الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٦٦
الحديث رقم ٥١٦٦ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوليمة حق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٢٤⦘
جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ.»
بَابُ الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ
٥١٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥١٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ؛ أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنْ الطَّعَامِ ثُمَّ خَرَجُوا، وَبَقِيَ رَهْطٌ مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ وَمَشَيْتُ حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ، وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ.
قَوْلُهُ (بَابٌ الْوَلِيمَةُ حَقٌّ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ رَفَعَهُ: الْوَلِيمَةُ حَقٌّ، وَالثَّانِيَةُ مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثَةُ فَخْرٌ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى الْغَنِيُّ وَيُتْرَكُ الْمِسْكِينُ وَهِيَ حَقٌّ، الْحَدِيثَ. وَلِأَبِي الشَّيْخِ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ، مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الْوَلِيمَةُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ، فَمَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى. . الْحَدِيثَ، وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ زُهَيْرِ ابْنِ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ وَشَوَاهِدُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ رَسُولُ ﷺ: إنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَرُوسِ مِنْ وَلِيمَةٍ، وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ الْوَلِيمَةُ حَقٌّ أَيْ لَيْسَتْ بِبَاطِلٍ بَلْ يُنْدَبُ إِلَيْهَا وَهِيَ سُنَّةٌ فَضِيلَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ الْوُجُوبَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَهَا. كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَنْ رِوَايَةٍ فِي مَذْهَبِهِ بِوُجُوبِهَا، نَقَلَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ: إِنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ. وَابْنُ التِّينِ، عَنْ أَحْمَدَ لَكِنِ الَّذِي فِي الْمُغْنِي أَنَّهَا سُنَّةٌ، بَلْ وَافَقَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ فَكَانَتْ وَاجِبَةً. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ طَعَامٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِكَوْنِهِ أَمَرَهُ بِشَاةٍ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَلَا أَصْلَ لَهُ.
قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا فِي بَابِ إِجَابَةِ الدَّاعِي قَرِيبًا. وَالْبَعْضُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ، وَنَقَلَهُ عَنِ النَّصِّ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَمَّا سَائِرُ الدَّعَوَاتِ غَيْرِهَا فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)، هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ، وَمَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ وُرُودُ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْوَلِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا لَمَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِاسْتِدْرَاكِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الدُّخُولِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِهَا هَلْ هُوَ عِنْدَ الْعَقْدِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهل هي واجبةٌ أم سنَّةٌ؟ فعند الشَّافعيَّة أنَّها واجبةٌ على النَّصِّ، وإليه ذهبَ ابن خَيْران لقوله ﵇ لعبد الرَّحمن بن عوف (١): (أولمْ) ولأنَّه ﵊ لم يتركها (٢) في سفرٍ ولا حضرٍ. وقيل: فرض على الكفايةِ إذا فعَلها واحدٌ أو اثنان في النَّاحية أو القبيلةِ وشاعَ وظهرَ سقط الفرضُ عن الباقين، والأصحُّ أنَّها سنَّةٌ، والتَّرجمة لفظ حديثٍ مرفوعٍ أخرجه الطَّبرانيُّ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) فيما وصلهُ في «البيع» [خ¦٢٠٤٨]: (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ) لما تزوَّجت: (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) والأمرُ للنَّدبِ قياسًا على الأضحية، ونقل القرطبيُّ الوجوب في روايةٍ في مذهب مالكٍ، وقال: إنَّ مشهور المذهب أنَّها مندوبةٌ.
٥١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف وسكون التحتية، ابنُ خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أنَّه كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بنصب «مقْدَمَ» على الظَّرفية، أي: زمانَ قدومهِ (المَدِينَةَ) في الهجرةِ (فَكَانَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٣) والحَمُّويي والمُستملي: «فكنَّ» (أُمَّهَاتِي) أي: أمَّه وأخواتها
(يُوَاظِبْنَنِي) بالظاء المعجمة والموحدة الساكنة، من المواظبة على الشَّيء، وهو الاستمرارُ عليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يواطِئْنني» بالطاء المهملة والتحتية مهموزة، من المواطأةِ، أي: يحرِّضْنَني (عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ) زاد في «الأدب»: «واللهِ ما قال لي: أفٍّ قط» [خ¦٦٠٣٨] (وَتُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ) حُكمُه في آية الأحزاب (وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ) الحجابُ (فِي مُبْتَنَى) في زمانِ دخول (رَسُولِ اللهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ) ولغير أبي ذرٍّ: «ابْنَةِ» (جَحْشٍ) ﵂ (أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا القَوْمَ) لوليمتها (فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا وَبَقِيَ رَهْطٌ) ما بين الثَّلاثةِ إلى العشرةِ ولم يسموا (مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَطَالُوا المُكْثَ) يتحدَّثون في البيتِ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ وَمَشَيْتُ) معه (حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ) أي: النَّفرُ (جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا (١) بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ (٢) خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ) بزيادة الموحدة (وَأُنْزِلَ الحِجَابُ) في آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ (٣)﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣].
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، واختلفَ في وقت الوليمةِ؛ فقال ابنُ الحاجبِ من المالكيَّةِ: إنَّه بعد البناء. قال الشَّيخ خليل في «التوضيح»: وهو ظاهرُ المذهب، واستحبَّها بعضُ الشُّيوخِ قبل البناءِ.
قال اللَّخميُّ: وواسعٌ قبله وبعده. ولمالكٍ في «العتبيَّة»: لا بأسَ أن (٤) يُولم قبل البناءِ وبعده. وقال ابنُ يونس: يستحبُّ الإطعامُ عند عقد النِّكاحِ وعند البناءِ. وقال الباجيُّ: المختار منها يومٌ واحدٌ. وقال ابنُ حبيب: وقد أُبيح أكثر من يوم (٥) ويكره استدامةُ ذلك أيامًا. انتهى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥١٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الْحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ؛ أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا الْقَوْمَ فَأَصَابُوا مِنْ الطَّعَامِ ثُمَّ خَرَجُوا، وَبَقِيَ رَهْطٌ مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ وَمَشَيْتُ حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ، وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ.
قَوْلُهُ (بَابٌ الْوَلِيمَةُ حَقٌّ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ رَفَعَهُ: الْوَلِيمَةُ حَقٌّ، وَالثَّانِيَةُ مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثَةُ فَخْرٌ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى الْغَنِيُّ وَيُتْرَكُ الْمِسْكِينُ وَهِيَ حَقٌّ، الْحَدِيثَ. وَلِأَبِي الشَّيْخِ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ، مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الْوَلِيمَةُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ، فَمَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى. . الْحَدِيثَ، وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ زُهَيْرِ ابْنِ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ وَشَوَاهِدُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ رَسُولُ ﷺ: إنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَرُوسِ مِنْ وَلِيمَةٍ، وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ الْوَلِيمَةُ حَقٌّ أَيْ لَيْسَتْ بِبَاطِلٍ بَلْ يُنْدَبُ إِلَيْهَا وَهِيَ سُنَّةٌ فَضِيلَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ الْوُجُوبَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَهَا. كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَنْ رِوَايَةٍ فِي مَذْهَبِهِ بِوُجُوبِهَا، نَقَلَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ: إِنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ. وَابْنُ التِّينِ، عَنْ أَحْمَدَ لَكِنِ الَّذِي فِي الْمُغْنِي أَنَّهَا سُنَّةٌ، بَلْ وَافَقَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ فَكَانَتْ وَاجِبَةً. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ طَعَامٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِكَوْنِهِ أَمَرَهُ بِشَاةٍ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَلَا أَصْلَ لَهُ.
قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا فِي بَابِ إِجَابَةِ الدَّاعِي قَرِيبًا. وَالْبَعْضُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ، وَنَقَلَهُ عَنِ النَّصِّ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَمَّا سَائِرُ الدَّعَوَاتِ غَيْرِهَا فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)، هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ، وَمَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ وُرُودُ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْوَلِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا لَمَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِاسْتِدْرَاكِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الدُّخُولِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي وَقْتِهَا هَلْ هُوَ عِنْدَ الْعَقْدِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهل هي واجبةٌ أم سنَّةٌ؟ فعند الشَّافعيَّة أنَّها واجبةٌ على النَّصِّ، وإليه ذهبَ ابن خَيْران لقوله ﵇ لعبد الرَّحمن بن عوف (١): (أولمْ) ولأنَّه ﵊ لم يتركها (٢) في سفرٍ ولا حضرٍ. وقيل: فرض على الكفايةِ إذا فعَلها واحدٌ أو اثنان في النَّاحية أو القبيلةِ وشاعَ وظهرَ سقط الفرضُ عن الباقين، والأصحُّ أنَّها سنَّةٌ، والتَّرجمة لفظ حديثٍ مرفوعٍ أخرجه الطَّبرانيُّ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) فيما وصلهُ في «البيع» [خ¦٢٠٤٨]: (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ) لما تزوَّجت: (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) والأمرُ للنَّدبِ قياسًا على الأضحية، ونقل القرطبيُّ الوجوب في روايةٍ في مذهب مالكٍ، وقال: إنَّ مشهور المذهب أنَّها مندوبةٌ.
٥١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف وسكون التحتية، ابنُ خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أنَّه كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بنصب «مقْدَمَ» على الظَّرفية، أي: زمانَ قدومهِ (المَدِينَةَ) في الهجرةِ (فَكَانَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٣) والحَمُّويي والمُستملي: «فكنَّ» (أُمَّهَاتِي) أي: أمَّه وأخواتها
(يُوَاظِبْنَنِي) بالظاء المعجمة والموحدة الساكنة، من المواظبة على الشَّيء، وهو الاستمرارُ عليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يواطِئْنني» بالطاء المهملة والتحتية مهموزة، من المواطأةِ، أي: يحرِّضْنَني (عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ) زاد في «الأدب»: «واللهِ ما قال لي: أفٍّ قط» [خ¦٦٠٣٨] (وَتُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ) حُكمُه في آية الأحزاب (وَكَانَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ) الحجابُ (فِي مُبْتَنَى) في زمانِ دخول (رَسُولِ اللهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ) ولغير أبي ذرٍّ: «ابْنَةِ» (جَحْشٍ) ﵂ (أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا عَرُوسًا، فَدَعَا القَوْمَ) لوليمتها (فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا وَبَقِيَ رَهْطٌ) ما بين الثَّلاثةِ إلى العشرةِ ولم يسموا (مِنْهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَطَالُوا المُكْثَ) يتحدَّثون في البيتِ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ وَمَشَيْتُ) معه (حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ) أي: النَّفرُ (جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا (١) بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ (٢) خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ) بزيادة الموحدة (وَأُنْزِلَ الحِجَابُ) في آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ (٣)﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣].
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، واختلفَ في وقت الوليمةِ؛ فقال ابنُ الحاجبِ من المالكيَّةِ: إنَّه بعد البناء. قال الشَّيخ خليل في «التوضيح»: وهو ظاهرُ المذهب، واستحبَّها بعضُ الشُّيوخِ قبل البناءِ.
قال اللَّخميُّ: وواسعٌ قبله وبعده. ولمالكٍ في «العتبيَّة»: لا بأسَ أن (٤) يُولم قبل البناءِ وبعده. وقال ابنُ يونس: يستحبُّ الإطعامُ عند عقد النِّكاحِ وعند البناءِ. وقال الباجيُّ: المختار منها يومٌ واحدٌ. وقال ابنُ حبيب: وقد أُبيح أكثر من يوم (٥) ويكره استدامةُ ذلك أيامًا. انتهى.