«إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٢١

الحديث رقم ٥٠٢١ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل القرآن على سائر الكلام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٠٢١ في صحيح البخاري

«إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ».

بَابُ الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللهِ ﷿

إسناد حديث رقم ٥٠٢١ من صحيح البخاري

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٠٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ فيها، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا.

[الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠]

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَقُولُ الرَّبُّ ﷿: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ فَفِيهِ ضَعْفٌ؛ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مُرْسَلًا وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَأَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي إِسْنَادِهِ صَفْوَانُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ - ثُمَّ قَالَ: - وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ هَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فَذَكَرَهُ، وَأَشَارَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْعَسْكَرِيُّ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِمَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ جِيمٌ ثَقِيلَةٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ. وَيُزَادُ قَبْلَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيُقَالُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَتَبْلُغُ مَعَ التَّخْفِيفِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قِيلَ: خَصَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ بِالطَّعْمِ وَصِفَةَ التِّلَاوَةِ بِالرِّيحِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَلْزَمُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ إِذْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْإِيمَانِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّعْمُ أَلْزَمُ لِلْجَوْهَرِ مِنَ الرِّيحِ فَقَدْ يَذْهَبُ رِيحُ الْجَوْهَرِ وَيَبْقَى طَعْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْأُتْرُجَّةِ بِالتَّمْثِيلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفَاكِهَةِ الَّتِي تَجْمَعُ طِيبَ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ

يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِحٌ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ حَبِّهَا دُهْنٌ لَهُ مَنَافِعُ وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجَّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا تَقْرَبُهُ الشَّيَاطِينُ، وَغِلَافُ حَبِّهِ أَبْيَضُ فَيُنَاسِبُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَزَايَا كِبَرُ جُرْمِهَا وَحُسْنُ مَنْظَرِهَا وَتَفْرِيحُ لَوْنِهَا وَلِينُ مَلْمَسِهَا، وَفِي أَكْلِهَا مَعَ الِالْتِذَاذِ طِيبُ نَكْهَةٍ وَدِبَاغُ مَعِدَةٍ وَجَوْدَةِ هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِعُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْمُفْرَدَاتِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابِ: الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ وَأَنَّ التَّمْثِيلَ وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُخَالِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا مُطْلَقَ التِّلَاوَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَثُرَ التَّقْسِيمُ كَأَنْ يُقَالَ الَّذِي يَقْرَأُ وَيَعْمَلُ وَعَكْسُهُ وَالَّذِي يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ وَعَكْسُهُ، وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُمْكِنَةٌ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِسْمَانِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ نِفَاقُهُ نِفَاقُ كُفْرٍ، وَكَأَنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حُذِفَ مِنَ التَّمْثِيلِ قِسْمَانِ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَعْمَلُ، وَالَّذِي لَا يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ، وَهُمَا شَبِيهَانِ بِحَالِ الْمُنَافِقِ فَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ الْأَوَّلِ بِالرَّيْحَانَةِ وَالثَّانِي بِالْحَنْظَلَةِ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِ، وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ قَدْ ذُكِرَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: لَهَا.

قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَرِيحُهَا مُرٌّ وَاسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَرَارَةَ مِنْ أَوْصَافِ الطُّعُومِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهَا الرِّيحُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِيحَهَا لَمَّا كَانَ كَرِيهًا اسْتُعِيرَ لَهُ وَصْفُ الْمَرَارَةِ، وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ وَلَا رِيحَ لَهَا ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَمَّا جَاءَ فِيهِ: وَلَا رِيحَ لَهَا هَذَا أَصْوَبُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُرٌّ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهَا وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ نَسَبَهَا لِلتِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ حَامِلِي الْقُرْآنِ، وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ.

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ قَارِئِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَلْزِمُ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَمَا فَضَّلَ الْأُتْرُجُّ عَلَى سَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَثُبُوتِ الْفَضْلِ لَهَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضْلِ كِتَابِهَا الَّذِي أُمِرَتْ بِالْعَمَلِ بِهِ.

١٨ - بَاب الوصاة بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿

٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: آوْصَى النَّبِيُّ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثُ الْبَابِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا حِينَ قَالَ لَهُ: هَلْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَارَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا مُطْلَقَ الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ حِفْظُهُ حِسًّا وَمَعْنًى، فَيُكْرَمُ وَيُصَانُ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ فَيَعْمَلُ بِأَوَامِرِهِ وَيَجْتَنِبُ نَوَاهِيهِ وَيُدَاوِمُ تِلَاوَتَهُ وَتَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ وَنَحْوُهُ ذَلِكَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«الأدبِ»، والتِّرمذيُّ في «الأمثالِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».

٥٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ) وللأَصيليِّ: «ما» (خَلَا) مضى (مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقتِ (صَلَاةِ العَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟) مرَّتين لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، ولغيرهِ مرَّة واحدة (١) (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) إلى نصفِ النَّهار (فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى العَصْرِ؟) وزاد الأَصيليُّ: «على قيراطٍ» (فَعَمِلَتِ النَّصَارَى) إلى العصرِ (ثُمَّ أَنْتُمْ) أيُّها المسلمونَ (تَعْمَلُونَ مِنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتِّكرار مرَّتين، واستكملوا أجرَ الفريقينِ (قَالُوا) أي: اليهود والنَّصارى: (نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى العصرِ أكثرُ من وقتِ العصرِ إلى الغروبِ (وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكُم (مِنْ حَقِّكُمْ؟) أي: الَّذي شرطتُهُ لكم (قَالُوا: لَا) لم تنقصنَا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «فذلك» باللام (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ).

ومطابقةُ هذا الحديثِ من جهةِ ثبوتِ فضلِ هذه الأمَّة على غيرهَا من الأممِ، وثبوتِ الفضلِ لها بما ثبتَ من فضلِ كتابها الَّذي أمرتْ بالعملِ به، وهذا الحديثُ سبقَ في: «باب من أدركَ ركعةً من العصرِ»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٥٧].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ فيها، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا.

[الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠]

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَقُولُ الرَّبُّ ﷿: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ فَفِيهِ ضَعْفٌ؛ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مُرْسَلًا وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَأَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي إِسْنَادِهِ صَفْوَانُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ - ثُمَّ قَالَ: - وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ هَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فَذَكَرَهُ، وَأَشَارَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْعَسْكَرِيُّ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِمَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ جِيمٌ ثَقِيلَةٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ. وَيُزَادُ قَبْلَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيُقَالُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَتَبْلُغُ مَعَ التَّخْفِيفِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قِيلَ: خَصَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ بِالطَّعْمِ وَصِفَةَ التِّلَاوَةِ بِالرِّيحِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَلْزَمُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ إِذْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْإِيمَانِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّعْمُ أَلْزَمُ لِلْجَوْهَرِ مِنَ الرِّيحِ فَقَدْ يَذْهَبُ رِيحُ الْجَوْهَرِ وَيَبْقَى طَعْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْأُتْرُجَّةِ بِالتَّمْثِيلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفَاكِهَةِ الَّتِي تَجْمَعُ طِيبَ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ

يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِحٌ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ حَبِّهَا دُهْنٌ لَهُ مَنَافِعُ وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجَّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا تَقْرَبُهُ الشَّيَاطِينُ، وَغِلَافُ حَبِّهِ أَبْيَضُ فَيُنَاسِبُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَزَايَا كِبَرُ جُرْمِهَا وَحُسْنُ مَنْظَرِهَا وَتَفْرِيحُ لَوْنِهَا وَلِينُ مَلْمَسِهَا، وَفِي أَكْلِهَا مَعَ الِالْتِذَاذِ طِيبُ نَكْهَةٍ وَدِبَاغُ مَعِدَةٍ وَجَوْدَةِ هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِعُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْمُفْرَدَاتِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابِ: الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ وَأَنَّ التَّمْثِيلَ وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُخَالِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا مُطْلَقَ التِّلَاوَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَثُرَ التَّقْسِيمُ كَأَنْ يُقَالَ الَّذِي يَقْرَأُ وَيَعْمَلُ وَعَكْسُهُ وَالَّذِي يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ وَعَكْسُهُ، وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُمْكِنَةٌ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِسْمَانِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ نِفَاقُهُ نِفَاقُ كُفْرٍ، وَكَأَنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حُذِفَ مِنَ التَّمْثِيلِ قِسْمَانِ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَعْمَلُ، وَالَّذِي لَا يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ، وَهُمَا شَبِيهَانِ بِحَالِ الْمُنَافِقِ فَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ الْأَوَّلِ بِالرَّيْحَانَةِ وَالثَّانِي بِالْحَنْظَلَةِ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِ، وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ قَدْ ذُكِرَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: لَهَا.

قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَرِيحُهَا مُرٌّ وَاسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَرَارَةَ مِنْ أَوْصَافِ الطُّعُومِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهَا الرِّيحُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِيحَهَا لَمَّا كَانَ كَرِيهًا اسْتُعِيرَ لَهُ وَصْفُ الْمَرَارَةِ، وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ وَلَا رِيحَ لَهَا ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَمَّا جَاءَ فِيهِ: وَلَا رِيحَ لَهَا هَذَا أَصْوَبُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُرٌّ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهَا وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ نَسَبَهَا لِلتِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ حَامِلِي الْقُرْآنِ، وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ.

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ قَارِئِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَلْزِمُ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَمَا فَضَّلَ الْأُتْرُجُّ عَلَى سَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَثُبُوتِ الْفَضْلِ لَهَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضْلِ كِتَابِهَا الَّذِي أُمِرَتْ بِالْعَمَلِ بِهِ.

١٨ - بَاب الوصاة بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿

٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: آوْصَى النَّبِيُّ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثُ الْبَابِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا حِينَ قَالَ لَهُ: هَلْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَارَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا مُطْلَقَ الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ حِفْظُهُ حِسًّا وَمَعْنًى، فَيُكْرَمُ وَيُصَانُ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ فَيَعْمَلُ بِأَوَامِرِهِ وَيَجْتَنِبُ نَوَاهِيهِ وَيُدَاوِمُ تِلَاوَتَهُ وَتَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ وَنَحْوُهُ ذَلِكَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«الأدبِ»، والتِّرمذيُّ في «الأمثالِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».

٥٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ) وللأَصيليِّ: «ما» (خَلَا) مضى (مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقتِ (صَلَاةِ العَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟) مرَّتين لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، ولغيرهِ مرَّة واحدة (١) (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) إلى نصفِ النَّهار (فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى العَصْرِ؟) وزاد الأَصيليُّ: «على قيراطٍ» (فَعَمِلَتِ النَّصَارَى) إلى العصرِ (ثُمَّ أَنْتُمْ) أيُّها المسلمونَ (تَعْمَلُونَ مِنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتِّكرار مرَّتين، واستكملوا أجرَ الفريقينِ (قَالُوا) أي: اليهود والنَّصارى: (نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى العصرِ أكثرُ من وقتِ العصرِ إلى الغروبِ (وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكُم (مِنْ حَقِّكُمْ؟) أي: الَّذي شرطتُهُ لكم (قَالُوا: لَا) لم تنقصنَا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «فذلك» باللام (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ).

ومطابقةُ هذا الحديثِ من جهةِ ثبوتِ فضلِ هذه الأمَّة على غيرهَا من الأممِ، وثبوتِ الفضلِ لها بما ثبتَ من فضلِ كتابها الَّذي أمرتْ بالعملِ به، وهذا الحديثُ سبقَ في: «باب من أدركَ ركعةً من العصرِ»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٥٧].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله