«يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٤٨

الحديث رقم ٥٠٤٨ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل…

«يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».

بَابُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ

سند حديث: ٥٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ…

٥٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ لَهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل…

عن أبي موسى الأشعري -رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له لما سمع قراءته الجميلة المرتلة: (لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود)، وقوله: "لقد أوتيت"، أي: أعطيت، : "مزماراً من مزامير آل داود"، أي داود نفسه، وداود عنده صوت حسن جميل رفيع، حتى قال الله تعالى : "يا جبال أوّبي معه والطير، وألنّا له الحديد" [سبأ: 10]، وآل فلان قد يطلق على الشخص نفسه؛ لأن أحداً منهم لم يُعطَ من حسن الصوت ما أعطيه داود.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • 4- مكانة أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- وحسن صوته ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- له.
  • 1- استحباب تحسين الصوت بالقرآن؛ لأن ذلك يزيد القرآن حلاوة ونفوذاً إلى قلوب السامعين.
  • 5- فضل نبي الله داود -عليه السلام-.
  • 2- استحباب الاستماع إلى القرآن والإنصات له.
  • 3- الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أهلِ القراءاتِ، فإن خرجَ عنها لم يفِ تحسين الصَّوت بقبحِ الأداءِ. وقال في «الرَّوضة»: أمَّا القراءة بالألحانِ فقال الشَّافعيُّ في «المختصر»: لا بأسَ بها، وفي روايةٍ: مكروهة.

قال جمهورُ الأصحابِ: ليست على قولين، بل المكروه أن يفرِّط في المدِّ وفي إشباعِ الحركات حتى يتولَّد من الفتحة ألفٌ، ومن الضَّمَّة واوٌ، ومن الكسرة ياءٌ، أو يُدغم في غيرِ موضعِ الإدغام، فإن لم ينتهِ إلى هذا الحدِّ فلا كراهةَ.

قال النَّوويُّ : إذا أفرطَ على الوجهِ المذكورِ فهو حرامٌ، صرَّح به صاحبُ «الحاوي» فقال: حرامٌ، يفسَّقُ بهِ القارئ ويأثمُ به المستمعُ؛ لأنَّه عدلَ بهِ عن نهجهِ (١) القويم، وهذا مراد الشَّافعيِّ بالكراهةِ. انتهى.

وقد علم ممَّا ذكرناه أنَّ ما (٢) أحدثَهُ المتكلِّفون (٣) بمعرفةِ الأوزانِ والموسيقا في كلامِ الله من الألحانِ والتَّطريب والتَّغني، المستعمل في الغناءِ بالغزلِ على إيقاعاتٍ مخصوصةٍ وأوزانٍ مخترعةٍ أنَّ ذلك من أشنعِ البدعِ وأسوأ (٤)، وأنَّه يوجبُ على سامعهم النَّكير، وعلى التَّالي التَّعزير. نعم، إن كان التَّطريب والتَّغني ممَّا اقتضتهُ طبيعةُ القارئ، وسمحتْ بهِ من غيرِ تكلُّفٍ ولا تمرينٍ وتعليم، ولم يخرُج عن حدِّ القراءة؛ فهذا جائزٌ، وإن أعانتهُ طبيعته على فضلِ تحسينٍ، ويشهدُ لذلك حديثُ البابِ، وهو ما رويناهُ بالسَّند إلى المؤلِّف قال:

٥٠٤٨ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ) العسقلانيُّ، المعروف بالحَدَّاديِّ -بالمهملات (٥) وفتح أوله وثانيه المشددة (٦) - سكن بغداد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى) عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ الرَّحمن،

الملقَّب بَشْمِيْن -بفتح الموحدة وسكون الشين المعجمة وكسر الميم وبعد التحتية الساكنة نون- الكوفيُّ (الحِمَّانِيُّ) بكسر الحاء (١) المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حَدَّثني» بالإفراد (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، مصغَّرًا في الأول، وبضم الموحدة وسكون الراء في الآخر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال سمعتُ بريدًا» (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ (أنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) أي: في حسنِ الصَّوت، كقراءة (٢) داود نفسه؛ لأنَّه لم يذكر أنَّ أحدًا من آل داود أعطيَ من (٣) حسنِ الصَّوت ما أعطيَ داود، فـ «آل» مقحمةٌ، والمزامير: جمع مِزْمارٍ -بكسر الميم- الآلة المعروفة، أطلق اسمهَا على الصَّوت للمشابهةِ، وقد كان داود -فيما رواه ابن عبَّاسٍ- يقرأ الزَّبور بسبعينَ لحنًا، ويقرأُ قراءة يطربُ منها المحموم، وإذا أرادَ أنْ يُبكي نفسهُ لم تبق دابةٌ في برٍّ ولا بحرٍ إلَّا أنصتتْ له واستمعَتْ وبكتْ.

وقد أوردَ المؤلِّف حديثَ البابِ مختصرًا، وأوردهُ مسلمٌ من طريقِ طلحةَ بنِ يحيى، عن أبي بُردةَ بلفظ: «لو رأيتني وأنا أستمعُ قراءتك البارحة» … الحديث، وزاد أبو يعلى من طريقِ سعيدِ بنِ أبي بردةَ، عن أبيهِ فقال: أما إنِّي لو علمتُ بمكانك لحبَّرته لك تحبيرًا، وللرُّوياني من طريق مالكِ بنِ مِغْول (٤)، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ، عن أبيهِ: لو علمتُ أنَّ رسول الله يستمعُ قراءتي لحبَّرتها تحبيرًا، أي: حسَّنتها وزيَّنتها (٥) بصوتي تزيينًا، وهذا يدلُّ على أنَّ أبا موسَى كان يستطيعُ أن يتلو أشجى (٦) من المزاميرِ عند المبالغةِ في التَّحبير؛ لأنَّه قد تلا مثلها وما بلغَ حدَّ استطاعته، وأخرجَ ابن أبي داود بسندٍ صحيحٍ (٧) من طريقِ أبي عثمان النَّهديِّ قال: دخلتُ دارَ أبي موسى الأشعريِّ، فما سمعتُ صوتَ صَنْج،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، كَانَ حسن الصَّوْت جدا. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لقد أُوتيت مِزْمَارًا أَي: صَوتا حسنا، وَأَصله الْآلَة أطلق اسْمهَا على الصَّوْت الْحسن للمشابهة بَينهمَا.

وَمُحَمّد بن خلف أَبُو بكر الْمقري الْبَغْدَادِيّ الحدادي، بالمهملات وَفتح أَوله وَتَشْديد الدَّال الأولى، من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ، وعاش بعد البُخَارِيّ خمس سِنِين وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لشيخه فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَأَبُو يحيى اسْمه عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن الملقب ببشمين، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَكسر المم وبالنون بعد الْيَاء آخر الْحُرُوف. فَارسي مَعْنَاهُ: الصُّوفِي، الْحمانِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم وبالنون: نِسْبَة إِلَى حمان قَبيلَة من تَمِيم، الْكُوفِي أَصله من خوارزم، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: واسْمه عَامر، يروي بريد الْمَذْكُور عَن جده عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس، ويروي أَبُو يحيى الْحمانِي: سَمِعت بريد بن عبد الله بدل حَدثنَا بريد بن عبد الله.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ.

قَوْله: (مِزْمَارًا) ، بِكَسْر الْمِيم، قد مر تَفْسِيره الْآن قَوْله: (آل دَاوُد) ، لَفظه آل مقحمة وَالْمرَاد نفس دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ لم يذكر أَن أحدا من آل دَاوُد قد أعطي من حسن الصَّوْت مَا أعطي دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.

٢٣ - (بابُ مَنْ أحَبَّ أنْ يَسْمَعَ القُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب أَن يسمع الْقُرْآن من غَيره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْقِرَاءَة.

٩٤٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي عنِ الأعْمَشِ قَالَ: حدَّثني إِبْرَاهِيمُ عنْ عبِيدَةَ عنْ عبْده الله، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اقْرَأُ عَليَّ القُرْآنَ. قُلْتُ: اقْرَأُ عَليْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيْرِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب أَن يسمع الْقُرْآن من غَيره ليَكُون عرض الْقُرْآن سنة، وَيحْتَمل أَن يكون لأجل تدبره وَزِيَادَة تفهمه، لِأَن المستمع أقوى على ذَلِك وَأنْشط من القارىء لاشتغاله بِالْقِرَاءَةِ، بِخِلَاف قِرَاءَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أبي بن كَعْب، فَإِنَّهُ كَانَ لإِرَادَة تَعْلِيمه كَيْفيَّة أَدَاء الْقِرَاءَة ومخارج الْحُرُوف وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا أخرجه مُخْتَصرا، والذييأتي عَقِيبه بأتم مِنْهُ، وَنَذْكُر رِجَاله فِيهِ لِأَنَّهُمَا حَدِيث وَاحِد.

٣٣ - (بابُ قَوْل المُقْرِىء لِلقارِىء: حَسْبُكَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول المقرىء وَهُوَ الَّذِي يقرىء غَيره للقارىء الَّذِي يقْرَأ: حَسبك أَي: يَكْفِيك.

٠٥٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبرَاهيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اقْرَأ علَيَّ. قُلْتُ: يَا رسولَ الله! اقْرَأُ عَليْكَ وعَليْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نعَمْ فَقَرأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أتيْتُ إِلَى هاذِه الآيَةَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَاؤُلاءِ شَهِيداً} (النِّسَاء: ١٤) قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فالْتَفَتُّ إِلَيْه فإِذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ مَسْعُود: (حَسبك) وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَسليمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: السَّلمَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث مر فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (تَذْرِفَانِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالفاء أَي: تسيلان دمعا، من ذرفت الْعين تذرف إِذا سَالَ دمعها. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ مَسْعُود: (حَسبك) عِنْد وُصُوله إِلَى الْآيَة الْمَذْكُورَة؟ قلت: تَنْبِيها على الموعظة وَالِاعْتِبَار فِي هَذِه الْآيَة، وَلِهَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أهلِ القراءاتِ، فإن خرجَ عنها لم يفِ تحسين الصَّوت بقبحِ الأداءِ. وقال في «الرَّوضة»: أمَّا القراءة بالألحانِ فقال الشَّافعيُّ في «المختصر»: لا بأسَ بها، وفي روايةٍ: مكروهة.

قال جمهورُ الأصحابِ: ليست على قولين، بل المكروه أن يفرِّط في المدِّ وفي إشباعِ الحركات حتى يتولَّد من الفتحة ألفٌ، ومن الضَّمَّة واوٌ، ومن الكسرة ياءٌ، أو يُدغم في غيرِ موضعِ الإدغام، فإن لم ينتهِ إلى هذا الحدِّ فلا كراهةَ.

قال النَّوويُّ : إذا أفرطَ على الوجهِ المذكورِ فهو حرامٌ، صرَّح به صاحبُ «الحاوي» فقال: حرامٌ، يفسَّقُ بهِ القارئ ويأثمُ به المستمعُ؛ لأنَّه عدلَ بهِ عن نهجهِ (١) القويم، وهذا مراد الشَّافعيِّ بالكراهةِ. انتهى.

وقد علم ممَّا ذكرناه أنَّ ما (٢) أحدثَهُ المتكلِّفون (٣) بمعرفةِ الأوزانِ والموسيقا في كلامِ الله من الألحانِ والتَّطريب والتَّغني، المستعمل في الغناءِ بالغزلِ على إيقاعاتٍ مخصوصةٍ وأوزانٍ مخترعةٍ أنَّ ذلك من أشنعِ البدعِ وأسوأ (٤)، وأنَّه يوجبُ على سامعهم النَّكير، وعلى التَّالي التَّعزير. نعم، إن كان التَّطريب والتَّغني ممَّا اقتضتهُ طبيعةُ القارئ، وسمحتْ بهِ من غيرِ تكلُّفٍ ولا تمرينٍ وتعليم، ولم يخرُج عن حدِّ القراءة؛ فهذا جائزٌ، وإن أعانتهُ طبيعته على فضلِ تحسينٍ، ويشهدُ لذلك حديثُ البابِ، وهو ما رويناهُ بالسَّند إلى المؤلِّف قال:

٥٠٤٨ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ) العسقلانيُّ، المعروف بالحَدَّاديِّ -بالمهملات (٥) وفتح أوله وثانيه المشددة (٦) - سكن بغداد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى) عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ الرَّحمن،

الملقَّب بَشْمِيْن -بفتح الموحدة وسكون الشين المعجمة وكسر الميم وبعد التحتية الساكنة نون- الكوفيُّ (الحِمَّانِيُّ) بكسر الحاء (١) المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون مكسورة، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حَدَّثني» بالإفراد (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، مصغَّرًا في الأول، وبضم الموحدة وسكون الراء في الآخر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال سمعتُ بريدًا» (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ (أنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) أي: في حسنِ الصَّوت، كقراءة (٢) داود نفسه؛ لأنَّه لم يذكر أنَّ أحدًا من آل داود أعطيَ من (٣) حسنِ الصَّوت ما أعطيَ داود، فـ «آل» مقحمةٌ، والمزامير: جمع مِزْمارٍ -بكسر الميم- الآلة المعروفة، أطلق اسمهَا على الصَّوت للمشابهةِ، وقد كان داود -فيما رواه ابن عبَّاسٍ- يقرأ الزَّبور بسبعينَ لحنًا، ويقرأُ قراءة يطربُ منها المحموم، وإذا أرادَ أنْ يُبكي نفسهُ لم تبق دابةٌ في برٍّ ولا بحرٍ إلَّا أنصتتْ له واستمعَتْ وبكتْ.

وقد أوردَ المؤلِّف حديثَ البابِ مختصرًا، وأوردهُ مسلمٌ من طريقِ طلحةَ بنِ يحيى، عن أبي بُردةَ بلفظ: «لو رأيتني وأنا أستمعُ قراءتك البارحة» … الحديث، وزاد أبو يعلى من طريقِ سعيدِ بنِ أبي بردةَ، عن أبيهِ فقال: أما إنِّي لو علمتُ بمكانك لحبَّرته لك تحبيرًا، وللرُّوياني من طريق مالكِ بنِ مِغْول (٤)، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ، عن أبيهِ: لو علمتُ أنَّ رسول الله يستمعُ قراءتي لحبَّرتها تحبيرًا، أي: حسَّنتها وزيَّنتها (٥) بصوتي تزيينًا، وهذا يدلُّ على أنَّ أبا موسَى كان يستطيعُ أن يتلو أشجى (٦) من المزاميرِ عند المبالغةِ في التَّحبير؛ لأنَّه قد تلا مثلها وما بلغَ حدَّ استطاعته، وأخرجَ ابن أبي داود بسندٍ صحيحٍ (٧) من طريقِ أبي عثمان النَّهديِّ قال: دخلتُ دارَ أبي موسى الأشعريِّ، فما سمعتُ صوتَ صَنْج،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، كَانَ حسن الصَّوْت جدا. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لقد أُوتيت مِزْمَارًا أَي: صَوتا حسنا، وَأَصله الْآلَة أطلق اسْمهَا على الصَّوْت الْحسن للمشابهة بَينهمَا.

وَمُحَمّد بن خلف أَبُو بكر الْمقري الْبَغْدَادِيّ الحدادي، بالمهملات وَفتح أَوله وَتَشْديد الدَّال الأولى، من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ، وعاش بعد البُخَارِيّ خمس سِنِين وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لشيخه فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَأَبُو يحيى اسْمه عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن الملقب ببشمين، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَكسر المم وبالنون بعد الْيَاء آخر الْحُرُوف. فَارسي مَعْنَاهُ: الصُّوفِي، الْحمانِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم وبالنون: نِسْبَة إِلَى حمان قَبيلَة من تَمِيم، الْكُوفِي أَصله من خوارزم، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: واسْمه عَامر، يروي بريد الْمَذْكُور عَن جده عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس، ويروي أَبُو يحيى الْحمانِي: سَمِعت بريد بن عبد الله بدل حَدثنَا بريد بن عبد الله.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ.

قَوْله: (مِزْمَارًا) ، بِكَسْر الْمِيم، قد مر تَفْسِيره الْآن قَوْله: (آل دَاوُد) ، لَفظه آل مقحمة وَالْمرَاد نفس دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَنَّهُ لم يذكر أَن أحدا من آل دَاوُد قد أعطي من حسن الصَّوْت مَا أعطي دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.

٢٣ - (بابُ مَنْ أحَبَّ أنْ يَسْمَعَ القُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب أَن يسمع الْقُرْآن من غَيره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْقِرَاءَة.

٩٤٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي عنِ الأعْمَشِ قَالَ: حدَّثني إِبْرَاهِيمُ عنْ عبِيدَةَ عنْ عبْده الله، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اقْرَأُ عَليَّ القُرْآنَ. قُلْتُ: اقْرَأُ عَليْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيْرِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب أَن يسمع الْقُرْآن من غَيره ليَكُون عرض الْقُرْآن سنة، وَيحْتَمل أَن يكون لأجل تدبره وَزِيَادَة تفهمه، لِأَن المستمع أقوى على ذَلِك وَأنْشط من القارىء لاشتغاله بِالْقِرَاءَةِ، بِخِلَاف قِرَاءَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أبي بن كَعْب، فَإِنَّهُ كَانَ لإِرَادَة تَعْلِيمه كَيْفيَّة أَدَاء الْقِرَاءَة ومخارج الْحُرُوف وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا أخرجه مُخْتَصرا، والذييأتي عَقِيبه بأتم مِنْهُ، وَنَذْكُر رِجَاله فِيهِ لِأَنَّهُمَا حَدِيث وَاحِد.

٣٣ - (بابُ قَوْل المُقْرِىء لِلقارِىء: حَسْبُكَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول المقرىء وَهُوَ الَّذِي يقرىء غَيره للقارىء الَّذِي يقْرَأ: حَسبك أَي: يَكْفِيك.

٠٥٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبرَاهيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اقْرَأ علَيَّ. قُلْتُ: يَا رسولَ الله! اقْرَأُ عَليْكَ وعَليْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نعَمْ فَقَرأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أتيْتُ إِلَى هاذِه الآيَةَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَاؤُلاءِ شَهِيداً} (النِّسَاء: ١٤) قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فالْتَفَتُّ إِلَيْه فإِذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ مَسْعُود: (حَسبك) وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَسليمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: السَّلمَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث مر فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (تَذْرِفَانِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالفاء أَي: تسيلان دمعا، من ذرفت الْعين تذرف إِذا سَالَ دمعها. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ مَسْعُود: (حَسبك) عِنْد وُصُوله إِلَى الْآيَة الْمَذْكُورَة؟ قلت: تَنْبِيها على الموعظة وَالِاعْتِبَار فِي هَذِه الْآيَة، وَلِهَذَا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله