«قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٥١

الحديث رقم ٤٩٥١ من كتاب «سورة والضحى» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما ودعك ربك وما قلى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩٥١ في صحيح البخاري

«قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾».

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وِزْرَكَ﴾ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ﴿أَنْقَضَ﴾ أَثْقَلَ ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَيْ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَانْصَبْ﴾ فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ.

﴿وَالتِّينِ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ النَّاسُ، يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٩٥١

٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَُبًا الْبَجَلِيَّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩٥١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَرُبَ بِالضَّمِّ فَهُوَ لَازِمٌ. تَقُولُ: قَرُبَ الشَّيْءُ أَيْ دَنَا. وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَاكِمِ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: وَلَا أَرَى رَبَّكَ وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِمَا تَرَى مِنْ جَزَعِهِ وَهَذَانَ طَرِيقَانِ مُرْسَلَانِ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ أُمِّ جَمِيلٍ وَخَدِيجَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، لَكِنَّ أُمَّ جَمِيلٍ عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا كَافِرَةً - بِلَفْظِ: شَيْطَانَكَ، وَخَدِيجَةُ عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا مُؤْمِنَةً - بِلَفْظِ: رَبَّكَ أَوْ صَاحِبَكَ، وَقَالَتْ أُمُّ جَمِيلٍ شَمَاتَةً وَخَدِيجَةُ تَوَجُّعًا.

٢ - بَابُ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ، وَهُوَ تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاقِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ) أَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ عُرْوَةُ وَابْنُهُ هِشَامٌ، وَابْنُ أَبِي عُلَيَّةَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا وَدَّعَكَ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّوْدِيعِ وَمَا وَدَعَكَ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ مِنْ وَدَعْتُ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ كَوْنِهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ التَّوْدِيعَ مُبَالَغَةٌ فِي الْوَدْعِ لِأَنَّ مَنْ وَدَّعَكَ مُفَارِقًا فَقَدْ بَالَغَ فِي تَرْكِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا.

٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ قَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ. فَنَزَلَتْ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قَوْلُهُ: (فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: (قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ) هَذَا السِّيَاقُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خِطَابَ خَدِيجَةَ، دُونَ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خِطَابَ حَمَّالَةِ الْحَطَبِ لِتَعْبِيرِهَا بِالشَّيْطَانِ وَالتَّرْكِ وَمُخَاطَبَتِهَا بِمُحَمَّدٍ، بِخِلَافِ هَذِهِ فَقَالَتْ: صَاحِبُكَ، وَقَالَتْ: أَبْطَأَ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِأَنَّ مَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ أَبْطَأَكَ أَيْ صَيَّرَكَ بَطِيئًا فِي الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ بُطْأَهُ فِي الْإِقْرَاءِ يَسْتَلْزِمُ بُطْءَ الْآخَرِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا أَبْطَأَ عَنْكَ.

٩٤ - سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْقَضَ: أَثْقَلَ، ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَيْ إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَانْصَبْ: فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ أَلَمْ نَشْرَحْ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزْرَكَ: فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَفِي الْجَاهِلِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوِزْرِ، أَيِ الْكَائِنُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِوَضَعَ.

قَوْلُهُ: (أَنْقَضَ: أَتْقَنَ) قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَتْقَنَ بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ وَنُونٍ، وَهُوَ وَهْمٌ

وَالصَّوَابُ أَثْقَلَ بِمُثَلَّثَةٍ وَآخِرُهَا لَامٌ، وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: هَذَا وَهْمٌ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّمَّاكِ أَثْقَلَ بِالْمُثَلَّثَةِ هُوَ أَصَحُّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ وَيُرْوَى أَثْقَلَ وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى أَثْقَلَ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَتْقَنَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ الْفَرَبْرِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا مَعْشَرٍ يَقُولُ: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَثْقَلَ. وَوَقَعَ فِي الْكِتَابِ خَطَأٌ، قُلْتُ: أَبُو مَعْشَرٍ هُوَ حَمْدَوَيْهِ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ، كَانَ يَسْتَمْلِي عَلَى الْبُخَارِيِّ وَيُشَارِكُهُ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَأُضِرَّ بِأُخْرَةٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، قَالَ: أَثْقَلَ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، تَقُولُ الْعَرَبُ أَنْقَضَ الْحِمْلُ ظَهْرَ النَّاقَةِ إِذَا أَثْقَلَهَا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّقِيضِ وَهُوَ الصَّوْتُ، وَمِنْهُ سَمِعْتُ نَقِيضَ الرَّحْلِ أَيْ صَرِيرَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَيْ إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَهَذَا مُصَيَّرٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ إِلَى اتِّبَاعِ النُّحَاةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَمَا ثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَعَدُّدُ الْحُسْنَى كَذَا ثَبَتَ لَهُمْ تَعَدُّدُ الْيُسْرِ، أَوْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِ الْيُسْرَيْنِ الظَّفَرُ، وَبِالْآخَرِ الثَّوَابُ، فَلَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ أَحَدِهِمَا.

قَوْلُهُ: (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا، أَمَّا الْمَرْفُوعُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظُهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّ مَعَ الْيُسْرِ يُسْرًا أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ كَانَ الْعُسْرُ فِي جُحْرٍ لَدَخَلَ عَلَيْهِ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْيُسْرِ يُسْرًا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَقُولُ: مَهْمَا يَنْزِلُ بِامْرِئٍ مِنْ شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ لَكِنْ مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَأَخْرَجَهُ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَانْصَبْ: فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ فِي صَلَاتِكَ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى رَبِّكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْجِهَادِ فَتَعَبَّدْ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ (أَلَمْ نَشْرَحْ) حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَقُولُ رَبُّكَ أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي. وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِهِمَا قِصَّةَ شَرْحِ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

جندبُ بن عبد الله بن سفيان البجليُّ ( قَالَ: اشْتَكَى) مرضَ (رَسُولُ اللهِ فَلَمْ يَقُمْ) للتَّهجد (لَيْلَتَيْنِ) وفي نسخةٍ: «ليلة» بالإفراد (أَوْ ثَلَاثًا) بالشَّكِّ، والنَّصب على الظَّرفية (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ) هي العَوْراء بنتُ حربٍ أخت أبي سفيان، وهي حمَّالة الحطبِ زوج أبي لهبٍ، كما عندَ الحاكم (فَقَالَتْ) متهكِّمة: (يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ) بفتح القاف وكسر الراء، قربه يقْرَبه -بفتح الراء- متعدِّيًا، ومنه: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] وأمَّا قرُب -بضمها- فهو لازمٌ، تقول: قرُب الشَّيء؛ أي (١): دنَا، وقرِبته -بالكسر-، أي: دنوتُ منه، وهنا متعدٍّ (مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) نصب، وفي نسخةٍ: «أو ثلاثٍ»، ولأبي ذرٍّ: «أو ثلاثةٍ» خفض بـ «منذ» (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى﴾) وقتُ ارتفاعِ الشَّمس أو النَّهار كلِّه (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]) وقدَّم اللَّيل على النَّهار في السُّورة السَّابقة باعتبارِ الأصل، والنَّهار في هذه باعتبارِ الشَّرف.

(٢) (قوله: ﴿مَا﴾) وللمُستملي (٢): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿مَا﴾ (﴿وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] تُقْرَأُ) ﴿وَدَّعَكَ﴾ (بِالتَّشْدِيدِ) في الدال، وهي قراءةُ العامَّة (وَبالتَّخْفِيفِ) وهي قراءةُ عروة وهشام ابنِهِ وأبي حَيوة وابن أبي عَبلة، وهما (بِمَعْنًى وَاحِدٍ) أي: (مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٣) وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ).

٤٩٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشدَّدة، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ إسقاط: «محمَّد بن جعفر» وقال: «حدَّثنا غُنْدر» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)

ابنُ الحجَّاج (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العَبديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا البَجَلِيَّ) بفتح الموحدة (١) والجيم، يقول: (قَالَتِ امْرَأَةٌ) هي خديجةُ أمُّ المؤمنين توجُّعًا وتأسُّفًا: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أُرَى) بضم الهمزة، ما أظنُّ، ولأبي ذرٍّ: «ما أَرَى» بفتحها (صَاحِبَكَ) جبريل (إِلَّا أَبْطَأَكَ) أي: جعلكَ بطيئًا في القراءةِ؛ لأنَّ بُطأه في الإقراءِ بطء في قراءتهِ، أو هو من باب حذف حرف الجر وإيصال الفعل به. قاله الكَرْمانيُّ (فَنَزَلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]).

وهذا الحديثُ سبقَ في «باب تركِ القيامِ للمريضِ» (٢) [خ¦١١٢٥].

(((٩٤))) (سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثمان.

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «﴿لَكَ﴾» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿وِزْرَكَ﴾) أي: الكائن (فِي الجَاهِلِيَّةِ) من تركِ الأفضلِ والذَّهاب إلى الفاضلِ.

(﴿أَنقَضَ﴾ [الشرح: ٣]) أي: (أَثْقَلَ) بمثلثة فقاف فلام، كذا في الفَرْع كأصلِه (٣)، وعزاهَا في «الفتح» لابن السَّكن، وفي نسخة: «أتقن». وقال القاضِي عياضٌ: إنَّها كذا في جميعِ النُّسخ بفوقية وبعد القاف نون، وهو وهمٌ، والصَّواب الأوَّل، وأصلهُ الصَّوت، والنقيضُ: صوت المحاملِ

والرِّحال بالحاء المهملة.

(﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ: (أَيْ: مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ يُسْرًا آخَرَ) لأنَّ (١) النَّكرة إذا أعيدَت نكرةً فهي (٢) غير الأولى، فاليسرُ هنا اثنان، والعسر واحدٌ. قال الفرَّاء: إذا ذكرتِ العربُ نكرةً ثمَّ أعادتْها منكَّرة (٣) مثلها صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت (٤) درهمًا، فأنفِق درهمًا، فإنَّ الثَّاني غير الأوَّل، فإذا أعادتها معرفةً فهي هي، أي: نحو قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا. فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] وذكرَ الزَّجَّاج نحوه، وقال السَّيِّد في «الأمالي»: وإنَّما كان العُسر معرَّفًا واليُسر منكَّرًا؛ لأنَّ الاسمَ إذا تكرَّر منكَّرًا فالثَّاني غير الأوَّل، كقولك: جاءني رجلٌ

فقلتُ لرجلٍ كذا وكذا (١)، وكذلك (٢) إن كان الأوَّل معرفةً والثَّاني نكرةً؛ نحو: حضرَ الرَّجل فأكرمتُ رجلًا (٣) (كَقَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]) أي: كما ثبتَ للمؤمنين (٤) تعدُّد الحُسنى كذا ثبتَ لهم تعدُّد اليُسر (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ) رواه سعيدُ بن منصورٍ وعبدُ الرَّزَّاق من حديثِ ابنِ مسعودٍ بلفظ قال (٥): قال رسول الله : «لو كانَ العسرُ في جُحْرٍ؛ لدخلَ عليهِ اليُسر حتَّى يخرجَه، ولن يغلبَ عسرٌ يسرين» ثمَّ قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وإسنادهُ ضعيفٌ. وعن جابرٍ عند ابنِ مَرْدويه قال: قال رسول الله : «أوحِيَ إليَّ: إنَّ معَ العُسر يسرًا، إنَّ معَ العُسر يسرًا (٦)، ولن يغلبَ عسرٌ يُسْرين».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابنُ المبارك في «الزُّهد»: (﴿فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧]) أي: (فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ) وقال ابنُ عبَّاسٍ: إذا فرغتَ من الصَّلاةِ المكتُوبة فانصبْ إلى ربِّك في الدُّعاء (٧)، وارغَبْ إليهِ في المسألةِ.

(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما (٨) وصلَه ابنُ مَرْدويه بإسنادٍ فيه راوٍ ضعيفٍ في قولهِ تعالى: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ) وقيل: ألم نفتَحْ قلبكَ ونوسِّعه للإيمانِ والنُّبوَّة والعلمِ والحكمةِ (٩)، والاستفهام إذا دخلَ على النَّفيِ (١٠) قرَّره فصارَ المعنى: قد شرحنَا، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿لَكَ (١١) صَدْرَكَ﴾».

(((٩٥))) (سورة ﴿وَالتِّينِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ثمان، وثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِرْيابيُّ: (هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ (١) النَّاسُ) وخصَّهما بالقَسم لأنَّ التِّين فاكهةٌ طيبةٌ لا فضلَ لهُ (٢)، وغذاءٌ لطيفٌ سريعُ الهضمِ، ودواءٌ كثيرُ النَّفع؛ لأنَّه يلينُ الطَّبع، ويحلِّلُ البَلغم، ويطهِّر الكليتين، ويزيلُ رملَ المثانَةِ، ويفتحُ سدَّة الكبدِ والطُّحال، ويسمِّن البدنَ، ويقطعُ البواسيرَ، وينفعُ من النقرس، ويشبهُ فواكه الجنَّة؛ لأنَّه بلا عجمٍ، ويمكثُ في المعدةِ ويخرجُ بطريقِ الرَّشح، وأمَّا الزَّيتون ففاكهةٌ وإدامٌ ودواءٌ، وله دهنٌ لطيفٌ كثيرُ المنافع، وينبتُ في الجبالِ الَّتي ليست فيها دهنيَّة، فلمَّا كان فيهما هذه المنافعُ الدَّالة على قدرةِ خالقهما لا جرم أقسمَ الله بهما.

وعن ابنِ عبَّاس -فيما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ-: التِّين مسجدُ نوحٍ الَّذي بنيَ على الجُودي، وقيل: التِّين مسجدُ أصحابِ (٣) الكهفِ، والزَّيتون مسجدُ إيلياء.

(يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: ٧]) أي: (فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ (٤) النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟) يجازونَ بها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يدالون» باللام بدل النون، والأوَّل هو الصَّواب (كَأنَّه قَالَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالعِقَابِ؟) زادَ الفرَّاء: بعد ما تبيَّن لهُ كيفيَّة خلقهِ، و ﴿مَا﴾ استفهاميَّة في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر الفعل بعدها، والمخاطبُ الرَّسول، وقيل: الإنسانُ؛ على طريقةِ الالتفاتِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَرُبَ بِالضَّمِّ فَهُوَ لَازِمٌ. تَقُولُ: قَرُبَ الشَّيْءُ أَيْ دَنَا. وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَاكِمِ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: وَلَا أَرَى رَبَّكَ وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِمَا تَرَى مِنْ جَزَعِهِ وَهَذَانَ طَرِيقَانِ مُرْسَلَانِ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ أُمِّ جَمِيلٍ وَخَدِيجَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، لَكِنَّ أُمَّ جَمِيلٍ عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا كَافِرَةً - بِلَفْظِ: شَيْطَانَكَ، وَخَدِيجَةُ عَبَّرَتْ - لِكَوْنِهَا مُؤْمِنَةً - بِلَفْظِ: رَبَّكَ أَوْ صَاحِبَكَ، وَقَالَتْ أُمُّ جَمِيلٍ شَمَاتَةً وَخَدِيجَةُ تَوَجُّعًا.

٢ - بَابُ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ، وَهُوَ تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاقِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ) أَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ عُرْوَةُ وَابْنُهُ هِشَامٌ، وَابْنُ أَبِي عُلَيَّةَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا وَدَّعَكَ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّوْدِيعِ وَمَا وَدَعَكَ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ مِنْ وَدَعْتُ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ كَوْنِهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ التَّوْدِيعَ مُبَالَغَةٌ فِي الْوَدْعِ لِأَنَّ مَنْ وَدَّعَكَ مُفَارِقًا فَقَدْ بَالَغَ فِي تَرْكِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا.

٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ قَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ. فَنَزَلَتْ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قَوْلُهُ: (فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: (قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ) هَذَا السِّيَاقُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خِطَابَ خَدِيجَةَ، دُونَ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خِطَابَ حَمَّالَةِ الْحَطَبِ لِتَعْبِيرِهَا بِالشَّيْطَانِ وَالتَّرْكِ وَمُخَاطَبَتِهَا بِمُحَمَّدٍ، بِخِلَافِ هَذِهِ فَقَالَتْ: صَاحِبُكَ، وَقَالَتْ: أَبْطَأَ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِأَنَّ مَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ أَبْطَأَكَ أَيْ صَيَّرَكَ بَطِيئًا فِي الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ بُطْأَهُ فِي الْإِقْرَاءِ يَسْتَلْزِمُ بُطْءَ الْآخَرِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا أَبْطَأَ عَنْكَ.

٩٤ - سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْقَضَ: أَثْقَلَ، ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَيْ إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَانْصَبْ: فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ أَلَمْ نَشْرَحْ حَسْبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزْرَكَ: فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَفِي الْجَاهِلِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوِزْرِ، أَيِ الْكَائِنُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِوَضَعَ.

قَوْلُهُ: (أَنْقَضَ: أَتْقَنَ) قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَتْقَنَ بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ وَنُونٍ، وَهُوَ وَهْمٌ

وَالصَّوَابُ أَثْقَلَ بِمُثَلَّثَةٍ وَآخِرُهَا لَامٌ، وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: هَذَا وَهْمٌ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّمَّاكِ أَثْقَلَ بِالْمُثَلَّثَةِ هُوَ أَصَحُّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ وَيُرْوَى أَثْقَلَ وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى أَثْقَلَ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَتْقَنَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ الْفَرَبْرِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا مَعْشَرٍ يَقُولُ: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَثْقَلَ. وَوَقَعَ فِي الْكِتَابِ خَطَأٌ، قُلْتُ: أَبُو مَعْشَرٍ هُوَ حَمْدَوَيْهِ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ، كَانَ يَسْتَمْلِي عَلَى الْبُخَارِيِّ وَيُشَارِكُهُ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَأُضِرَّ بِأُخْرَةٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، قَالَ: أَثْقَلَ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، تَقُولُ الْعَرَبُ أَنْقَضَ الْحِمْلُ ظَهْرَ النَّاقَةِ إِذَا أَثْقَلَهَا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّقِيضِ وَهُوَ الصَّوْتُ، وَمِنْهُ سَمِعْتُ نَقِيضَ الرَّحْلِ أَيْ صَرِيرَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَيْ إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَهَذَا مُصَيَّرٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ إِلَى اتِّبَاعِ النُّحَاةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَمَا ثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَعَدُّدُ الْحُسْنَى كَذَا ثَبَتَ لَهُمْ تَعَدُّدُ الْيُسْرِ، أَوْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِ الْيُسْرَيْنِ الظَّفَرُ، وَبِالْآخَرِ الثَّوَابُ، فَلَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ أَحَدِهِمَا.

قَوْلُهُ: (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا، أَمَّا الْمَرْفُوعُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظُهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّ مَعَ الْيُسْرِ يُسْرًا أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ كَانَ الْعُسْرُ فِي جُحْرٍ لَدَخَلَ عَلَيْهِ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْيُسْرِ يُسْرًا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَقُولُ: مَهْمَا يَنْزِلُ بِامْرِئٍ مِنْ شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ لَكِنْ مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَأَخْرَجَهُ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَانْصَبْ: فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ فِي صَلَاتِكَ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى رَبِّكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْجِهَادِ فَتَعَبَّدْ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ (أَلَمْ نَشْرَحْ) حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَقُولُ رَبُّكَ أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي. وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِهِمَا قِصَّةَ شَرْحِ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

جندبُ بن عبد الله بن سفيان البجليُّ ( قَالَ: اشْتَكَى) مرضَ (رَسُولُ اللهِ فَلَمْ يَقُمْ) للتَّهجد (لَيْلَتَيْنِ) وفي نسخةٍ: «ليلة» بالإفراد (أَوْ ثَلَاثًا) بالشَّكِّ، والنَّصب على الظَّرفية (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ) هي العَوْراء بنتُ حربٍ أخت أبي سفيان، وهي حمَّالة الحطبِ زوج أبي لهبٍ، كما عندَ الحاكم (فَقَالَتْ) متهكِّمة: (يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ) بفتح القاف وكسر الراء، قربه يقْرَبه -بفتح الراء- متعدِّيًا، ومنه: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] وأمَّا قرُب -بضمها- فهو لازمٌ، تقول: قرُب الشَّيء؛ أي (١): دنَا، وقرِبته -بالكسر-، أي: دنوتُ منه، وهنا متعدٍّ (مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) نصب، وفي نسخةٍ: «أو ثلاثٍ»، ولأبي ذرٍّ: «أو ثلاثةٍ» خفض بـ «منذ» (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى﴾) وقتُ ارتفاعِ الشَّمس أو النَّهار كلِّه (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]) وقدَّم اللَّيل على النَّهار في السُّورة السَّابقة باعتبارِ الأصل، والنَّهار في هذه باعتبارِ الشَّرف.

(٢) (قوله: ﴿مَا﴾) وللمُستملي (٢): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿مَا﴾ (﴿وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] تُقْرَأُ) ﴿وَدَّعَكَ﴾ (بِالتَّشْدِيدِ) في الدال، وهي قراءةُ العامَّة (وَبالتَّخْفِيفِ) وهي قراءةُ عروة وهشام ابنِهِ وأبي حَيوة وابن أبي عَبلة، وهما (بِمَعْنًى وَاحِدٍ) أي: (مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٣) وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ).

٤٩٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشدَّدة، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ إسقاط: «محمَّد بن جعفر» وقال: «حدَّثنا غُنْدر» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)

ابنُ الحجَّاج (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العَبديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا البَجَلِيَّ) بفتح الموحدة (١) والجيم، يقول: (قَالَتِ امْرَأَةٌ) هي خديجةُ أمُّ المؤمنين توجُّعًا وتأسُّفًا: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أُرَى) بضم الهمزة، ما أظنُّ، ولأبي ذرٍّ: «ما أَرَى» بفتحها (صَاحِبَكَ) جبريل (إِلَّا أَبْطَأَكَ) أي: جعلكَ بطيئًا في القراءةِ؛ لأنَّ بُطأه في الإقراءِ بطء في قراءتهِ، أو هو من باب حذف حرف الجر وإيصال الفعل به. قاله الكَرْمانيُّ (فَنَزَلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]).

وهذا الحديثُ سبقَ في «باب تركِ القيامِ للمريضِ» (٢) [خ¦١١٢٥].

(((٩٤))) (سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثمان.

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «﴿لَكَ﴾» والبسملة لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿وِزْرَكَ﴾) أي: الكائن (فِي الجَاهِلِيَّةِ) من تركِ الأفضلِ والذَّهاب إلى الفاضلِ.

(﴿أَنقَضَ﴾ [الشرح: ٣]) أي: (أَثْقَلَ) بمثلثة فقاف فلام، كذا في الفَرْع كأصلِه (٣)، وعزاهَا في «الفتح» لابن السَّكن، وفي نسخة: «أتقن». وقال القاضِي عياضٌ: إنَّها كذا في جميعِ النُّسخ بفوقية وبعد القاف نون، وهو وهمٌ، والصَّواب الأوَّل، وأصلهُ الصَّوت، والنقيضُ: صوت المحاملِ

والرِّحال بالحاء المهملة.

(﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ: (أَيْ: مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ يُسْرًا آخَرَ) لأنَّ (١) النَّكرة إذا أعيدَت نكرةً فهي (٢) غير الأولى، فاليسرُ هنا اثنان، والعسر واحدٌ. قال الفرَّاء: إذا ذكرتِ العربُ نكرةً ثمَّ أعادتْها منكَّرة (٣) مثلها صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت (٤) درهمًا، فأنفِق درهمًا، فإنَّ الثَّاني غير الأوَّل، فإذا أعادتها معرفةً فهي هي، أي: نحو قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا. فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] وذكرَ الزَّجَّاج نحوه، وقال السَّيِّد في «الأمالي»: وإنَّما كان العُسر معرَّفًا واليُسر منكَّرًا؛ لأنَّ الاسمَ إذا تكرَّر منكَّرًا فالثَّاني غير الأوَّل، كقولك: جاءني رجلٌ

فقلتُ لرجلٍ كذا وكذا (١)، وكذلك (٢) إن كان الأوَّل معرفةً والثَّاني نكرةً؛ نحو: حضرَ الرَّجل فأكرمتُ رجلًا (٣) (كَقَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]) أي: كما ثبتَ للمؤمنين (٤) تعدُّد الحُسنى كذا ثبتَ لهم تعدُّد اليُسر (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ) رواه سعيدُ بن منصورٍ وعبدُ الرَّزَّاق من حديثِ ابنِ مسعودٍ بلفظ قال (٥): قال رسول الله : «لو كانَ العسرُ في جُحْرٍ؛ لدخلَ عليهِ اليُسر حتَّى يخرجَه، ولن يغلبَ عسرٌ يسرين» ثمَّ قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وإسنادهُ ضعيفٌ. وعن جابرٍ عند ابنِ مَرْدويه قال: قال رسول الله : «أوحِيَ إليَّ: إنَّ معَ العُسر يسرًا، إنَّ معَ العُسر يسرًا (٦)، ولن يغلبَ عسرٌ يُسْرين».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابنُ المبارك في «الزُّهد»: (﴿فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧]) أي: (فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ) وقال ابنُ عبَّاسٍ: إذا فرغتَ من الصَّلاةِ المكتُوبة فانصبْ إلى ربِّك في الدُّعاء (٧)، وارغَبْ إليهِ في المسألةِ.

(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فيما (٨) وصلَه ابنُ مَرْدويه بإسنادٍ فيه راوٍ ضعيفٍ في قولهِ تعالى: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ) وقيل: ألم نفتَحْ قلبكَ ونوسِّعه للإيمانِ والنُّبوَّة والعلمِ والحكمةِ (٩)، والاستفهام إذا دخلَ على النَّفيِ (١٠) قرَّره فصارَ المعنى: قد شرحنَا، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿لَكَ (١١) صَدْرَكَ﴾».

(((٩٥))) (سورة ﴿وَالتِّينِ﴾) مكِّيَّة أو مدنيَّة، وآيُها ثمان، وثبتَ لفظ: «سورة» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِرْيابيُّ: (هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ (١) النَّاسُ) وخصَّهما بالقَسم لأنَّ التِّين فاكهةٌ طيبةٌ لا فضلَ لهُ (٢)، وغذاءٌ لطيفٌ سريعُ الهضمِ، ودواءٌ كثيرُ النَّفع؛ لأنَّه يلينُ الطَّبع، ويحلِّلُ البَلغم، ويطهِّر الكليتين، ويزيلُ رملَ المثانَةِ، ويفتحُ سدَّة الكبدِ والطُّحال، ويسمِّن البدنَ، ويقطعُ البواسيرَ، وينفعُ من النقرس، ويشبهُ فواكه الجنَّة؛ لأنَّه بلا عجمٍ، ويمكثُ في المعدةِ ويخرجُ بطريقِ الرَّشح، وأمَّا الزَّيتون ففاكهةٌ وإدامٌ ودواءٌ، وله دهنٌ لطيفٌ كثيرُ المنافع، وينبتُ في الجبالِ الَّتي ليست فيها دهنيَّة، فلمَّا كان فيهما هذه المنافعُ الدَّالة على قدرةِ خالقهما لا جرم أقسمَ الله بهما.

وعن ابنِ عبَّاس -فيما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ-: التِّين مسجدُ نوحٍ الَّذي بنيَ على الجُودي، وقيل: التِّين مسجدُ أصحابِ (٣) الكهفِ، والزَّيتون مسجدُ إيلياء.

(يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: ٧]) أي: (فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ (٤) النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟) يجازونَ بها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يدالون» باللام بدل النون، والأوَّل هو الصَّواب (كَأنَّه قَالَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالعِقَابِ؟) زادَ الفرَّاء: بعد ما تبيَّن لهُ كيفيَّة خلقهِ، و ﴿مَا﴾ استفهاميَّة في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر الفعل بعدها، والمخاطبُ الرَّسول، وقيل: الإنسانُ؛ على طريقةِ الالتفاتِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله