«كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩١٠

الحديث رقم ٤٩١٠ من كتاب «سورة الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩١٠ في صحيح البخاري

«كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَفَطِنْتُ لَهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، فَاسْتَحْيَا وَقَالَ: لَكِنَّ عَمَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ. فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ، فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.»

سُورَةُ الْمُتَحَرَّمِ

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

إسناد حديث رقم ٤٩١٠ من صحيح البخاري

٤٩١٠ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩١٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٩١٠ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ فَذَكَرُوا لَهُ فَذَكَرَ آخِرَ الأَجَلَيْنِ فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ فَاسْتَحْيَا وَقَالَ لَكِنْ عَمُّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾

قَوْلُهُ: (وَأُولَاتُ: وَاحِدُهَا ذَاتُ حَمْلٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (آخِرُ الْأَجَلَيْنِ)؛ أَيْ يَتَرَبَّصْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَوْ وَضَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَضَعْ تَتَرَبَّصْ إِلَى أَنْ تَضَعَ. وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَيْضًا، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَةٍ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِعِشْرِينَ لَيْلَةً: أَيَصْلُحُ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ قَالَ: لَا، إِلَى آخِرِ الْأَجَلَيْنِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ: إِنَّمَا ذَاكَ فِي الطَّلَاقِ. وَهَذَا السِّيَاقُ أَوْضَحُ لِمَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَوِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؟ قَالَ: هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَهَذَا الْمَرْفُوعُ وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ أَسَانِيدِهِ عَنْ مَقَالٍ لَكِنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهِ تُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَيُعَضِّدُهُ قِصَّةُ سُبَيْعَةَ الْمَذْكُورَةُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي؛ يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ)؛ أَيْ وَافَقَهُ فِيمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ كُرَيْبًا) هَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ. وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجُمَعِ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ ذَكَرَهُ فِي الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا فَسَأَلَهَا لَمْ يَذْكُرْ لَهَا اسْمًا، كَذَا قَالَ. وَالَّذِي وَقَعَ لَنَا وَوَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ فِي الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ لِأُمِّ سَلَمَةَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) كَذَا هُنَا، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَ يَةِ أَنَّهُ مَاتَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَاسْتَغْنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِسِيَاقِ قِصَّةِ سُبَيْعَةَ عَنِ الْجَوَابِ بِلَا أَوْ نَعَمْ، لَكِنَّهُ اقْتَضَى تَصْوِيبَ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِ قِصَّةِ سُبَيْعَةَ فِي كِتَابِ الْعِدَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ) وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِعَارِمٍ، كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّعْلِيقِ،

وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ ثُبُوتِهِ هُنَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِلَفْظِهِ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِيهِ عَظِمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرُوا لَهُ، فَذَكَرَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ)؛ أَيْ ذَكَرُوا لَهُ الْحَامِلَ تَضَعُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا.

قَوْلُهُ: (فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ)؛ أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قِصَّةَ سُبَيْعَةَ بِتَمَامِهَا، وَكَذَا صَنَعَ أَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (فَضَمَّزَ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ وَزَايٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَمَعْنَاهُ: أَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، ضَمَّزَ الرَّجُلُ إِذَا عَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهَا بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ انْقَبَضَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِ أَبِي ذَرٍّ وَكَذَا عِنْدَ الْقَابِسِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الزَّايِ، وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: وَرِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَصْوَبُ، يُقَالُ ضَمَّزَنِي أَسْكَتَنِي، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ: فَغَمَّضَ لِي؛ أَيْ أَشَارَ بِتَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ أَنِ اسْكُتْ.

قُلْتُ: الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَجِّهَهُ بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَفَطِنْتُ لَهُ وَقَوْلُهُ: فَاسْتَحْيَا فَلَعَلَّهَا: فَغَمَزَ؛ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ بَدَلَ الضَّادِ، أَوْ: فَغَمَصَ؛ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ فِي آخِرِهِ، أَيْ عَابَهُ. وَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ الْمَنْسُوبَةَ لِابْنِ السَّكَنِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: إِنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الْكَذِبِ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ حَيٌّ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَا)؛ أَيْ مِمَّا وَقَعَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (لَكِنَّ عَمَّهُ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ (لَمْ يَقُلْ ذَاكَ) كَذَا نَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْهُ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ وَهِمَ النَّاقِلُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) فِي رِوَايَةٍ ابْنَ عَوْفٍ: مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ أَوْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِالشَّكِّ، وَالْمَحْفُوظُ مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ اسْمِهِ، وَالْقَائِلُ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ كَأَنَّهُ اسْتَغْرَبَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: فَلَمْ أَدْرِ مَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ فَسَكَتَ، فَلَمَّا قُمْتُ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ)؛ أَيْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ عَنْهَا.

قَوْلُهُ: (هَلْ سَمِعْتَ) أَرَادَ اسْتِخْرَاجَ مَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنَ التَّوَقُّفِ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) ابْنِ مَسْعُودٍ (فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ: فَقَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا كَانَتْ قَدْ حَلَّتْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ) فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ: وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا وَهِيَ أَوْجَهُ، وَتُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى الْمُشَاكَلَةِ؛ أَيْ مِنَ الْأَخْذِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ: (لَنَزَلَتْ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ بَيَانُهُ، وَلَفْظُهُ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى)؛ أَيْ سُورَةُ الطَّلَاقِ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْمُرَادُ بَعْضَ كُلٍّ، فَمِنَ الْبَقَرَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وَمِنَ الطَّلَاقِ قَوْلُهُ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَمُرَادُ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَسْخٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَجَلُهُنَّ (١)﴾» [خ¦٥٣١٨] وأخرجَه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

٤٩١٠ - وقال المؤلِّف بالسَّند إليه: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحيُّ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضلِ، عارِم، شيخا المؤلِّف، ممَّا وصلَه الطَّبرانيُّ في «الكبير» قالا: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنِ درهَم، الجَهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيَانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرينَ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِي حَلَْقَةٍ) بسكون اللام، وقد تفتح (فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ المدنيُّ، ثمَّ الكوفيُّ (وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ) ولأبي ذرٍّ: «فذكروا» أي: أصحابه (آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي: أقصاهُما للمتوفَّى عنها زوجُها في العدَّة (فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) الأَسْلَمِيَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بنِ مسعودٍ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وساقَ الإسماعيليُّ من وجهٍ آخرَ عن حمَّاد بنِ زيدٍ بهذا الإسناد قصَّةَ سُبيعة بتمامها (قَالَ) ابنُ سيرينَ: (فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ) بتشديد الميم آخره زاي معجمة، ولأبي ذرٍّ: «فضمَز» بتخفيف الميم. قال: ومعناهُ: عضَّ له شفته غمزًا، وقال عياضٌ: للقابسيِّ: «فضمَرَني» بالراء مع التخفيف، ولأبي الهيثم: «فضمَزَني» بنون وتحتية ساكنة بعد الزاي مخففًا، وللأَصيليِّ: «فضمَّنَ» بنون بعد التشديد (٢)، وللباقين: «فضمِنَ» بكسر الميم مخففة. قال: وهذا كلُّهُ غير مفهوم المعنى، وأشبهها روايةُ أبي الهيثم بالزاي، لكن مع تشديد الميم وزيادة نون بعدها ياء، أي: أسكتني، يقالُ: ضَمَزَ: سَكَتَ، وضميز غيره، ولابن السَّكن: «فغمَّضَ لي» فإن صحَّت فمعناها من تغميضِ عينيه له

على السُّكوت (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (فَفَطَِنْتُ لَهُ (١)) بكسر الطاء وتفتح، أي: لإنكارهِ (فَقُلْتُ: إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ فِي نَاحِيَةِ الكُوفَةِ. فَاسْتَحْيَا) ممَّا صدرَ من الإشارةِ إلى الإنكارِ عليَّ (وَقَالَ) ابنُ أبي ليلى: (لَكِنَّ عَمَّهُ) يعني: ابنَ مسعودٍ، ولأبي ذرٍّ: «لكنْ عمَّه» بتخفيف النون (لَمْ يَقُلْ ذَاكَ) قال ابنُ سيرينَ: (فَلَقِيتُ) بكسر القاف (أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) الهَمذانيَّ الكُوفيَّ التَّابعي (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك تثبيتًا (فَذَهَبَ) مالك (يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ) مثل ما حدَّث به عبدُ الله بنُ عُتبة عنها، ولأبي ذرٍّ: «بحديثِ سُبيعة» (فَقُلْتُ) له، أي: ليستخرِج (٢) ما (٣) عندهُ في ذلك عن ابنِ مسعودٍ، لما وقع من التَّوقف فيما أخبرَ بهِ ابنُ أبي ليلى عنه: (هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعود (فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) أي: طولَ العدَّة بالحملِ إذا زادتْ مدَّته على مدَّة الأشهرِ (وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ) إذا وضعتْ لأقلَّ من أربعةِ أشهرٍ وعشر؟ (لَنَزَلَتْ) أي: والله لنزلت، فهو جواب قسمٍ محذوفٍ (سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى) سورة الطَّلاق (بَعْدَ الطُّولَى) البقرة (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهو عامٌّ في كلِّ من ماتَ عنها زوجها، يشملُ الحامل وغيرها، وآيةُ سورةِ الطَّلاق شاملةٌ للمطلَّقة والمتوفَّى عنها زوجها، لكن حديث سُبيعة نصٌّ بأنَّها تحلُّ بوضعِ (٤) الحملِ، فكان فيها بيانُ المراد بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أنَّه حقُّ من لم تضعْ، وإلى ذلكَ أشار ابنُ مسعودٍ بقولهٍ: إنَّ آية الطَّلاق نزلت بعد آية البَقرة. وليس مرادُه أنَّها ناسخةٌ لها، بل مرادُه أنَّها مخصِّصةٌ لها، فإنَّها أَخْرجت منها بعضَ متناولاتِه (٥).

(((٦٦))) (سورة التَّحْرِيمِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ.

(١) (باب) وهو ساقطٌ لغيرِ الكُشمِيهنيِّ (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾) من شربِ العسلِ، أو ماريَة القبطيَّة. قال (١) ابنُ كثيرٍ: والصَّحيح أنَّه كان في تحريمهِ العَسل. وقال الخطَّابي: الأكثرُ على أنَّ الآية نزلت في تحريمِ ماريَة حين حرَّمها على نفسهِ، ورجَّحه في «فتح الباري» بأحاديث عند سعيدِ بن منصورٍ، والضِّياء في «المختارة»، والطَّبرانيِّ في «عشرة النِّساء»، وابن مَرْدويه والنَّسائي، ولفظهُ عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ كانت لهُ أمةٌ يطؤهَا، فلم تَزل بهِ حفصةُ وعائشة حتَّى حرَّمها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ (﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾) حال من فاعل ﴿تُحَرِّمُ﴾ أي: لم تحرِّم مبتغيًا بهِ مرضاةَ أزواجكَ؟ أو تفسير لـ ﴿تُحَرِّمُ﴾ أو مستأنفٌ فهو جوابٌ للسُّؤال، و ﴿مَرْضَاتَ﴾ اسم مصدرٍ؛ وهو الرِّضا (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]) قال في «فتوح الغيب»: أردفهُ بقولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جبرانًا له، ولولا الإردافُ بهِ؛ لما قامَ بصولةِ ذلك الخطابِ، على أنَّه ما ارتكَب عظيمةً، بل كان ذلكَ من بابِ تركِ الأولى، والامتناعِ من المباح، وإنَّما شدَّد ذلك رفعًا لمحلِّه وربًا (٢) لمنزلتهِ، ألا تَرى كيف صدَّرَ الخِطاب بذكِر النَّبيِّ ؟ وقرن بـ «يا» البَعيد و «ها» التَّنبيه، أي: تنبَّه لجلالةِ شأنكَ، فلا تبتغِ مرضاةَ أزواجِك فيما أُبيح لكَ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿تَبْتَغِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾: «الآيةَ».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٩١٠ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ فَذَكَرُوا لَهُ فَذَكَرَ آخِرَ الأَجَلَيْنِ فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ فَاسْتَحْيَا وَقَالَ لَكِنْ عَمُّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾

قَوْلُهُ: (وَأُولَاتُ: وَاحِدُهَا ذَاتُ حَمْلٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (آخِرُ الْأَجَلَيْنِ)؛ أَيْ يَتَرَبَّصْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَوْ وَضَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَضَعْ تَتَرَبَّصْ إِلَى أَنْ تَضَعَ. وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ أَيْضًا، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَةٍ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِعِشْرِينَ لَيْلَةً: أَيَصْلُحُ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ قَالَ: لَا، إِلَى آخِرِ الْأَجَلَيْنِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ: إِنَّمَا ذَاكَ فِي الطَّلَاقِ. وَهَذَا السِّيَاقُ أَوْضَحُ لِمَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَوِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؟ قَالَ: هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَهَذَا الْمَرْفُوعُ وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ أَسَانِيدِهِ عَنْ مَقَالٍ لَكِنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهِ تُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَيُعَضِّدُهُ قِصَّةُ سُبَيْعَةَ الْمَذْكُورَةُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي؛ يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ)؛ أَيْ وَافَقَهُ فِيمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ كُرَيْبًا) هَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ. وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجُمَعِ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ ذَكَرَهُ فِي الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا فَسَأَلَهَا لَمْ يَذْكُرْ لَهَا اسْمًا، كَذَا قَالَ. وَالَّذِي وَقَعَ لَنَا وَوَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ فِي الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ، فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ لِأُمِّ سَلَمَةَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) كَذَا هُنَا، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَ يَةِ أَنَّهُ مَاتَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَاسْتَغْنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِسِيَاقِ قِصَّةِ سُبَيْعَةَ عَنِ الْجَوَابِ بِلَا أَوْ نَعَمْ، لَكِنَّهُ اقْتَضَى تَصْوِيبَ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِ قِصَّةِ سُبَيْعَةَ فِي كِتَابِ الْعِدَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ) وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِعَارِمٍ، كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّعْلِيقِ،

وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ ثُبُوتِهِ هُنَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِلَفْظِهِ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِيهِ عَظِمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرُوا لَهُ، فَذَكَرَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ)؛ أَيْ ذَكَرُوا لَهُ الْحَامِلَ تَضَعُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا.

قَوْلُهُ: (فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ)؛ أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قِصَّةَ سُبَيْعَةَ بِتَمَامِهَا، وَكَذَا صَنَعَ أَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (فَضَمَّزَ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ وَزَايٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَمَعْنَاهُ: أَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، ضَمَّزَ الرَّجُلُ إِذَا عَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهَا بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ انْقَبَضَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِ أَبِي ذَرٍّ وَكَذَا عِنْدَ الْقَابِسِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الزَّايِ، وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: وَرِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَصْوَبُ، يُقَالُ ضَمَّزَنِي أَسْكَتَنِي، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ: فَغَمَّضَ لِي؛ أَيْ أَشَارَ بِتَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ أَنِ اسْكُتْ.

قُلْتُ: الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَجِّهَهُ بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَفَطِنْتُ لَهُ وَقَوْلُهُ: فَاسْتَحْيَا فَلَعَلَّهَا: فَغَمَزَ؛ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ بَدَلَ الضَّادِ، أَوْ: فَغَمَصَ؛ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ فِي آخِرِهِ، أَيْ عَابَهُ. وَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ الْمَنْسُوبَةَ لِابْنِ السَّكَنِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: إِنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الْكَذِبِ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ حَيٌّ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَا)؛ أَيْ مِمَّا وَقَعَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (لَكِنَّ عَمَّهُ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ (لَمْ يَقُلْ ذَاكَ) كَذَا نَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْهُ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ وَهِمَ النَّاقِلُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) فِي رِوَايَةٍ ابْنَ عَوْفٍ: مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ أَوْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِالشَّكِّ، وَالْمَحْفُوظُ مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ اسْمِهِ، وَالْقَائِلُ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ كَأَنَّهُ اسْتَغْرَبَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: فَلَمْ أَدْرِ مَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ فَسَكَتَ، فَلَمَّا قُمْتُ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ)؛ أَيْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ عَنْهَا.

قَوْلُهُ: (هَلْ سَمِعْتَ) أَرَادَ اسْتِخْرَاجَ مَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنَ التَّوَقُّفِ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) ابْنِ مَسْعُودٍ (فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ: فَقَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا كَانَتْ قَدْ حَلَّتْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ) فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ: وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا وَهِيَ أَوْجَهُ، وَتُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى الْمُشَاكَلَةِ؛ أَيْ مِنَ الْأَخْذِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ: (لَنَزَلَتْ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ بَيَانُهُ، وَلَفْظُهُ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى)؛ أَيْ سُورَةُ الطَّلَاقِ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْمُرَادُ بَعْضَ كُلٍّ، فَمِنَ الْبَقَرَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وَمِنَ الطَّلَاقِ قَوْلُهُ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَمُرَادُ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَسْخٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَجَلُهُنَّ (١)﴾» [خ¦٥٣١٨] وأخرجَه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الطَّلاق».

٤٩١٠ - وقال المؤلِّف بالسَّند إليه: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحيُّ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضلِ، عارِم، شيخا المؤلِّف، ممَّا وصلَه الطَّبرانيُّ في «الكبير» قالا: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنِ درهَم، الجَهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيَانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرينَ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِي حَلَْقَةٍ) بسكون اللام، وقد تفتح (فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ المدنيُّ، ثمَّ الكوفيُّ (وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ) ولأبي ذرٍّ: «فذكروا» أي: أصحابه (آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي: أقصاهُما للمتوفَّى عنها زوجُها في العدَّة (فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ) الأَسْلَمِيَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بنِ مسعودٍ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وساقَ الإسماعيليُّ من وجهٍ آخرَ عن حمَّاد بنِ زيدٍ بهذا الإسناد قصَّةَ سُبيعة بتمامها (قَالَ) ابنُ سيرينَ: (فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ) بتشديد الميم آخره زاي معجمة، ولأبي ذرٍّ: «فضمَز» بتخفيف الميم. قال: ومعناهُ: عضَّ له شفته غمزًا، وقال عياضٌ: للقابسيِّ: «فضمَرَني» بالراء مع التخفيف، ولأبي الهيثم: «فضمَزَني» بنون وتحتية ساكنة بعد الزاي مخففًا، وللأَصيليِّ: «فضمَّنَ» بنون بعد التشديد (٢)، وللباقين: «فضمِنَ» بكسر الميم مخففة. قال: وهذا كلُّهُ غير مفهوم المعنى، وأشبهها روايةُ أبي الهيثم بالزاي، لكن مع تشديد الميم وزيادة نون بعدها ياء، أي: أسكتني، يقالُ: ضَمَزَ: سَكَتَ، وضميز غيره، ولابن السَّكن: «فغمَّضَ لي» فإن صحَّت فمعناها من تغميضِ عينيه له

على السُّكوت (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (فَفَطَِنْتُ لَهُ (١)) بكسر الطاء وتفتح، أي: لإنكارهِ (فَقُلْتُ: إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ فِي نَاحِيَةِ الكُوفَةِ. فَاسْتَحْيَا) ممَّا صدرَ من الإشارةِ إلى الإنكارِ عليَّ (وَقَالَ) ابنُ أبي ليلى: (لَكِنَّ عَمَّهُ) يعني: ابنَ مسعودٍ، ولأبي ذرٍّ: «لكنْ عمَّه» بتخفيف النون (لَمْ يَقُلْ ذَاكَ) قال ابنُ سيرينَ: (فَلَقِيتُ) بكسر القاف (أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) الهَمذانيَّ الكُوفيَّ التَّابعي (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك تثبيتًا (فَذَهَبَ) مالك (يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ) مثل ما حدَّث به عبدُ الله بنُ عُتبة عنها، ولأبي ذرٍّ: «بحديثِ سُبيعة» (فَقُلْتُ) له، أي: ليستخرِج (٢) ما (٣) عندهُ في ذلك عن ابنِ مسعودٍ، لما وقع من التَّوقف فيما أخبرَ بهِ ابنُ أبي ليلى عنه: (هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعود (فَقَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) أي: طولَ العدَّة بالحملِ إذا زادتْ مدَّته على مدَّة الأشهرِ (وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ) إذا وضعتْ لأقلَّ من أربعةِ أشهرٍ وعشر؟ (لَنَزَلَتْ) أي: والله لنزلت، فهو جواب قسمٍ محذوفٍ (سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى) سورة الطَّلاق (بَعْدَ الطُّولَى) البقرة (﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهو عامٌّ في كلِّ من ماتَ عنها زوجها، يشملُ الحامل وغيرها، وآيةُ سورةِ الطَّلاق شاملةٌ للمطلَّقة والمتوفَّى عنها زوجها، لكن حديث سُبيعة نصٌّ بأنَّها تحلُّ بوضعِ (٤) الحملِ، فكان فيها بيانُ المراد بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أنَّه حقُّ من لم تضعْ، وإلى ذلكَ أشار ابنُ مسعودٍ بقولهٍ: إنَّ آية الطَّلاق نزلت بعد آية البَقرة. وليس مرادُه أنَّها ناسخةٌ لها، بل مرادُه أنَّها مخصِّصةٌ لها، فإنَّها أَخْرجت منها بعضَ متناولاتِه (٥).

(((٦٦))) (سورة التَّحْرِيمِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾». (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ.

(١) (باب) وهو ساقطٌ لغيرِ الكُشمِيهنيِّ (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾) من شربِ العسلِ، أو ماريَة القبطيَّة. قال (١) ابنُ كثيرٍ: والصَّحيح أنَّه كان في تحريمهِ العَسل. وقال الخطَّابي: الأكثرُ على أنَّ الآية نزلت في تحريمِ ماريَة حين حرَّمها على نفسهِ، ورجَّحه في «فتح الباري» بأحاديث عند سعيدِ بن منصورٍ، والضِّياء في «المختارة»، والطَّبرانيِّ في «عشرة النِّساء»، وابن مَرْدويه والنَّسائي، ولفظهُ عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ كانت لهُ أمةٌ يطؤهَا، فلم تَزل بهِ حفصةُ وعائشة حتَّى حرَّمها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ (﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾) حال من فاعل ﴿تُحَرِّمُ﴾ أي: لم تحرِّم مبتغيًا بهِ مرضاةَ أزواجكَ؟ أو تفسير لـ ﴿تُحَرِّمُ﴾ أو مستأنفٌ فهو جوابٌ للسُّؤال، و ﴿مَرْضَاتَ﴾ اسم مصدرٍ؛ وهو الرِّضا (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]) قال في «فتوح الغيب»: أردفهُ بقولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جبرانًا له، ولولا الإردافُ بهِ؛ لما قامَ بصولةِ ذلك الخطابِ، على أنَّه ما ارتكَب عظيمةً، بل كان ذلكَ من بابِ تركِ الأولى، والامتناعِ من المباح، وإنَّما شدَّد ذلك رفعًا لمحلِّه وربًا (٢) لمنزلتهِ، ألا تَرى كيف صدَّرَ الخِطاب بذكِر النَّبيِّ ؟ وقرن بـ «يا» البَعيد و «ها» التَّنبيه، أي: تنبَّه لجلالةِ شأنكَ، فلا تبتغِ مرضاةَ أزواجِك فيما أُبيح لكَ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿تَبْتَغِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾: «الآيةَ».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله