الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٦٨
الحديث رقم ٥١٦٨ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوليمة ولو بشاة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥١٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥١٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ أَوْلَمَ بِشَاةٍ"
٥١٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ"
٥١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ بَيَانٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ"
قَوْلُهُ (بَابُ الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ) أَيْ لِمَنْ كَانَ مُوسِرًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ كُلَّهَا عَنْ أَنَسٍ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَطَعَهَا قِطْعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ حُمَيْدٍ لَهُ وَسَمَاعِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُمَا، لَكِنَّهُ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ: فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ سُؤَالَ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ قَدْرِ الصَّدَاقِ، وَفِي الثَّانِي أَوَّلَ الْقِصَّةِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَعَبَّرَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ: وَعَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا كَمَا قَالَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا مَعْطُوفٌ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أَنَسًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا، وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْ سُفْيَانَ بِالْحَدِيثِ كُلِّهِ مُفَرَّقًا، وَقَالَ فِي كُلِّ مِنْهُمَا: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَقَالَ: عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَاقَ الْجَمِيعُ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَقَدَّمَ الْقِصَّةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى كَمَا فِي وَرَايَةِ غَيْرِ سُفْيَانَ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَفِي بَابِ الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَفِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَفِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا يُدْعَى لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ، وَفِي بَابِ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَقَتَادَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ، وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ. وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ بَيَانُ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ، فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ تَجْعَلُهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ أَنَّهُ حَضَرَ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ (لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ.
قَوْلُهُ (نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ (فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَآخَى، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ: آخَى
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ. فَآخَى بَيْنَ سَعْدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى، زَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: لَقَدْ عَلِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ، وَقِصَّةُ مَوْتِهِ فِي غَزْوَةِ أَحَدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ فَقَالَ عُثْمَانُ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ لِي حَائِطَيْنِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيهِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أُقَاسِمُكَ مَالِي وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ)، فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: فَانْطَلَقَ بِهِ سَعْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَا، وَقَالَ: لِيَ امْرَأَتَانِ وَأَنْتَ أَخِي لَا امْرَأَةَ لَكَ، فَأَنْزِلُ عَنْ إِحْدَاهُمَا فَتَتَزَوَّجَهَا، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: هَلُمَّ إِلَى حَدِيقَتِي أُشَاطِرْكَهَا، قَالَ: فَقَالَ: لَا، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: وَلِيَ امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوَيْتَ فَأَنْزِلُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَفِي لَفْظٍ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي فَأُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيْ أَخِي، أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ، وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيَّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ امْرَأَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أُمُّ سَعْدٍ وَاسْمُهَا جَمِيلَةُ وَأُمُّهَا عَمْرَةُ بِنْتُ حَزْمٍ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أُمَّ سَعْدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ خَارِجَةَ، فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا تَسْمِيَةُ إِحْدَى امْرَأَتَيْ سَعْدٍ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي التَّفْسِيرِ قِصَّةَ مَجِيءِ امْرَأَةِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْ سَعْدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ، فَقَالَتْ: إِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مِيرَاثَهُمَا، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ، وَسَمَّاهَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٍ عَمْرَةَ بِنْتَ حَزْمٍ.
قَوْلُهُ (بَارَكَ اللَّهُ فِي أَهْلِكِ وَمَالِكِ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ قَيْنُقَاعَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَدَلُّوهُ.
قَوْلُهُ (فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ)، فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَاشْتَرَى وَبَاعَ فَرَبِحَ، فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، وَفِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، وَنَحْوُهُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدٍ.
قَوْلُهُ (فَتَزَوَّجَ) زَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثُمَّ تَابَعَ الْغَدْوَ؛ يَعْنِي إِلَى السُّوقِ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَمَكَثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرُ صُفْرَةٍ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عُلَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَنْصَارِيِّ: فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، زَادَ ابْنُ سَعْدٍ: فِي سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ أَثَرَ صُفْرَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، وَأَوَّلُ حَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ: فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ وَالْوَضَرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ هُوَ فِي الْأَصْلِ الْأَثَرُ، وَالرَّدْعُ بِمُهْمَلَاتٍ - مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي - هُوَ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ، وَالْمُرَادُ بِالصُّفْرَةِ سُفْرَةُ الْخَلُوقِ، وَالْخَلُوقُ طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى
(سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ سَأَلَهُ حِينَ تَزَوَّجَ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ جَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي الْحَيْسَرِ أَنَسِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَفِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي الْحَشَّاشِ وَسَاقَ نَسَبَهُ، وَأَظُنُّهُمَا ثِنْتَيْنِ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ قَالَ: وَلَدَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْقَاسِمَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: وَلَدَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَدَّاحِ فِي نَسَبِ الْأَوْسِ أَنَّهَا أُمُّ إِيَاسٍ بِنْتُ أَبِي الْحَيْسَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ الْأَوْسِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مَهْيَمْ؟ وَمَعْنَاهُ: مَا شَأْنُكَ أَوْ مَا هَذَا؟ وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مَرْكَبَةٌ؟ قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: هِيَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَخْبِرْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فَقَالَ لَهُ: مَهْيَمْ؟ وَكَانَتْ كَلِمَتَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ مَهْيَنْ بِنُونٍ آخِرَهُ بَدَلَ الْمِيمِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: قَالَ: مَا هَذَا؟، وَقَالَ فِي جَوَابِهِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ عَوْفٍ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خُضِبَ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْخِضَابُ، أَعْرَسْتَ؟ قَالَ نَعَمْ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ (كَمْ أَصْدَقْتَهَا) كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: عَلَى كَمْ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَزُهَيْرٍ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ (وَزْنَ نَوَاةٍ) بِنَصْبِ النُّونِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أَصْدَقْتُهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أَيِ الَّذِي أَصْدَقْتُهَا هُوَ.
قَوْلُهُ (مِنْ ذَهَبٍ) كَذَا وَقَعَ الْجَزْمُ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَابْنِ عُلَيَّةَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ: عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَمِثْلُ الْأَخِيرِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَنَسٍ: عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ.
قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مِنْ ذَهَبٍ، وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ: عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى وَزْنَ نَوَاةٍ، وَاسْتِنْكَارُهُ هُوَ الْمُنْكَرُ لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ، قَالَ عِيَاضٌ: لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَوَاةَ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ صَلُحَ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزْنُ نَوَاةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ نَوَاةٌ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ كَمَا يُوزَنُ بِنَوَى الْخَرُّوبِ وَأَنَّ الْقِيمَةَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ كَانَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: كَانَ قَدْرُهَا يَوْمَئِذٍ رُبْعُ دِينَارٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ بِهِ؟ وَقِيلَ: لَفْظُ النَّوَاةُ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنَ الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: وَزْنُهَا مِنَ الذَّهَبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ الظَّاهِرَ، وَاسْتُبْعِدَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ مَثَاقِيلَ وَنِصْفًا.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: قُوِّمَتْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا وَإِسْنَادُهُ
ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَرُبْعٌ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: النَّوَاةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فِي آخِرِ حَدِيثٍ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَ وَزْنُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّوَاةُ رُبْعُ النَّشِّ، وَالنَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ دَفَعَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَهِيَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ وَآخَرُونَ.
قَوْلُهُ في آخِرَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) لَيْسَتْ لَوْ هَذِهِ الِامْتِنَاعِيَّةَ وَإِنَّمَا هيَ الَّتِي لِلتَّقْلِيلِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْلِمْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَعْرَسْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَوْلَمْتَ؟ قَالَ: لَا. فَرَمَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ، وَهَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ فِيهِ أَنَّ الشَّاةَ مِنْ إِعَانَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يُعَكِّرُ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُشْرَعُ لِلْمُوسِرِ، وَلَكِنَّ الْإِسْنَادَ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ: قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ قُسِمَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةُ أَلْفٍ. قُلْتُ: مَاتَ عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَيَكُونُ جَمِيعُ تَرِكَتِهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِتَرِكَةِ الزُّبَيْرِ الَّتِي تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي فَرْضِ الْخُمُسِ قَلِيلٌ جِدًّا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ دَنَانِيرَ وَتِلْكَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ كَثْرَةَ مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْكِيدِ أَمْرِ الْوَلِيمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ.
وَعَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا تُسْتَدْرَكُ إِذَا فَاتَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَعَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ عَنِ الْمُوسِرِ، وَلَوْلَا ثُبُوتُ أَنَّهُ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَقَلَّ مِنَ الشَّاةِ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ فِي الْوَلِيمَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَأَيْضًا فَيُعَكِّرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ خِطَابٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْعُمُومَ أَوْ لَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ أَمَرَ بِذَلِكَ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا أَعْلَمُهُ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ الْوَلِيمَةَ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا فِي كَوْنِ الْوَلِيمَةِ لَيْسَتْ بِحَتْمٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ السِّيَاقِ طَلَبُ تَكْثِيرِ الْوَلِيمَةِ لِمَنْ يَقْدِرْ، قَالَ عِيَاضٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا، وَأَمَّا أَقَلُّهَا فَكَذَلِكَ، وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَيَسَّرَ عَلَى الْمُوسِرِ الشَّاةُ فَمَا فَوْقَهَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي تَكْرَارِهَا فِي الْأَيَّامِ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْقَبَةٌ لِسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي إِيثَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ذَكَرَ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَنَزُّهِهِ عَنْ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ اجْتِنَابُهُ وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُؤَاخَاةِ وَحُسْنِ الْإِيثَارِ مِنَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَاسْتِحْبَابُ رَدِّ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ آثَرَ بِهِ لِمَا يَغْلِبُ فِي الْعَادَةِ مِنْ تُكَلِّفِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّفْ جَازَ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ، وَأَنْ لَا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ، وَكَرَاهَةُ قَبُولِ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْهُ الذُّلُّ مِنْ هِبَةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْعَيْشَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الْعَيْشِ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ، وَسُؤَالِ الْإِمَامِ وَالْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَدْ.
وَجَوَازُ خُرُوجِ الْعَرُوسِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْعُرْسِ مِنْ خَلُوقٍ وَغَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّزَعْفُرِ لِلْعَرُوسِ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصُّفْرَةِ
كَانَتْ فِي ثِيَابِهِ دُونَ جَسَدِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي جَوَازِهِ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْبَدَنِ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، فَإِنَّ مَفْهُومَهَ أَنَّ مَا عَدَا الْجَسَدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي الثَّوْبِ أَيْضًا، وَتَمَسَّكُوا بِالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَفِيهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمُدَّعِي كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَعَلَى هَذَا فَأُجِيبُ عَنْ قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سِيَاقَ قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَأَكْثَرُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ مِمَّنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ.
ثَانِيهَا أَنَّ أَثَرَ الصُّفْرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ جِهَةِ زَوْجَتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَصْلًا رَدَّ إِلَيْهِ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَبَدَاهُمَا فِي قَوْلِهِ مَهْيَمْ؛ فَقَالَ: مَعْنَاهُ: مَا السَّبَبُ فِي الَّذِي أَرَاهُ عَلَيْكَ؟ فَلِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّضَمُّخِ بِالْخَلُوقِ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ، أَيْ فَتَعَلَّقَ بِي مِنْهَا وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَيْهِ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ كَانَ قَدِ احْتَاجَ إِلَى التَّطَيُّبِ لِلدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ طِيبِ الرِّجَالِ حِينَئِذٍ شَيْئًا فَتَطَيَّبَ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ، وَصَادَفَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُفْرَةٌ فَاسْتَبَاحَ الْقَلِيلَ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ فِي التَّطَيُّبِ لِلْجُمْعَةِ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ فَبَقِيَ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
رَابِعُهَا كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَرُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ.
خَامِسُهَا وَبِهِ جَزَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَيْسَ بِطِيبٍ فَهُوَ جَائِزٌ.
سَادِسُهَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ بِدَلَالَةِ تَقْرِيرِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
سَابِعُهَا أَنَّ الْعَرُوسَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ شَابًّا، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَكَانُوا يرخصون لِلشَّابِّ فِي ذَلِكَ أَيَّامَ عُرْسِهِ، قَالَ: وَقِيلَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْ تَزَوَّجَ لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا عَلَامَةً لِزَوَاجِهِ لِيُعَانَ عَلَى وَلِيمَةِ عُرْسِهِ، قَالَ: وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
قُلْتُ: وَفِي اسْتِفْهَامِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّزْوِيجِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَرَأَى عَلَيَّ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ، فَقَالَ: أَتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهَذَا السِّيَاقِ لِلْمُدَّعِي وَلَكِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَهْيَمْ أَوْ مَا هَذَا فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبَشَاشَةُ الْعُرْسِ أَثَرُهُ وَحُسْنُهُ أَوْ فَرَحُهُ وَسُرُورُهُ، يُقَالُ: بَشَّ فُلَانٌ بِفُلَانٍ أَيْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَرِحًا بِهِ مُلَطِّفًا بِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ صَدَاقٍ لِاسْتِفْهَامِهِ عَلَى الْكَمْيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ هَلْ أَصْدَقَهَا أَوْ لَا؟ وَيُشْعِرُ ظَاهِرُهُ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ كَمْ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّقْدِيرِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِخْبَارَ عَنِ الْكَثْرَةِ أَوِ الْقِلَّةِ فَيُخْبِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِ مِثْلِهِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْقَدْرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِصْدَاقِهِ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مُلَازَمَةِ التِّجَارَةِ حَتَّى ظَهَرَتْ مِنْهُ مِنَ الْإِعَانَةُ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ مَا اشْتَهَرَ، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُوَاعَدَةِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَوْفَتِ الْعِدَّةَ، لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ: انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجْتَهَا وَوَقَعَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمَرْأَةَ عَلِمَتْ بِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَعْ تَعْيِينُهَا، لَكِنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ إِذْ ذَاكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عَلِمَتَا مَعًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
امرأتي سعدِ بنِ الرَّبيع، إلَّا أنَّ ابن سعدٍ ذكر أنَّه كان له من الولد أم سعد (١) واسمها جميلةٌ، وأمُّها عمرةُ بنت حزمٍ، وتزوَّج زيدُ بنِ ثابتٍ أمَّ سعدٍ فولدت له ابنهُ خارجةَ. قال: فيؤخذُ من هذا تسميةُ إحدى امرأتي سعدٍ. قال: وأخرج الطَّبريُّ في «التفسير» قصَّة مجيءِ امرأةِ سعدِ بن الرَّبيعِ بابنتي سعدٍ لما استشهدَ، فقالت: إنَّ عمَّهما (٢) أخذ ميراثهُما، فنزلتْ آيةُ المواريثِ، وسمَّاها إسماعيلُ القاضِي -في «أحكام القرآن» بسندٍ له مرسل- عمرةَ بنت حزمٍ. انتهى.
ورأيتُ في حاشية نسخة من «الفتح» عن شيخنا الحافظِ أبي الخير السَّخاوي ما نصُّهُ: قد أبعدَ شيخنا في عزو ذلك للطَّبريِّ، مع أنَّه في أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابن ماجه وصحَّحه الحاكمُ وغيره. قال: وقد وقفت على تسميةِ الزَّوجة الثَّانية في تفسيرِ مقاتل عند قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] وأنَّها حبيبةُ بنتُ زيدِ بن أبي زهيرٍ.
(قَالَ) عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ. فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ) وهو سوقُ بني قينقاعَ (فَبَاعَ وَاشْتَرَى) اتَّجر (فَأَصَابَ) أي: ربح (شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَتَزَوَّجَ) بنتَ أبي الحَيْسر، فلقيه النَّبيُّ ﷺ في سكَّةٍ من سكك المدينةِ وعليه أثرُ صفرةٍ، فقال: مهيم؟ قال: تزوَّجتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) وهي أقلُّها للموسرِ، ولغيره ما قدر عليه، وقال النَّسائيُّ من الشَّافعيَّة: المراد بأقلِّ (٣) الكمال شاةٌ لقول صاحب «التَّنبيه»: وبأيِّ شيءٍ أَوْلَمَ من الطَّعام جاز. وقال القاضي عِياض: أجمعوا على أنَّه لا حدَّ لأكثرها، وأما أقلُّها فكذلك، ومهما تيسَّر أجزأَ.
٥١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ) بنت جحشٍ (أَوْلَمَ بِشَاةٍ) ليس للتَّحديد، وإنَّما وقع اتِّفاقًا، وهو موافقٌ لحديث جابرٍ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥١٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ أَوْلَمَ بِشَاةٍ"
٥١٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ"
٥١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ بَيَانٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ"
قَوْلُهُ (بَابُ الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ) أَيْ لِمَنْ كَانَ مُوسِرًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ كُلَّهَا عَنْ أَنَسٍ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَطَعَهَا قِطْعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ حُمَيْدٍ لَهُ وَسَمَاعِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُمَا، لَكِنَّهُ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ: فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ سُؤَالَ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ قَدْرِ الصَّدَاقِ، وَفِي الثَّانِي أَوَّلَ الْقِصَّةِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَعَبَّرَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ: وَعَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا كَمَا قَالَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا مَعْطُوفٌ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أَنَسًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا، وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْ سُفْيَانَ بِالْحَدِيثِ كُلِّهِ مُفَرَّقًا، وَقَالَ فِي كُلِّ مِنْهُمَا: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَقَالَ: عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَاقَ الْجَمِيعُ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَقَدَّمَ الْقِصَّةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى كَمَا فِي وَرَايَةِ غَيْرِ سُفْيَانَ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَفِي بَابِ الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَفِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَفِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا يُدْعَى لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ، وَفِي بَابِ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَقَتَادَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ، وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ. وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ بَيَانُ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ، فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ تَجْعَلُهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ أَنَّهُ حَضَرَ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ (لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ.
قَوْلُهُ (نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ (فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَآخَى، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ: آخَى
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ. فَآخَى بَيْنَ سَعْدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى، زَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: لَقَدْ عَلِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ، وَقِصَّةُ مَوْتِهِ فِي غَزْوَةِ أَحَدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ فَقَالَ عُثْمَانُ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ لِي حَائِطَيْنِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيهِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أُقَاسِمُكَ مَالِي وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ)، فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: فَانْطَلَقَ بِهِ سَعْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَا، وَقَالَ: لِيَ امْرَأَتَانِ وَأَنْتَ أَخِي لَا امْرَأَةَ لَكَ، فَأَنْزِلُ عَنْ إِحْدَاهُمَا فَتَتَزَوَّجَهَا، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: هَلُمَّ إِلَى حَدِيقَتِي أُشَاطِرْكَهَا، قَالَ: فَقَالَ: لَا، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ: وَلِيَ امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوَيْتَ فَأَنْزِلُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَفِي لَفْظٍ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي فَأُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيْ أَخِي، أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ، وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيَّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ امْرَأَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أُمُّ سَعْدٍ وَاسْمُهَا جَمِيلَةُ وَأُمُّهَا عَمْرَةُ بِنْتُ حَزْمٍ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أُمَّ سَعْدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ خَارِجَةَ، فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا تَسْمِيَةُ إِحْدَى امْرَأَتَيْ سَعْدٍ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي التَّفْسِيرِ قِصَّةَ مَجِيءِ امْرَأَةِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْ سَعْدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ، فَقَالَتْ: إِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مِيرَاثَهُمَا، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ، وَسَمَّاهَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٍ عَمْرَةَ بِنْتَ حَزْمٍ.
قَوْلُهُ (بَارَكَ اللَّهُ فِي أَهْلِكِ وَمَالِكِ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ قَيْنُقَاعَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَدَلُّوهُ.
قَوْلُهُ (فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ)، فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَاشْتَرَى وَبَاعَ فَرَبِحَ، فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، وَفِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، وَنَحْوُهُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدٍ.
قَوْلُهُ (فَتَزَوَّجَ) زَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثُمَّ تَابَعَ الْغَدْوَ؛ يَعْنِي إِلَى السُّوقِ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَمَكَثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرُ صُفْرَةٍ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عُلَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَنْصَارِيِّ: فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، زَادَ ابْنُ سَعْدٍ: فِي سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ أَثَرَ صُفْرَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، وَأَوَّلُ حَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ: فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ وَالْوَضَرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ هُوَ فِي الْأَصْلِ الْأَثَرُ، وَالرَّدْعُ بِمُهْمَلَاتٍ - مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي - هُوَ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ، وَالْمُرَادُ بِالصُّفْرَةِ سُفْرَةُ الْخَلُوقِ، وَالْخَلُوقُ طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى
(سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ سَأَلَهُ حِينَ تَزَوَّجَ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ جَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي الْحَيْسَرِ أَنَسِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَفِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي الْحَشَّاشِ وَسَاقَ نَسَبَهُ، وَأَظُنُّهُمَا ثِنْتَيْنِ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ قَالَ: وَلَدَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْقَاسِمَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: وَلَدَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَدَّاحِ فِي نَسَبِ الْأَوْسِ أَنَّهَا أُمُّ إِيَاسٍ بِنْتُ أَبِي الْحَيْسَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ الْأَوْسِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مَهْيَمْ؟ وَمَعْنَاهُ: مَا شَأْنُكَ أَوْ مَا هَذَا؟ وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مَرْكَبَةٌ؟ قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: هِيَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَخْبِرْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فَقَالَ لَهُ: مَهْيَمْ؟ وَكَانَتْ كَلِمَتَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ مَهْيَنْ بِنُونٍ آخِرَهُ بَدَلَ الْمِيمِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: قَالَ: مَا هَذَا؟، وَقَالَ فِي جَوَابِهِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ عَوْفٍ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خُضِبَ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْخِضَابُ، أَعْرَسْتَ؟ قَالَ نَعَمْ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ (كَمْ أَصْدَقْتَهَا) كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: عَلَى كَمْ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَزُهَيْرٍ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ (وَزْنَ نَوَاةٍ) بِنَصْبِ النُّونِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أَصْدَقْتُهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أَيِ الَّذِي أَصْدَقْتُهَا هُوَ.
قَوْلُهُ (مِنْ ذَهَبٍ) كَذَا وَقَعَ الْجَزْمُ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَابْنِ عُلَيَّةَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ: عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَمِثْلُ الْأَخِيرِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَنَسٍ: عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ.
قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مِنْ ذَهَبٍ، وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ: عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى وَزْنَ نَوَاةٍ، وَاسْتِنْكَارُهُ هُوَ الْمُنْكَرُ لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ، قَالَ عِيَاضٌ: لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَوَاةَ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ صَلُحَ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزْنُ نَوَاةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ نَوَاةٌ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ كَمَا يُوزَنُ بِنَوَى الْخَرُّوبِ وَأَنَّ الْقِيمَةَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ كَانَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: كَانَ قَدْرُهَا يَوْمَئِذٍ رُبْعُ دِينَارٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ بِهِ؟ وَقِيلَ: لَفْظُ النَّوَاةُ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنَ الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: وَزْنُهَا مِنَ الذَّهَبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ الظَّاهِرَ، وَاسْتُبْعِدَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ مَثَاقِيلَ وَنِصْفًا.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: قُوِّمَتْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا وَإِسْنَادُهُ
ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَرُبْعٌ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: النَّوَاةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فِي آخِرِ حَدِيثٍ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَ وَزْنُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّوَاةُ رُبْعُ النَّشِّ، وَالنَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ دَفَعَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَهِيَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ وَآخَرُونَ.
قَوْلُهُ في آخِرَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) لَيْسَتْ لَوْ هَذِهِ الِامْتِنَاعِيَّةَ وَإِنَّمَا هيَ الَّتِي لِلتَّقْلِيلِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْلِمْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَعْرَسْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَوْلَمْتَ؟ قَالَ: لَا. فَرَمَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ، وَهَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ فِيهِ أَنَّ الشَّاةَ مِنْ إِعَانَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يُعَكِّرُ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُشْرَعُ لِلْمُوسِرِ، وَلَكِنَّ الْإِسْنَادَ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ: قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ قُسِمَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةُ أَلْفٍ. قُلْتُ: مَاتَ عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَيَكُونُ جَمِيعُ تَرِكَتِهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِتَرِكَةِ الزُّبَيْرِ الَّتِي تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي فَرْضِ الْخُمُسِ قَلِيلٌ جِدًّا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ دَنَانِيرَ وَتِلْكَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ كَثْرَةَ مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْكِيدِ أَمْرِ الْوَلِيمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ.
وَعَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا تُسْتَدْرَكُ إِذَا فَاتَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَعَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ عَنِ الْمُوسِرِ، وَلَوْلَا ثُبُوتُ أَنَّهُ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَقَلَّ مِنَ الشَّاةِ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ فِي الْوَلِيمَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَأَيْضًا فَيُعَكِّرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ خِطَابٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْعُمُومَ أَوْ لَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ أَمَرَ بِذَلِكَ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا أَعْلَمُهُ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ الْوَلِيمَةَ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا فِي كَوْنِ الْوَلِيمَةِ لَيْسَتْ بِحَتْمٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ السِّيَاقِ طَلَبُ تَكْثِيرِ الْوَلِيمَةِ لِمَنْ يَقْدِرْ، قَالَ عِيَاضٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا، وَأَمَّا أَقَلُّهَا فَكَذَلِكَ، وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَيَسَّرَ عَلَى الْمُوسِرِ الشَّاةُ فَمَا فَوْقَهَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي تَكْرَارِهَا فِي الْأَيَّامِ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْقَبَةٌ لِسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي إِيثَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ذَكَرَ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَنَزُّهِهِ عَنْ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ اجْتِنَابُهُ وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُؤَاخَاةِ وَحُسْنِ الْإِيثَارِ مِنَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَاسْتِحْبَابُ رَدِّ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ آثَرَ بِهِ لِمَا يَغْلِبُ فِي الْعَادَةِ مِنْ تُكَلِّفِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّفْ جَازَ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ، وَأَنْ لَا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ، وَكَرَاهَةُ قَبُولِ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْهُ الذُّلُّ مِنْ هِبَةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْعَيْشَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الْعَيْشِ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ، وَسُؤَالِ الْإِمَامِ وَالْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَدْ.
وَجَوَازُ خُرُوجِ الْعَرُوسِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْعُرْسِ مِنْ خَلُوقٍ وَغَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّزَعْفُرِ لِلْعَرُوسِ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصُّفْرَةِ
كَانَتْ فِي ثِيَابِهِ دُونَ جَسَدِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي جَوَازِهِ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْبَدَنِ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، فَإِنَّ مَفْهُومَهَ أَنَّ مَا عَدَا الْجَسَدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي الثَّوْبِ أَيْضًا، وَتَمَسَّكُوا بِالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَفِيهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمُدَّعِي كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَعَلَى هَذَا فَأُجِيبُ عَنْ قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سِيَاقَ قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَأَكْثَرُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ مِمَّنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ.
ثَانِيهَا أَنَّ أَثَرَ الصُّفْرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ جِهَةِ زَوْجَتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَصْلًا رَدَّ إِلَيْهِ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَبَدَاهُمَا فِي قَوْلِهِ مَهْيَمْ؛ فَقَالَ: مَعْنَاهُ: مَا السَّبَبُ فِي الَّذِي أَرَاهُ عَلَيْكَ؟ فَلِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّضَمُّخِ بِالْخَلُوقِ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ، أَيْ فَتَعَلَّقَ بِي مِنْهَا وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَيْهِ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ كَانَ قَدِ احْتَاجَ إِلَى التَّطَيُّبِ لِلدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ طِيبِ الرِّجَالِ حِينَئِذٍ شَيْئًا فَتَطَيَّبَ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ، وَصَادَفَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُفْرَةٌ فَاسْتَبَاحَ الْقَلِيلَ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ فِي التَّطَيُّبِ لِلْجُمْعَةِ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ فَبَقِيَ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
رَابِعُهَا كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَرُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ.
خَامِسُهَا وَبِهِ جَزَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَيْسَ بِطِيبٍ فَهُوَ جَائِزٌ.
سَادِسُهَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ بِدَلَالَةِ تَقْرِيرِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
سَابِعُهَا أَنَّ الْعَرُوسَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ شَابًّا، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَكَانُوا يرخصون لِلشَّابِّ فِي ذَلِكَ أَيَّامَ عُرْسِهِ، قَالَ: وَقِيلَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْ تَزَوَّجَ لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا عَلَامَةً لِزَوَاجِهِ لِيُعَانَ عَلَى وَلِيمَةِ عُرْسِهِ، قَالَ: وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
قُلْتُ: وَفِي اسْتِفْهَامِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّزْوِيجِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَرَأَى عَلَيَّ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ، فَقَالَ: أَتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهَذَا السِّيَاقِ لِلْمُدَّعِي وَلَكِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَهْيَمْ أَوْ مَا هَذَا فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبَشَاشَةُ الْعُرْسِ أَثَرُهُ وَحُسْنُهُ أَوْ فَرَحُهُ وَسُرُورُهُ، يُقَالُ: بَشَّ فُلَانٌ بِفُلَانٍ أَيْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَرِحًا بِهِ مُلَطِّفًا بِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ صَدَاقٍ لِاسْتِفْهَامِهِ عَلَى الْكَمْيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ هَلْ أَصْدَقَهَا أَوْ لَا؟ وَيُشْعِرُ ظَاهِرُهُ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ كَمْ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّقْدِيرِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِخْبَارَ عَنِ الْكَثْرَةِ أَوِ الْقِلَّةِ فَيُخْبِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِ مِثْلِهِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْقَدْرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِصْدَاقِهِ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مُلَازَمَةِ التِّجَارَةِ حَتَّى ظَهَرَتْ مِنْهُ مِنَ الْإِعَانَةُ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ مَا اشْتَهَرَ، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُوَاعَدَةِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَوْفَتِ الْعِدَّةَ، لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ: انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجْتَهَا وَوَقَعَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمَرْأَةَ عَلِمَتْ بِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَعْ تَعْيِينُهَا، لَكِنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ إِذْ ذَاكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عَلِمَتَا مَعًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
امرأتي سعدِ بنِ الرَّبيع، إلَّا أنَّ ابن سعدٍ ذكر أنَّه كان له من الولد أم سعد (١) واسمها جميلةٌ، وأمُّها عمرةُ بنت حزمٍ، وتزوَّج زيدُ بنِ ثابتٍ أمَّ سعدٍ فولدت له ابنهُ خارجةَ. قال: فيؤخذُ من هذا تسميةُ إحدى امرأتي سعدٍ. قال: وأخرج الطَّبريُّ في «التفسير» قصَّة مجيءِ امرأةِ سعدِ بن الرَّبيعِ بابنتي سعدٍ لما استشهدَ، فقالت: إنَّ عمَّهما (٢) أخذ ميراثهُما، فنزلتْ آيةُ المواريثِ، وسمَّاها إسماعيلُ القاضِي -في «أحكام القرآن» بسندٍ له مرسل- عمرةَ بنت حزمٍ. انتهى.
ورأيتُ في حاشية نسخة من «الفتح» عن شيخنا الحافظِ أبي الخير السَّخاوي ما نصُّهُ: قد أبعدَ شيخنا في عزو ذلك للطَّبريِّ، مع أنَّه في أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابن ماجه وصحَّحه الحاكمُ وغيره. قال: وقد وقفت على تسميةِ الزَّوجة الثَّانية في تفسيرِ مقاتل عند قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] وأنَّها حبيبةُ بنتُ زيدِ بن أبي زهيرٍ.
(قَالَ) عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك (بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ. فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ) وهو سوقُ بني قينقاعَ (فَبَاعَ وَاشْتَرَى) اتَّجر (فَأَصَابَ) أي: ربح (شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَتَزَوَّجَ) بنتَ أبي الحَيْسر، فلقيه النَّبيُّ ﷺ في سكَّةٍ من سكك المدينةِ وعليه أثرُ صفرةٍ، فقال: مهيم؟ قال: تزوَّجتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) وهي أقلُّها للموسرِ، ولغيره ما قدر عليه، وقال النَّسائيُّ من الشَّافعيَّة: المراد بأقلِّ (٣) الكمال شاةٌ لقول صاحب «التَّنبيه»: وبأيِّ شيءٍ أَوْلَمَ من الطَّعام جاز. وقال القاضي عِياض: أجمعوا على أنَّه لا حدَّ لأكثرها، وأما أقلُّها فكذلك، ومهما تيسَّر أجزأَ.
٥١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ) بنت جحشٍ (أَوْلَمَ بِشَاةٍ) ليس للتَّحديد، وإنَّما وقع اتِّفاقًا، وهو موافقٌ لحديث جابرٍ.