«سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٣٨

الحديث رقم ٥٠٣٨ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نسيان القرآن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٠٣٨ في صحيح البخاري

«سَمِعَ رَسُولُ اللهِ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا».

إسناد حديث رقم ٥٠٣٨ من صحيح البخاري

٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٠٣٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا.

تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ.

٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آية كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا.

٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، وَهَلْ يَقُولُ نَسِيَتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا)؟ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ لِلزَّجْرِ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ، بَلْ لِلزَّجْرِ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِ النِّسْيَانِ الْمُقْتَضِيَةِ لِقَوْلِ هَذَا اللَّفْظِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْزِلَ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ عَلَى حَالَتَيْنِ: فَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ كَالْجِهَادِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ إِهْمَالٍ دِينِيٍّ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ مِنْ نِسْبَةِ النِّسْيَانِ إِلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ - وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مَحْظُورًا - امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِتَعَاطِيهِ أَسْبَابَ النِّسْيَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ هُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِيَارِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ لَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْسَى﴾ نَافِيَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَا نَاهِيَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْبَاعُ فِي السِّينِ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الْآيِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ اسْتُثْنِيَ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ قَضَى أَنْ تُرْفَعَ تِلَاوَتُهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ، وَقِيلَ: لِمَا جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَكِنْ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: فَلَا تَنْسَى أَيْ لَا تَتْرُكِ الْعَمَلَ بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَخَهُ فَتَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا) أَيْ صَوْتَ رَجُلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَغْرَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً، لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (حَدَّثَنَا عِيسَى) هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ) يَعْنِي عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِالْمَتْنِ الْمَذْكُورِ، وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ: أَسْقَطْتُهُنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَقَالَ : لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ عَبْدَةَ رَفِيقُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ لَا شَيْخُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ

الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظِ أَسْقَطْتُهَا وَأَخْرَجَ طَرِيقَ عَبْدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فِي الدَّعَوَاتِ وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ سَوَاءً.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: أَسْقَطْتُهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَسْقَطْتُهَا نَسِيَانًا لَا عَمْدًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُنْتُ نَسِيتُهَا بِفَتْحِ النُّونِ لَيْسَ قَبْلَهَا هَمْزَةٌ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: النِّسْيَانُ مِنَ النَّبِيِّ لِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَكُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نِسْيَانُهُ الَّذِي يَتَذَكَّرُهُ عَنْ قُرْبٍ، وَذَلِكَ قَائِمٌ بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي السَّهْوِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ عَلَى إِرَادَةِ نَسْخِ تِلَاوَتِهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ: فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَعَارِضٌ سَرِيعُ الزَّوَالِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَأَمَّا الثَّانِي فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَبَيَانُ مَنْ قَرَأَ بِهَا فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ النِّسْيَانَ عَلَى النَّبِيِّ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ مُطْلَقًا، وَكَذَا فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَعْدَ مَا يَقَعُ مِنْهُ تَبْلِيغُهُ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى نِسْيَانِهِ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ تَذَكُّرُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ.

وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْفَوْرُ؟ قَوْلَانِ، فَأَمَّا قَبْلَ تَبْلِيغِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِيهِ النِّسْيَانُ أَصْلًا. وَزَعَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ نِسْيَانٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ صُورَتُهُ لِيَسُنَّ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَحَدٌ إِلَّا أَبَا الْمُظَفَّرِ الْأسْفَرَايِنِيَّ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْلِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَالدُّعَاءِ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ خَيْرٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْمَحْصُولَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نِسْيَانِ الْقُرْآنِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ مَوْقُوفًا قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ أَحْدَثَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نُسِّيهَا فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ أَعْظَمُ مِنْ حَامِلِ الْقُرْآنِ وَتَارِكِهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ مَوْقُوفًا كُنَّا نَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ في الَّذِي يَنْسَى الْقُرْآنَ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، وَلِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا مَقَالٌ، وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْمَكَارِمِ، وَالرُّويَانِيُّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ التِّلَاوَةِ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ نِسْيَانُ الْقُرْآنِ، وَنِسْيَانُهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَمْرِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ أَوْ بَعْضَهُ فَقَدْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الدِّينِيَّةِ حَتَّى تَزَحْزَحَ عَنْهَا نَاسَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ تَرْكَ مُعَاهَدَةِ الْقُرْآنِ يُفْضِي إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْجَهْلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْجَهْلِ بَعْدَ الْعِلْمِ شَدِيدٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لَا يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. وَسُفْيَانُ فِي السَّنَدِ هُوَ الثَّوْرِيُّ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَجْذَمَ فَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْيَدِ، وَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْحُجَّةِ، وَقِيلَ: مَقْطُوعُ السَّبَبِ مِنَ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: خَالِيَ الْيَدِ مِنَ الْخَيْرِ، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ. وَقِيلَ: يُحْشَرُ مَجْذُومًا حَقِيقَةً. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عِنْدَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا.

تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ.

٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آية كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا.

٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، وَهَلْ يَقُولُ نَسِيَتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا)؟ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ لِلزَّجْرِ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ، بَلْ لِلزَّجْرِ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِ النِّسْيَانِ الْمُقْتَضِيَةِ لِقَوْلِ هَذَا اللَّفْظِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْزِلَ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ عَلَى حَالَتَيْنِ: فَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ كَالْجِهَادِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ إِهْمَالٍ دِينِيٍّ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ مِنْ نِسْبَةِ النِّسْيَانِ إِلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ - وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مَحْظُورًا - امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِتَعَاطِيهِ أَسْبَابَ النِّسْيَانِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ هُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِيَارِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ لَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْسَى﴾ نَافِيَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَا نَاهِيَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْبَاعُ فِي السِّينِ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الْآيِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ اسْتُثْنِيَ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ قَضَى أَنْ تُرْفَعَ تِلَاوَتُهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ، وَقِيلَ: لِمَا جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَكِنْ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: فَلَا تَنْسَى أَيْ لَا تَتْرُكِ الْعَمَلَ بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَخَهُ فَتَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلًا) أَيْ صَوْتَ رَجُلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَغْرَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً، لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (حَدَّثَنَا عِيسَى) هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ) يَعْنِي عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِالْمَتْنِ الْمَذْكُورِ، وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ: أَسْقَطْتُهُنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَقَالَ : لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ عَبْدَةَ رَفِيقُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ لَا شَيْخُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ

الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظِ أَسْقَطْتُهَا وَأَخْرَجَ طَرِيقَ عَبْدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فِي الدَّعَوَاتِ وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ سَوَاءً.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: أَسْقَطْتُهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَسْقَطْتُهَا نَسِيَانًا لَا عَمْدًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُنْتُ نَسِيتُهَا بِفَتْحِ النُّونِ لَيْسَ قَبْلَهَا هَمْزَةٌ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: النِّسْيَانُ مِنَ النَّبِيِّ لِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَكُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نِسْيَانُهُ الَّذِي يَتَذَكَّرُهُ عَنْ قُرْبٍ، وَذَلِكَ قَائِمٌ بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي السَّهْوِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ عَلَى إِرَادَةِ نَسْخِ تِلَاوَتِهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ: فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَعَارِضٌ سَرِيعُ الزَّوَالِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَأَمَّا الثَّانِي فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَبَيَانُ مَنْ قَرَأَ بِهَا فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ النِّسْيَانَ عَلَى النَّبِيِّ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ مُطْلَقًا، وَكَذَا فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَعْدَ مَا يَقَعُ مِنْهُ تَبْلِيغُهُ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى نِسْيَانِهِ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ تَذَكُّرُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ.

وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْفَوْرُ؟ قَوْلَانِ، فَأَمَّا قَبْلَ تَبْلِيغِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِيهِ النِّسْيَانُ أَصْلًا. وَزَعَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ نِسْيَانٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ صُورَتُهُ لِيَسُنَّ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَحَدٌ إِلَّا أَبَا الْمُظَفَّرِ الْأسْفَرَايِنِيَّ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْلِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَالدُّعَاءِ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ خَيْرٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْمَحْصُولَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نِسْيَانِ الْقُرْآنِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ مَوْقُوفًا قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ أَحْدَثَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نُسِّيهَا فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ أَعْظَمُ مِنْ حَامِلِ الْقُرْآنِ وَتَارِكِهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ مَوْقُوفًا كُنَّا نَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ في الَّذِي يَنْسَى الْقُرْآنَ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، وَلِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا مَقَالٌ، وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْمَكَارِمِ، وَالرُّويَانِيُّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ التِّلَاوَةِ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ نِسْيَانُ الْقُرْآنِ، وَنِسْيَانُهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَمْرِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ أَوْ بَعْضَهُ فَقَدْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الدِّينِيَّةِ حَتَّى تَزَحْزَحَ عَنْهَا نَاسَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ تَرْكَ مُعَاهَدَةِ الْقُرْآنِ يُفْضِي إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْجَهْلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْجَهْلِ بَعْدَ الْعِلْمِ شَدِيدٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لَا يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. وَسُفْيَانُ فِي السَّنَدِ هُوَ الثَّوْرِيُّ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَجْذَمَ فَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْيَدِ، وَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْحُجَّةِ، وَقِيلَ: مَقْطُوعُ السَّبَبِ مِنَ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: خَالِيَ الْيَدِ مِنَ الْخَيْرِ، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ. وَقِيلَ: يُحْشَرُ مَجْذُومًا حَقِيقَةً. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عِنْدَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل