«أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٨٦

الحديث رقم ٤٩٨٦ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب جمع القرآن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩٨٦ في صحيح البخاري

«أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ».

إسناد حديث رقم ٤٩٨٦ من صحيح البخاري

٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩٨٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قُرَيْشٍ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالضَّمِيرُ لِلسُّوَرِ أَوْ لِلْآيَاتِ أَوِ الصُّحُفِ الَّتِي أُحْضِرَتْ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ يَنْسَخُوا مَا فِي الْمَصَاحِفِ أَيْ يَنْقُلُوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مَصَاحِفَ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي صُحُفٍ لَا مَصَاحِفَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسَدَّدٌ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْقَطَّانُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ يَعْلَى) هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ وَالِدُ صَفْوَانَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ إِلَخْ) هَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى مَا حَضَرَ الْقِصَّةَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ بِالْإِسْنَادِ الْآخَرِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ هَمَّامٍ فَقَالَ فِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ فَوَضَحَ أَنَّهُ سَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِنَحْوِ اللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَقَدْ خَفِيَ وَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ.

وَقِيلَ: بَلْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أُرْسِلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَقَطْ لِكَوْنِهِمْ قَوْمَهُ، بَلْ أُرْسِلَ بِلِسَانِ جَمِيعِ الْعَرَبِ لِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ كُلِّهُمْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ خَاطَبَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي سَأَلَهُ بِمَا يَفْهَمُهُ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ بِجَوَابِ مَسْأَلَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِمَا يَفْهَمُهُ السَّائِلُ مِنَ الْعَرَبِ قُرَشِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ قُرَشِيٍّ، وَالْوَحْيُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا يُتْلَى أَوْ لَا يُتْلَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْوَحْيَ كُلَّهُ مَتْلُوًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا كَوْنُهُ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً عَرَبًا وَعَجَمًا وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ اللِّسَانَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِ الْوَحْيُ عَرَبِيٌّ وَهُوَ يُبَلِّغُهُ إِلَى طَوَائِفِ الْعَرَبِ وَهُمْ يُتَرْجِمُونَهُ لِغَيْرِ الْعَرَبِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: كَانَ إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَلْيَقُ، لَكِنْ لَعَلَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلِسَانٍ وَاحِدٍ.

٣ - بَاب جَمْعِ الْقُرْآنِ

٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريِّ العوفيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بنُ مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضم العين من غير إضافة لشيء، والسَّبَّاق: بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة، المدنيِّ التَّابعيِّ (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (مَقْتَلَ) أي: عقب مقتل (أَهْلِ اليَمَامَةِ) أي: من قتل بها من الصَّحابة في وقعةِ مُسَيلِمة الكذَّاب، لما ادَّعى النُّبوَّة وقوي أمرُه بعد وفاته بارتدادِ كثيرٍ من العرب، فخذلهُ الله وقتلهُ بالجيشِ الَّذي جهَّزه أبو بكر ، وقُتلَ بسبب ذلك من الصَّحابة قيل: سبع مئة أو أكثر (فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسين الساكنة والفوقية والحاء المهملة والراء المشددة المفتوحات، اشتدَّ وكثر (يَوْمَ) وقعة (اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ) وسَمَّى منهم في رواية سفيانِ بنِ عُيينة، عن الزُّهريِّ في «فوائدِ الدَّيْر عَاقولي»: سالمًا مولى حذيفة (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) بلفظ المضارعِ؛ أي: يشتدَّ، ولأبي ذرٍّ: «إن استحرَّ» (القَتْلُ) اشتدَّ (بِالقُرَّاءِ بِالمَوَاطِنِ) أي: في الأماكن التي يقعُ فيها القتال مع الكفار (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ) بقتل حفظته، والفاء في «فيذهبَ» للتَّعقيب (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكرٍ لزيد: (قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يفعلْ» (رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ) ردٌّ لقول أبي بكرٍ كيف تفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسولُ الله ؟ وإشعار بأنَّ من البدعِ ما هو حسنٌ وخيرٌ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي) في ذلك (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ) الَّذي شرحَ الله له صدرَ عمر (وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) لي: يا زيدُ (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ) أشارَ به إلى

حدَّة نظرهِ، وبعدهِ عن النِّسيان، وضبطهِ وإتقانهِ (عَاقِلٌ، لَا نَتَّهِمُكَ) أشارَ إلى عدمِ كذبه وأنَّه صدوقٌ، وفيه تمامُ معرفتهِ وغزارة علومهِ، وشدَّة تحقيقهِ، وتمكُّنه من هذا الشَّأن (وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بصيغة (١) الأمر (فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ) نقله (أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي به) أبو بكر (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ) فإن قلتَ: كيف عبَّر أولًا بقوله (٢): لو كلَّفُوني، وأفرد في قوله: ممَّا أمرني به (٣)؟ أُجيب بأنَّه جمع باعتبارِ أبي بكر ومَن وافقهُ، وأفردَ باعتبار أنَّه الآمر بذلك وحدهُ، وإنَّما قال زيدٌ ذلك خشية من التَّقصير في ذلك، لكنَّ الله تعالى يسَّره له تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٤٠].

(قُلْتُ) لهم: (كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ) أبو بكر: (هُوَ) أي: جمعه (وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي (٤) شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) وقتَ التَّتبُّع ممَّا عندي وعندَ غيري (مِنَ العُسُبِ) بضم العين والسين المهملتين ثمَّ الموحدة، جريدُ النَّخل العريضِ العاري عن الخُوْصِ (وَاللِّخَافِ) بكسر اللام وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف فاء، الحجارةُ الرِّقاق، أو هي الخزفُ -بالخاء والزاي المعجمتين والفاء- (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) حيث لا يجد ذلك مكتوبًا، أو الواو بمعنى: مع؛ أي: أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظِ في الصُّدور.

وعند أبي داود (٥): أنَّ عمر قام فقال: من كان تلقَّى من رسول الله شيئًا من القرآن

فليأتِ به، وكانوا كتبوا (١) ذلك في الصُّحف والألواح والعُسُب، قال: وكان لا يقبلُ من أحدٍ شيئًا حتى يشهدَ شاهدان (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ زيدًا كان لا يكتفي بمجرَّد وجدانهِ مكتوبًا حتى يشهدَ به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظُه، فكان يفعلُ ذلك مبالغةً في الاحتياطِ. ولأبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروةَ، عن أبيهِ: أنَّ أبا بكرٍ قال لعمر ولزيدٍ: اقعدا على بابِ المسجدِ، فمَن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتابِ الله فاكتباهُ. ورجالُهُ ثقاتٌ مع انقطاعهِ، ولعلَّ المراد بالشَّاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد أنَّهما يشهدان أنَّ ذلك المكتوب كُتب بين يدَي رسولِ الله ، أو أنَّهما يشهدانِ أنَّ ذلك (٣) من الوجوهِ الَّتي نزلَ بها القرآن، وكان غرضُهم أن لا يُكتب إلَّا مِن عين ما كُتبَ بين يديهِ ، لا من مجرَّد اللَّفظ، والمراد بصدورِ الرَّجال: الَّذين جمعُوا القرآنَ وحفظوهُ في صدُورهم كاملًا في حياتهِ ، كأبي بنِ كعبٍ، ومعاذ بنِ جبل.

(حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بنِ أوسِ بنِ يزيد بنِ حرام، وأبو خزيمةَ مشهورٌ بكنيتهِ لا يعرفُ اسمه، وشهدَ بدرًا وما بعدها (الأَنْصَارِيِّ) النَّجاريِّ (لَمْ أَجِدْهَا) مكتوبة (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ) ولا يلزمُ من عدم وجدانهِ إيَّاها حينئذٍ (٤) أن لا تكون تواترت عندَ من تلقَّاها من النَّبيِّ ، وإنَّما كان زيدٌ يطلبُ التَّثبت عمَّن تلقَّاها بغير واسطة، ولقد اجتمعَ في هذه الآيةِ -كما قاله الخطَّابي- زيدُ بن ثابتٍ (٥)، وأبو خزيمةَ، وعمر، وسقطَ قوله: «﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾» لأبي ذرٍّ (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي جمع فيها زيدُ بن ثابتٍ القرآن (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ) حتَّى توفَّاه الله (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ) وعنها؛ لأنَّها كانت وصية عمر، فاستمرَّ ما كان عندَه عندها إلى أن شرعَ عثمانُ في كتابة المصحفِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قُرَيْشٍ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالضَّمِيرُ لِلسُّوَرِ أَوْ لِلْآيَاتِ أَوِ الصُّحُفِ الَّتِي أُحْضِرَتْ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ يَنْسَخُوا مَا فِي الْمَصَاحِفِ أَيْ يَنْقُلُوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مَصَاحِفَ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي صُحُفٍ لَا مَصَاحِفَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسَدَّدٌ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْقَطَّانُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ يَعْلَى) هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ وَالِدُ صَفْوَانَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ إِلَخْ) هَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى مَا حَضَرَ الْقِصَّةَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ بِالْإِسْنَادِ الْآخَرِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ هَمَّامٍ فَقَالَ فِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ فَوَضَحَ أَنَّهُ سَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِنَحْوِ اللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَقَدْ خَفِيَ وَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ.

وَقِيلَ: بَلْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أُرْسِلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَقَطْ لِكَوْنِهِمْ قَوْمَهُ، بَلْ أُرْسِلَ بِلِسَانِ جَمِيعِ الْعَرَبِ لِأَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ كُلِّهُمْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ خَاطَبَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي سَأَلَهُ بِمَا يَفْهَمُهُ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ بِجَوَابِ مَسْأَلَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِمَا يَفْهَمُهُ السَّائِلُ مِنَ الْعَرَبِ قُرَشِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ قُرَشِيٍّ، وَالْوَحْيُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا يُتْلَى أَوْ لَا يُتْلَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْوَحْيَ كُلَّهُ مَتْلُوًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا كَوْنُهُ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً عَرَبًا وَعَجَمًا وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ اللِّسَانَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِ الْوَحْيُ عَرَبِيٌّ وَهُوَ يُبَلِّغُهُ إِلَى طَوَائِفِ الْعَرَبِ وَهُمْ يُتَرْجِمُونَهُ لِغَيْرِ الْعَرَبِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: كَانَ إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَلْيَقُ، لَكِنْ لَعَلَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلِسَانٍ وَاحِدٍ.

٣ - بَاب جَمْعِ الْقُرْآنِ

٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريِّ العوفيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بنُ مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضم العين من غير إضافة لشيء، والسَّبَّاق: بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة، المدنيِّ التَّابعيِّ (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (مَقْتَلَ) أي: عقب مقتل (أَهْلِ اليَمَامَةِ) أي: من قتل بها من الصَّحابة في وقعةِ مُسَيلِمة الكذَّاب، لما ادَّعى النُّبوَّة وقوي أمرُه بعد وفاته بارتدادِ كثيرٍ من العرب، فخذلهُ الله وقتلهُ بالجيشِ الَّذي جهَّزه أبو بكر ، وقُتلَ بسبب ذلك من الصَّحابة قيل: سبع مئة أو أكثر (فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسين الساكنة والفوقية والحاء المهملة والراء المشددة المفتوحات، اشتدَّ وكثر (يَوْمَ) وقعة (اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ) وسَمَّى منهم في رواية سفيانِ بنِ عُيينة، عن الزُّهريِّ في «فوائدِ الدَّيْر عَاقولي»: سالمًا مولى حذيفة (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) بلفظ المضارعِ؛ أي: يشتدَّ، ولأبي ذرٍّ: «إن استحرَّ» (القَتْلُ) اشتدَّ (بِالقُرَّاءِ بِالمَوَاطِنِ) أي: في الأماكن التي يقعُ فيها القتال مع الكفار (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ) بقتل حفظته، والفاء في «فيذهبَ» للتَّعقيب (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكرٍ لزيد: (قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يفعلْ» (رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ) ردٌّ لقول أبي بكرٍ كيف تفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسولُ الله ؟ وإشعار بأنَّ من البدعِ ما هو حسنٌ وخيرٌ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي) في ذلك (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ) الَّذي شرحَ الله له صدرَ عمر (وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) لي: يا زيدُ (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ) أشارَ به إلى

حدَّة نظرهِ، وبعدهِ عن النِّسيان، وضبطهِ وإتقانهِ (عَاقِلٌ، لَا نَتَّهِمُكَ) أشارَ إلى عدمِ كذبه وأنَّه صدوقٌ، وفيه تمامُ معرفتهِ وغزارة علومهِ، وشدَّة تحقيقهِ، وتمكُّنه من هذا الشَّأن (وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بصيغة (١) الأمر (فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ) نقله (أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي به) أبو بكر (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ) فإن قلتَ: كيف عبَّر أولًا بقوله (٢): لو كلَّفُوني، وأفرد في قوله: ممَّا أمرني به (٣)؟ أُجيب بأنَّه جمع باعتبارِ أبي بكر ومَن وافقهُ، وأفردَ باعتبار أنَّه الآمر بذلك وحدهُ، وإنَّما قال زيدٌ ذلك خشية من التَّقصير في ذلك، لكنَّ الله تعالى يسَّره له تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٤٠].

(قُلْتُ) لهم: (كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ) أبو بكر: (هُوَ) أي: جمعه (وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي (٤) شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) وقتَ التَّتبُّع ممَّا عندي وعندَ غيري (مِنَ العُسُبِ) بضم العين والسين المهملتين ثمَّ الموحدة، جريدُ النَّخل العريضِ العاري عن الخُوْصِ (وَاللِّخَافِ) بكسر اللام وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف فاء، الحجارةُ الرِّقاق، أو هي الخزفُ -بالخاء والزاي المعجمتين والفاء- (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) حيث لا يجد ذلك مكتوبًا، أو الواو بمعنى: مع؛ أي: أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظِ في الصُّدور.

وعند أبي داود (٥): أنَّ عمر قام فقال: من كان تلقَّى من رسول الله شيئًا من القرآن

فليأتِ به، وكانوا كتبوا (١) ذلك في الصُّحف والألواح والعُسُب، قال: وكان لا يقبلُ من أحدٍ شيئًا حتى يشهدَ شاهدان (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ زيدًا كان لا يكتفي بمجرَّد وجدانهِ مكتوبًا حتى يشهدَ به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظُه، فكان يفعلُ ذلك مبالغةً في الاحتياطِ. ولأبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروةَ، عن أبيهِ: أنَّ أبا بكرٍ قال لعمر ولزيدٍ: اقعدا على بابِ المسجدِ، فمَن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتابِ الله فاكتباهُ. ورجالُهُ ثقاتٌ مع انقطاعهِ، ولعلَّ المراد بالشَّاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد أنَّهما يشهدان أنَّ ذلك المكتوب كُتب بين يدَي رسولِ الله ، أو أنَّهما يشهدانِ أنَّ ذلك (٣) من الوجوهِ الَّتي نزلَ بها القرآن، وكان غرضُهم أن لا يُكتب إلَّا مِن عين ما كُتبَ بين يديهِ ، لا من مجرَّد اللَّفظ، والمراد بصدورِ الرَّجال: الَّذين جمعُوا القرآنَ وحفظوهُ في صدُورهم كاملًا في حياتهِ ، كأبي بنِ كعبٍ، ومعاذ بنِ جبل.

(حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بنِ أوسِ بنِ يزيد بنِ حرام، وأبو خزيمةَ مشهورٌ بكنيتهِ لا يعرفُ اسمه، وشهدَ بدرًا وما بعدها (الأَنْصَارِيِّ) النَّجاريِّ (لَمْ أَجِدْهَا) مكتوبة (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ) ولا يلزمُ من عدم وجدانهِ إيَّاها حينئذٍ (٤) أن لا تكون تواترت عندَ من تلقَّاها من النَّبيِّ ، وإنَّما كان زيدٌ يطلبُ التَّثبت عمَّن تلقَّاها بغير واسطة، ولقد اجتمعَ في هذه الآيةِ -كما قاله الخطَّابي- زيدُ بن ثابتٍ (٥)، وأبو خزيمةَ، وعمر، وسقطَ قوله: «﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾» لأبي ذرٍّ (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي جمع فيها زيدُ بن ثابتٍ القرآن (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ) حتَّى توفَّاه الله (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ) وعنها؛ لأنَّها كانت وصية عمر، فاستمرَّ ما كان عندَه عندها إلى أن شرعَ عثمانُ في كتابة المصحفِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله