الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١١٢
الحديث رقم ٥١١٢ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الشغار.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ
٥١١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَمَّتِهَا) ظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ تَزْوِيجِهِمَا مَعًا، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَقْدٍ بَطَلَا أَوْ مُرَتَّبًا بَطَلَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: (فَنُرَى) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نَظُنُّ، وَبِفَتْحِهَا أَيْ نَعْتَقِدُ.
قَوْلُهُ: (خَالَةُ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ)؛ أَيْ مِنَ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي إِلَخْ) فِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِلْحَاقَ مَا يُحَرَّمُ بِالصِّهْرِ بِمَا يُحَرَّمُ بِالنَّسَبِ، كَمَا يُحَرَّمُ بِالرَّضَاعِ مَا يُحَرُّمُ بِالنَّسَبِ، وَلَمَّا كَانَتْ خَالَةُ الْأَبِ مِنَ الرَّضَاعِ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا فَكَذَلِكَ خَالَةُ الْأَبِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِنْتِ ابْنِ أَخِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَخَصُّوا بِهَا عُمُومَ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ، وَانْفَصَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِمِثْلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٨ - بَاب الشِّغَارِ
٥١١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ.
[الحديث ٥١١٢ - طرفه في: ٦٩٦٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الشِّغَارِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ حَذَفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَكَرَ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ جَمِيعُ رُوَاةِ مَالِكٍ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَا يَرُدُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَلَمْ يَذْكُرِ التَّفْسِيرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَصَرَا ذَلِكَ فِي تَصْنِيفِهِمَا، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ بِالتَّفْسِيرِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ.
نَعَمُ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ، فَالْأَكْثَرُ لَمْ يَنْسُبُوهُ لِأَحَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: لَا أَدْرِي التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ عَنْ نَافِعٍ، أَوْ عَنْ مَالِكٍ، وَنَسَبَهُ مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ وَغَيْرُهُ لِمَالِكٍ.
قَالَ الْخَطِيبُ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وُصِلَ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَمُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ عَنْهُمْ، وَرِوَايَةُ مُحْرِزِ بْنِ عَوْنٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوَطَّآتِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ الشِّغَارِ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ إِلَخْ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ مَنْقُولِ مَالِكٍ لَا مِنْ مَقُولِهِ.
ووقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ - مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ فَذَكَرَهُ، فَلَعَلَّ مَالِكًا أَيْضًا نَقَلَهُ عَنْ نَافِعٍ.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَهُوَ نَافِعٌ. قُلْتُ: قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَرْفُوعًا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ سَوَاءً، قَالَ: وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ:
وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، وَزَوَّجَنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجَكَ أُخْتِي، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَيَرْجِعُ إِلَى نَافِعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وُرُودُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا أَيْضًا، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَأَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أُخْتَهُ بِأُخْتِهِ
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: نُهِيَ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَنْكِحَ هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، بُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُشَاغَرَةِ، وَالْمُشَاغَرَةُ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ مِنْ هَذَا بِلَا مَهْرٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ صَحِيحٌ، مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَمَقْبُولٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ اهـ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الشِّغَارِ الْمَمْنُوعِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِهِ، فَإِنَّ فِيهِ وَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَزْوِيجٌ مِنَ الْوَلِيَّيْنِ وَلِيَّتَهُ لِلْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ، وَالثَّانِي: خُلُوُّ بُضْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الصَّدَاقِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا مَعًا حَتَّى لَا يَمْنَعَ مِثْلًا إِذَا زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الصَّدَاقَ، أَوْ زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِالشَّرْطِ وَذَكَرَ الصَّدَاقَ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبُضْعِ؛ لِأَنَّ بُضْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَصِيرُ مَوْرِدَ الْعَقْدِ، وَجَعْلُ الْبُضْعِ صَدَاقًا مُخَالِفٌ، لَا يُرَادُ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ تَرْكَ ذِكْرِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحَا بِذِكْرِ الْبُضْعِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمُ الصِّحَّةُ، وَلَكِنْ وُجِدَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى خِلَافِهِ وَلَفْظُهُ: إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، أَوِ الْمَرْأَةَ يَلِي أَمْرَهَا مَنْ كَانَتْ لِآخَرَ عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بُضْعُ الْأُخْرَى، أَوْ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْأُخْرَى وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمَا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا، فَهَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَنْسُوخٌ، هَكَذَا سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّفْسِيرِ الْمَنْقُولِ فِي الْحَدِيثِ، وَاخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إِذَا سَمَّى مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا، فَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى الْبُطْلَانِ.
وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ الصِّحَّةُ، وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي النَّقْلِ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَنْ يَنْقُلُ الْخِلَافَ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: الْعِلَّةُ فِي الْبُطْلَانِ التَّعْلِيقُ وَالتَّوْقِيفُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ لَكَ نِكَاحُ بِنْتِي حَتَّى يَنْعَقِدَ لِي نِكَاحُ بِنْتِكَ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُشَبِّهُ بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَيَسْتَثْنِي عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا، وَهُوَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِي فَسَادِهِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ وَيَسْتَثْنِي بُضْعَهَا حَيْثُ يَجْعَلُهُ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: صُورَتُهُ الْكَامِلَةُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، وَمَهْمَا انْعَقَدَ نِكَاحُ ابْنَتِي انْعَقَدَ نِكَاحُ ابْنَتِكَ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: وَلَا يَكُونَ مَعَ الْبُضْعِ شَيْءٌ آخَرُ لِيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَ الْخَرَقِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ تَرْكُ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَرَجَّحَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّ الْعِلَّةَ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ هُوَ ظَاهِرُ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذُكِرَ لِمُلَازَمَتِهِ لِجِهَةِ الْفَسَادِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَفِيهِ شُعُورٌ بِأَنَّ عَدَمَ الصَّدَاقِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْبُطْلَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الهمزة في الثَّاني مصغَّرًا، الخُزَاعِيُّ (أنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَ) أن تُنكحَ (المَرْأَةُ وَ (١) خَالَتُهَا) قال الزُّهريُّ: (فَنُرَى) بضم النون، أي: نظنُّ (٢) (خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ) في التَّحريم، (لأَنَّ عُرْوَةَ) بنَ الزُّبيرِ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) قال (٣) في «الفتح»: كأنَّه أرادَ إلحاق ما يحرَّم بالصِّهر بما يحرَّمُ بالنَّسب، كما يحرَّم بالرَّضاع ما يحرَّمُ بالنَّسبِ، ولمَّا كانت خالةُ الأب من الرَّضاع لا يحلُّ نكاحُها فكذلك (٤) خالةُ الأب لا يجمعُ بينها وبين بنتِ ابن أخيها.
(٢٨) (بابُ الشِّغَارِ) بمعجمتين الأولى مكسورة آخره راء، مصدر شاغَرَ يُشاغِرُ شِغَارًا ومُشاغَرَةً، وسمي شِغارًا إمَّا من قولهم: شغر البلد عن السُّلطان إذا خلا عنه؛ لخلوِّه عن المهرِ، وقيل: لخلوِّه عن بعض الشَّرائط. وقال ثعلب: هو من قولهم: شغرَ الكلبُ إذا رفع رجلهُ ليبولَ، وفي التَّشبيهِ بهذه الهيئةِ القبيحةِ تقبيحٌ (٥) للشِّغار وتغليظٌ على فاعلهِ، كأنَّ كلًّا من الوليَّين يقول للآخر: لا ترفعْ رجلَ ابنتي حتَّى أرفعَ رجلَ ابنتِك.
٥١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ (٦)) أو مُولِّيته من أختٍ وغيرها (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ) أو مُولِّيته (لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) بل
بضعُ كلٍّ منهما صداقُ الأخرى، وقد اختلف الرُّواة عن مالكٍ فيمن ينسبُ إليه تفسير الشِّغار، فالأكثر (١) لم ينسبوه لأحدٍ، ولذا قال الشَّافعيُّ -فيما حكاه البيهقيُّ في «معرفة السنن» -: لا أدري التَّفسير عن النَّبي ﷺ، أو عنِ ابن عمر، أو عن نافعٍ الرَّاوي عنه، أو عن مالك. وقال الخطيبُ: إنَّه قول مالك، وصلهُ بالمتن المرفوعِ، وفي «ترك الحِيَل» من البُخاريِّ [خ¦٦٩٦٠] أنَّه من قول نافعٍ. وقال الباجيُّ: هو من جملةِ الحديث. وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصَّحابيِّ فمقبولٌ لأنَّه أعلم بالمقال، والمعنِيُّ في البطلان التَّشريك في البضع حيث جُعِل موردًا للنِّكاح (٢) وصداقًا للأخرى، فأشبه تزويجَ واحدةٍ من اثنينِ. وقال القفَّالُ: العلَّة في البطلانِ التَّعليقُ والتَّوقيفُ، فكأنَّه يقول: لا ينعقد لك نكاح بنتي حتَّى ينعقدَ لي نكاح بنتكَ، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصَّداق لأنَّ النِّكاح يصحُّ بدون تسمية الصَّداق، لكن قال ابنُ دقيق العيد: إنَّ قوله في الحديث: «ليس بينهما صَداقٌ» يشعر بأنَّ جهة الفساد ترك ذكر الصَّداقِ. انتهى.
وكذا لا يصحُّ لو ذكر مع البُضْع مالًا كقوله: زوَّجتك بنتي أو مولِّيتي بألفٍ على أن تزوِّجني بنتك أو مولِّيتك بألفٍ، وبضع كلٍّ منهما صَدَاقُ الأخرى لوجود التَّشريك المذكور، فلو أسقط في هذه وسابقتها «وبضع كل منهما صَدَاق الأخرى» صحَّ النِّكاح؛ إذ ليس فيه إلَّا شرط عقد في عقدٍ، وهو لا يفسد النِّكاح، ونصُّ الإمام الشَّافعيِّ في «الأم» على البطلان ليس فيه أنَّه مع إسقاط ذلك، فهو مقيَّدٌ بعدم إسقاطه، كما قيَّد به في بقيَّة نصوصه، فثبت أنَّه مع الإسقاط يصحُّ النِّكاحان بمهر المثلِ لفساد المسمَّى، ولو قال: بضعُ ابنتي صداقُ ابنتك، ولم يزدْ، فقبلَ الآخر على ذلك صحَّ الثَّاني فقط. وقال الحنفيَّة: يصحُّ نكاح الشِّغار ويجبُ مهر المثل على كلِّ واحدٍ منهما لأنَّ النِّكاح ممَّا لا يبطل بالشُّروط الفاسدة، وههنا شرطَ فيه ما لا يصلحُ مهرًا، فيبطل شرطُه ويصحُّ عقده، كما لو سمَّى خمرًا. وقال الحنابلةُ: إن سُمِّي المهر في الشِّغار صحَّ، وإن سمِّي لإحداهما ولم يسمَّ للأخرى صحَّ نكاح من سمِّي لها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في «النِّكاح»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لأَحَدٍ؟) من الرِّجال على أن ينكحها من غير ذكر صداق، أو مع ذكرهِ؟ أجازهُ الحنفيَّة، لكن قالوا: يجب (١) مهرُ المثل لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] عطفًا على المُحَلَّلَات في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقوله ﵊: «ملَّكْتُكها بما معَكَ من القرآنِ» قالوا: ولا يقال: الانعقادُ بلفظ الهبة خاصٌّ به ﷺ بدليل قوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لأنَّا نقول: الاختصاصُ والخلوصُ في سقوط المهر بدليل أنَّها مقابلةٌ بمَن آتى مهرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ وبدليل قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] والحرج بلزومِ المهر دون لفظ التَّزويج فصار الحاصل: أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهنَّ، والَّتي وهبَتْ نفسها لك فلم تأخُذ مهرًا خالصةً، هذه الخصلةُ لك من دون المؤمنين، أمَّا هم فقد علمنَا ما فرضنَا عليهم في أزواجِهِم من المهر وغيره. وقال الشَّافعيَّة والجمهور: لا ينعقد إلَّا بلفظ التَّزويج أو الإنكاح، فلا ينعقدُ بلفظ البيع والتَّمليكِ والهبة لحديث مسلمٍ: «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهُنَّ بأمانةِ الله واستحلَلْتم فروجهُنَّ بكلمةِ اللهَ»، ولأنَّ النِّكاح ينزعُ إلى العبادات لورود النَّدب فيه، والأذكار في العبادات تتلقَّى من الشَّرع، والشَّرع إنَّما ورد بلفظ التَّزويج والإنكاح، وتعقِّب بأنَّه لا حجَّة في قوله ﵊: «استحلَلتُم فروجهُنَّ بكلمةِ الله» فقد قال ابن الحاجبِ في «الأمالي»: على هذا لو كان المراد لفظ التَّزويج، ولفظ الإنكاح لكان الوجه أن يقال: بكلمتي الله؛ إذ لا يطلقُ المفرد على اثنين إلَّا فيما إذا كان معلومًا بالعادة، كقولهم: أبصرتُهُ بعيني وسمعتُه بأذُني. وأمَّا نحو: اشتريتُه بدرهمٍ، والمراد بدرهمين (٢)، فلا قائل به، ولو سلِّم صحَّة إطلاق المفردِ هنا على الاثنين لامتنعَ أيضًا من جهة أنَّه إذا كان المراد اللَّفظ فاللَّفظ الموجود في القرآن إنَّما هو: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾ ونحو: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] و ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقد علم أنَّه إذا أخبر عن الكلمةِ باعتبار أنَّه إنَّما يراد صورتها ولفظها مجرَّدة عن معناها أو مع معناها، وقد علم أنَّه لا يقع الإنكاحُ بهذه الألفاظ على صورتها لا بمجرَّدها ولَا بمعناها المراد بها، ولو سلِّم أنَّ الإنكاح
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَمَّتِهَا) ظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ تَزْوِيجِهِمَا مَعًا، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَقْدٍ بَطَلَا أَوْ مُرَتَّبًا بَطَلَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: (فَنُرَى) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نَظُنُّ، وَبِفَتْحِهَا أَيْ نَعْتَقِدُ.
قَوْلُهُ: (خَالَةُ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ)؛ أَيْ مِنَ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي إِلَخْ) فِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِلْحَاقَ مَا يُحَرَّمُ بِالصِّهْرِ بِمَا يُحَرَّمُ بِالنَّسَبِ، كَمَا يُحَرَّمُ بِالرَّضَاعِ مَا يُحَرُّمُ بِالنَّسَبِ، وَلَمَّا كَانَتْ خَالَةُ الْأَبِ مِنَ الرَّضَاعِ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا فَكَذَلِكَ خَالَةُ الْأَبِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِنْتِ ابْنِ أَخِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَخَصُّوا بِهَا عُمُومَ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ، وَانْفَصَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِمِثْلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٨ - بَاب الشِّغَارِ
٥١١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ.
[الحديث ٥١١٢ - طرفه في: ٦٩٦٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الشِّغَارِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ حَذَفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَكَرَ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ جَمِيعُ رُوَاةِ مَالِكٍ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَا يَرُدُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَلَمْ يَذْكُرِ التَّفْسِيرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَصَرَا ذَلِكَ فِي تَصْنِيفِهِمَا، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ بِالتَّفْسِيرِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ.
نَعَمُ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ، فَالْأَكْثَرُ لَمْ يَنْسُبُوهُ لِأَحَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: لَا أَدْرِي التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ عَنْ نَافِعٍ، أَوْ عَنْ مَالِكٍ، وَنَسَبَهُ مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ وَغَيْرُهُ لِمَالِكٍ.
قَالَ الْخَطِيبُ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وُصِلَ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَمُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ عَنْهُمْ، وَرِوَايَةُ مُحْرِزِ بْنِ عَوْنٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوَطَّآتِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ الشِّغَارِ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ إِلَخْ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ مَنْقُولِ مَالِكٍ لَا مِنْ مَقُولِهِ.
ووقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ - مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ فَذَكَرَهُ، فَلَعَلَّ مَالِكًا أَيْضًا نَقَلَهُ عَنْ نَافِعٍ.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَهُوَ نَافِعٌ. قُلْتُ: قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَرْفُوعًا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ سَوَاءً، قَالَ: وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ:
وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، وَزَوَّجَنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجَكَ أُخْتِي، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَيَرْجِعُ إِلَى نَافِعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وُرُودُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا أَيْضًا، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَأَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أُخْتَهُ بِأُخْتِهِ
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: نُهِيَ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَنْكِحَ هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، بُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُشَاغَرَةِ، وَالْمُشَاغَرَةُ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ مِنْ هَذَا بِلَا مَهْرٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ صَحِيحٌ، مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَمَقْبُولٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ اهـ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الشِّغَارِ الْمَمْنُوعِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِهِ، فَإِنَّ فِيهِ وَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَزْوِيجٌ مِنَ الْوَلِيَّيْنِ وَلِيَّتَهُ لِلْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ، وَالثَّانِي: خُلُوُّ بُضْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الصَّدَاقِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا مَعًا حَتَّى لَا يَمْنَعَ مِثْلًا إِذَا زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الصَّدَاقَ، أَوْ زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِالشَّرْطِ وَذَكَرَ الصَّدَاقَ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبُضْعِ؛ لِأَنَّ بُضْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَصِيرُ مَوْرِدَ الْعَقْدِ، وَجَعْلُ الْبُضْعِ صَدَاقًا مُخَالِفٌ، لَا يُرَادُ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ تَرْكَ ذِكْرِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحَا بِذِكْرِ الْبُضْعِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمُ الصِّحَّةُ، وَلَكِنْ وُجِدَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى خِلَافِهِ وَلَفْظُهُ: إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، أَوِ الْمَرْأَةَ يَلِي أَمْرَهَا مَنْ كَانَتْ لِآخَرَ عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بُضْعُ الْأُخْرَى، أَوْ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْأُخْرَى وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمَا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا، فَهَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَنْسُوخٌ، هَكَذَا سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّفْسِيرِ الْمَنْقُولِ فِي الْحَدِيثِ، وَاخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إِذَا سَمَّى مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا، فَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى الْبُطْلَانِ.
وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ الصِّحَّةُ، وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي النَّقْلِ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَنْ يَنْقُلُ الْخِلَافَ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: الْعِلَّةُ فِي الْبُطْلَانِ التَّعْلِيقُ وَالتَّوْقِيفُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ لَكَ نِكَاحُ بِنْتِي حَتَّى يَنْعَقِدَ لِي نِكَاحُ بِنْتِكَ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُشَبِّهُ بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَيَسْتَثْنِي عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا، وَهُوَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِي فَسَادِهِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ وَيَسْتَثْنِي بُضْعَهَا حَيْثُ يَجْعَلُهُ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: صُورَتُهُ الْكَامِلَةُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، وَمَهْمَا انْعَقَدَ نِكَاحُ ابْنَتِي انْعَقَدَ نِكَاحُ ابْنَتِكَ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: وَلَا يَكُونَ مَعَ الْبُضْعِ شَيْءٌ آخَرُ لِيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَ الْخَرَقِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ تَرْكُ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَرَجَّحَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّ الْعِلَّةَ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ هُوَ ظَاهِرُ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذُكِرَ لِمُلَازَمَتِهِ لِجِهَةِ الْفَسَادِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَفِيهِ شُعُورٌ بِأَنَّ عَدَمَ الصَّدَاقِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْبُطْلَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الهمزة في الثَّاني مصغَّرًا، الخُزَاعِيُّ (أنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَ) أن تُنكحَ (المَرْأَةُ وَ (١) خَالَتُهَا) قال الزُّهريُّ: (فَنُرَى) بضم النون، أي: نظنُّ (٢) (خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ) في التَّحريم، (لأَنَّ عُرْوَةَ) بنَ الزُّبيرِ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) قال (٣) في «الفتح»: كأنَّه أرادَ إلحاق ما يحرَّم بالصِّهر بما يحرَّمُ بالنَّسب، كما يحرَّم بالرَّضاع ما يحرَّمُ بالنَّسبِ، ولمَّا كانت خالةُ الأب من الرَّضاع لا يحلُّ نكاحُها فكذلك (٤) خالةُ الأب لا يجمعُ بينها وبين بنتِ ابن أخيها.
(٢٨) (بابُ الشِّغَارِ) بمعجمتين الأولى مكسورة آخره راء، مصدر شاغَرَ يُشاغِرُ شِغَارًا ومُشاغَرَةً، وسمي شِغارًا إمَّا من قولهم: شغر البلد عن السُّلطان إذا خلا عنه؛ لخلوِّه عن المهرِ، وقيل: لخلوِّه عن بعض الشَّرائط. وقال ثعلب: هو من قولهم: شغرَ الكلبُ إذا رفع رجلهُ ليبولَ، وفي التَّشبيهِ بهذه الهيئةِ القبيحةِ تقبيحٌ (٥) للشِّغار وتغليظٌ على فاعلهِ، كأنَّ كلًّا من الوليَّين يقول للآخر: لا ترفعْ رجلَ ابنتي حتَّى أرفعَ رجلَ ابنتِك.
٥١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ (٦)) أو مُولِّيته من أختٍ وغيرها (عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ) أو مُولِّيته (لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) بل
بضعُ كلٍّ منهما صداقُ الأخرى، وقد اختلف الرُّواة عن مالكٍ فيمن ينسبُ إليه تفسير الشِّغار، فالأكثر (١) لم ينسبوه لأحدٍ، ولذا قال الشَّافعيُّ -فيما حكاه البيهقيُّ في «معرفة السنن» -: لا أدري التَّفسير عن النَّبي ﷺ، أو عنِ ابن عمر، أو عن نافعٍ الرَّاوي عنه، أو عن مالك. وقال الخطيبُ: إنَّه قول مالك، وصلهُ بالمتن المرفوعِ، وفي «ترك الحِيَل» من البُخاريِّ [خ¦٦٩٦٠] أنَّه من قول نافعٍ. وقال الباجيُّ: هو من جملةِ الحديث. وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصَّحابيِّ فمقبولٌ لأنَّه أعلم بالمقال، والمعنِيُّ في البطلان التَّشريك في البضع حيث جُعِل موردًا للنِّكاح (٢) وصداقًا للأخرى، فأشبه تزويجَ واحدةٍ من اثنينِ. وقال القفَّالُ: العلَّة في البطلانِ التَّعليقُ والتَّوقيفُ، فكأنَّه يقول: لا ينعقد لك نكاح بنتي حتَّى ينعقدَ لي نكاح بنتكَ، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصَّداق لأنَّ النِّكاح يصحُّ بدون تسمية الصَّداق، لكن قال ابنُ دقيق العيد: إنَّ قوله في الحديث: «ليس بينهما صَداقٌ» يشعر بأنَّ جهة الفساد ترك ذكر الصَّداقِ. انتهى.
وكذا لا يصحُّ لو ذكر مع البُضْع مالًا كقوله: زوَّجتك بنتي أو مولِّيتي بألفٍ على أن تزوِّجني بنتك أو مولِّيتك بألفٍ، وبضع كلٍّ منهما صَدَاقُ الأخرى لوجود التَّشريك المذكور، فلو أسقط في هذه وسابقتها «وبضع كل منهما صَدَاق الأخرى» صحَّ النِّكاح؛ إذ ليس فيه إلَّا شرط عقد في عقدٍ، وهو لا يفسد النِّكاح، ونصُّ الإمام الشَّافعيِّ في «الأم» على البطلان ليس فيه أنَّه مع إسقاط ذلك، فهو مقيَّدٌ بعدم إسقاطه، كما قيَّد به في بقيَّة نصوصه، فثبت أنَّه مع الإسقاط يصحُّ النِّكاحان بمهر المثلِ لفساد المسمَّى، ولو قال: بضعُ ابنتي صداقُ ابنتك، ولم يزدْ، فقبلَ الآخر على ذلك صحَّ الثَّاني فقط. وقال الحنفيَّة: يصحُّ نكاح الشِّغار ويجبُ مهر المثل على كلِّ واحدٍ منهما لأنَّ النِّكاح ممَّا لا يبطل بالشُّروط الفاسدة، وههنا شرطَ فيه ما لا يصلحُ مهرًا، فيبطل شرطُه ويصحُّ عقده، كما لو سمَّى خمرًا. وقال الحنابلةُ: إن سُمِّي المهر في الشِّغار صحَّ، وإن سمِّي لإحداهما ولم يسمَّ للأخرى صحَّ نكاح من سمِّي لها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في «النِّكاح»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لأَحَدٍ؟) من الرِّجال على أن ينكحها من غير ذكر صداق، أو مع ذكرهِ؟ أجازهُ الحنفيَّة، لكن قالوا: يجب (١) مهرُ المثل لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] عطفًا على المُحَلَّلَات في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقوله ﵊: «ملَّكْتُكها بما معَكَ من القرآنِ» قالوا: ولا يقال: الانعقادُ بلفظ الهبة خاصٌّ به ﷺ بدليل قوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لأنَّا نقول: الاختصاصُ والخلوصُ في سقوط المهر بدليل أنَّها مقابلةٌ بمَن آتى مهرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ وبدليل قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] والحرج بلزومِ المهر دون لفظ التَّزويج فصار الحاصل: أحللنا لك الأزواج المؤتى مهورهنَّ، والَّتي وهبَتْ نفسها لك فلم تأخُذ مهرًا خالصةً، هذه الخصلةُ لك من دون المؤمنين، أمَّا هم فقد علمنَا ما فرضنَا عليهم في أزواجِهِم من المهر وغيره. وقال الشَّافعيَّة والجمهور: لا ينعقد إلَّا بلفظ التَّزويج أو الإنكاح، فلا ينعقدُ بلفظ البيع والتَّمليكِ والهبة لحديث مسلمٍ: «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهُنَّ بأمانةِ الله واستحلَلْتم فروجهُنَّ بكلمةِ اللهَ»، ولأنَّ النِّكاح ينزعُ إلى العبادات لورود النَّدب فيه، والأذكار في العبادات تتلقَّى من الشَّرع، والشَّرع إنَّما ورد بلفظ التَّزويج والإنكاح، وتعقِّب بأنَّه لا حجَّة في قوله ﵊: «استحلَلتُم فروجهُنَّ بكلمةِ الله» فقد قال ابن الحاجبِ في «الأمالي»: على هذا لو كان المراد لفظ التَّزويج، ولفظ الإنكاح لكان الوجه أن يقال: بكلمتي الله؛ إذ لا يطلقُ المفرد على اثنين إلَّا فيما إذا كان معلومًا بالعادة، كقولهم: أبصرتُهُ بعيني وسمعتُه بأذُني. وأمَّا نحو: اشتريتُه بدرهمٍ، والمراد بدرهمين (٢)، فلا قائل به، ولو سلِّم صحَّة إطلاق المفردِ هنا على الاثنين لامتنعَ أيضًا من جهة أنَّه إذا كان المراد اللَّفظ فاللَّفظ الموجود في القرآن إنَّما هو: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾ ونحو: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] و ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقد علم أنَّه إذا أخبر عن الكلمةِ باعتبار أنَّه إنَّما يراد صورتها ولفظها مجرَّدة عن معناها أو مع معناها، وقد علم أنَّه لا يقع الإنكاحُ بهذه الألفاظ على صورتها لا بمجرَّدها ولَا بمعناها المراد بها، ولو سلِّم أنَّ الإنكاح