«أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٠٣

الحديث رقم ٥١٠٣ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لبن الفحل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٠٣ في صحيح البخاري

«أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ.»

بَابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ

إسناد حديث رقم ٥١٠٣ من صحيح البخاري

٥١٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ،

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١٠٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

دُخُولِ مَنِ اعْتَرَفَتِ الْمَرْأَةُ بِالرَّضَاعَةِ مَعَهُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ يَصِيرُ أَخًا لَهَا وَقَبُولُ قَوْلِهَا فِيمَنِ اعْتَرَفَتْ بِهِ، وَأَنَّ الزَّوْجَ يَسْأَلُ زَوْجَتَهُ عَنْ سَبَبِ إِدْخَالِ الرِّجَالِ بَيْتَهُ وَالِاحْتِيَاطِ فِي ذَلِكَ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَفِي قِصَّةِ سَالِمٍ جَوَازُ الْإِرْشَادِ إِلَى الْحِيَلِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَعَاطِي مَا يُحَصِّلُ الْحِلَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ حَلَالًا فِي الْحَالِ.

٢٢ - بَاب لَبَنِ الْفَحْلِ

٥١٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ لَبَنِ الْفَحْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ الرَّجُلِ، وَنِسْبَةُ اللَّبَنِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةٌ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِيهِ.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) لِمَالِكٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَسِيَاقُهُ لِلْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ أَتَمُّ، وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ) بِقَافٍ وَعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ عُرْوَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ وَالْمَحْفُوظُ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ أَبِيهِ قُعَيْسًا أَوِ اسْمُ جَدِّهِ فَنُسِبَ إِلَيْهِ فَتَكُونُ كُنْيَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَافَقَتِ اسْمَ أَبِيهِ أَوِ اسْمَ جَدِّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ فَإِنَّ أَخَا بَنِي الْقُعَيْسِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ، وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَبُو الْجَعْدِ قَالَ فَقَالَ لِي هِشَامٌ: إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ. وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْسِ وَسَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ قَالُوا أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَا قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ عُرْوَةَ.

وَوَقَعَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا قُعَيْسٍ أَتَى عَائِشَةَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي قُعَيْسٍ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي اسْتَأْذَنَ هُوَ أَفْلَحُ وَأَبُو الْقُعَيْسِ هُوَ أَخُوهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كُلُّ مَا جَاءَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَهْمٌ إِلَّا مَنْ قَالَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ أَوْ قَالَ أَبُو الْجَعْدِ لِأَنَّهَا كُنْيَةُ أَفْلَحَ. قُلْتُ: وَإِذَا تَدَبَّرْتَ مَا حَرَّرْتُ عَرَفْتَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَمْ يُخْطِئْ عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ أَبُو الْجَعْدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَفِظَ كُنْيَةَ أَفْلَحَ، وَأَمَّا اسْمُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا فِي كَلَامِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَالَ: هُوَ وَائِلُ بْنُ أَفْلَحَ الْأَشْعَرِيُّ، وَحَكَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثُمَّ حَكَى أَيْضًا أَنَّ اسْمَهُ الْجَعْدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَخُوهُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْقُعَيْسِ نُسِبِ لِجَدِّهِ وَيَكُونَ اسْمُهُ وَائِلَ بْنَ قُعَيْسِ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ الْقُعَيْسِ، وَأَخُوهُ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسِ بْنُ أَفْلَحَ أَبُو الْجَعْدِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الْقُعَيْسِ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ (وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ وَهُوَ عَمِّي

وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ أَخَا عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَوْلُهُ (فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ عِرَاكٍ الْمَاضِيَةِ فِي الشَّهَادَاتِ فَقَالَ أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ (فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ يَدَاكِ أَوْ يَمِينُكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي بَابِ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ فَقَالَ أَتَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي، قُلْتُ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ الْحَدِيثَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا أَوَّلًا فَاسْتَتَرَتْ وَدَارَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ، ثُمَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا قَبِلَتْ قَوْلَهُ فَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْوَقْفُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مَرْفُوعَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الرَّضَاعِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ فَتَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ مَنِ ارْتَضَعَ الصَّغِيرُ بِلَبَنِهِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِنْتُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا مَثَلًا، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَزَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ نُبِّئْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا الرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ، وَأَغْرَبَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَخْصِيصِهِمْ ذَلِكَ بِدَاوُدَ وَإِبْرَاهِيمَ مَعَ وُجُودِ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَمَّةَ وَلَا الْبِنْتَ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَبِ، وَأُجِيبُوا بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.

وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَنْفَصِلُ مِنَ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فَكَيْفَ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إِلَى الرَّجُلِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَبُ الْوَلَدِ أَوْجَبَ تَحْرِيمُ وَلَدِ الْوَلَدِ بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِوَلَدِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَطْءَ يُدِرُّ اللَّبَنَ فَلِلْفَحْلِ فِيهِ نَصِيبٌ.

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَابْنِ جُرَيْجٍ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥١٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بنِ مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام بعدها حاء مهملة (أَخَا أَبِي القُعَيْسِ) بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها سين مهملة، و «أَخَا»: نصب بدلًا من «أفلحَ»، وعلامة نصبه الألف، و «أبي»: مضافٌ إليه. و «القعيس»: مضافٌ إليه، وهذا هو المشهورُ؛ أنَّ أفلح أخو أبي القعيسِ، واسم أبي القعيسِ وائل بن أفلح الأشعريُّ كما عند الدَّارقطنيِّ (جَاءَ) حال كونه (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا -وَهْوَ) أي: أفلح (عَمُّهَا) أي: عمُّ عائشة (مِنَ الرَّضَاعَةِ-) وكان مقتضى السِّياق أن تقول: وهو عمِّي، لكنه من باب الالتفات، وفي رواية معمرٍ عن الزُّهريِّ: «وكان أبو القعيسِ زوجَ المرأةِ التي أرضَعَت عائشة» رواه مسلم، وأفلح أخو أبي القعيسِ، فصار عمَّها من الرَّضاعةِ، وكان استئذانهُ عليها (بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ) أي: آيةُ الحجابِ أو حكمهُ، آخر سنة خمسٍ (فَأَبَيْتُ) فامتنعتُ (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمدِّ؛ للتردُّدِ هل هو مَحرمٌ؟ وغَلَّبت التَّحريم على الإباحةِ، وزاد في رواية عراك السَّابقة في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤]: «فقال: أتحتجبينَ منِّي وأنا عمُّك؟» (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ أَخْبَرْتُهُ (١) بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي) (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمد أيضًا. وفيه دليلٌ على أنَّ لبنَ الفحلِ يحرِّمُ، حتى تثبتَ الحرمةُ في جهة صاحبِ اللَّبنِ، كما تثبتُ في جانبِ المرضعةِ، فإنَّ النَّبيَّ أثبتَ له (٢) عمومةَ الرَّضاعِ، وألحَقَها بالنَّسبِ لأنَّ سبب اللَّبن هو ماء الرَّجل والمرأة معًا فوجب أن يكون الرضاع منهما ولذا أشار ابن عباس بقوله المرويِّ عند ابنِ أبي شيبةَ: «اللِّقاحُ واحدٌ». وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيهِ ومالك وأحمد، كجمهور الصَّحابة والتَّابعين وفقهاء الأمصارِ. وقال قوم منهم ربيعة الرَّأي وابن عُليَّة وابن بنت الشَّافعي وداود وأتباعه: الرَّضاعةُ من قبلِ الرَّجلِ لا تحرِّمُ شيئًا (٣)، واحتجَّ بعضهم لذلك بأنَّ اللَّبنَ لا ينفصلُ من الرَّجلِ وإنَّما ينفصلُ من المرأةِ، فكيفَ تنتشرُ الحرمةُ إلى الرَّجلِ؟! وأُجيب بأنَّه قياسٌ في مقابل (٤) النَّص، فلا يلتفتُ إليه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

دُخُولِ مَنِ اعْتَرَفَتِ الْمَرْأَةُ بِالرَّضَاعَةِ مَعَهُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ يَصِيرُ أَخًا لَهَا وَقَبُولُ قَوْلِهَا فِيمَنِ اعْتَرَفَتْ بِهِ، وَأَنَّ الزَّوْجَ يَسْأَلُ زَوْجَتَهُ عَنْ سَبَبِ إِدْخَالِ الرِّجَالِ بَيْتَهُ وَالِاحْتِيَاطِ فِي ذَلِكَ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَفِي قِصَّةِ سَالِمٍ جَوَازُ الْإِرْشَادِ إِلَى الْحِيَلِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَعَاطِي مَا يُحَصِّلُ الْحِلَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ حَلَالًا فِي الْحَالِ.

٢٢ - بَاب لَبَنِ الْفَحْلِ

٥١٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ لَبَنِ الْفَحْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ الرَّجُلِ، وَنِسْبَةُ اللَّبَنِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةٌ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِيهِ.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) لِمَالِكٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَسِيَاقُهُ لِلْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ أَتَمُّ، وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ) بِقَافٍ وَعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ عُرْوَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ وَالْمَحْفُوظُ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ أَبِيهِ قُعَيْسًا أَوِ اسْمُ جَدِّهِ فَنُسِبَ إِلَيْهِ فَتَكُونُ كُنْيَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَافَقَتِ اسْمَ أَبِيهِ أَوِ اسْمَ جَدِّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ فَإِنَّ أَخَا بَنِي الْقُعَيْسِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ، وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَبُو الْجَعْدِ قَالَ فَقَالَ لِي هِشَامٌ: إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ. وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْسِ وَسَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ قَالُوا أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَا قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ عُرْوَةَ.

وَوَقَعَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا قُعَيْسٍ أَتَى عَائِشَةَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي قُعَيْسٍ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي اسْتَأْذَنَ هُوَ أَفْلَحُ وَأَبُو الْقُعَيْسِ هُوَ أَخُوهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كُلُّ مَا جَاءَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَهْمٌ إِلَّا مَنْ قَالَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ أَوْ قَالَ أَبُو الْجَعْدِ لِأَنَّهَا كُنْيَةُ أَفْلَحَ. قُلْتُ: وَإِذَا تَدَبَّرْتَ مَا حَرَّرْتُ عَرَفْتَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَمْ يُخْطِئْ عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ أَبُو الْجَعْدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَفِظَ كُنْيَةَ أَفْلَحَ، وَأَمَّا اسْمُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا فِي كَلَامِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَالَ: هُوَ وَائِلُ بْنُ أَفْلَحَ الْأَشْعَرِيُّ، وَحَكَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثُمَّ حَكَى أَيْضًا أَنَّ اسْمَهُ الْجَعْدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَخُوهُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْقُعَيْسِ نُسِبِ لِجَدِّهِ وَيَكُونَ اسْمُهُ وَائِلَ بْنَ قُعَيْسِ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ الْقُعَيْسِ، وَأَخُوهُ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسِ بْنُ أَفْلَحَ أَبُو الْجَعْدِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الْقُعَيْسِ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ (وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ وَهُوَ عَمِّي

وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ أَخَا عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَوْلُهُ (فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ عِرَاكٍ الْمَاضِيَةِ فِي الشَّهَادَاتِ فَقَالَ أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ (فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ يَدَاكِ أَوْ يَمِينُكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي بَابِ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ فَقَالَ أَتَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي، قُلْتُ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ الْحَدِيثَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا أَوَّلًا فَاسْتَتَرَتْ وَدَارَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ، ثُمَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا قَبِلَتْ قَوْلَهُ فَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْوَقْفُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مَرْفُوعَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الرَّضَاعِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ فَتَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ مَنِ ارْتَضَعَ الصَّغِيرُ بِلَبَنِهِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِنْتُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا مَثَلًا، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَزَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ نُبِّئْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا الرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ، وَأَغْرَبَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَخْصِيصِهِمْ ذَلِكَ بِدَاوُدَ وَإِبْرَاهِيمَ مَعَ وُجُودِ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَمَّةَ وَلَا الْبِنْتَ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَبِ، وَأُجِيبُوا بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.

وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَنْفَصِلُ مِنَ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فَكَيْفَ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إِلَى الرَّجُلِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَبُ الْوَلَدِ أَوْجَبَ تَحْرِيمُ وَلَدِ الْوَلَدِ بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِوَلَدِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَطْءَ يُدِرُّ اللَّبَنَ فَلِلْفَحْلِ فِيهِ نَصِيبٌ.

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَابْنِ جُرَيْجٍ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥١٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بنِ مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ أَفْلَحَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام بعدها حاء مهملة (أَخَا أَبِي القُعَيْسِ) بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها سين مهملة، و «أَخَا»: نصب بدلًا من «أفلحَ»، وعلامة نصبه الألف، و «أبي»: مضافٌ إليه. و «القعيس»: مضافٌ إليه، وهذا هو المشهورُ؛ أنَّ أفلح أخو أبي القعيسِ، واسم أبي القعيسِ وائل بن أفلح الأشعريُّ كما عند الدَّارقطنيِّ (جَاءَ) حال كونه (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا -وَهْوَ) أي: أفلح (عَمُّهَا) أي: عمُّ عائشة (مِنَ الرَّضَاعَةِ-) وكان مقتضى السِّياق أن تقول: وهو عمِّي، لكنه من باب الالتفات، وفي رواية معمرٍ عن الزُّهريِّ: «وكان أبو القعيسِ زوجَ المرأةِ التي أرضَعَت عائشة» رواه مسلم، وأفلح أخو أبي القعيسِ، فصار عمَّها من الرَّضاعةِ، وكان استئذانهُ عليها (بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ) أي: آيةُ الحجابِ أو حكمهُ، آخر سنة خمسٍ (فَأَبَيْتُ) فامتنعتُ (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمدِّ؛ للتردُّدِ هل هو مَحرمٌ؟ وغَلَّبت التَّحريم على الإباحةِ، وزاد في رواية عراك السَّابقة في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤]: «فقال: أتحتجبينَ منِّي وأنا عمُّك؟» (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ أَخْبَرْتُهُ (١) بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي) (أَنْ آذَنَ لَهُ) بالمد أيضًا. وفيه دليلٌ على أنَّ لبنَ الفحلِ يحرِّمُ، حتى تثبتَ الحرمةُ في جهة صاحبِ اللَّبنِ، كما تثبتُ في جانبِ المرضعةِ، فإنَّ النَّبيَّ أثبتَ له (٢) عمومةَ الرَّضاعِ، وألحَقَها بالنَّسبِ لأنَّ سبب اللَّبن هو ماء الرَّجل والمرأة معًا فوجب أن يكون الرضاع منهما ولذا أشار ابن عباس بقوله المرويِّ عند ابنِ أبي شيبةَ: «اللِّقاحُ واحدٌ». وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيهِ ومالك وأحمد، كجمهور الصَّحابة والتَّابعين وفقهاء الأمصارِ. وقال قوم منهم ربيعة الرَّأي وابن عُليَّة وابن بنت الشَّافعي وداود وأتباعه: الرَّضاعةُ من قبلِ الرَّجلِ لا تحرِّمُ شيئًا (٣)، واحتجَّ بعضهم لذلك بأنَّ اللَّبنَ لا ينفصلُ من الرَّجلِ وإنَّما ينفصلُ من المرأةِ، فكيفَ تنتشرُ الحرمةُ إلى الرَّجلِ؟! وأُجيب بأنَّه قياسٌ في مقابل (٤) النَّص، فلا يلتفتُ إليه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله