«سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٣٧

الحديث رقم ٥٠٣٧ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نسيان القرآن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: يرحمه…

«سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، مِنْ سُورَةِ كَذَا».

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ هِشَامٍ، وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا.

تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ،

⦗١٩٤⦘

عَنْ هِشَامٍ.

سند حديث: ٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى…

٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح حديث: «سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: يرحمه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُؤْخَذُ بِالْجَدِّ عَلَى التَّدْرِيجِ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ) كَذَا فِيهِ تَفْسِيرُ الْمُفَصَّلِ بِالْمُحْكَمِ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقُلْتُ لَهُ وَمَا الْمُحْكَمُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَفَاعِلُ قُلْتُ هُوَ أَبُو بِشْرٍ بِخِلَافِ مَا يَتَبَادَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَفَاعِلَ قُلْتُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَأَلَ شَيْخَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنْسُوخٌ، وَيُطْلَقُ الْمُحْكَمُ عَلَى ضِدِّ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ بِالْمُفَصَّلِ السُّوَرُ الَّتِي كَثُرَتْ فُصُولُهَا وَهِيَ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَلُونِي عَنِ التَّفْسِيرِ فَإِنِّي حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا صَغِيرٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ عِيَاضٌ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَسَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إنَّ النَّبِيَّ مَاتَ وَأَنَا خَتِينٌ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَسَبَقَ إِلَى اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي الصَّلَاةِ - يُخَالِفُ هَذَا. وَبَالَغَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ أَبِي بِشْرٍ - يَعْنِي الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ - وَهَمٌ، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ رَاجِعٌ إِلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ لَا إِلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَقَدْ جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَهُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً قَدِ اسْتَكْمَلَهَا. وَنَحْوُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ قِيلَ سِتَّ عَشْرَةَ وَحَكَى قَوْلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ، وَلَوْ وَرَدَ إِحْدَى عَشْرَةَ لَكَانَتْ سَبْعَةً لِأَنَّهَا مِنْ عَشْرٍ إِلَى سِتِّ عَشْرَةَ. قُلْتُ: وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ وِلَادَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَبَنُو هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ. وَنَحْوُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ.

وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ إِلَّا سِتَّ عَشْرَةَ وَثِنْتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ سَنَدُهُ، وَالْأَشْهَرُ بِأَنْ يَكُونَ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ لَمَّا قَارَبَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثُمَّ بَلَغَ لَمَّا اسْتَكْمَلَهَا وَدَخَلَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا؛ فَإِطْلَاقُ خَمْسَ عَشْرَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَبْرِ الْكَسْرَيْنِ، وَإِطْلَاقُ الْعَشْرِ وَالثَّلَاثَ عَشْرَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَإِطْلَاقُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ بِجَبْرِ أَحَدِهِمَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ الْخِتَانِ بَعْدَ الْكِبَرِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ ذَكَرْتُهَا فِي بَابِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ وَذَكَرْتُ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ جَمِيعُ الْقُرْآنِ.

٢٦ - بَاب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾

٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى) أبو الفضلِ الأشنانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قدامةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ) ولأبي الوقتِ: «رسول الله» ( رَجُلًا) اسمهُ عبدُ الله بنُ يزيدَ الأنصاريُّ؛ أي: سمعَ صوت رجلٍ حال كونه (يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ) : (يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على تعيينِ الآياتِ المذكورة. انتهى.

ويجوزُ النِّسيان عليه فيمَا ليسَ طريقه البلاغَ والتَّعليم، وهذا الحديثُ من أفرادهِ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) قال: (حَدَّثَنَا عِيْسَى) بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ (عَنْ هِشَامٍ) هو: ابنُ عروة؛ يعني: عن أبيهِ، عن عائشةَ بالمتنِ المذكورِ (وَقَالَ) زيادة عليه: (أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا) أي: بالنِّسيان (تَابَعَهُ) أي: تابعَ محمَّد بنَ عُبيد (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة (وَعَبْدَةُ) بنُ سليمانَ، بواو العطف على السَّابق، وللكُشمِيهنيِّ: «عن عَبدة»، قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ؛ لأنَّ عبدةَ رفيقُ عليِّ بنِ مُسهرٍ لا شيخه (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروةَ.

٥٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) عبدِ اللهِ بنِ أيُّوب، زاد أبو ذرٍّ: «هو أبو الوليد الهرويُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ (١) رَجُلًا) هو عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ الأنصاريُّ (٢) (يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ) بتنوين «سورةٍ»، و «باللَّيل» بالموحدة أوَّله ظرف (فَقَالَ) : (يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ) ولابنِ عساكرٍ وأبي الوقتِ (٣): «قد» (أَذْكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) وفي «اليونينية»: «أَذْكَرني اللهُ آيةَ كذَا»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥٣٠٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ المُفَضَّلَ هُوَ المُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابنُ عَبْاسٍ، تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وقَدْ قرَأْتُ المُحْكَمَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَرَأَ الْمُحكم من الْقُرْآن وعمره عشر سِنِين، وَيُطلق عَلَيْهِ الْغُلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

وَأخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ إِلَى آخِره.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم.

قَوْله: (قَرَأَ الْمُحكم) وَهُوَ الَّذِي لَا نسخ فِيهِ، وَيُطلق الْمُحكم على ضد الْمُتَشَابه فِي اصْطِلَاح أهل الْأُصُول، وَهَذَا سعيد بن جُبَير فسر الْمفصل بالمحكم، وَغَيره فسره بِأَنَّهُ من الحجرات إِلَى آخر الْقُرْآن على الصَّحِيح، وَسمي بِالْفَصْلِ للسور الَّتِي كثرت فصولها فِيهِ. قَوْله: (وَأَنا ابْن عشر سِنِين) ، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة من وَجه آخر: أَنه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قد ناهز الِاحْتِلَام، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ: قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ختين وَكَانُوا لَا يخنتون الْغُلَام حَتَّى يدْرك، وَفِي لفظ: (وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة) . وَقَالَ ابْن حبَان: وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَقَالَ عَمْرو بن على: الصَّحِيح عندنَا أَنه لما توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قد استوفي ثَلَاث عشرَة وَدخل فِي أَربع عشرَة، وَقد اسْتشْكل عِيَاض قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ابْن عشر سِنِين، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا يُخَالف الَّذِي مضى فِي الصَّلَاة، وَبَالغ الدَّاودِيّ فِي هَذَا فَقَالَ: حَدِيث أبي بشر الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب وهم وَأجَاب عِيَاض بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون قَوْله: أونا ابْن عشر سِنِين، رَاجعا إِلَى حفظ الْقُرْآن لَا إِلَى وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام توفّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد جمعت الْمُحكم وَأَنا ابْن عشر سِنِين، فَفِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير. انْتهى. قلت: الجملتان: أَعنِي قَوْله: (وَأَنا ابْن عشر سِنِين) ، وَقَوله: (وَقد قَرَأت الْمُحكم) وقعتا حَالين وَالْحَال قيد فَكيف يُقَال فِيهِ تَقْدِيم وتأخيره؟ وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن الْجمع بَين مُخْتَلف الرِّوَايَات بِأَن كَون ناهز الِاحْتِلَام لما قَارب ثَلَاث عشرَة ثمَّ بلغ لما استكملها وَدخل فِي الَّتِي بعْدهَا، وَإِطْلَاق خمس عشرَة بِالنّظرِ إِلَى جبر الْكسر، وَإِطْلَاق الْعشْر بِالنّظرِ إِلَى إِلْغَاء الْكسر انْتهى. قلت: لَا كسر هُنَا حَتَّى يجْبر أَو يلغى لِأَن الْكسر على نَوْعَيْنِ: أَصمّ وَهُوَ الَّذِي لَا يُمكن أَن ينْطق بِهِ إِلَّا بالجزئية كجزء من أحد عشر وجزء من تِسْعَة وَعشْرين، ومنطق وَهُوَ على أَرْبَعَة أَقسَام: مُفْرد وَهُوَ من النّصْف إِلَى الْعشْر وَهِي الكسور التِّسْعَة، ومكرر كثلاثة أَسْبَاع وَثَمَانِية أتساع، ومركب وَهُوَ الَّذِي يذكر بِالْوَاو العاطفة: كَنِصْف وَثلث وكربع وتسع، وضاف كَنِصْف عشر وَثلث سبع وَثمن تسع، وَقد يتركب من الْمنطق والأصم: كَنِصْف جُزْء من أحد عشر، وَالظَّاهِر أَنه الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ، وَالله أعلم.

٦٣٠٥ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرَنا أبُو بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا: جَمَعْتُ المُحْكَمَ فِي عَهْد رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ لهُ: وَمَا المُحْكَمُ؟ قَالَ: المُفَصَّلُ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.

قَوْله: (حَدثنِي) ويروي: حَدثنَا، بِصِيغَة الْجمع، وهشيم مصغر هشم بن بشير وَقد تكَرر وَذكره وَقَالَ بَعضهم: فَاعل. قلت: أَبُو بشر، لَهُ أَي لسَعِيد بن جُبَير، وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن تَفْسِير الْمُحكم والمفصل من كَلَام سعيد بن جُبَير. قلت: هَذَا تصرف واه لِأَن قَوْله: (فَقلت) عطف على كَلَام ابْن عَبَّاس، عطف سعيد بن جُبَير كَلَامه على كَلَام ابْن عَبَّاس بعد مَا سَأَلَهُ، وَأَيْضًا لَا يسْتَلْزم كَون تَفْسِير ابْن جُبَير الْمفصل والمحكم هُنَاكَ أَن يكون هُنَا أَيْضا مِنْهُ.

٦٢ - (بابُ نِسْيانِ القُرْآنِ، وهَلْ يقولُ: نَسِيتُ آيةَ كَذا وكَذا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نِسْيَان الْقُرْآن بِسَبَب تعَاطِي أَسبَابه الْمُقْتَضِيَة لذَلِك. قَوْله: (وَهل يَقُول) إِلَى آخِره، صُورَة الِاسْتِفْهَام

الإنكاري لَكِن لَيْسَ الْإِنْكَار عَن الْإِتْيَان بقوله: نسيت آيَة كَذَا وَكَذَا، على مَا لَا يَجِيء الْآن، وَلَكِن الْإِنْكَار على ارْتِكَاب أَسبَابه الداعية إِلَى ذَلِك.

وقَوْلِ الله تَعَالَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى} (الْأَعْلَى: ٦ ٧)

وَقَول الله عطف عَليّ قَوْله: نِسْيَان الْقُرْآن، أَي: وَفِي قَول الله، عز وَجل: {سنقرئك} (الْأَعْلَى: ٦) من الإقراء، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعجل بالقراء إِذا لقِيه جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقيل: لَا تعجل لِأَن جِبْرِيل مَأْمُور بِأَن يقرأه عَلَيْك قِرَاءَة مكررة إِلَى أَن تحفظه فَلَا تنساه إلَاّ مَا شَاءَ الله لم يذكر بعد النسْيَان، وَكلمَة: لَا، للنَّفْي، وَكَأن البُخَارِيّ صَار إِلَيْهِ وَأَن الله أقرأه إِيَّاه وَأخْبرهُ أَنه لَا ينساه، وَقيل: لَا للنَّهْي وزيدت الْألف الفاصلة، كَقَوْلِك: السبيلا، يَعْنِي: فَلَا تتْرك قِرَاءَته وتكريره فتنساه إلَاّ مَا شَاءَ الله أَن ينسكه يرفع تِلَاوَته للْمصْلحَة، وَقَالَ الْفراء: الِاسْتِثْنَاء للتبرك وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء اسْتثْنى، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة {إلَاّ مَا شَاءَ الله} (الْأَعْلَى: ٧) أَي: قضى أَن ترفع تِلَاوَته، وَعَن ابْن عَبَّاس: إلَاّ مَا أَرَادَ الله أَن ينسيكه لتنس. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تتْرك الْعَمَل بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ الله أَن ينسخه فَتتْرك الْعَمَل بِهِ. وَالله أعلم.

٧٣٠٥ - حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يحْيَى حَدثنَا زَائِدَةُ حَدثنَا هِشَامٌ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَة، رضيَ الله عَنْهَا، قالَتْ: سَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجُلاً يقْرَأ فِي المَسْجِد، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله {لقَدْ أذْكرَني كذَا وكَذا آيَة مِنْ سُورَةِ كَذا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَعْنَاهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نسي كَذَا وَكَذَا آيَة ثمَّ تذكرها. وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ينسى الْقُرْآن ثمَّ يتذكره.

وربيع ضد الخريف ابْن يحيى أَبُو الْفَصْل، مر فِي: بَاب من أحب الْعتاق فِي الْكُسُوف، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.

والْحَدِيث من إِفْرَاده.

قَوْله: (رجلا) أَي: صَوت رجل. قَوْله: (أذكرني) إِلَى آخِره وَلم يبين فِيهِ تعْيين الْآيَات الْمَذْكُورَة وَلَا عَددهَا.

واستنبط بَعضهم من هَذَا مَسْأَلَة فقهية إِنَّهَا كَانَت إِحْدَى وَعشْرين آيَة، وَهِي أَن رجلا لَو قَالَ، لفُلَان عَليّ كَذَا وَكَذَا درهما يلْزمه أحد وَعِشْرُونَ درهما لِأَنَّهُ فصل بَين كَذَا وَكَذَا بِحرف الْعَطف، وَأَقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد وَعِشْرُونَ، حَتَّى قَالَ: كَذَا كَذَا درهما بِغَيْر حرف الْعَطف يلْزمه أحد عشر درهما، لِأَن أقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد عشر، لِأَنَّهُ ذكر عددين مبهمين. وَعند الشَّافِعِي: يلْزمه دِرْهَم. وَله صُورَة كَثِيرَة موضعهَا الْفُرُوع. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ النسْيَان على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: الإنساء لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَالَ الْجُمْهُور: جَازَ النسْيَان عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقه الْبَلَاغ والتعليم بِشَرْط أَن لَا يقْرَأ عَلَيْهِ، بل لَا بُد أَن يذكرهُ، وَأما غَيره فَلَا يجوز قبل التَّبْلِيغ، وَأما نِسْيَان مَا بلغه كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف.

حدَّثنا محَمَّدُ بن عُبَيْدِ بنِ ميْمُونٍ حَدثنَا عِيسَى عنْ هِشامٍ، وَقَالَ: أسقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كذَا.

أَشَارَ بذلك إِلَى أَن هشاما زَاد فِي هَذِه الرِّوَايَة لفظ: (اسقطتهن من سُورَة كَذَا) وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق. قَوْله: (اسقطتهن) ، أَي: بِالنِّسْيَانِ، وَقد تقدم فِي الشَّهَادَات بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، أَعنِي: عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا يقْرَأ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: رَحمَه الله} لقد أذكرني كَذَا وَكَذَا آيَة أسقطتهن من سُورَة كَذَا وَكَذَا.

تابَعَهُ علِيٌّ بنُ مُسْهِرٍ وعبْدَةُ عنْ هِشَامٍ

أَي: تَابع مُحَمَّد بن عبيد عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإسهار. قَوْله: (وَعَبدَة) ، عطف عَلَيْهِ أَي: وَتَابعه أَيْضا عَبدة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بعطف عَبدة على سُلَيْمَان، وَوَقع لأبي ذَر عَن الْكشميهني: تَابعه عَليّ بن مسْهر عَن عَبدة. قيل: هَذَا غلط فَإِن عَبدة هُنَا رَفِيق عَليّ بن مسْهر لَا شَيْخه، وَقد أخرج البُخَارِيّ طَرِيق عَليّ بن مسْهر فِي آخر الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظ: أسقطتها، وَأخرج طَرِيق عَبدة فِي الدَّعْوَات مثل لفظ عَليّ بن مسْهر سَوَاء.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُؤْخَذُ بِالْجَدِّ عَلَى التَّدْرِيجِ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ) كَذَا فِيهِ تَفْسِيرُ الْمُفَصَّلِ بِالْمُحْكَمِ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقُلْتُ لَهُ وَمَا الْمُحْكَمُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَفَاعِلُ قُلْتُ هُوَ أَبُو بِشْرٍ بِخِلَافِ مَا يَتَبَادَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَفَاعِلَ قُلْتُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَأَلَ شَيْخَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنْسُوخٌ، وَيُطْلَقُ الْمُحْكَمُ عَلَى ضِدِّ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ بِالْمُفَصَّلِ السُّوَرُ الَّتِي كَثُرَتْ فُصُولُهَا وَهِيَ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَلُونِي عَنِ التَّفْسِيرِ فَإِنِّي حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا صَغِيرٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ عِيَاضٌ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَسَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إنَّ النَّبِيَّ مَاتَ وَأَنَا خَتِينٌ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَسَبَقَ إِلَى اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي الصَّلَاةِ - يُخَالِفُ هَذَا. وَبَالَغَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ أَبِي بِشْرٍ - يَعْنِي الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ - وَهَمٌ، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ رَاجِعٌ إِلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ لَا إِلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَقَدْ جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَهُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً قَدِ اسْتَكْمَلَهَا. وَنَحْوُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ قِيلَ سِتَّ عَشْرَةَ وَحَكَى قَوْلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ، وَلَوْ وَرَدَ إِحْدَى عَشْرَةَ لَكَانَتْ سَبْعَةً لِأَنَّهَا مِنْ عَشْرٍ إِلَى سِتِّ عَشْرَةَ. قُلْتُ: وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ وِلَادَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَبَنُو هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ. وَنَحْوُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ.

وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ إِلَّا سِتَّ عَشْرَةَ وَثِنْتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ سَنَدُهُ، وَالْأَشْهَرُ بِأَنْ يَكُونَ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ لَمَّا قَارَبَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثُمَّ بَلَغَ لَمَّا اسْتَكْمَلَهَا وَدَخَلَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا؛ فَإِطْلَاقُ خَمْسَ عَشْرَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَبْرِ الْكَسْرَيْنِ، وَإِطْلَاقُ الْعَشْرِ وَالثَّلَاثَ عَشْرَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَإِطْلَاقُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ بِجَبْرِ أَحَدِهِمَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ الْخِتَانِ بَعْدَ الْكِبَرِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ ذَكَرْتُهَا فِي بَابِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ وَذَكَرْتُ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ جَمِيعُ الْقُرْآنِ.

٢٦ - بَاب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾

٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى) أبو الفضلِ الأشنانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قدامةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ) ولأبي الوقتِ: «رسول الله» ( رَجُلًا) اسمهُ عبدُ الله بنُ يزيدَ الأنصاريُّ؛ أي: سمعَ صوت رجلٍ حال كونه (يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ) : (يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على تعيينِ الآياتِ المذكورة. انتهى.

ويجوزُ النِّسيان عليه فيمَا ليسَ طريقه البلاغَ والتَّعليم، وهذا الحديثُ من أفرادهِ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) قال: (حَدَّثَنَا عِيْسَى) بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ (عَنْ هِشَامٍ) هو: ابنُ عروة؛ يعني: عن أبيهِ، عن عائشةَ بالمتنِ المذكورِ (وَقَالَ) زيادة عليه: (أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا) أي: بالنِّسيان (تَابَعَهُ) أي: تابعَ محمَّد بنَ عُبيد (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة (وَعَبْدَةُ) بنُ سليمانَ، بواو العطف على السَّابق، وللكُشمِيهنيِّ: «عن عَبدة»، قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ؛ لأنَّ عبدةَ رفيقُ عليِّ بنِ مُسهرٍ لا شيخه (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروةَ.

٥٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقتِ: «حَدَّثني» (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) عبدِ اللهِ بنِ أيُّوب، زاد أبو ذرٍّ: «هو أبو الوليد الهرويُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ (١) رَجُلًا) هو عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ الأنصاريُّ (٢) (يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ) بتنوين «سورةٍ»، و «باللَّيل» بالموحدة أوَّله ظرف (فَقَالَ) : (يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ) ولابنِ عساكرٍ وأبي الوقتِ (٣): «قد» (أَذْكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) وفي «اليونينية»: «أَذْكَرني اللهُ آيةَ كذَا»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥٣٠٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ المُفَضَّلَ هُوَ المُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابنُ عَبْاسٍ، تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وقَدْ قرَأْتُ المُحْكَمَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَرَأَ الْمُحكم من الْقُرْآن وعمره عشر سِنِين، وَيُطلق عَلَيْهِ الْغُلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب.

وَأخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ إِلَى آخِره.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم.

قَوْله: (قَرَأَ الْمُحكم) وَهُوَ الَّذِي لَا نسخ فِيهِ، وَيُطلق الْمُحكم على ضد الْمُتَشَابه فِي اصْطِلَاح أهل الْأُصُول، وَهَذَا سعيد بن جُبَير فسر الْمفصل بالمحكم، وَغَيره فسره بِأَنَّهُ من الحجرات إِلَى آخر الْقُرْآن على الصَّحِيح، وَسمي بِالْفَصْلِ للسور الَّتِي كثرت فصولها فِيهِ. قَوْله: (وَأَنا ابْن عشر سِنِين) ، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة من وَجه آخر: أَنه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قد ناهز الِاحْتِلَام، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ: قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ختين وَكَانُوا لَا يخنتون الْغُلَام حَتَّى يدْرك، وَفِي لفظ: (وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة) . وَقَالَ ابْن حبَان: وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَقَالَ عَمْرو بن على: الصَّحِيح عندنَا أَنه لما توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قد استوفي ثَلَاث عشرَة وَدخل فِي أَربع عشرَة، وَقد اسْتشْكل عِيَاض قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ابْن عشر سِنِين، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا يُخَالف الَّذِي مضى فِي الصَّلَاة، وَبَالغ الدَّاودِيّ فِي هَذَا فَقَالَ: حَدِيث أبي بشر الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب وهم وَأجَاب عِيَاض بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون قَوْله: أونا ابْن عشر سِنِين، رَاجعا إِلَى حفظ الْقُرْآن لَا إِلَى وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام توفّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد جمعت الْمُحكم وَأَنا ابْن عشر سِنِين، فَفِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير. انْتهى. قلت: الجملتان: أَعنِي قَوْله: (وَأَنا ابْن عشر سِنِين) ، وَقَوله: (وَقد قَرَأت الْمُحكم) وقعتا حَالين وَالْحَال قيد فَكيف يُقَال فِيهِ تَقْدِيم وتأخيره؟ وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن الْجمع بَين مُخْتَلف الرِّوَايَات بِأَن كَون ناهز الِاحْتِلَام لما قَارب ثَلَاث عشرَة ثمَّ بلغ لما استكملها وَدخل فِي الَّتِي بعْدهَا، وَإِطْلَاق خمس عشرَة بِالنّظرِ إِلَى جبر الْكسر، وَإِطْلَاق الْعشْر بِالنّظرِ إِلَى إِلْغَاء الْكسر انْتهى. قلت: لَا كسر هُنَا حَتَّى يجْبر أَو يلغى لِأَن الْكسر على نَوْعَيْنِ: أَصمّ وَهُوَ الَّذِي لَا يُمكن أَن ينْطق بِهِ إِلَّا بالجزئية كجزء من أحد عشر وجزء من تِسْعَة وَعشْرين، ومنطق وَهُوَ على أَرْبَعَة أَقسَام: مُفْرد وَهُوَ من النّصْف إِلَى الْعشْر وَهِي الكسور التِّسْعَة، ومكرر كثلاثة أَسْبَاع وَثَمَانِية أتساع، ومركب وَهُوَ الَّذِي يذكر بِالْوَاو العاطفة: كَنِصْف وَثلث وكربع وتسع، وضاف كَنِصْف عشر وَثلث سبع وَثمن تسع، وَقد يتركب من الْمنطق والأصم: كَنِصْف جُزْء من أحد عشر، وَالظَّاهِر أَنه الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ، وَالله أعلم.

٦٣٠٥ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرَنا أبُو بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا: جَمَعْتُ المُحْكَمَ فِي عَهْد رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ لهُ: وَمَا المُحْكَمُ؟ قَالَ: المُفَصَّلُ.

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.

قَوْله: (حَدثنِي) ويروي: حَدثنَا، بِصِيغَة الْجمع، وهشيم مصغر هشم بن بشير وَقد تكَرر وَذكره وَقَالَ بَعضهم: فَاعل. قلت: أَبُو بشر، لَهُ أَي لسَعِيد بن جُبَير، وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن تَفْسِير الْمُحكم والمفصل من كَلَام سعيد بن جُبَير. قلت: هَذَا تصرف واه لِأَن قَوْله: (فَقلت) عطف على كَلَام ابْن عَبَّاس، عطف سعيد بن جُبَير كَلَامه على كَلَام ابْن عَبَّاس بعد مَا سَأَلَهُ، وَأَيْضًا لَا يسْتَلْزم كَون تَفْسِير ابْن جُبَير الْمفصل والمحكم هُنَاكَ أَن يكون هُنَا أَيْضا مِنْهُ.

٦٢ - (بابُ نِسْيانِ القُرْآنِ، وهَلْ يقولُ: نَسِيتُ آيةَ كَذا وكَذا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نِسْيَان الْقُرْآن بِسَبَب تعَاطِي أَسبَابه الْمُقْتَضِيَة لذَلِك. قَوْله: (وَهل يَقُول) إِلَى آخِره، صُورَة الِاسْتِفْهَام

الإنكاري لَكِن لَيْسَ الْإِنْكَار عَن الْإِتْيَان بقوله: نسيت آيَة كَذَا وَكَذَا، على مَا لَا يَجِيء الْآن، وَلَكِن الْإِنْكَار على ارْتِكَاب أَسبَابه الداعية إِلَى ذَلِك.

وقَوْلِ الله تَعَالَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى} (الْأَعْلَى: ٦ ٧)

وَقَول الله عطف عَليّ قَوْله: نِسْيَان الْقُرْآن، أَي: وَفِي قَول الله، عز وَجل: {سنقرئك} (الْأَعْلَى: ٦) من الإقراء، وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعجل بالقراء إِذا لقِيه جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقيل: لَا تعجل لِأَن جِبْرِيل مَأْمُور بِأَن يقرأه عَلَيْك قِرَاءَة مكررة إِلَى أَن تحفظه فَلَا تنساه إلَاّ مَا شَاءَ الله لم يذكر بعد النسْيَان، وَكلمَة: لَا، للنَّفْي، وَكَأن البُخَارِيّ صَار إِلَيْهِ وَأَن الله أقرأه إِيَّاه وَأخْبرهُ أَنه لَا ينساه، وَقيل: لَا للنَّهْي وزيدت الْألف الفاصلة، كَقَوْلِك: السبيلا، يَعْنِي: فَلَا تتْرك قِرَاءَته وتكريره فتنساه إلَاّ مَا شَاءَ الله أَن ينسكه يرفع تِلَاوَته للْمصْلحَة، وَقَالَ الْفراء: الِاسْتِثْنَاء للتبرك وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء اسْتثْنى، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة {إلَاّ مَا شَاءَ الله} (الْأَعْلَى: ٧) أَي: قضى أَن ترفع تِلَاوَته، وَعَن ابْن عَبَّاس: إلَاّ مَا أَرَادَ الله أَن ينسيكه لتنس. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تتْرك الْعَمَل بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ الله أَن ينسخه فَتتْرك الْعَمَل بِهِ. وَالله أعلم.

٧٣٠٥ - حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يحْيَى حَدثنَا زَائِدَةُ حَدثنَا هِشَامٌ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَة، رضيَ الله عَنْهَا، قالَتْ: سَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجُلاً يقْرَأ فِي المَسْجِد، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله {لقَدْ أذْكرَني كذَا وكَذا آيَة مِنْ سُورَةِ كَذا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَعْنَاهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نسي كَذَا وَكَذَا آيَة ثمَّ تذكرها. وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ينسى الْقُرْآن ثمَّ يتذكره.

وربيع ضد الخريف ابْن يحيى أَبُو الْفَصْل، مر فِي: بَاب من أحب الْعتاق فِي الْكُسُوف، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.

والْحَدِيث من إِفْرَاده.

قَوْله: (رجلا) أَي: صَوت رجل. قَوْله: (أذكرني) إِلَى آخِره وَلم يبين فِيهِ تعْيين الْآيَات الْمَذْكُورَة وَلَا عَددهَا.

واستنبط بَعضهم من هَذَا مَسْأَلَة فقهية إِنَّهَا كَانَت إِحْدَى وَعشْرين آيَة، وَهِي أَن رجلا لَو قَالَ، لفُلَان عَليّ كَذَا وَكَذَا درهما يلْزمه أحد وَعِشْرُونَ درهما لِأَنَّهُ فصل بَين كَذَا وَكَذَا بِحرف الْعَطف، وَأَقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد وَعِشْرُونَ، حَتَّى قَالَ: كَذَا كَذَا درهما بِغَيْر حرف الْعَطف يلْزمه أحد عشر درهما، لِأَن أقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد عشر، لِأَنَّهُ ذكر عددين مبهمين. وَعند الشَّافِعِي: يلْزمه دِرْهَم. وَله صُورَة كَثِيرَة موضعهَا الْفُرُوع. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ النسْيَان على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: الإنساء لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَالَ الْجُمْهُور: جَازَ النسْيَان عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقه الْبَلَاغ والتعليم بِشَرْط أَن لَا يقْرَأ عَلَيْهِ، بل لَا بُد أَن يذكرهُ، وَأما غَيره فَلَا يجوز قبل التَّبْلِيغ، وَأما نِسْيَان مَا بلغه كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف.

حدَّثنا محَمَّدُ بن عُبَيْدِ بنِ ميْمُونٍ حَدثنَا عِيسَى عنْ هِشامٍ، وَقَالَ: أسقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كذَا.

أَشَارَ بذلك إِلَى أَن هشاما زَاد فِي هَذِه الرِّوَايَة لفظ: (اسقطتهن من سُورَة كَذَا) وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق. قَوْله: (اسقطتهن) ، أَي: بِالنِّسْيَانِ، وَقد تقدم فِي الشَّهَادَات بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، أَعنِي: عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا يقْرَأ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: رَحمَه الله} لقد أذكرني كَذَا وَكَذَا آيَة أسقطتهن من سُورَة كَذَا وَكَذَا.

تابَعَهُ علِيٌّ بنُ مُسْهِرٍ وعبْدَةُ عنْ هِشَامٍ

أَي: تَابع مُحَمَّد بن عبيد عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإسهار. قَوْله: (وَعَبدَة) ، عطف عَلَيْهِ أَي: وَتَابعه أَيْضا عَبدة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بعطف عَبدة على سُلَيْمَان، وَوَقع لأبي ذَر عَن الْكشميهني: تَابعه عَليّ بن مسْهر عَن عَبدة. قيل: هَذَا غلط فَإِن عَبدة هُنَا رَفِيق عَليّ بن مسْهر لَا شَيْخه، وَقد أخرج البُخَارِيّ طَرِيق عَليّ بن مسْهر فِي آخر الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظ: أسقطتها، وَأخرج طَرِيق عَبدة فِي الدَّعْوَات مثل لفظ عَليّ بن مسْهر سَوَاء.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الحمد لله