«إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٢١

الحديث رقم ٥٠٢١ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل القرآن على سائر الكلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين…

«إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ».

سند حديث: ٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى…

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ فيها، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا.

[الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠]

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَقُولُ الرَّبُّ ﷿: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ فَفِيهِ ضَعْفٌ؛ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مُرْسَلًا وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَأَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي إِسْنَادِهِ صَفْوَانُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ - ثُمَّ قَالَ: - وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ هَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فَذَكَرَهُ، وَأَشَارَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْعَسْكَرِيُّ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِمَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ جِيمٌ ثَقِيلَةٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ. وَيُزَادُ قَبْلَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيُقَالُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَتَبْلُغُ مَعَ التَّخْفِيفِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قِيلَ: خَصَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ بِالطَّعْمِ وَصِفَةَ التِّلَاوَةِ بِالرِّيحِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَلْزَمُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ إِذْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْإِيمَانِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّعْمُ أَلْزَمُ لِلْجَوْهَرِ مِنَ الرِّيحِ فَقَدْ يَذْهَبُ رِيحُ الْجَوْهَرِ وَيَبْقَى طَعْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْأُتْرُجَّةِ بِالتَّمْثِيلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفَاكِهَةِ الَّتِي تَجْمَعُ طِيبَ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ

يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِحٌ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ حَبِّهَا دُهْنٌ لَهُ مَنَافِعُ وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجَّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا تَقْرَبُهُ الشَّيَاطِينُ، وَغِلَافُ حَبِّهِ أَبْيَضُ فَيُنَاسِبُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَزَايَا كِبَرُ جُرْمِهَا وَحُسْنُ مَنْظَرِهَا وَتَفْرِيحُ لَوْنِهَا وَلِينُ مَلْمَسِهَا، وَفِي أَكْلِهَا مَعَ الِالْتِذَاذِ طِيبُ نَكْهَةٍ وَدِبَاغُ مَعِدَةٍ وَجَوْدَةِ هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِعُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْمُفْرَدَاتِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابِ: الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ وَأَنَّ التَّمْثِيلَ وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُخَالِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا مُطْلَقَ التِّلَاوَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَثُرَ التَّقْسِيمُ كَأَنْ يُقَالَ الَّذِي يَقْرَأُ وَيَعْمَلُ وَعَكْسُهُ وَالَّذِي يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ وَعَكْسُهُ، وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُمْكِنَةٌ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِسْمَانِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ نِفَاقُهُ نِفَاقُ كُفْرٍ، وَكَأَنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حُذِفَ مِنَ التَّمْثِيلِ قِسْمَانِ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَعْمَلُ، وَالَّذِي لَا يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ، وَهُمَا شَبِيهَانِ بِحَالِ الْمُنَافِقِ فَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ الْأَوَّلِ بِالرَّيْحَانَةِ وَالثَّانِي بِالْحَنْظَلَةِ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِ، وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ قَدْ ذُكِرَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: لَهَا.

قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَرِيحُهَا مُرٌّ وَاسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَرَارَةَ مِنْ أَوْصَافِ الطُّعُومِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهَا الرِّيحُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِيحَهَا لَمَّا كَانَ كَرِيهًا اسْتُعِيرَ لَهُ وَصْفُ الْمَرَارَةِ، وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ وَلَا رِيحَ لَهَا ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَمَّا جَاءَ فِيهِ: وَلَا رِيحَ لَهَا هَذَا أَصْوَبُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُرٌّ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهَا وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ نَسَبَهَا لِلتِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ حَامِلِي الْقُرْآنِ، وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ.

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ قَارِئِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَلْزِمُ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَمَا فَضَّلَ الْأُتْرُجُّ عَلَى سَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَثُبُوتِ الْفَضْلِ لَهَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضْلِ كِتَابِهَا الَّذِي أُمِرَتْ بِالْعَمَلِ بِهِ.

١٨ - بَاب الوصاة بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿

٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: آوْصَى النَّبِيُّ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثُ الْبَابِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا حِينَ قَالَ لَهُ: هَلْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَارَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا مُطْلَقَ الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ حِفْظُهُ حِسًّا وَمَعْنًى، فَيُكْرَمُ وَيُصَانُ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ فَيَعْمَلُ بِأَوَامِرِهِ وَيَجْتَنِبُ نَوَاهِيهِ وَيُدَاوِمُ تِلَاوَتَهُ وَتَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ وَنَحْوُهُ ذَلِكَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«الأدبِ»، والتِّرمذيُّ في «الأمثالِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».

٥٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ) وللأَصيليِّ: «ما» (خَلَا) مضى (مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقتِ (صَلَاةِ العَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟) مرَّتين لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، ولغيرهِ مرَّة واحدة (١) (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) إلى نصفِ النَّهار (فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى العَصْرِ؟) وزاد الأَصيليُّ: «على قيراطٍ» (فَعَمِلَتِ النَّصَارَى) إلى العصرِ (ثُمَّ أَنْتُمْ) أيُّها المسلمونَ (تَعْمَلُونَ مِنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتِّكرار مرَّتين، واستكملوا أجرَ الفريقينِ (قَالُوا) أي: اليهود والنَّصارى: (نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى العصرِ أكثرُ من وقتِ العصرِ إلى الغروبِ (وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكُم (مِنْ حَقِّكُمْ؟) أي: الَّذي شرطتُهُ لكم (قَالُوا: لَا) لم تنقصنَا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «فذلك» باللام (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ).

ومطابقةُ هذا الحديثِ من جهةِ ثبوتِ فضلِ هذه الأمَّة على غيرهَا من الأممِ، وثبوتِ الفضلِ لها بما ثبتَ من فضلِ كتابها الَّذي أمرتْ بالعملِ به، وهذا الحديثُ سبقَ في: «باب من أدركَ ركعةً من العصرِ»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٥٧].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْمَكْتُوب بَين دفتي الْمَصَاحِف، وَهِي تَثْنِيَة دفة بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْفَاء قَالَ فِي الْمغرب: الدفة الْجنب وَكَذَلِكَ الدُّف: وَمن دفتا السرج للوحين اللَّذين يقعان على جَنْبي الدَّابَّة، ودفتا الْمُصحف اللَّتَان ضمتاه من جانبيه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الجلدان اللَّذَان بَين جَانِبي الْمُصحف، وَقيل: ترك من الحَدِيث أَكثر من الْقُرْآن. وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَا ترك مَكْتُوبًا بأَمْره إلَاّ الْقُرْآن. وَقيل: قد تقدم فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي جُحَيْفَة، قَالَ: قلت لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل عنْدكُمْ كتاب؟ قَالَ: لَا إلَاّ كتاب الله، أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم، أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة الحَدِيث وَأجِيب بِأَنَّهُ لَعَلَّهَا لم تكن مَكْتُوبَة بِأَمْر رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب بِأَن بعض النَّاس كَانُوا يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أوصى إِلَيّ عَليّ، فالسؤال هُوَ عَن شَيْء يتَعَلَّق بِذكر الْإِمَامَة فَقَالَ: مَا ترك شَيْئا مُتَعَلقا بِذكر الْإِمَامَة إلَاّ مَا بَين الدفتين من الْآيَات الَّتِي يتَمَسَّك بهَا فِي الْأمة. وَهَذَا حسن وَفِي التَّلْوِيح: (إلَاّ مَا بَين الدفتين) يحْتَمل أَنه مَا ترك شَيْئا من الدُّنْيَا أَو مَا ترك علما مسطورا سوى الْقُرْآن الْعَزِيز.

٩١٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنا وشَدَّادُ بنُ مَعْقلٍ علَى ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ شدَّادُ بنُ مَعْقلٍ: أتَرَكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِنْ شَيْء؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتيْنِ. قَالَ: ودَخَلْنا علَى مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنِفِيَّة فَسألْناهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْن الدَّفَتَيْنِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي الِاسْتِدْلَال على الروافض وَبَيَان بطلَان دَعوَاهُم بقول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة، وَهِي خَوْلَة بنت جَعْفَر من نَبِي حنيفَة، وَكَانَت سبي الْيَمَامَة الَّذين سباهم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبقول عبد الله بن عَبَّاس: وَفِيه نُكْتَة لطفية من البُخَارِيّ حَيْثُ اسْتدلَّ على الروافض فِي بطلَان مَذْهَبهم بِمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة الَّذين يدعونَ إِمَامَته. فَلَو كَانَ شَيْء يتَعَلَّق بإمامة أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما كَانَ يَسعهُ كِتْمَانه لجلاله قدره وَقُوَّة دينه، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بقول ابْن عَبَّاس: فَإِنَّهُ ابْن عمر عَليّ بن أبي طَالب وَأَشد النَّاس لَهُ لُزُوما وإطلاعا على حَاله، فَلَو كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك مَا وَسعه كِتْمَانه لِكَثْرَة علمه وَقُوَّة دينه وجلالة قدره. وَأخرج هَذَا الحَدِيث عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء الْأَسدي الْمَكِّيّ، سكن الْكُوفَة وَمَات بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَشَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: الْأَسدي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، عَليّ بن أبي طَالب، وَلم يَقع لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع.

قَوْله: (اترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (من شَيْء) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: شَيْئا سوى الْقُرْآن. قَوْله: (قَالَ: ودخلنا) الْقَائِل هُوَ عبد الْعَزِيز بن رفيع.

٧١ - (بابُ فَضْلِ القُرْآنِ علَى سائِرِ الكَلَامِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام، وَقد وَقع مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة فِي حَدِيث أخرجه ابْن عدي من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه فِي إِسْنَاده عمر بن سعيد الْأَشَج وَهُوَ ضَعِيف.

٠٢٠٥ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ أبُو خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادَةُ حَدثنَا أنَسٌ عنْ أبي مُوسى اعن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ والَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآن كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ وَلَا ريحَ لَها، ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي يقْرَأُ القُرْآن كمَثَلِ الريْحانَةِ

رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي لَا يٌ قْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُها مُر وَلَا رِيحَ لَها.

قيل: الحَدِيث فِي بَيَان فضل قارىء الْقُرْآن، وَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى ذكر فضل الْقُرْآن. قلت: لما كَانَ لقارىء الْقُرْآن فضل كَانَ لِلْقُرْآنِ فضل أقوى مِنْهُ، لِأَنَّهُ الْفضل للقارىء إِنَّمَا يحصل من قِرَاءَة الْقُرْآن فتأتي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَهِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هدبة، وَعَن غَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن عبيد الله بن معَاذ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عبيد الله بن سعيدوفي الْأَيْمَان عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار.

قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن) إِلَى آخِره إعلم أَن هَذَا التَّشْبِيه والتمثيل فِي الْحَقِيقَة وصف اشْتَمَل على معنى مَعْقُول صرف لَا يبرزه عَن مكنونة إلَاّ تَصْوِيره بالمحسوس الْمشَاهد، ثمَّ إِن كَلَام الله الْمجِيد لَهُ تَأْثِير فِي بَاطِن العَبْد وَظَاهره، وَإِن الْعباد متفاوتون فِي ذَلِك، فَمنهمْ من لَهُ النَّصِيب الأوفر من ذَلِك التَّأْثِير وَهُوَ الْمُؤمن القارىء، وَمِنْهُم من لَا نصيب لَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ الْمُنَافِق الْحَقِيقِيّ، وَمِنْهُم من تأثر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ الْمرَائِي أَو بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤمن الَّذِي لم يقرأه، وإبراز هَذِه الْمعَانِي وتصويرها فِي المحسوسات مَا هُوَ مَذْكُور فِي الحَدِيث وَلم يجد مَا يُوَافِقهَا ويلايمها أقرب وَلَا أحسن وَلَا أجمع من ذَلِك لِأَن المشبهات والمشبه بهَا وَارِدَة على التَّقْسِيم الْحَاضِر، لِأَن النَّاس إِمَّا مُؤمن أَو غير مُؤمن وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِق صرف أَو مُلْحق بِهِ، وَالْأول إِمَّا مواظب عَلَيْهَا، فعلى هَذَا قس الأثمار الْمُشبه بهَا وَوجه التَّشْبِيه فِي الْمَذْكُورَات مركب منتزع من أَمريْن محسوسين: طعم وريح، وَقد ضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل بِمَا تنبته الأَرْض ويخرجه الشّجر للمشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين الْأَعْمَال فَإِنَّهَا من ثَمَرَات النُّفُوس، فحص مَا يُخرجهُ الشّجر من الأترجة وَالتَّمْر بِالْمُؤمنِ، وَبِمَا تنبته الأَرْض من الحنظلة والريحانة بالمنافق تَنْبِيها على علو شَأْن الْمُؤمن وارتفاع علمه ودوام ذَلِك، وتوقيفا على ضعة شَأْن الْمُنَافِق وإحباط عمله وَقلة جدواه. قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ) فِيهِ إِثْبَات الْقِرَاءَة على صِيغَة الْمُضَارع، وَفِي قَوْله: (لَا يقْرَأ) بِالنَّفْيِ لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا حُصُولهَا مرّة ونفيها بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد مِنْهَا الِاسْتِمْرَار والدوام عَلَيْهَا، وَأَن الْقِرَاءَة دأبه وعادته وَلَيْسَ ذَلِك من هجيراه كَقَوْلِه: فلَان يقري الضَّيْف ويحمي الْحَرِيم. قَوْله: (كالأترجة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم وَقد تخفف، ويروى اترنجة، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترنج وترج، وَجه التَّشْبِيه بالأترنجة لِأَنَّهَا أفضل مَا يُوجد من الثِّمَار فِي سَائِر الْبلدَانِ، وأجدى لأسباب كَثِيرَة جَامِعَة للصفات الْمَطْلُوبَة مِنْهَا، والخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا فَمن ذَلِك كبر جرمها وَحسن منظرها وَطيب مطعمها ولين ملمسها تَأْخُذ الْأَبْصَار صبغة ولونا فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين تتوق إِلَيْهَا النَّفس قبل التَّنَاوُل تفِيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم اشْتِرَاك الْحَواس الْأَرْبَع الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: قشرها حَار يَابِس، ولحمها حَار وَرطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبرزها حَار مجفف، وفيهَا من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكتب الطبية. قَوْله: (وَلَا ريح لَهَا) ويروي فِيهَا. قَوْله: (وَمثل الْفَاجِر) أَي: الْمُنَافِق. قَوْله: كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا، وَوَقع فِي التِّرْمِذِيّ كَمثل الحنظلة طعهمها مر وريحها مر. قيل: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ أحسن لِأَن الرّيح لَا طعم لَهُ إِذْ المرارة عرض وَالرِّيح عرض وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَوجه هَذَا بِأَن رِيحهَا لما كَانَ كريها استعير للكراهة لفظ المرارة لما بَينهمَا من الْكَرَاهَة الْمُشْتَركَة.

١٢٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّما أجَلُكُمْ فِي أجَلِ مَنْ خلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً. فَقَالَ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ فيها، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا.

[الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠]

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَقُولُ الرَّبُّ ﷿: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ فَفِيهِ ضَعْفٌ؛ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مُرْسَلًا وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَأَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي إِسْنَادِهِ صَفْوَانُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ - ثُمَّ قَالَ: - وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ هَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فَذَكَرَهُ، وَأَشَارَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْعَسْكَرِيُّ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِمَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ جِيمٌ ثَقِيلَةٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ. وَيُزَادُ قَبْلَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيُقَالُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَتَبْلُغُ مَعَ التَّخْفِيفِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ.

قَوْلُهُ: (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قِيلَ: خَصَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ بِالطَّعْمِ وَصِفَةَ التِّلَاوَةِ بِالرِّيحِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَلْزَمُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ إِذْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْإِيمَانِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّعْمُ أَلْزَمُ لِلْجَوْهَرِ مِنَ الرِّيحِ فَقَدْ يَذْهَبُ رِيحُ الْجَوْهَرِ وَيَبْقَى طَعْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْأُتْرُجَّةِ بِالتَّمْثِيلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفَاكِهَةِ الَّتِي تَجْمَعُ طِيبَ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ

يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِحٌ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ حَبِّهَا دُهْنٌ لَهُ مَنَافِعُ وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجَّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا تَقْرَبُهُ الشَّيَاطِينُ، وَغِلَافُ حَبِّهِ أَبْيَضُ فَيُنَاسِبُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَزَايَا كِبَرُ جُرْمِهَا وَحُسْنُ مَنْظَرِهَا وَتَفْرِيحُ لَوْنِهَا وَلِينُ مَلْمَسِهَا، وَفِي أَكْلِهَا مَعَ الِالْتِذَاذِ طِيبُ نَكْهَةٍ وَدِبَاغُ مَعِدَةٍ وَجَوْدَةِ هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِعُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْمُفْرَدَاتِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابِ: الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ وَأَنَّ التَّمْثِيلَ وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُخَالِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا مُطْلَقَ التِّلَاوَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَثُرَ التَّقْسِيمُ كَأَنْ يُقَالَ الَّذِي يَقْرَأُ وَيَعْمَلُ وَعَكْسُهُ وَالَّذِي يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ وَعَكْسُهُ، وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُمْكِنَةٌ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِسْمَانِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ نِفَاقُهُ نِفَاقُ كُفْرٍ، وَكَأَنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حُذِفَ مِنَ التَّمْثِيلِ قِسْمَانِ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَعْمَلُ، وَالَّذِي لَا يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ، وَهُمَا شَبِيهَانِ بِحَالِ الْمُنَافِقِ فَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ الْأَوَّلِ بِالرَّيْحَانَةِ وَالثَّانِي بِالْحَنْظَلَةِ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِ، وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ قَدْ ذُكِرَا.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: لَهَا.

قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَرِيحُهَا مُرٌّ وَاسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَرَارَةَ مِنْ أَوْصَافِ الطُّعُومِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهَا الرِّيحُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِيحَهَا لَمَّا كَانَ كَرِيهًا اسْتُعِيرَ لَهُ وَصْفُ الْمَرَارَةِ، وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ وَلَا رِيحَ لَهَا ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَمَّا جَاءَ فِيهِ: وَلَا رِيحَ لَهَا هَذَا أَصْوَبُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُرٌّ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهَا وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ نَسَبَهَا لِلتِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ حَامِلِي الْقُرْآنِ، وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ.

٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ قَارِئِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَلْزِمُ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَمَا فَضَّلَ الْأُتْرُجُّ عَلَى سَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَثُبُوتِ الْفَضْلِ لَهَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضْلِ كِتَابِهَا الَّذِي أُمِرَتْ بِالْعَمَلِ بِهِ.

١٨ - بَاب الوصاة بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿

٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: آوْصَى النَّبِيُّ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثُ الْبَابِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا حِينَ قَالَ لَهُ: هَلْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَارَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا مُطْلَقَ الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ حِفْظُهُ حِسًّا وَمَعْنًى، فَيُكْرَمُ وَيُصَانُ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ فَيَعْمَلُ بِأَوَامِرِهِ وَيَجْتَنِبُ نَوَاهِيهِ وَيُدَاوِمُ تِلَاوَتَهُ وَتَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ وَنَحْوُهُ ذَلِكَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«الأدبِ»، والتِّرمذيُّ في «الأمثالِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».

٥٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ) وللأَصيليِّ: «ما» (خَلَا) مضى (مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقتِ (صَلَاةِ العَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ) مع نبيِّكم (وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟) مرَّتين لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، ولغيرهِ مرَّة واحدة (١) (فَعَمِلَتِ اليَهُودُ) إلى نصفِ النَّهار (فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى العَصْرِ؟) وزاد الأَصيليُّ: «على قيراطٍ» (فَعَمِلَتِ النَّصَارَى) إلى العصرِ (ثُمَّ أَنْتُمْ) أيُّها المسلمونَ (تَعْمَلُونَ مِنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتِّكرار مرَّتين، واستكملوا أجرَ الفريقينِ (قَالُوا) أي: اليهود والنَّصارى: (نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى العصرِ أكثرُ من وقتِ العصرِ إلى الغروبِ (وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكُم (مِنْ حَقِّكُمْ؟) أي: الَّذي شرطتُهُ لكم (قَالُوا: لَا) لم تنقصنَا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «فذلك» باللام (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ).

ومطابقةُ هذا الحديثِ من جهةِ ثبوتِ فضلِ هذه الأمَّة على غيرهَا من الأممِ، وثبوتِ الفضلِ لها بما ثبتَ من فضلِ كتابها الَّذي أمرتْ بالعملِ به، وهذا الحديثُ سبقَ في: «باب من أدركَ ركعةً من العصرِ»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٥٧].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْمَكْتُوب بَين دفتي الْمَصَاحِف، وَهِي تَثْنِيَة دفة بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْفَاء قَالَ فِي الْمغرب: الدفة الْجنب وَكَذَلِكَ الدُّف: وَمن دفتا السرج للوحين اللَّذين يقعان على جَنْبي الدَّابَّة، ودفتا الْمُصحف اللَّتَان ضمتاه من جانبيه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الجلدان اللَّذَان بَين جَانِبي الْمُصحف، وَقيل: ترك من الحَدِيث أَكثر من الْقُرْآن. وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَا ترك مَكْتُوبًا بأَمْره إلَاّ الْقُرْآن. وَقيل: قد تقدم فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي جُحَيْفَة، قَالَ: قلت لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل عنْدكُمْ كتاب؟ قَالَ: لَا إلَاّ كتاب الله، أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم، أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة الحَدِيث وَأجِيب بِأَنَّهُ لَعَلَّهَا لم تكن مَكْتُوبَة بِأَمْر رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب بِأَن بعض النَّاس كَانُوا يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أوصى إِلَيّ عَليّ، فالسؤال هُوَ عَن شَيْء يتَعَلَّق بِذكر الْإِمَامَة فَقَالَ: مَا ترك شَيْئا مُتَعَلقا بِذكر الْإِمَامَة إلَاّ مَا بَين الدفتين من الْآيَات الَّتِي يتَمَسَّك بهَا فِي الْأمة. وَهَذَا حسن وَفِي التَّلْوِيح: (إلَاّ مَا بَين الدفتين) يحْتَمل أَنه مَا ترك شَيْئا من الدُّنْيَا أَو مَا ترك علما مسطورا سوى الْقُرْآن الْعَزِيز.

٩١٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنا وشَدَّادُ بنُ مَعْقلٍ علَى ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ شدَّادُ بنُ مَعْقلٍ: أتَرَكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِنْ شَيْء؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتيْنِ. قَالَ: ودَخَلْنا علَى مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنِفِيَّة فَسألْناهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْن الدَّفَتَيْنِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي الِاسْتِدْلَال على الروافض وَبَيَان بطلَان دَعوَاهُم بقول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة، وَهِي خَوْلَة بنت جَعْفَر من نَبِي حنيفَة، وَكَانَت سبي الْيَمَامَة الَّذين سباهم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبقول عبد الله بن عَبَّاس: وَفِيه نُكْتَة لطفية من البُخَارِيّ حَيْثُ اسْتدلَّ على الروافض فِي بطلَان مَذْهَبهم بِمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة الَّذين يدعونَ إِمَامَته. فَلَو كَانَ شَيْء يتَعَلَّق بإمامة أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما كَانَ يَسعهُ كِتْمَانه لجلاله قدره وَقُوَّة دينه، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بقول ابْن عَبَّاس: فَإِنَّهُ ابْن عمر عَليّ بن أبي طَالب وَأَشد النَّاس لَهُ لُزُوما وإطلاعا على حَاله، فَلَو كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك مَا وَسعه كِتْمَانه لِكَثْرَة علمه وَقُوَّة دينه وجلالة قدره. وَأخرج هَذَا الحَدِيث عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء الْأَسدي الْمَكِّيّ، سكن الْكُوفَة وَمَات بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَشَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: الْأَسدي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، عَليّ بن أبي طَالب، وَلم يَقع لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع.

قَوْله: (اترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (من شَيْء) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: شَيْئا سوى الْقُرْآن. قَوْله: (قَالَ: ودخلنا) الْقَائِل هُوَ عبد الْعَزِيز بن رفيع.

٧١ - (بابُ فَضْلِ القُرْآنِ علَى سائِرِ الكَلَامِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام، وَقد وَقع مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة فِي حَدِيث أخرجه ابْن عدي من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه فِي إِسْنَاده عمر بن سعيد الْأَشَج وَهُوَ ضَعِيف.

٠٢٠٥ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ أبُو خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادَةُ حَدثنَا أنَسٌ عنْ أبي مُوسى اعن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: مثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ والَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآن كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ وَلَا ريحَ لَها، ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي يقْرَأُ القُرْآن كمَثَلِ الريْحانَةِ

رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي لَا يٌ قْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُها مُر وَلَا رِيحَ لَها.

قيل: الحَدِيث فِي بَيَان فضل قارىء الْقُرْآن، وَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى ذكر فضل الْقُرْآن. قلت: لما كَانَ لقارىء الْقُرْآن فضل كَانَ لِلْقُرْآنِ فضل أقوى مِنْهُ، لِأَنَّهُ الْفضل للقارىء إِنَّمَا يحصل من قِرَاءَة الْقُرْآن فتأتي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَهِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هدبة، وَعَن غَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن عبيد الله بن معَاذ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عبيد الله بن سعيدوفي الْأَيْمَان عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار.

قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن) إِلَى آخِره إعلم أَن هَذَا التَّشْبِيه والتمثيل فِي الْحَقِيقَة وصف اشْتَمَل على معنى مَعْقُول صرف لَا يبرزه عَن مكنونة إلَاّ تَصْوِيره بالمحسوس الْمشَاهد، ثمَّ إِن كَلَام الله الْمجِيد لَهُ تَأْثِير فِي بَاطِن العَبْد وَظَاهره، وَإِن الْعباد متفاوتون فِي ذَلِك، فَمنهمْ من لَهُ النَّصِيب الأوفر من ذَلِك التَّأْثِير وَهُوَ الْمُؤمن القارىء، وَمِنْهُم من لَا نصيب لَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ الْمُنَافِق الْحَقِيقِيّ، وَمِنْهُم من تأثر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ الْمرَائِي أَو بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤمن الَّذِي لم يقرأه، وإبراز هَذِه الْمعَانِي وتصويرها فِي المحسوسات مَا هُوَ مَذْكُور فِي الحَدِيث وَلم يجد مَا يُوَافِقهَا ويلايمها أقرب وَلَا أحسن وَلَا أجمع من ذَلِك لِأَن المشبهات والمشبه بهَا وَارِدَة على التَّقْسِيم الْحَاضِر، لِأَن النَّاس إِمَّا مُؤمن أَو غير مُؤمن وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِق صرف أَو مُلْحق بِهِ، وَالْأول إِمَّا مواظب عَلَيْهَا، فعلى هَذَا قس الأثمار الْمُشبه بهَا وَوجه التَّشْبِيه فِي الْمَذْكُورَات مركب منتزع من أَمريْن محسوسين: طعم وريح، وَقد ضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمثل بِمَا تنبته الأَرْض ويخرجه الشّجر للمشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين الْأَعْمَال فَإِنَّهَا من ثَمَرَات النُّفُوس، فحص مَا يُخرجهُ الشّجر من الأترجة وَالتَّمْر بِالْمُؤمنِ، وَبِمَا تنبته الأَرْض من الحنظلة والريحانة بالمنافق تَنْبِيها على علو شَأْن الْمُؤمن وارتفاع علمه ودوام ذَلِك، وتوقيفا على ضعة شَأْن الْمُنَافِق وإحباط عمله وَقلة جدواه. قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ) فِيهِ إِثْبَات الْقِرَاءَة على صِيغَة الْمُضَارع، وَفِي قَوْله: (لَا يقْرَأ) بِالنَّفْيِ لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا حُصُولهَا مرّة ونفيها بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد مِنْهَا الِاسْتِمْرَار والدوام عَلَيْهَا، وَأَن الْقِرَاءَة دأبه وعادته وَلَيْسَ ذَلِك من هجيراه كَقَوْلِه: فلَان يقري الضَّيْف ويحمي الْحَرِيم. قَوْله: (كالأترجة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم وَقد تخفف، ويروى اترنجة، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترنج وترج، وَجه التَّشْبِيه بالأترنجة لِأَنَّهَا أفضل مَا يُوجد من الثِّمَار فِي سَائِر الْبلدَانِ، وأجدى لأسباب كَثِيرَة جَامِعَة للصفات الْمَطْلُوبَة مِنْهَا، والخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا فَمن ذَلِك كبر جرمها وَحسن منظرها وَطيب مطعمها ولين ملمسها تَأْخُذ الْأَبْصَار صبغة ولونا فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين تتوق إِلَيْهَا النَّفس قبل التَّنَاوُل تفِيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم اشْتِرَاك الْحَواس الْأَرْبَع الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: قشرها حَار يَابِس، ولحمها حَار وَرطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبرزها حَار مجفف، وفيهَا من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكتب الطبية. قَوْله: (وَلَا ريح لَهَا) ويروي فِيهَا. قَوْله: (وَمثل الْفَاجِر) أَي: الْمُنَافِق. قَوْله: كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا، وَوَقع فِي التِّرْمِذِيّ كَمثل الحنظلة طعهمها مر وريحها مر. قيل: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ أحسن لِأَن الرّيح لَا طعم لَهُ إِذْ المرارة عرض وَالرِّيح عرض وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَوجه هَذَا بِأَن رِيحهَا لما كَانَ كريها استعير للكراهة لفظ المرارة لما بَينهمَا من الْكَرَاهَة الْمُشْتَركَة.

١٢٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّما أجَلُكُمْ فِي أجَلِ مَنْ خلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً. فَقَالَ:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل