نَحن محرومون} (الْوَاقِعَة: ٦٦، ٧٦) وَفَسرهُ بقوله: (لملزمون) اسْم مفعول من الْإِلْزَام، وَاللَّام للتَّأْكِيد، وَعَن ابْن عَبَّاس. وَقَتَادَة: لمعذبون. من الغرام وَهُوَ الْعَذَاب، وَعَن مُجَاهِد: ملقون للشر، وَعَن مقَاتل: مهلكون وَعَن مرّة الْهَمدَانِي محاسبون.
مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين} (الْوَاقِعَة: ٦٨) أَي: غير محاسبين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: غير مربوبين من دَان السُّلْطَان رَعيته إِذْ ساسهم، وَجَوَاب: لَوْلَا قَوْله: ترجمونها. أَي: تردون نفس هَذَا الْمَيِّت إِلَى جسده إِذا بلغت الْحُلْقُوم إِن كُنْتُم صَادِقين.
رَوْحٌ جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ وَرَيْحَانٌ الرِّزْقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم} (الْوَاقِعَة: ٨٨، ٩٨) وَسقط هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن ابْن زيد: روح عِنْد الْمَوْت وَرَيْحَان يجنى لَهُ فِي الْآخِرَة، وَعَن الْحسن، أَن روحه تخرج فِي الريحان، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: فَروح أَي رَاحَة وَرَيْحَان مستراح، وَعَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير: الريحان رزق، وَقد مر هَذَا عَن قريب.
وَنَنَشْأكُمْ فِي أيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ} (الْوَاقِعَة: ١٦) أَي: نوجدكم فِي أَي خلق نشَاء فِيمَا لَا تعلمُونَ من الصُّور.
وَقَالَ غَيْرُهُ تَفَكَّهُونَ تَعَجَبُونَ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَو نشَاء لجعلناه حطاما فظللتم تفكهون} (الْوَاقِعَة: ٥٦) وَفَسرهُ بقوله: (تعْجبُونَ) وَكَذَا فسره قَتَادَة. وَعَن عِكْرِمَة: تلامون، وَعَن الْحسن: تَنْدمُونَ، وَعَن ابْن كيسَان: تَحْزَنُونَ. قَالَ: وَهُوَ من الأضداد تَقول الْعَرَب: تفكهت أَي: تنعمت وتفكهت أَي: حزنت، وَقيل: التفكه التَّكَلُّم فِيمَا لَا يَعْنِيك، وَمِنْه قيل للمزاح: فاكه.
عُرُبا مُثَقَّلَةً وَاحِدُها عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ يُسَمِّيها أهْلُ مَكَّةَ العَرَبَةَ وَأهْلُ المَدِينَةِ الضَجَةَ وَأهْلُ العِرَاقِ الشَّكِلَةَ.
هَذَا كُله لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ مُكَرر لِأَنَّهُ مضى فِي صفة الْجنَّة. وَهنا أَيْضا تقدم وَهُوَ قَوْله: وَالْعرب المحببات إِلَى أَزوَاجهنَّ، وَقد ذَكرْنَاهُ نَحن أَيْضا عَن قريب.
وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إلَى النَّارِ وَرَافِعَةً إلَى الجَنَّةِ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة خافضة رَافِعَة} (الْوَاقِعَة: ١، ٣) أَي: الْقِيَامَة أَي: يَوْم الْقِيَامَة تخْفض قوما إِلَى النَّار وترفع آخَرين إِلَى الْجنَّة. وَعَن عَطاء: خفضت قوما بِالْعَدْلِ وَرفعت قوما بِالْفَضْلِ.
مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ. وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {على سرر موضونة} (الْوَاقِعَة: ٥١) أَي: منسوجة وَلم يثبت هَذَا إلاّ لأبي ذَر، وَقد تقدم فِي صفة الْجنَّة. قَوْله: (موضونة) ، مرمولة مشبكة بِالذَّهَب وبالجواهر قد أَدخل بَعْضهَا فِي بعض مضاعفة كَمَا يوضن حلق الدرْع. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن هَذَا الْبَاب (وضين النَّاقة) وَهُوَ بطان منسوج بعضه على بعض يشد بِهِ الرجل على الْبَعِير كالحزام للسرج.
وَالكُوبُ: لَا آذَانَ لَهُ وَلا عُرْوَةَ. وَالأبَارِيقُ: ذَوَاتُ الآذَانِ وَالعُرَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {بأكواب وأباريق} (الْوَاقِعَة: ٨١) وَتَفْسِيره ظَاهر، والأكواب جمع كوب، والأباريق جمع إبريق سمي بذلك لبريق لَونه.
مَسْكُوب: جارٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَماءٍ مسكوب} (الْوَاقِعَة: ١٣) أَي: جَار، وَفِي التَّفْسِير: مَنْصُوب يجْرِي دَائِما فِي غير أخدُود وَلَا مُنْقَطع.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعَة على الأسرة، وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ: لَو طرح فرَاش من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا لم يسْتَقرّ فِي الأَرْض إلَاّ بعد سبعين خَرِيفًا.
مُتْرَفِينَ: مُتَنَعِّمِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك مترفين} (الْوَاقِعَة: ٥٤) وَفَسرهُ بقوله: منتعمين، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بتاء مثناة من فَوق بعْدهَا نون من التنعم وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ممتعين، بميمين بعدهمَا تَاء. قَالَ بَعضهم: من التَّمَتُّع وَهُوَ غلط بل هُوَ من الإمتاع. يُقَال: أمتعت بالشَّيْء. أَي: تمتعت بِهِ، قَالَه أَبُو زيد، وَإِنَّمَا يُقَال من التَّمَتُّع إِن لَو كَانَت الرِّوَايَة متمتعين.
مَا تُمْنُونَ: هِيَ النُّطْفَةُ فِي أرْحَامِ النِّسَاءِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلفونه أم نَحن الخالفون} (الْوَاقِعَة: ٨٥، ٩٥) وَفسّر قَوْله: (مَا تمنون) بقوله: (النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام) لِأَن مَا تمنون هِيَ النُّطْفَة الَّتِي تصب فِي الْأَرْحَام وَهُوَ من أمنى يمني إمناء، وقرىء بِفَتْح التَّاء من منى يمني، وَقَالَ الْفراء: يَعْنِي النطف إِذا قذفت فِي الْأَرْحَام أأنتم تخلقون تِلْكَ النطف أم نَحن.
لِلْمُقوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ وَالْقِيُّ القفرُ
وَهَذَا لم يثبت لأبي ذَر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {نَحن جعلناها تذكره ومتاعا للمقوين} (الْوَاقِعَة: ٣٧) وَفسّر المقوين بالمسافرين وَهُوَ
من أقوى إِذا دخل فِي أَرض القي فَألْقى، والقواء القفر الخالية الْبَعِيدَة من الْعمرَان والأهلين، وَيُقَال: أقوت الدَّار إِذا خلت من سكانها، وَقَالَ مُجَاهِد: للمقوين للمستمتعين بهَا من النَّاس أَجْمَعِينَ الْمُسَافِرين والحاضرين يستضيئون بهَا فِي الظلمَة ويصطلون بهَا فِي الْبرد وينتفعون بهَا فِي الطَّبْخ وَالْخبْز ويتذكرون بهَا نَار جَهَنَّم ويستجيرون الله مِنْهَا. وَقَالَ قطرب: المقوى من الأضداد يكون بِمَعْنى الْفَقِير وَيكون بِمَعْنى الْغَنِيّ. يُقَال: أقوى الرجل إِذا قويت دوابه وَإِذا أَكثر مَاله.
بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: بِمُحْكَمِ القُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقَطِ النُّجُومِ إذَا سَقَطْنَ، ومَوَاقِعُ وَمَوْقِعٌ وَاحِدٌ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم} (الْوَاقِعَة: ٥٧) وَفَسرهُ بشيئين أَحدهمَا قَوْله: (بمحكم الْقُرْآن) وَقَالَ الْفراء: حَدثنَا فُضَيْل ابْن عَبَّاس عَن مَنْصُور عَن الْمنْهَال بن عَمْرو. وَقَالَ: قَرَأَ عبد الله (فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم) قَالَ: بمحكم الْقُرْآن، وَكَانَ ينزل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نجوما وبقراءته قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَخلف، وَالْآخر بقوله: (ومسقط النُّجُوم إِذا سقطن) ومساقط النُّجُوم مغْرِبهَا، وَعَن الْحسن: انكدارها وانتشارها يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: منازلها. قَوْله: (فَلَا أقسم) ، قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين مَعْنَاهُ: أقسم، وَلَا نسلة وَقَالَ بعض أهل الْعَرَبيَّة، مَعْنَاهُ فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا تَقولُونَ: ثمَّ اسْتَأْنف الْقسم. فَقَالَ: أقسم قَوْله: (ومواقع وموقع وَاحِد) لَيْسَ قَوْله: (وَاحِد) بِالنّظرِ إِلَى اللَّفْظ وَلَا بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى، وَلَكِن بِاعْتِبَار أَن مَا يُسْتَفَاد مِنْهُمَا وَاحِد، لِأَن الْجمع الْمُضَاف والمفرد الْمُضَاف كِلَاهُمَا عامان بِلَا تفَاوت على الصَّحِيح، قَالَ الْكرْمَانِي: إِضَافَته إِلَى الْجمع تَسْتَلْزِم تعدده. كَمَا يُقَال: قلب الْقَوْم وَالْمرَاد قُلُوبهم.
مُدْهِنُونَ: مُكذِّبُونَ، مِثْلُ: لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون} (الْوَاقِعَة: ٧٨) أَي: مكذبون، وَكَذَا فسره الْفراء هُنَا وَقَالَ فِي قَوْله: لَو تدهن فيدهنون. أَي: تكفر لَو يكفرون، يُقَال: قد ادهن أَي: كفر. قَوْله: (أفبهذا الحَدِيث) يَعْنِي: الْقُرْآن (مدهنون) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: كافرون، وَعَن ابْن كيسَان: المدهن الَّذِي لم يفعل مَا يحِق عَلَيْهِ ويدفعه بِالْمَالِ، وَعَن المؤرخ المدهن: الْمُنَافِق الَّذِي يلين جَانِبه ليخفي كفره، وادهن وداهن وَاحِد وَأَصله من الدّهن.
فَسَلامٌ لَكَ. أيْ مُسَلَّمٌ لَكَ إنَّكَ مِنْ أصْحَابِ اليَمِينِ وَأُلْغِيَتْ إنَّ وَهُوَ مَعْناها كَما تَقُولُ أنْتَ مُصَدَّقٌ مُسافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ إذَا كَانَ قَدْ قَالَ إنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعاءِ لهُ كَقَوْلِكَ فَسَقْيا مِنَ الرِّجالِ إنْ رَفَعْتَ السَّلامَ فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين} (الْوَاقِعَة: ٠٩، ١٩) وَأَشَارَ إِلَى أَن كلمة: أَن، فِيهِ محذوفة وَهُوَ قَوْله: {أَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين} . قَوْله: (وألغيت: إِن) بالغين الْمُعْجَمَة من الإلغاء، وروى: وألقيت بِالْقَافِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَهُوَ مَعْنَاهَا) أَرَادَ بِهِ أَن كلمة: إِن، وَإِن حذفت فمعناها مُرَاد. قَوْله: (كَمَا تَقول) إِلَى قَوْله: (عَن قَلِيل) ، تَمْثِيل لما ذكره أَي: كَقَوْلِك لمن قَالَ إِنِّي مُسَافر عَن قريب أَنْت مُصدق مُسَافر عَن قَلِيل أَي أَنْت مُصدق إِنَّك مُسَافر عَن قَلِيل، فَحذف لفظ: إِن، هُنَا أَيْضا، وَلَكِن مَعْنَاهَا مُرَاد قَوْله: (وَقد يكون) ، أَي: لفظ سَلام. (كالدعاء لَهُ) أَي: لمن خاطبه من أَصْحَاب الْيَمين، يَعْنِي: الدُّعَاء لَهُ مِنْهُم كَقَوْلِك، فسقيا لَك من أَصْحَاب الْيَمين، وانتصاب: سقيا على أَنه مصدر لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: سقاك الله سقيا، وَأما رفع السَّلَام فعلى الِابْتِدَاء. وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء وَهُوَ من المخصصات وَمَعْنَاهُ: سلمت سَلاما ثمَّ حذف الْفِعْل وَرفع الْمصدر. وَقيل: تَعْرِيف الْمصدر وتنكيره سَوَاء لشُمُوله فَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْعُمُوم، وَقَالَ: الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ سَلام لَك يَا صَاحب الْيَمين من إخوانك أَصْحَاب الْيَمين، أَي: يسلمُونَ عَلَيْك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فسلام لَك رفع على معنى: فلك سَلام أَي: سَلامَة لَك يَا مُحَمَّد مِنْهُم فَلَا تهتم لَهُم، فَإِنَّهُم سلمُوا من عَذَاب الله تَعَالَى، وَقَالَ الْفراء: مُسلم لَك أَنهم من أَصْحَاب الْيَمين، وَيُقَال: لصَاحب الْيَمين إِنَّه مُسلم لَك أَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين، وَقيل: سَلام عَلَيْك من أَصْحَاب الْيَمين. قَوْله: (إِن رفعت السَّلَام) قيل: لم يقرأه أحد بِالنّصب فَلَا معنى لقَوْله: إِن رفعت، وَأجِيب بِأَن: سقيا بِالنّصب يكون دُعَاء، بِخِلَاف السَّلَام فَإِنَّهُ بِالرَّفْع دُعَاء وَبِالنَّصبِ لَا يكون دُعَاء.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56