الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩
الحديث رقم ٤٩ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَيْ قَدْ يَئُولُ هَذَا الْفِعْلُ بِشُؤْمِهِ إِلَى الْكُفْرِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ، وَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَحْصُلِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السِّبَابِ وَالْقِتَالِ، فَإِنَّ مُسْتَحِلَّ لَعْنِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ يَكْفُرُ أَيْضًا. ثُمَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ. وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَفِيهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ تَغْلِيظًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ فَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ; لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فَوْقَ الْمُشَبَّهِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي التَّأْثِيرِ: هَذَا فِي الْعَرْضِ، وَهَذَا فِي النَّفْسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَرَدَ لِهَذَا الْمَتْنِ سَبَبٌ ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفِتَنِ فِي أَوَاخِرِ الصَّحِيحِ.
٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عن أَنَسُ قال: أخبرنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ.
[الحديث ٤٩ - طرفاه في: ٦٠٤٩، ٢٠٢٣]
قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ) هُوَ الطَّوِيلُ (عَنْ أَنَسٍ)، وَلِلْأَصِيلِيِّ: حَدَّثَنَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَمِنَّا تَدْلِيسَ حُمَيْدٍ، وهو مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ، أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَيْ: بِتَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
قَوْلُهُ: (فَتَلَاحَى) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّلَاحِي بِكَسْرِهَا، وهو التَّنَازُعُ وَالْمُخَاصَمَةُ، وَالرَّجُلَانِ أَفَادَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ - بِحَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ سَاكِنَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ، ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا - وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ. وَقَوْلُهُ: فَرُفِعَتْ أَيْ فَرُفِعَ تَعْيِينُهَا عَنْ ذِكْرِي، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَا. وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا أَوْضَحَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ: يَدَّعِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُحِقُّ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنَسِيتُهَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَاصَمَةَ مَذْمُومَةٌ، وَأَنَّهَا سَبَبٌ فِي الْعُقُوبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَيِ: الْحِرْمَانِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَحْضُرُهُ الشَّيْطَانُ تُرْفَعُ مِنْهُ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ الْمُخَاصَمَةُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مَذْمُومَةً؟ قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَتْ كَذَلِكَ لِوُقُوعِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وهو مَحَلُّ الذِّكْرِ لَا اللَّغْوِ، ثُمَّ فِي الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ أَيْضًا بِالذِّكْرِ لَا اللَّغْوِ، وهو شَهْرُ رَمَضَانَ، فَالذَّمُّ لِمَا عَرَضَ فِيهَا لَا لِذَاتِهَا، ثُمَّ إِنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وَرَفْعُهُ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ وَمُطَابَقَتُهَا لَهُ، وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ.
فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ بِالْعَمَلِ الَّذِي لَا قَصْدَ فِيهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ بِالْإِحْبَاطِ لِاعْتِقَادِكُمْ صِغَرَ الذَّنْبِ، فَقَدْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ الذَّنْبَ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَيْ: عِنْدَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، أَيْ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي هذا الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكم على من سبَّه بالفسق، ورجاله كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاء، ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، مع التَّحديث إفرادًا وجمعًا، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «المُحارَبَة».
٤٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) السَّابق، وفي رواية الأَصيليِّ بإسقاط: «ابن سعيدٍ» وفي رواية أبي الوقت: «هو ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن أبي حُمَيْدٍ تِيْر؛ بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ، أي: السَّهميِّ الخزاعيِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وزاد الأَصيليُّ (١): «ابن مالكٍ» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا أنسٌ» ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (٢) «أنسٌ» وبذلك يحصل الأمن من تدليس حُمَيْدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من الحجرة (يُخْبِرُ) استئنافٌ أو حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: مقدِّرين الخلود (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) أي: بتعيينها (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، مِنَ التَّلاحِي؛ بكسرها، أي: تنازع
(رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) وهما -فيما قاله ابن دحية-: عبد الله بن أبي حَدْرد؛ بمُهمَلَةٍ مفتوحةٍ ودالين مُهمَلَتين أولاهما ساكنةٌ وبينهما راءٌ، وكعبُ بن مالكٍ، كان له على عبد الله دَيْنٌ فطلبه، فتنازعا، وارتفع صوتهما في المسجد (فَقَالَ) ﷺ: (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بـ «أَنِ» المُقدَّرة بعد لام التَّعليل، و «الضَّمير» مفعول «أخبر» الأوَّل، وقوله: (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) سدَّ مسدَّ الثَّاني والثَّالث، أي: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي ليلةُ كذا (وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ) ابن أبي (١) حدرد وكعب بن مالكٍ في المسجد وشهر رمضان اللَّذين هما محلَّان للذِّكر لا لِلَّغو، مع استلزام ذلك لرفع الصَّوت بحضرة الرَّسول ﵊ المنهيِّ عنه (فَرُفِعَتْ) أي: رُفِعَ بيانُها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «فجاء رجلان يحتقَّان -بتشديد القاف، أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه مُحِقٌّ- معهما الشَّيطان فنُسِّيتها» (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رَفْعُها (خَيْرًا لَكُمُ) لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، فتكون زيادةً في ثوابكم، ولو كانت مُعيَّنةً لاقتصرتم عليها فَقَلَّ عملكم، وشَذَّ قومٌ فقالوا برفعها وهو غلطٌ كما بيَّنه قوله: (التَمِسُوهَا) أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المُرَاد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فالتمسوها» (فِي) ليلة (السَّبْعِ) -بالمُوحَّدة- والعشرين من رمضان المذكور (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه (وَالخَمْسِ) والعشرين منه، كما استُفِيد التَّقدير من رواياتٍ أُخَرَ، وفي روايةٍ: بتقديم التِّسع -بالمُثنَّاة- على السَّبع -بالمُوحَّدة- فإن قلت: كيف أمر بطلب ما رُفِعَ علمه؟ أُجِيب: بأنَّ المُرَادَ طلبُ التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مُضَافًا (٢) لها، لا أنَّه أمر بطلب العلم بعينه.
وفي الحديث: ذمُّ المُلاحَاة والخصومة، وأنَّهما سبب العقوبة للعامَّة بذنب الخاصَّة، والحثُّ على طلب ليلة القدر، ورواتُهُ ما بين بَلخِيٍّ وبَصرِيٍّ ومدنِيٍّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦٢٠٢٣] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤٩]، وكذا النَّسائيُّ.
(٣٧) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ؛ لإضافته إلى قوله (١): (سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ) بإضافة «سؤالِ» لـ «جبريل» من إضافة المصدر للفاعل، و «النَّبيَّ»: نصب معمول المصدر (وَ) عن (عِلْمِ) وقت (السَّاعَةِ) قُدِّر بالوقت لأنَّ السُّؤال لم يقع عن نفس السَّاعة، وإنَّما هو عن وقتها؛ بقرينة ذكر: متى السَّاعة (٢)؟ (وَبَيَانِ) -بالجرِّ- عطفًا على سؤالِ جبريلَ (النَّبِيِّ ﷺ لَهُ) أكثرَ المسؤولِ عنه لأنَّه لم يبيِّن وقت الساعة؛ إذ حكم مُعظَمِ الشَّيءِ حكمُ كلِّه، أو أنَّ قوله عنِ السَّاعة: «لا يعلمها إلَّا الله» بيانٌ له (ثُمَّ قَالَ) ﷺ، وعطف الجملة الفعليَّة على الاسميَّة لأنَّ الأسلوب يتغيَّر بتغيُّر المقصود؛ لأنَّ مقصوده من الكلامِ الأوَّلِ: التَّرجمة، ومن الثَّاني: كيفيَّة الاستدلال، فَلِتغايرهما تَغَايَرَ الأسلوبان (جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ) ﷺ (ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا) يدخل فيه اعتقاد وجود السَّاعة، وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى لأنَّهما من الدِّين (وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: مع ما بيَّن للوفد أنَّ الإيمان هو الإسلام؛ حيث فسَّره في قصَّتهم بما فسَّر به الإسلام (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وقول الله تعالى» وفي رواية الأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]) أي: ومع ما دلَّت عليه هذه الآية أنَّ الإسلام هو الدِّين؛ إذ لو كان غيره لم يُقبَل، فاقتضى ذلك أنَّ الإيمانَ والإسلامَ شيءٌ واحدٌ، ويؤيِّده ما نقل أبو عوانة في «صحيحه» عن المزنيِّ من (٣) الجزم بأنَّهما عبارةٌ عن معنًى واحدٍ، وأنَّه سمع ذلك من الشَّافعيِّ، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَيْ قَدْ يَئُولُ هَذَا الْفِعْلُ بِشُؤْمِهِ إِلَى الْكُفْرِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ، وَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَحْصُلِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السِّبَابِ وَالْقِتَالِ، فَإِنَّ مُسْتَحِلَّ لَعْنِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ يَكْفُرُ أَيْضًا. ثُمَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ. وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَفِيهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ تَغْلِيظًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ فَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ; لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فَوْقَ الْمُشَبَّهِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي التَّأْثِيرِ: هَذَا فِي الْعَرْضِ، وَهَذَا فِي النَّفْسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَرَدَ لِهَذَا الْمَتْنِ سَبَبٌ ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفِتَنِ فِي أَوَاخِرِ الصَّحِيحِ.
٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عن أَنَسُ قال: أخبرنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ.
[الحديث ٤٩ - طرفاه في: ٦٠٤٩، ٢٠٢٣]
قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ) هُوَ الطَّوِيلُ (عَنْ أَنَسٍ)، وَلِلْأَصِيلِيِّ: حَدَّثَنَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَمِنَّا تَدْلِيسَ حُمَيْدٍ، وهو مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ، أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَيْ: بِتَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
قَوْلُهُ: (فَتَلَاحَى) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّلَاحِي بِكَسْرِهَا، وهو التَّنَازُعُ وَالْمُخَاصَمَةُ، وَالرَّجُلَانِ أَفَادَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ - بِحَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ سَاكِنَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ، ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا - وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ. وَقَوْلُهُ: فَرُفِعَتْ أَيْ فَرُفِعَ تَعْيِينُهَا عَنْ ذِكْرِي، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَا. وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا أَوْضَحَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ: يَدَّعِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُحِقُّ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنَسِيتُهَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَاصَمَةَ مَذْمُومَةٌ، وَأَنَّهَا سَبَبٌ فِي الْعُقُوبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَيِ: الْحِرْمَانِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَحْضُرُهُ الشَّيْطَانُ تُرْفَعُ مِنْهُ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ الْمُخَاصَمَةُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مَذْمُومَةً؟ قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَتْ كَذَلِكَ لِوُقُوعِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وهو مَحَلُّ الذِّكْرِ لَا اللَّغْوِ، ثُمَّ فِي الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ أَيْضًا بِالذِّكْرِ لَا اللَّغْوِ، وهو شَهْرُ رَمَضَانَ، فَالذَّمُّ لِمَا عَرَضَ فِيهَا لَا لِذَاتِهَا، ثُمَّ إِنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وَرَفْعُهُ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ وَمُطَابَقَتُهَا لَهُ، وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ.
فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ بِالْعَمَلِ الَّذِي لَا قَصْدَ فِيهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ بِالْإِحْبَاطِ لِاعْتِقَادِكُمْ صِغَرَ الذَّنْبِ، فَقَدْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ الذَّنْبَ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَيْ: عِنْدَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، أَيْ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي هذا الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكم على من سبَّه بالفسق، ورجاله كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاء، ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، مع التَّحديث إفرادًا وجمعًا، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «المُحارَبَة».
٤٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) السَّابق، وفي رواية الأَصيليِّ بإسقاط: «ابن سعيدٍ» وفي رواية أبي الوقت: «هو ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن أبي حُمَيْدٍ تِيْر؛ بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ، أي: السَّهميِّ الخزاعيِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وزاد الأَصيليُّ (١): «ابن مالكٍ» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا أنسٌ» ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (٢) «أنسٌ» وبذلك يحصل الأمن من تدليس حُمَيْدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من الحجرة (يُخْبِرُ) استئنافٌ أو حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: مقدِّرين الخلود (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) أي: بتعيينها (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، مِنَ التَّلاحِي؛ بكسرها، أي: تنازع
(رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) وهما -فيما قاله ابن دحية-: عبد الله بن أبي حَدْرد؛ بمُهمَلَةٍ مفتوحةٍ ودالين مُهمَلَتين أولاهما ساكنةٌ وبينهما راءٌ، وكعبُ بن مالكٍ، كان له على عبد الله دَيْنٌ فطلبه، فتنازعا، وارتفع صوتهما في المسجد (فَقَالَ) ﷺ: (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بـ «أَنِ» المُقدَّرة بعد لام التَّعليل، و «الضَّمير» مفعول «أخبر» الأوَّل، وقوله: (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) سدَّ مسدَّ الثَّاني والثَّالث، أي: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي ليلةُ كذا (وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ) ابن أبي (١) حدرد وكعب بن مالكٍ في المسجد وشهر رمضان اللَّذين هما محلَّان للذِّكر لا لِلَّغو، مع استلزام ذلك لرفع الصَّوت بحضرة الرَّسول ﵊ المنهيِّ عنه (فَرُفِعَتْ) أي: رُفِعَ بيانُها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «فجاء رجلان يحتقَّان -بتشديد القاف، أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه مُحِقٌّ- معهما الشَّيطان فنُسِّيتها» (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رَفْعُها (خَيْرًا لَكُمُ) لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، فتكون زيادةً في ثوابكم، ولو كانت مُعيَّنةً لاقتصرتم عليها فَقَلَّ عملكم، وشَذَّ قومٌ فقالوا برفعها وهو غلطٌ كما بيَّنه قوله: (التَمِسُوهَا) أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المُرَاد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فالتمسوها» (فِي) ليلة (السَّبْعِ) -بالمُوحَّدة- والعشرين من رمضان المذكور (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه (وَالخَمْسِ) والعشرين منه، كما استُفِيد التَّقدير من رواياتٍ أُخَرَ، وفي روايةٍ: بتقديم التِّسع -بالمُثنَّاة- على السَّبع -بالمُوحَّدة- فإن قلت: كيف أمر بطلب ما رُفِعَ علمه؟ أُجِيب: بأنَّ المُرَادَ طلبُ التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مُضَافًا (٢) لها، لا أنَّه أمر بطلب العلم بعينه.
وفي الحديث: ذمُّ المُلاحَاة والخصومة، وأنَّهما سبب العقوبة للعامَّة بذنب الخاصَّة، والحثُّ على طلب ليلة القدر، ورواتُهُ ما بين بَلخِيٍّ وبَصرِيٍّ ومدنِيٍّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦٢٠٢٣] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤٩]، وكذا النَّسائيُّ.
(٣٧) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ؛ لإضافته إلى قوله (١): (سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ) بإضافة «سؤالِ» لـ «جبريل» من إضافة المصدر للفاعل، و «النَّبيَّ»: نصب معمول المصدر (وَ) عن (عِلْمِ) وقت (السَّاعَةِ) قُدِّر بالوقت لأنَّ السُّؤال لم يقع عن نفس السَّاعة، وإنَّما هو عن وقتها؛ بقرينة ذكر: متى السَّاعة (٢)؟ (وَبَيَانِ) -بالجرِّ- عطفًا على سؤالِ جبريلَ (النَّبِيِّ ﷺ لَهُ) أكثرَ المسؤولِ عنه لأنَّه لم يبيِّن وقت الساعة؛ إذ حكم مُعظَمِ الشَّيءِ حكمُ كلِّه، أو أنَّ قوله عنِ السَّاعة: «لا يعلمها إلَّا الله» بيانٌ له (ثُمَّ قَالَ) ﷺ، وعطف الجملة الفعليَّة على الاسميَّة لأنَّ الأسلوب يتغيَّر بتغيُّر المقصود؛ لأنَّ مقصوده من الكلامِ الأوَّلِ: التَّرجمة، ومن الثَّاني: كيفيَّة الاستدلال، فَلِتغايرهما تَغَايَرَ الأسلوبان (جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ) ﷺ (ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا) يدخل فيه اعتقاد وجود السَّاعة، وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى لأنَّهما من الدِّين (وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: مع ما بيَّن للوفد أنَّ الإيمان هو الإسلام؛ حيث فسَّره في قصَّتهم بما فسَّر به الإسلام (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وقول الله تعالى» وفي رواية الأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]) أي: ومع ما دلَّت عليه هذه الآية أنَّ الإسلام هو الدِّين؛ إذ لو كان غيره لم يُقبَل، فاقتضى ذلك أنَّ الإيمانَ والإسلامَ شيءٌ واحدٌ، ويؤيِّده ما نقل أبو عوانة في «صحيحه» عن المزنيِّ من (٣) الجزم بأنَّهما عبارةٌ عن معنًى واحدٍ، وأنَّه سمع ذلك من الشَّافعيِّ، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.