«فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٣١

الحديث رقم ٥١٣١ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا كان الولي هو الخاطب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٣١ في صحيح البخاري

«فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ

⦗١٧⦘

عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ.»

إسناد حديث رقم ٥١٣١ من صحيح البخاري

٥١٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١٣١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَصِحُّ. وَفِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا عَضَلَ لَا يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْعَضْلِ، فَإِنْ أَجَابَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٧ - بَاب إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبَ، وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكِ وَقَالَ عَطَاءٌ: لِيُشْهِدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا، وَقَالَ سَهْلٌ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا

٥١٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

٥١٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ جُلُوسًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ قَالَ لَا هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ)؛ أَيْ فِي النِّكَاحِ (هُوَ الْخَاطِبُ) أَيْ هَلْ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ، أَوْ يُحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ آخَرَ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ مَعًا لِيَكِلَ الْأَمْرُ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ. كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَرْكِهِ الْجَزْمَ بِالْحُكْمِ، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَرَى الْجَوَازَ، فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي فِيهَا أَمْرُ الْوَلِيِّ غَيْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ لَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ مِنْ تَزْوِيجِهِ نَفْسَهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ فِي التَّرْجَمَةِ أَثَرَ عَطَاءٍ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى أَحَدٌ طَرَفَيِ الْعَقْدِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَاللَّيْثُ: يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ نَفْسَهُ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ. وَعَنْ مَالِكٍ لَوْ قَالَتِ الثَّيِّبُ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي بِمَنْ رَأَيْتَ فَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِمَّنِ اخْتَارَ لَزِمَهَا ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْنَ الزَّوْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهُمَا السُّلْطَانُ أَوْ وَلِيٌّ آخَرُ مِثْلُهُ أَوْ أَقْعَدُ مِنْهُ. وَوَافَقَهُ زُفَرُ، وَدَاوُدُ. وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْوِلَايَةَ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ، فَلَا يَكُونُ النَّاكِحُ مُنْكِحًا كَمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا، فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ) هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ وَلِيُّهَا، فَجَعَلَ أَمْرَهَا إِلَى رَجُلٍ الْمُغِيرَةُ أَوْلَى مِنْهُ فَزَوَّجَهُ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ: فَأَمَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ فَزَوَّجَهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ خَطَبَ بِنْتَ عَمِّهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ،

فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ، أَنْتَ أَمِيرُ الْبَلَدِ وَابْنُ عَمِّهَا، فَأَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ انْتَهَى.

وَالْمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ مِنْ وَلَدِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ فَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ لَحًّا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ هُوَ ابْنُ عَمِّهِمَا مَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ جَدَّهُ هُوَ مَسْعُودٌ الْمَذْكُورُ. وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ثَقَفِيًّا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ إِلَّا فِي جَدِّهِمُ الْأَعْلَى ثَقِيفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ جُشَمَ بْنِ ثَقِيفٍ، فَوَضُحَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ، وَعُرِفَ اسْمُ الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ فِي الْأَثَرِ الْمُعَلَّقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَقَدْ تَزَوَّجْتُكِ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ قَارِظٍ قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إِنَّهُ قَدْ خَطَبَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، فَزَوِّجْنِي أَيُّهُمْ رَأَيْتَ. قَالَ: وَتَجْعَلِينَ ذَلِكَ إِلَيَّ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: فَجَازَ نِكَاحُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أُمَّ حَكِيمٍ فِي النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَرْوِينَ عَنِ النَّبِيِّ وَرَوَيْنَ عَنْ أَزْوَاجِهِ، وَلَمْ يَزِدْ فِي التَّعْرِيفِ بِهَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَذَكَرَهَا فِي تَسْمِيَةِ أَزْوَاجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فَنَسَبَهَا فَقَالَ: أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ قَارِظِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عُبَيْدٍ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: لِيَشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ خَطَبَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا لَا رَجُلَ لَهَا غَيْرُهُ، قَالَ: فَلْتَشْهَدْ أَنَّ فُلَانًا خَطَبَهَا، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُهُ، أَوْ لِتَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ، وَفِي بَابِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وَغَيْرِهما، وَوَصَلَهُ فِي الْبَابِ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى لَفْظِ هَذَا التَّعْلِيقِ رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي - وَفِيهِ - فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ مِثْلَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ أَوْرَدَهُ مُخْتصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَرَغِبَ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ فَيُزَوِّجَهُ، وَبِهِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا عَاتَبَ الْأَوْلِيَاءَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ بِدُونِ سُنَّتِهَا مِنَ الصَّدَاقِ، وَعَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ تَزْوِيجِ مَنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَصِحُّ مِنْهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ نَفْسِهِ، إِذْ لَا يُعَاتِبُ أَحَدٌ عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْسِطَ لَهَا فِي الصَّدَاقِ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا لَمَا مَنَعَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَا أَمْرَ لَهَا فِي نَفْسِهَا. وَقَدْ أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ بِذَلِكَ السَّفِيهَةُ فَلَا أَثَرَ لِرِضَاهَا بِدُونِ مَهْرٍ مِثْلُهَا كَالْبِكْرِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْوَاهِبَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ قَرِيبًا، وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُ الْإِطْلَاقُ أَيْضًا، لَكِنِ انْفَصَلَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ وَبِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا اسْتِئْذَانٍ، وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَمْ يُرِدْهَا بِسُكُونِ الدَّالِ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَحَكَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ تَشْدِيدَ الدَّالِ وَفَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.

٣٨ - بَاب إِنْكَاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فَجَعَلَ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ الْبُلُوغِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) فيما وصله ابنُ سعدٍ (لأُمِّ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة (بِنْتِ قَارِظٍ) بالقاف وبعد الألف راء مكسورة فظاء معجمة، ابن خالد بن عُبيدٍ، حليف بني زُهْرة، وكانتْ (١) قالت له: قد خطبني غَيْرُ واحدٍ، فزوِّجني أيَّهم رأيتَ: (أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟) بتشديد الياء (قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ (٢)) قال ابنُ أبي ذئبٍ: فجاز نكاحه.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ، فيما وصله عبدُ الرَّزَّاق عن ابن جريج: قال: قلتُ لعطاء: امرأةٌ خطبها ابنُ عمٍّ لها لا رجلَ لها غيره، قال: (لِيُشْهِدْ) بالتحتية والجزم على الأمر: (أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا) أن يزوِّجها له مع كونه أبعد، ولفظ عبد الرَّزَّاق قال: فلتُشْهَد أنَّ فلانًا خطبَها، وأنِّي أشهِدُكُم أنِّي قد نكحتُهُ.

(وَقَالَ سَهْلٌ) فيما سبق موصولًا [خ¦٥٠٣٠]: (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ (٣): يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالمثناة الفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) فزوَّجها له ، وكان خطبها له.

٥١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) محمد قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازمٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ فِي) تفسير (قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ) عروةُ: قالت عائشة، والذي في «اليونينية» (٤): «قالت» أي (٥) عائشة: (هِيَ اليَتِيمَةُ) الَّتي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم (قَدْ شَرِكَتْهُ) بفتح المعجمة وكسر الراء (فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَصِحُّ. وَفِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا عَضَلَ لَا يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْعَضْلِ، فَإِنْ أَجَابَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٧ - بَاب إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبَ، وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكِ وَقَالَ عَطَاءٌ: لِيُشْهِدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا، وَقَالَ سَهْلٌ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا

٥١٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

٥١٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ جُلُوسًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ قَالَ لَا هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ)؛ أَيْ فِي النِّكَاحِ (هُوَ الْخَاطِبُ) أَيْ هَلْ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ، أَوْ يُحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ آخَرَ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ مَعًا لِيَكِلَ الْأَمْرُ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ. كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَرْكِهِ الْجَزْمَ بِالْحُكْمِ، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَرَى الْجَوَازَ، فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي فِيهَا أَمْرُ الْوَلِيِّ غَيْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ لَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ مِنْ تَزْوِيجِهِ نَفْسَهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ فِي التَّرْجَمَةِ أَثَرَ عَطَاءٍ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى أَحَدٌ طَرَفَيِ الْعَقْدِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَاللَّيْثُ: يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ نَفْسَهُ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ. وَعَنْ مَالِكٍ لَوْ قَالَتِ الثَّيِّبُ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي بِمَنْ رَأَيْتَ فَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِمَّنِ اخْتَارَ لَزِمَهَا ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْنَ الزَّوْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهُمَا السُّلْطَانُ أَوْ وَلِيٌّ آخَرُ مِثْلُهُ أَوْ أَقْعَدُ مِنْهُ. وَوَافَقَهُ زُفَرُ، وَدَاوُدُ. وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْوِلَايَةَ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ، فَلَا يَكُونُ النَّاكِحُ مُنْكِحًا كَمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا، فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ) هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ وَلِيُّهَا، فَجَعَلَ أَمْرَهَا إِلَى رَجُلٍ الْمُغِيرَةُ أَوْلَى مِنْهُ فَزَوَّجَهُ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ: فَأَمَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ فَزَوَّجَهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ خَطَبَ بِنْتَ عَمِّهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ،

فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ، أَنْتَ أَمِيرُ الْبَلَدِ وَابْنُ عَمِّهَا، فَأَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ انْتَهَى.

وَالْمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ مِنْ وَلَدِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ فَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ لَحًّا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ هُوَ ابْنُ عَمِّهِمَا مَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ جَدَّهُ هُوَ مَسْعُودٌ الْمَذْكُورُ. وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ثَقَفِيًّا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ إِلَّا فِي جَدِّهِمُ الْأَعْلَى ثَقِيفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ جُشَمَ بْنِ ثَقِيفٍ، فَوَضُحَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ، وَعُرِفَ اسْمُ الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ فِي الْأَثَرِ الْمُعَلَّقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَقَدْ تَزَوَّجْتُكِ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ قَارِظٍ قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إِنَّهُ قَدْ خَطَبَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، فَزَوِّجْنِي أَيُّهُمْ رَأَيْتَ. قَالَ: وَتَجْعَلِينَ ذَلِكَ إِلَيَّ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: فَجَازَ نِكَاحُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أُمَّ حَكِيمٍ فِي النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَرْوِينَ عَنِ النَّبِيِّ وَرَوَيْنَ عَنْ أَزْوَاجِهِ، وَلَمْ يَزِدْ فِي التَّعْرِيفِ بِهَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَذَكَرَهَا فِي تَسْمِيَةِ أَزْوَاجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فَنَسَبَهَا فَقَالَ: أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ قَارِظِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عُبَيْدٍ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ: لِيَشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ خَطَبَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا لَا رَجُلَ لَهَا غَيْرُهُ، قَالَ: فَلْتَشْهَدْ أَنَّ فُلَانًا خَطَبَهَا، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُهُ، أَوْ لِتَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ، وَفِي بَابِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وَغَيْرِهما، وَوَصَلَهُ فِي الْبَابِ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى لَفْظِ هَذَا التَّعْلِيقِ رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي - وَفِيهِ - فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ مِثْلَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ أَوْرَدَهُ مُخْتصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَرَغِبَ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ فَيُزَوِّجَهُ، وَبِهِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا عَاتَبَ الْأَوْلِيَاءَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ بِدُونِ سُنَّتِهَا مِنَ الصَّدَاقِ، وَعَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ تَزْوِيجِ مَنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَصِحُّ مِنْهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ نَفْسِهِ، إِذْ لَا يُعَاتِبُ أَحَدٌ عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْسِطَ لَهَا فِي الصَّدَاقِ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا لَمَا مَنَعَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَا أَمْرَ لَهَا فِي نَفْسِهَا. وَقَدْ أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ بِذَلِكَ السَّفِيهَةُ فَلَا أَثَرَ لِرِضَاهَا بِدُونِ مَهْرٍ مِثْلُهَا كَالْبِكْرِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْوَاهِبَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ قَرِيبًا، وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُ الْإِطْلَاقُ أَيْضًا، لَكِنِ انْفَصَلَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ وَبِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا اسْتِئْذَانٍ، وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَمْ يُرِدْهَا بِسُكُونِ الدَّالِ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَحَكَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ تَشْدِيدَ الدَّالِ وَفَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.

٣٨ - بَاب إِنْكَاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فَجَعَلَ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ الْبُلُوغِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) فيما وصله ابنُ سعدٍ (لأُمِّ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة (بِنْتِ قَارِظٍ) بالقاف وبعد الألف راء مكسورة فظاء معجمة، ابن خالد بن عُبيدٍ، حليف بني زُهْرة، وكانتْ (١) قالت له: قد خطبني غَيْرُ واحدٍ، فزوِّجني أيَّهم رأيتَ: (أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟) بتشديد الياء (قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ (٢)) قال ابنُ أبي ذئبٍ: فجاز نكاحه.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ، فيما وصله عبدُ الرَّزَّاق عن ابن جريج: قال: قلتُ لعطاء: امرأةٌ خطبها ابنُ عمٍّ لها لا رجلَ لها غيره، قال: (لِيُشْهِدْ) بالتحتية والجزم على الأمر: (أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا) أن يزوِّجها له مع كونه أبعد، ولفظ عبد الرَّزَّاق قال: فلتُشْهَد أنَّ فلانًا خطبَها، وأنِّي أشهِدُكُم أنِّي قد نكحتُهُ.

(وَقَالَ سَهْلٌ) فيما سبق موصولًا [خ¦٥٠٣٠]: (قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ (٣): يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ) بالمثناة الفوقية (لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) فزوَّجها له ، وكان خطبها له.

٥١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) محمد قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازمٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ فِي) تفسير (قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ) عروةُ: قالت عائشة، والذي في «اليونينية» (٤): «قالت» أي (٥) عائشة: (هِيَ اليَتِيمَةُ) الَّتي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم (قَدْ شَرِكَتْهُ) بفتح المعجمة وكسر الراء (فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله