الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١١٦
الحديث رقم ٥١١٦ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة آخرا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥١١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا
⦗١٣⦘
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ.
٥١١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ"
٥١١٧، ٥١١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا"
٥١١٩ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ"
قَوْلُهُ: (بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَخِيرًا)، يَعْنِي تَزْوِيجَ الْمَرْأَةِ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا انْقَضَى وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ. وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: أَخِيرًا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ وَقَعَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ. وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّتِي أَوْرَدَهَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ: أَنَّ عَلِيًّا بَيَّنَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ بِالنَّهْيِ عَنْهَا بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهَا، وَأَقْرَبُ مَا فِيهَا عَهْدًا بِالْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ هَذَا - وَهُوَ ابْنُ مَعْبَدٍ - بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ)؛ أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُوهُ مُحَمَّدٌ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ. أَمَّا الْحَسَنُ فَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ غَيْرَ هَذَا، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْغُسْلِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَيَأْتِي لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ آخَرُ عَنْ جَابِرٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَأَمَّا أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ فَكُنْيَتُهُ أَبُو هَاشِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْعِجْلِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَتَأْتِي أُخْرَى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَأُخْرَى فِي تَرْكِ الْحِيَلِ؛ وَقَرَنَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِأَخِيهِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ فِي التَّارِيخِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْحَسَنُ أَوْثَقَهُمَا، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ: وَكَانَ الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا إِلَى أَنْفُسِنَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَتَّبِعُ السَّبَئِيَّةَ اهـ.
وَالسَّبَئِيَّةُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ يُنْسَبُونَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ، وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاءِ الرَّوَافِضِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى رَأْيِهِ، وَلَمَّا غُلِبَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَتَتَبَّعَ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ فَقَتَلَهُمْ أَحَبَّتْهُ الشِّيعَةُ، ثُمَّ فَارَقَهُ أَكْثَرُهُمْ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِ السَّبَئِيَّةِ مُوَالَاةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَخْرُجَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِمَوْتِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَهُ صَارَ إِلَى ابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ هَذَا. وَمَاتَ أَبُو هَاشِمٍ فِي آخِرِ وِلَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ
عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِمَا) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ: عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ، وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ) سَيَأْتِي بَيَانُ تَحْدِيثِهِ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ بِلَفْظِ: أَنَّ عَلِيًّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْسًا.
وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِ ذِكْرِ مَالِكٍ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ عَلِيًّا مَرَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِكٍ يُسْنِدُهُ أَنَّهُ: سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِفُلَانٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا: تَكَلَّمَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَلِينُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهُ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ) هَكَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، خَيْبَرَ بِالْمُعْجَمَةِ أَوَّلَهُ وَالرَّاءِ آخِرَهُ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ: حُنَيْنٍ بِمُهْمَلَةٍ أَوَّلَهُ وَنُونَيْنِ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَبَّهَا عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ: خَيْبَرُ عَلَى الصَّوَابِ، وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ: نَهَى فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (زَمَنَ خَيْبَرَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كَانَ يَقُولُ: قَوْلُهُ: يَوْمَ خَيْبَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَا بِالْمُتْعَةِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَمَا قَالَهُ مُحْتَمِلٌ يَعْنِي فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَصَرَّحَ أَنَّ الظَّرْفَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُتْعَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَيَأْتِي فِي الذَّبَائِحِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي فِي تَرْكِ الْحِيَلِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ: بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ثَلَاثَتَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَامَ خَيْبَرَ، وَعَنِ الْمُتْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ اهـ.
وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَإِسْحَاقَ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ زَادَ لَفْظَ نِكَاحٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِمِثْلِ لَفْظِ مَالِكٍ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَكِنْ قَالَ زَمَنَ بَدَلَ يَوْمَ
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِشْكَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَرُوَاةِ الْأَثَرِ، قَالَ: فَالَّذِي يُظْهِرُ
أَنَّهُ وَقَعَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فِي لَفْظِ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فِي النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصَبْغَ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّهْيَ زَمَنَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَكَانَ فِي غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ، ثُمَّ رَاجَعْتُ مُسْنَدَ الْحُمَيْدِيَّ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيِّ عَنْهُ فَقَالَ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ، وَلَا يَعْنِي نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ النَّاسِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، فَلَا يَتِمُّ احْتِجَاجُ عَلِيٍّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ النَّهْيُ أَخِيرًا لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَسَكَتَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ اهـ.
وَالْحَامِلُ لِهَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِيهَا بَعْدَ زَمَنِ خَيْبَرَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ تَبْلُغْهُ الرُّخْصَةُ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لِوُقُوعِ النَّهْيِ عَنْهَا عَنْ قُرْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَيُؤَيِّدُ ظَاهِرَ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: حَرَامٌ. فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ فِيهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَأَغْرَبُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَالْمَشْهُورُ فِي تَحْرِيمِهَا أَنَّ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الرَّبِيعِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ مِنَ الرُّوَاةِ كَانَ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَنْ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ اهـ.
فَتَحَصَّلَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ سِتَّةُ مَوَاطِنَ: خَيْبَرُ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، ثُمَّ الْفَتْحُ، ثُمَّ أَوَطَاسُ، ثُمَّ تَبُوكُ، ثُمَّ حَجَّةُ الْوَدَاعِ. وَبَقِيَ عَلَيْهِ حُنَيْنٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَةٍ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهَا قَبْلُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَهِلَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا لِخَطَأِ رُوَاتِهَا، أَوْ لِكَوْنِ غَزْوَةِ أَوْطَاسَ وَحُنَيْنٍ وَاحِدَةً. فَأَمَّا رِوَايَةِ تَبُوكَ فَأَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ رَأَى مَصَابِيحَ وَسَمِعَ نِسَاءً يَبْكِينَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءٌ كَانُوا تَمَتَّعُوا مِنْهُنَّ. فَقَالَ: هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْمِيرَاثُ، وَأَخْرَجَهُ الْحَازِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ جَاءَتْ نِسْوَةٌ قَدْ كُنَّا تَمَتَّعْنَا بِهِنَّ يَطُفْنَ بِرِحَالِنَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَنَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ فَسُمِّيَتْ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ فَأَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِهِ وَزَادَ: مَا كَانَتْ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُنْكَرَةٌ مِنْ رَاوِيهَا عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَهُوَ سَاقِطُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ عَنِ الْحَسَنِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
وَأَمَّا غَزْوَةُ الْفَتْحِ فَثَبَتَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا قَالَ: وَأَمَّا أَوْطَاسُ فَثَبَتَتْ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ أَوْطَاسَ وَالْفَتْحِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ كَانَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى أَوْطَاسَ فِي شَوَّالٍ، وَفِي سِيَاقِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ حَتَّى حَرُمَتْ، وَلَفْظَةُ: إِنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَتْحَ، فَأَذِنَ لَنَا فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي - فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا، فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَهُوَ يَقُولُ: بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَكَانَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ
ابْنِ نُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ: أَمَرَنَا بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ مِنَ النِّسَاءِ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ - فَكُنَّ مَعَنَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِرَاقِهِنَّ، وَفِي لَفْظٍ: فَقَالَ: إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا أَوْطَاسُ فَلَفْظُ مُسْلِمٍ: رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسَ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، وَظَاهِرُ
الْحَدِيثَيْنِ الْمُغَايَرَةُ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ أَطْلَقَ عَلَى عَامِ الْفَتْحِ عَامَ أَوْطَاسَ لِتُقَارِبِهُمَا، وَلَوْ وَقَعَ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُمْ تَمَتَّعُوا مِنَ النِّسَاءِ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ لَمَّا حَسُنَ هَذَا الْجَمْعُ، نَعَمْ وَيَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ الْإِذْنُ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ التَّصْرِيحُ قَبْلَهَا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ بِأَنَّهَا حَرُمَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ مِنَ الرِّوَايَاتِ شَيْءٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ إِلَّا غَزْوَةُ الْفَتْحِ.
وَأَمَّا غَزْوَةُ خَيْبَرَ وَإِنْ كَانَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ فِيهَا صَحِيحَةً فَفِيهَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فَلَا يَصِحُّ الْأَثَرُ فِيهَا؛ لِكَوْنِهِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ وَمَرَاسِيلُهُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَيَّامَ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْفَتْحِ وَأَوْطَاسُ سَوَاءً.
وَأَمَّا قِصَّةُ تَبُوكُ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا مِنْهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَدِيمًا، ثُمَّ وَقَعَ التَّوْدِيعُ مِنْهُنَّ حِينَئِذٍ وَالنَّهْيُ، أَوْ كَانَ النَّهْيُ وَقَعَ قَدِيمًا فَلَمْ يَبْلُغْ بَعْضُهُمْ فَاسْتَمَرَّ عَلَى الرُّخْصَةِ؛ فَلِذَلِكَ قَرَنَ النَّهْيَ بِالْغَضَبِ لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَقَالًا، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُؤَمِّلَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِأَنَّهَا فِي الْفَتْحِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ أَبِي دَاوُدَ سِوَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ، فَلَعَلَّهُ ﷺ أَرَادَ إِعَادَةَ النَّهْيِ لِيَشِيعَ وَيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْمَوَاطِنِ كَمَا قُلْنَا صَحِيحًا صَرِيحًا سِوَى غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَفِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا تَقَدَّمَ.
وَزَادَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ، يَعْنِي فَيَقْوَى أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَقَعْ يَوْمَ خَيْبَرَ، أَوْ لَمْ يَقَعْ هُنَاكَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ كَانُوا يُصَاهِرُونَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مِنْ نِسَائِهِمْ مَنْ وَقَعَ التَّمَتُّعُ بِهِنَّ فَلَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ بِمَا قَالَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّحْرِيمَ تَكَرَّرَ لِيَكُونَ أَظْهَرَ وَأَنْشَرَ؛ حَتَّى يَعْلَمَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْضُرُ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ مَنْ لَا يَحْضُرُ فِي غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أُبِيحَتْ مِرَارًا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمَاضِيَ كَانَ مُؤْذِنًا بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ تَعْقُبُهُ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لَا تَعْقُبُهُ إِبَاحَةٌ أَصْلًا، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَرُدُّ الْأَوَّلُ التَّصْرِيحَ بِالْإِذْنِ فِيهَا فِي الْمَوْطِنِ الْمُتَأَخِّرِ عَنِ الْمَوْطِنِ الَّذِي وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِتَحْرِيمِهَا كَمَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ثُمَّ الْفَتْحِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا وَإِبَاحَتَهَا وَقَعَا مَرَّتَيْنِ فَكَانَتْ مُبَاحَةً قَبْلَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ فِيهَا، ثُمَّ أُبِيحَتْ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ عَامُ أَوْطَاسَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، قَالَ: وَلَا مَانِعَ مِنْ تَكْرِيرِ الْإِبَاحَةِ.
وَنَقَلَ غَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُتْعَةَ نُسِخَتْ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سَبَبِ الْإِذْنِ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا غَزَوُا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْعُزْبَةُ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَعَلَّ النَّهْيَ كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ مَوَاطِنَ بَعْدَ الْإِذْنِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّهَا حُرِّمَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ ذَلِكَ إِذْنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحِكْمَةُ فِي جَمْعِ عَلِيٍّ بَيْنَ النَّهْي عَنِ الْحُمُرِ، وَالْمُتْعَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُرَخِّصُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا،
وَسَيَأْتِي النَّقْلُ عَنْهُ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَأَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ خَيْبَرَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُمَا وَقَعَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ الَّذِي وَقَعَ عَامَ الْفَتْحِ لَمْ يَبْلُغْ عَلِيًّا لِقِصَرِ مُدَّةِ الْإِذْنِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ تَبُوكَ عَلَى نَسْخِ الْجَوَازِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْهَا فِي أَوَائِلِ إِنْشَاءِ السَّفَرِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ شَدِيدَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ فِي تَوْبَةِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ الشَّدِيدَةُ انْتَهَتْ مِنْ بَعْدِ فَتْحِ خَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السُّهَيْلِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خَيْبَرَ نِسَاءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِنَّ ظَاهِرٌ مِمَّا بَيَّنْتُهُ مِنَ الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَيِّمِ: لَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ يَتَمَتَّعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ، وَأَيْضًا فَيُقَالُ كَمَا تَقَدَّمَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا فِي خَيْبَرَ، وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ النَّهْيِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّمَتُّعَ مِنَ النِّسَاءِ كَانَ حَلَالًا، وَسَبَبُ تَحْلِيلِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ - ثُمَّ قَالَ - فَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، فَأَشَارَ إِلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ الْحَاجَةُ مَعَ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظِ: إِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُتْعَةِ لِعُزْبَةٍ كَانَتْ بِالنَّاسِ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرَ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَالِ وَمِنَ السَّبْيِ فَنَاسَبَ النَّهْيُ عَنِ الْمُتْعَةِ؛ لِارْتِفَاعِ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى التَّوْسِعَةِ بَعْدَ الضِّيقِ، أَوْ كَانَتِ الْإِبَاحَةُ إِنَّمَا تَقَعُ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَكُونُ فِي الْمَسَافَةِ إِلَيْهَا بُعْدٌ وَمَشَقَّةٌ، وَخَيْبَرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ فَوَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الْمُتْعَةِ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِذْنٍ فِيهَا، ثُمَّ لَمَّا عَادُوا إِلَى سَفْرَةٍ بَعِيدَةِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ غَزَاةُ الْفَتْحِ، وَشَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْعُزُوبَةُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ لَكِنْ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ؛ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ نَهَاهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ سَلَمَةَ.
وَهَكَذَا يُجَابُ عَنْ كُلِّ سَفْرَةٍ ثَبَتَ فِيهَا النَّهْيُ بَعْدَ الْإِذْنِ.
وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا النَّهْيُ مُجَرَّدًا إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَجُّوا فِيهَا بِنِسَائِهِمْ بَعْدَ أَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا فِي شِدَّةٍ وَلَا طُولِ عُزْبَةٍ، وَإِلَّا فَمَخْرَجُ حَدِيثِ سَبْرَةَ رَاوية هُوَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ الرَّبِيعِ عَنْهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي تَعْيِينِهَا؛ وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فَتَعَيَّنَ التَّرْجِيحُ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّهَا فِي زَمَنِ الْفَتْحِ أَرْجَحُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) هُوَ الضُّبَعِيُّ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْكِتَابِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُسْأَلُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَخَّصَ) أَيْ فِيهَا، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، وَأَظُنُّهُ عِكْرِمَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ، وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوِهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ وَالنِّسَاءُ قَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ صَدَقَ. وَعِنْدِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَوِ ابْنِ أَبِي عُمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ: قَالَ رَجُلٌ - يَعْنِي لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ - إِنَّمَا كَانَتْ - يَعْنِي الْمُتْعَةَ - رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا؛ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ لَقَدْ سَارَتْ بِفُتْيَاكَ الرُّكْبَانُ، وَقَالَ فِيهَا الشُّعَرَاءُ، يَعْنِي فِي الْمُتْعَةِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بِهَذَا أَفْتَيْتُ، وَمَا هِيَ إِلَّا كَالْمَيْتَةِ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: أَلَا إِنَّمَا هِيَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمَعْرُوفُ بِوَكِيعٍ فِي كِتَابِ الْغُرَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِالْقِصَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ فِي آخِرِهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ.
وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي أَشَرْتُ
إِلَيْهِ قَرِيبًا نَحْوُهُ، فَهَذِهِ أَخْبَارٌ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُتْعَةَ إِنَّمَا رُخِّصَ فِيهَا بِسَبَبِ الْعُزْبَةِ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَهُوَ يُوَافِقُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِيَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ لِحَرْبِنَا وَخَوْفِنَا، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، كَانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ الْبَلَدَ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَعْرِفَةٌ، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَّةِ إِبَاحَتِهَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْوَزِيرِ، عَنْ سُفْيَانَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَلَّ مَنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَ كَوْنِهِ مُعَنْعَنًا لِوُرُودِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرٍو.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ)؛ أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ عَنْ عَمْرٍو: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ تَقْدِيمُ سَلَمَةَ عَلَى جَابِرٍ، وَقَدْ أَدْرَكَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا، لَكِنْ رِوَايَتُهُ عَنْ جَابِرٍ أَشْهَرُ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي جَيْشٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ، لَكِنْ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسَ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا.
(تَنْبِيهٌ): ضَبْطُ جَيْشٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حُنَيْنٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ بِاسْمِ مَكَانِ الْوَقْعَةِ الْمَشْهُورَةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ بِلَالٌ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا)، زَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ، وَضُبِطَ فَاسْتَمْتِعُوا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِهَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَبِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، مِنْهَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ جَابِرًا نَحْوَهُ، وَزَادَ: حَتَّى نَهَى عَنْهَا عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ.
وَقِصَّةُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ الْكُوفَةَ فَاسْتَمْتَعَ بِمَوْلَاة، فَأَتَى بِهَا عمرو حُبْلَى، فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْ تَخْرِيجِ مُسْلِمِ: ثُمَّ نَهَى عَنْهَا ضَبَطْنَاهُ: نَهَى بِفَتْحِ النُّونِ، وَرَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةٍ مُعْتَمَدَةٍ نَهَا بِالْأَلِفِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: بَلْ هِيَ بِضَمِّ النُّونِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاهِي فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ، عُمَرُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ قُلْنَا: هُوَ مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ ثَبَتَ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِيهِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ الْإِذْنَ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، فَنَهْيُ عُمَرَ مُوَافِقٌ لِنَهْيِهِ ﷺ. قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ جَابِرًا وَمَنْ نُقِلَ عَنْهُ اسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَهُ ﷺ إِلَى أَنْ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا اجْتِهَادًا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا مُسْتَنِدًا إِلَى نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ عَنْهُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا،
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ بَعْدَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ، وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. الحديث الرابع، تقدمت له طريق في الذي قبله.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِعَشَرَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَدَلَ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَبِالْفَاءِ أَصَحُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْأَجَلِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَحَبَّا) أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ (أَنْ يَتَزَايَدَا) أَيْ فِي الْمُدَّةِ؛ يَعْنِي تَزَايَدَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَتَتَارَكَا أَيْ يَتَفَارَقَا تَتَارَكَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَنْ يَتَنَاقَضَا تَنَاقَضَا وَالْمُرَادُ بِهِ التَّفَارُقُ.
قَوْلُهُ: (فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً)، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ التَّصْرِيحُ بِالِاخْتِصَاصِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ: إِنَّمَا أُحِلَّتْ لَنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتْعَةُ النِّسَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ بَيَّنَهُ عَلِيٌّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ)، يُرِيدُ بِذَلِكَ تَصْرِيحَ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْهَا بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهَا، وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَسَخَ رَمَضَانُ كُلَّ صَوْمٍ، وَنَسَخَ الْمُتْعَةَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ عَنِ الْأَوَائِلِ الرُّخْصَةُ فِيهَا، وَلَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُجِيزُهَا إِلَّا بَعْضُ الرَّافِضَةِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: ثُمَّ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا الرَّوَافِضَ. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَبَاحَهَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رَوَى أَهْلُ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةَ الْمُتْعَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَإِجَازَةُ الْمُتْعَةِ عَنْهُ أَصَحُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ.
قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْآنَ أُبْطِلَ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَمْ بَعْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ زُفَرَ: إِنَّهُ جَعَلَهَا كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا. قُلْتُ: وَهُوَ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ كَالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي الرُّجُوعِ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ إِلَى عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا نُسِخَتْ.
وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: هِيَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيحْكي عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جَوَازُهَا اهـ.
وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ رَوَى بِالْبَصْرَةِ فِي إِبَاحَتِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مِنَ الْجَوَازِ خَطَأٌ، فَقَدْ بَالَغَ الْمَالِكِيَّةُ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ حَتَّى أَبْطَلُوا تَوْقِيتَ الْحِلِّ بِسَبَبِهِ فَقَالُوا: لَوْ عَلَّقَ عَلَى وَقْتٍ لَا بُدَّ مِنْ مَجِيئِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ تَوْقِيتٌ لِلْحِلِّ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْبُطْلَانِ التَّصْرِيحُ بِالشَّرْطِ، فَلَوْ نَوَى عِنْدَ الْعَقْدِ أَنْ يُفَارِقَ بَعْدَ مُدَّةٍ صَحَّ نِكَاحُهُ، إِلَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَأَبْطَلَهُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُحَدُّ نَاكِحُ الْمُتْعَةِ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَأْخَذُهُمَا أَنَّ الِاتِّفَاقَ بَعْدَ الْخِلَافَ هَلْ يُرْفَعُ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ زَمَنَ إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ لَمْ يَطُلْ وَأَنَّهُ حَرُمَ، ثُمَّ أَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا مَنْ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّوَافِضِ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِتَفَرُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِبَاحَتِهَا، فَهِيَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ نُدْرَةُ الْمُخَالِفِ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الصَّواب والمختار أنَّ التَّحريم والإباحة كانا مرَّتين؛ فكانت حلالًا قبلَ خيبر، ثمَّ حرِّمت يوم خيبر (١)، ثمَّ أُبيحَت يومَ الفتح؛ وهو يومُ (٢) أوطاسٍ لاتِّصالها بها، ثمَّ حرِّمت يومئذٍ بعد ثلاثة أيَّامٍ تحريمًا مؤبَّدًا إلى يوم القيامة.
وسبق هذا الحديث في «المغازي» في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢١٦].
٥١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدَار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصرُ بنُ عمرانَ الضُّبَعيُّ البصريُّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (سُئِلَ) بضم السين، ولأبي ذرٍّ: «يُسأل» بتحتية مضمومة بلفظ المضارع مبنيًّا للمفعول (٣) (عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ) فيها (فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ) قيل: إنَّه عكرمةَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ) التَّرخيص (فِي الحَالِ الشَّدِيدِ) من قوَّةِ الشَّهوة والعزوبةِ (وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ) وعند الإسماعيليِّ: «إنَّما كان ذلك في الجهاد والنِّساء قلائلُ» (أَوْ) قال (نَحْوَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ) أي: صدق، إنَّما رخَّص فيها بسببِ العُزْبةِ (٤) في حال السَّفرِ.
٥١١٧ - ٥١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينارٍ (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ.
٥١١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ"
٥١١٧، ٥١١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا"
٥١١٩ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ"
قَوْلُهُ: (بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَخِيرًا)، يَعْنِي تَزْوِيجَ الْمَرْأَةِ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا انْقَضَى وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ. وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: أَخِيرًا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ وَقَعَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ. وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّتِي أَوْرَدَهَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ: أَنَّ عَلِيًّا بَيَّنَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ بِالنَّهْيِ عَنْهَا بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهَا، وَأَقْرَبُ مَا فِيهَا عَهْدًا بِالْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ هَذَا - وَهُوَ ابْنُ مَعْبَدٍ - بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ)؛ أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُوهُ مُحَمَّدٌ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ. أَمَّا الْحَسَنُ فَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ غَيْرَ هَذَا، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْغُسْلِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَيَأْتِي لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ آخَرُ عَنْ جَابِرٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَأَمَّا أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ فَكُنْيَتُهُ أَبُو هَاشِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْعِجْلِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَتَأْتِي أُخْرَى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَأُخْرَى فِي تَرْكِ الْحِيَلِ؛ وَقَرَنَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِأَخِيهِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ فِي التَّارِيخِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْحَسَنُ أَوْثَقَهُمَا، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ: وَكَانَ الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا إِلَى أَنْفُسِنَا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَتَّبِعُ السَّبَئِيَّةَ اهـ.
وَالسَّبَئِيَّةُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ يُنْسَبُونَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ، وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاءِ الرَّوَافِضِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى رَأْيِهِ، وَلَمَّا غُلِبَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَتَتَبَّعَ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ فَقَتَلَهُمْ أَحَبَّتْهُ الشِّيعَةُ، ثُمَّ فَارَقَهُ أَكْثَرُهُمْ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِ السَّبَئِيَّةِ مُوَالَاةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَخْرُجَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِمَوْتِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَهُ صَارَ إِلَى ابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ هَذَا. وَمَاتَ أَبُو هَاشِمٍ فِي آخِرِ وِلَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ
عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِمَا) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ: عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ، وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ) سَيَأْتِي بَيَانُ تَحْدِيثِهِ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ بِلَفْظِ: أَنَّ عَلِيًّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْسًا.
وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِ ذِكْرِ مَالِكٍ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ عَلِيًّا مَرَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ مَالِكٍ يُسْنِدُهُ أَنَّهُ: سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِفُلَانٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا: تَكَلَّمَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَلِينُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهُ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ) هَكَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، خَيْبَرَ بِالْمُعْجَمَةِ أَوَّلَهُ وَالرَّاءِ آخِرَهُ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ: حُنَيْنٍ بِمُهْمَلَةٍ أَوَّلَهُ وَنُونَيْنِ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَبَّهَا عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ: خَيْبَرُ عَلَى الصَّوَابِ، وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ: نَهَى فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (زَمَنَ خَيْبَرَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كَانَ يَقُولُ: قَوْلُهُ: يَوْمَ خَيْبَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَا بِالْمُتْعَةِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَمَا قَالَهُ مُحْتَمِلٌ يَعْنِي فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَصَرَّحَ أَنَّ الظَّرْفَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُتْعَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَيَأْتِي فِي الذَّبَائِحِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي فِي تَرْكِ الْحِيَلِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ: بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ثَلَاثَتَهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَامَ خَيْبَرَ، وَعَنِ الْمُتْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ اهـ.
وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَإِسْحَاقَ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ زَادَ لَفْظَ نِكَاحٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِمِثْلِ لَفْظِ مَالِكٍ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَكِنْ قَالَ زَمَنَ بَدَلَ يَوْمَ
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِشْكَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَرُوَاةِ الْأَثَرِ، قَالَ: فَالَّذِي يُظْهِرُ
أَنَّهُ وَقَعَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فِي لَفْظِ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فِي النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصَبْغَ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّهْيَ زَمَنَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَكَانَ فِي غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ، ثُمَّ رَاجَعْتُ مُسْنَدَ الْحُمَيْدِيَّ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيِّ عَنْهُ فَقَالَ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ، وَلَا يَعْنِي نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ النَّاسِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، فَلَا يَتِمُّ احْتِجَاجُ عَلِيٍّ إِلَّا إِذَا وَقَعَ النَّهْيُ أَخِيرًا لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَسَكَتَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ اهـ.
وَالْحَامِلُ لِهَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِيهَا بَعْدَ زَمَنِ خَيْبَرَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ تَبْلُغْهُ الرُّخْصَةُ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لِوُقُوعِ النَّهْيِ عَنْهَا عَنْ قُرْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَيُؤَيِّدُ ظَاهِرَ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: حَرَامٌ. فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ فِيهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَأَغْرَبُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَالْمَشْهُورُ فِي تَحْرِيمِهَا أَنَّ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الرَّبِيعِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ مِنَ الرُّوَاةِ كَانَ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَنْ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ اهـ.
فَتَحَصَّلَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ سِتَّةُ مَوَاطِنَ: خَيْبَرُ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، ثُمَّ الْفَتْحُ، ثُمَّ أَوَطَاسُ، ثُمَّ تَبُوكُ، ثُمَّ حَجَّةُ الْوَدَاعِ. وَبَقِيَ عَلَيْهِ حُنَيْنٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَةٍ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهَا قَبْلُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَهِلَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا لِخَطَأِ رُوَاتِهَا، أَوْ لِكَوْنِ غَزْوَةِ أَوْطَاسَ وَحُنَيْنٍ وَاحِدَةً. فَأَمَّا رِوَايَةِ تَبُوكَ فَأَخْرَجَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ رَأَى مَصَابِيحَ وَسَمِعَ نِسَاءً يَبْكِينَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاءٌ كَانُوا تَمَتَّعُوا مِنْهُنَّ. فَقَالَ: هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْمِيرَاثُ، وَأَخْرَجَهُ الْحَازِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ جَاءَتْ نِسْوَةٌ قَدْ كُنَّا تَمَتَّعْنَا بِهِنَّ يَطُفْنَ بِرِحَالِنَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَنَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ فَسُمِّيَتْ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ فَأَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِهِ وَزَادَ: مَا كَانَتْ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُنْكَرَةٌ مِنْ رَاوِيهَا عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَهُوَ سَاقِطُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ عَنِ الْحَسَنِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
وَأَمَّا غَزْوَةُ الْفَتْحِ فَثَبَتَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا قَالَ: وَأَمَّا أَوْطَاسُ فَثَبَتَتْ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ أَوْطَاسَ وَالْفَتْحِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ كَانَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى أَوْطَاسَ فِي شَوَّالٍ، وَفِي سِيَاقِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ حَتَّى حَرُمَتْ، وَلَفْظَةُ: إِنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَتْحَ، فَأَذِنَ لَنَا فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي - فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا، فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَهُوَ يَقُولُ: بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَكَانَ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ
ابْنِ نُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ: أَمَرَنَا بِالْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ مِنَ النِّسَاءِ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ - فَكُنَّ مَعَنَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِرَاقِهِنَّ، وَفِي لَفْظٍ: فَقَالَ: إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا أَوْطَاسُ فَلَفْظُ مُسْلِمٍ: رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسَ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، وَظَاهِرُ
الْحَدِيثَيْنِ الْمُغَايَرَةُ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ أَطْلَقَ عَلَى عَامِ الْفَتْحِ عَامَ أَوْطَاسَ لِتُقَارِبِهُمَا، وَلَوْ وَقَعَ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُمْ تَمَتَّعُوا مِنَ النِّسَاءِ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ لَمَّا حَسُنَ هَذَا الْجَمْعُ، نَعَمْ وَيَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ الْإِذْنُ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ التَّصْرِيحُ قَبْلَهَا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ بِأَنَّهَا حَرُمَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ مِنَ الرِّوَايَاتِ شَيْءٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ إِلَّا غَزْوَةُ الْفَتْحِ.
وَأَمَّا غَزْوَةُ خَيْبَرَ وَإِنْ كَانَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ فِيهَا صَحِيحَةً فَفِيهَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فَلَا يَصِحُّ الْأَثَرُ فِيهَا؛ لِكَوْنِهِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ وَمَرَاسِيلُهُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَيَّامَ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْفَتْحِ وَأَوْطَاسُ سَوَاءً.
وَأَمَّا قِصَّةُ تَبُوكُ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا مِنْهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَدِيمًا، ثُمَّ وَقَعَ التَّوْدِيعُ مِنْهُنَّ حِينَئِذٍ وَالنَّهْيُ، أَوْ كَانَ النَّهْيُ وَقَعَ قَدِيمًا فَلَمْ يَبْلُغْ بَعْضُهُمْ فَاسْتَمَرَّ عَلَى الرُّخْصَةِ؛ فَلِذَلِكَ قَرَنَ النَّهْيَ بِالْغَضَبِ لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَقَالًا، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُؤَمِّلَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِأَنَّهَا فِي الْفَتْحِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ أَبِي دَاوُدَ سِوَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ، فَلَعَلَّهُ ﷺ أَرَادَ إِعَادَةَ النَّهْيِ لِيَشِيعَ وَيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْمَوَاطِنِ كَمَا قُلْنَا صَحِيحًا صَرِيحًا سِوَى غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَفِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا تَقَدَّمَ.
وَزَادَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ، يَعْنِي فَيَقْوَى أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَقَعْ يَوْمَ خَيْبَرَ، أَوْ لَمْ يَقَعْ هُنَاكَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ كَانُوا يُصَاهِرُونَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مِنْ نِسَائِهِمْ مَنْ وَقَعَ التَّمَتُّعُ بِهِنَّ فَلَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ بِمَا قَالَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: فِي تَعْيِينِ مَوْضِعِ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّحْرِيمَ تَكَرَّرَ لِيَكُونَ أَظْهَرَ وَأَنْشَرَ؛ حَتَّى يَعْلَمَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْضُرُ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ مَنْ لَا يَحْضُرُ فِي غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أُبِيحَتْ مِرَارًا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمَاضِيَ كَانَ مُؤْذِنًا بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ تَعْقُبُهُ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لَا تَعْقُبُهُ إِبَاحَةٌ أَصْلًا، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَرُدُّ الْأَوَّلُ التَّصْرِيحَ بِالْإِذْنِ فِيهَا فِي الْمَوْطِنِ الْمُتَأَخِّرِ عَنِ الْمَوْطِنِ الَّذِي وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِتَحْرِيمِهَا كَمَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ثُمَّ الْفَتْحِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا وَإِبَاحَتَهَا وَقَعَا مَرَّتَيْنِ فَكَانَتْ مُبَاحَةً قَبْلَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ فِيهَا، ثُمَّ أُبِيحَتْ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ عَامُ أَوْطَاسَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، قَالَ: وَلَا مَانِعَ مِنْ تَكْرِيرِ الْإِبَاحَةِ.
وَنَقَلَ غَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُتْعَةَ نُسِخَتْ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سَبَبِ الْإِذْنِ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا غَزَوُا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْعُزْبَةُ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَعَلَّ النَّهْيَ كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ مَوَاطِنَ بَعْدَ الْإِذْنِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّهَا حُرِّمَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ ذَلِكَ إِذْنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحِكْمَةُ فِي جَمْعِ عَلِيٍّ بَيْنَ النَّهْي عَنِ الْحُمُرِ، وَالْمُتْعَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُرَخِّصُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا،
وَسَيَأْتِي النَّقْلُ عَنْهُ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَأَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ خَيْبَرَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُمَا وَقَعَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ الَّذِي وَقَعَ عَامَ الْفَتْحِ لَمْ يَبْلُغْ عَلِيًّا لِقِصَرِ مُدَّةِ الْإِذْنِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ تَبُوكَ عَلَى نَسْخِ الْجَوَازِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْهَا فِي أَوَائِلِ إِنْشَاءِ السَّفَرِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ شَدِيدَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ فِي تَوْبَةِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ الشَّدِيدَةُ انْتَهَتْ مِنْ بَعْدِ فَتْحِ خَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ السُّهَيْلِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خَيْبَرَ نِسَاءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِنَّ ظَاهِرٌ مِمَّا بَيَّنْتُهُ مِنَ الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَيِّمِ: لَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ يَتَمَتَّعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ، وَأَيْضًا فَيُقَالُ كَمَا تَقَدَّمَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا فِي خَيْبَرَ، وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ النَّهْيِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّمَتُّعَ مِنَ النِّسَاءِ كَانَ حَلَالًا، وَسَبَبُ تَحْلِيلِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ - ثُمَّ قَالَ - فَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، فَأَشَارَ إِلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ الْحَاجَةُ مَعَ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظِ: إِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُتْعَةِ لِعُزْبَةٍ كَانَتْ بِالنَّاسِ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرَ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَالِ وَمِنَ السَّبْيِ فَنَاسَبَ النَّهْيُ عَنِ الْمُتْعَةِ؛ لِارْتِفَاعِ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى التَّوْسِعَةِ بَعْدَ الضِّيقِ، أَوْ كَانَتِ الْإِبَاحَةُ إِنَّمَا تَقَعُ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَكُونُ فِي الْمَسَافَةِ إِلَيْهَا بُعْدٌ وَمَشَقَّةٌ، وَخَيْبَرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ فَوَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الْمُتْعَةِ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِذْنٍ فِيهَا، ثُمَّ لَمَّا عَادُوا إِلَى سَفْرَةٍ بَعِيدَةِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ غَزَاةُ الْفَتْحِ، وَشَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْعُزُوبَةُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ لَكِنْ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ؛ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ نَهَاهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ سَلَمَةَ.
وَهَكَذَا يُجَابُ عَنْ كُلِّ سَفْرَةٍ ثَبَتَ فِيهَا النَّهْيُ بَعْدَ الْإِذْنِ.
وَأَمَّا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا النَّهْيُ مُجَرَّدًا إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَجُّوا فِيهَا بِنِسَائِهِمْ بَعْدَ أَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا فِي شِدَّةٍ وَلَا طُولِ عُزْبَةٍ، وَإِلَّا فَمَخْرَجُ حَدِيثِ سَبْرَةَ رَاوية هُوَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ الرَّبِيعِ عَنْهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي تَعْيِينِهَا؛ وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فَتَعَيَّنَ التَّرْجِيحُ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّهَا فِي زَمَنِ الْفَتْحِ أَرْجَحُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) هُوَ الضُّبَعِيُّ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْكِتَابِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُسْأَلُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَخَّصَ) أَيْ فِيهَا، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، وَأَظُنُّهُ عِكْرِمَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ، وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوِهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ وَالنِّسَاءُ قَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ صَدَقَ. وَعِنْدِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَوِ ابْنِ أَبِي عُمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ: قَالَ رَجُلٌ - يَعْنِي لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ - إِنَّمَا كَانَتْ - يَعْنِي الْمُتْعَةَ - رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا؛ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ لَقَدْ سَارَتْ بِفُتْيَاكَ الرُّكْبَانُ، وَقَالَ فِيهَا الشُّعَرَاءُ، يَعْنِي فِي الْمُتْعَةِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بِهَذَا أَفْتَيْتُ، وَمَا هِيَ إِلَّا كَالْمَيْتَةِ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: أَلَا إِنَّمَا هِيَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمَعْرُوفُ بِوَكِيعٍ فِي كِتَابِ الْغُرَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِالْقِصَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ فِي آخِرِهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ.
وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي أَشَرْتُ
إِلَيْهِ قَرِيبًا نَحْوُهُ، فَهَذِهِ أَخْبَارٌ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُتْعَةَ إِنَّمَا رُخِّصَ فِيهَا بِسَبَبِ الْعُزْبَةِ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَهُوَ يُوَافِقُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِيَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ لِحَرْبِنَا وَخَوْفِنَا، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، كَانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ الْبَلَدَ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَعْرِفَةٌ، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَّةِ إِبَاحَتِهَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْوَزِيرِ، عَنْ سُفْيَانَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَلَّ مَنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَ كَوْنِهِ مُعَنْعَنًا لِوُرُودِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرٍو.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ)؛ أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ عَنْ عَمْرٍو: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ تَقْدِيمُ سَلَمَةَ عَلَى جَابِرٍ، وَقَدْ أَدْرَكَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا، لَكِنْ رِوَايَتُهُ عَنْ جَابِرٍ أَشْهَرُ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي جَيْشٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ، لَكِنْ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسَ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا.
(تَنْبِيهٌ): ضَبْطُ جَيْشٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حُنَيْنٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ بِاسْمِ مَكَانِ الْوَقْعَةِ الْمَشْهُورَةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ بِلَالٌ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا)، زَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ، وَضُبِطَ فَاسْتَمْتِعُوا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِهَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَبِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، مِنْهَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ جَابِرًا نَحْوَهُ، وَزَادَ: حَتَّى نَهَى عَنْهَا عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ.
وَقِصَّةُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ الْكُوفَةَ فَاسْتَمْتَعَ بِمَوْلَاة، فَأَتَى بِهَا عمرو حُبْلَى، فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْ تَخْرِيجِ مُسْلِمِ: ثُمَّ نَهَى عَنْهَا ضَبَطْنَاهُ: نَهَى بِفَتْحِ النُّونِ، وَرَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةٍ مُعْتَمَدَةٍ نَهَا بِالْأَلِفِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: بَلْ هِيَ بِضَمِّ النُّونِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاهِي فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ، عُمَرُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ قُلْنَا: هُوَ مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ ثَبَتَ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِيهِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ الْإِذْنَ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، فَنَهْيُ عُمَرَ مُوَافِقٌ لِنَهْيِهِ ﷺ. قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ جَابِرًا وَمَنْ نُقِلَ عَنْهُ اسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَهُ ﷺ إِلَى أَنْ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا اجْتِهَادًا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا مُسْتَنِدًا إِلَى نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ عَنْهُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا،
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ بَعْدَ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ، وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. الحديث الرابع، تقدمت له طريق في الذي قبله.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِعَشَرَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَدَلَ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَبِالْفَاءِ أَصَحُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْأَجَلِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَحَبَّا) أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ (أَنْ يَتَزَايَدَا) أَيْ فِي الْمُدَّةِ؛ يَعْنِي تَزَايَدَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَتَتَارَكَا أَيْ يَتَفَارَقَا تَتَارَكَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَنْ يَتَنَاقَضَا تَنَاقَضَا وَالْمُرَادُ بِهِ التَّفَارُقُ.
قَوْلُهُ: (فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً)، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ التَّصْرِيحُ بِالِاخْتِصَاصِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ: إِنَّمَا أُحِلَّتْ لَنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتْعَةُ النِّسَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ بَيَّنَهُ عَلِيٌّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ)، يُرِيدُ بِذَلِكَ تَصْرِيحَ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْهَا بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهَا، وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَسَخَ رَمَضَانُ كُلَّ صَوْمٍ، وَنَسَخَ الْمُتْعَةَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ عَنِ الْأَوَائِلِ الرُّخْصَةُ فِيهَا، وَلَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُجِيزُهَا إِلَّا بَعْضُ الرَّافِضَةِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: ثُمَّ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا الرَّوَافِضَ. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَبَاحَهَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: رَوَى أَهْلُ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةَ الْمُتْعَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَإِجَازَةُ الْمُتْعَةِ عَنْهُ أَصَحُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ.
قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْآنَ أُبْطِلَ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَمْ بَعْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ زُفَرَ: إِنَّهُ جَعَلَهَا كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا. قُلْتُ: وَهُوَ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ كَالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي الرُّجُوعِ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ إِلَى عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا نُسِخَتْ.
وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: هِيَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيحْكي عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جَوَازُهَا اهـ.
وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ رَوَى بِالْبَصْرَةِ فِي إِبَاحَتِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مِنَ الْجَوَازِ خَطَأٌ، فَقَدْ بَالَغَ الْمَالِكِيَّةُ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ حَتَّى أَبْطَلُوا تَوْقِيتَ الْحِلِّ بِسَبَبِهِ فَقَالُوا: لَوْ عَلَّقَ عَلَى وَقْتٍ لَا بُدَّ مِنْ مَجِيئِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ تَوْقِيتٌ لِلْحِلِّ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْبُطْلَانِ التَّصْرِيحُ بِالشَّرْطِ، فَلَوْ نَوَى عِنْدَ الْعَقْدِ أَنْ يُفَارِقَ بَعْدَ مُدَّةٍ صَحَّ نِكَاحُهُ، إِلَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَأَبْطَلَهُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُحَدُّ نَاكِحُ الْمُتْعَةِ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَأْخَذُهُمَا أَنَّ الِاتِّفَاقَ بَعْدَ الْخِلَافَ هَلْ يُرْفَعُ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ زَمَنَ إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ لَمْ يَطُلْ وَأَنَّهُ حَرُمَ، ثُمَّ أَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى تَحْرِيمِهَا إِلَّا مَنْ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّوَافِضِ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِتَفَرُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِبَاحَتِهَا، فَهِيَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ نُدْرَةُ الْمُخَالِفِ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الصَّواب والمختار أنَّ التَّحريم والإباحة كانا مرَّتين؛ فكانت حلالًا قبلَ خيبر، ثمَّ حرِّمت يوم خيبر (١)، ثمَّ أُبيحَت يومَ الفتح؛ وهو يومُ (٢) أوطاسٍ لاتِّصالها بها، ثمَّ حرِّمت يومئذٍ بعد ثلاثة أيَّامٍ تحريمًا مؤبَّدًا إلى يوم القيامة.
وسبق هذا الحديث في «المغازي» في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢١٦].
٥١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدَار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصرُ بنُ عمرانَ الضُّبَعيُّ البصريُّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (سُئِلَ) بضم السين، ولأبي ذرٍّ: «يُسأل» بتحتية مضمومة بلفظ المضارع مبنيًّا للمفعول (٣) (عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ) فيها (فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ) قيل: إنَّه عكرمةَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ) التَّرخيص (فِي الحَالِ الشَّدِيدِ) من قوَّةِ الشَّهوة والعزوبةِ (وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ) وعند الإسماعيليِّ: «إنَّما كان ذلك في الجهاد والنِّساء قلائلُ» (أَوْ) قال (نَحْوَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ) أي: صدق، إنَّما رخَّص فيها بسببِ العُزْبةِ (٤) في حال السَّفرِ.
٥١١٧ - ٥١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينارٍ (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ