الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٧٨
الحديث رقم ٥١٧٨ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أجاب إلى كراع.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهَا
٥١٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ كَذَلِكَ، وَالْأَعْرَجُ شَيْخُ الزُّهْرِيِّ فِيهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ. وَلِسُفْيَانَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، صَرَّحَ فِيهِ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا صَرِيحًا، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ فِي الدَّعْوَةِ لِلْعَهْدِ مِنَ الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيمَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى طَعَامِ الْعُرْسِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ، وَقَوْلُهُ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ أَيْ أَنَّهَا تَكُونُ شَرَّ الطَّعَامِ إِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا خُصَّ الْغَنِيُّ وَتُرِكَ الْفَقِيرُ أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجِيبَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِذَا مَيَّزَ الدَّاعِي بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ فَأَطْعَمَ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ مَنْ مُقَدَّرَةٍ كَمَا يُقَالُ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ أَيْ مِنْ شَرِّهِمْ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِمَا ذُكِرَ عَقِبَهُ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ الَّذِي شَأْنُهُ كَذَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي الْوَلِيمَةِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ، إِذْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَدْعُوا الْأَغْنِيَاءَ وَيَتْرُكُوا الْفُقَرَاءَ. وَقَوْلُهُ يُدْعَى إِلَخْ اسْتِئْنَافٌ وَبَيَانٌ لِكَوْنِهَا شَرَّ الطَّعَامِ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ تَرَكَ إِلَخْ حَالٌ وَالْعَامِلُ يُدْعَى، أَيْ يُدْعَى الْأَغْنِيَاءُ، وَالْحَالُ أَنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ سَبَبًا لِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ شَرَّ الطَّعَامِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنْتُمُ الْعَاصُونَ فِي الدَّعْوَةِ، تَدْعُونَ مَنْ لَا يَأْتِي وَتَدْعُونَ مَنْ يَأْتِي، يَعْنِي بِالْأَوَّلِ الْأَغْنِيَاءَ وَبِالثَّانِي الْفُقَرَاءَ.
قَوْلُهُ (شَرُّ الطَّعَامِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ بِئْسَ الطَّعَامُ وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الطُّرُقِ.
قَوْلُهُ (يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْأَعْرَجِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ لِطَعَامِ الْوَلِيمَةِ؛ فَلَوْ دَعَا الدَّاعِي عَامًّا لَمْ يَكُنْ طَعَامُهُ شَرَّ الطَّعَامِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهِ الشَّبْعَانُ وَيُحْبَسُ عَنْهُ الْجَيْعَانُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ) أَيْ تَرَكَ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ: وَمَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هَذَا دَلِيلُ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ، لِأَنَّ الْعِصْيَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلَمْ يَأْتِهَا؛ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
٧٣ - بَاب مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ
٥١٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ.
قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: هُوَ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنَ الرِّجْلِ وَمِنْ حَدِّ الرُّسْغِ مِنَ الْيَدِ، وَهُوَ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنَ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَقِيلَ الْكُرَاعُ مَا دُونَ الْكَعْبِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: كُرَاعُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبَدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو حَمْزَةَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ الْيَشْكُرِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا مَا ظَهَرَ لَهُ سَمَاعُهُمْ فِيهِ، وَأَبُو حَازِمٍ هَذَا هُوَ سَلْمَانُ بِسُكُونِ اللَّامِ مَوْلَى عَزَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّ الظَّاهر أنَّها صفةٌ للوليمةِ، على أن تجعل اللَّام جنسيَّة مثلها في قوله:
ولقَدْ أمُرَّ علَى اللَّئيمِ يسُبُّنِي .........................
ويُستغنى حينئذٍ عن تأويلِ تأنيث الضَّمير على تقديرِ كونها صفة لطعام. انتهى.
وهذا الحديثُ موقوفٌ على أبي هُريرة، لكن قوله: (وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ) أي: إجابتها (فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ) يقتضِي كونه مرفوعًا إذ مثلُ هذا لا يكونُ من قبيل الرَّأي، لكن جلُّ (١) رواة مالك -كما قال ابنُ عبدِ البرِّ- لم يصرِّحوا برفعهِ. نعم قال روح بنُ القاسمِ عن مالكٍ بسندهِ: قال رسول الله ﷺ. وكذا أخرجه الدَّارقطنيُّ من طريق إسماعيلِ بنِ مَسْلمةَ بنِ قَعْنَب، عن مالكٍ. ولمسلم من طريق سفيان: سمعتُ زيادَ بنَ سعدٍ يقول: سمعتُ ثابتًا الأعرج يحدِّث عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال … فذكر نحوه. وكذا أخرجه أبو الشَّيخ مرفوعًا من طريق محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرةَ ﵁. وفي قوله: عصى الله ورسوله دليلٌ لوجوبِ الإجابةِ لأنَّ العصيانَ لا يطلقُ إلَّا على تركِ الواجبِ كما لا يخفى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح»، وأبو داود في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «النِّكاح».
(٧٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ) بضم الكاف وتخفيف الراء، أي: من أجابَ إلى وليمةٍ فيها كراعٌ، وهو مُسْتَدَقُّ السَّاقِ من الرِّجل، ومن حدِّ الرُّسغِ من اليدِ، وهو من البقر والغنمِ بمنزلة الوظيفِ من الفرس والبعيرِ.
٥١٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بنُ عثمان (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي،
اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهرانَ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلْمان -بسكون اللام- مولى عَزَّة؛ بفتح العين المهملة وتشديد الزاي. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: ووهم من زعم أنَّه سلمة بن دينار الرَّاوي عن سهلِ بنِ سعدٍ المقدَّم ذكره قريبًا؛ فإنَّهما وإن كانا مدنيَّين لكن راوي حديث الباب أكبرُ من ابن دينار (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ) وأما رواية الغزاليِّ الحديث في «الإحياء» بلفظ: «ولو دُعيتُ إلى كراعِ الغميمِ» فلا أصلَ لهذه الزِّيادة، والمرادُ به المكانُ المعروفُ بين مكَّةَ والمدينة، وزعمَ بعضهم أنَّه أطلقَ ذلك على سبيل المبالغةِ في الإجابةِ ولو بعُدَ المكان، لكن المبالغة في الإجابةِ مع حقارةِ الشَّيء أوضح في المرادِ، ومن ثمَّ ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد بالكُراعِ كُراعُ الشَّاةِ (وَلَوْ أُهْدِيَ) بضم الهمزة (إِلَيَّ) بتشديد الياء (ذِرَاعٌ) ولأبي ذرٍّ: «كُرَاع» (لَقَبِلْتُ) واللام في «لَقبلتُ» و «لَأجبتُ» للتَّأكيد.
وهذا الحديث سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٦٨] وأخرجه النَّسائيُّ في «الوليمة».
(٧٤) (بابُ إِجَابَةِ الدَّاعِي) أي: إجابة المدعوِّ الدَّاعي، فالمصدر مضاف إلى مفعوله، وطوي ذكرُ الفاعل (فِي العُرْسِ) وهو طعامُ الوليمةِ المعمول عند العرسِ (وَغَيْرِهَا) أي: غير وليمةِ العرسِ، ولأبي ذرٍّ: «وغيره» أي: وغيرُ العرسِ. وذكر النَّووي أنَّ الولائمَ ثمانيةٌ: الإِعْذَار -بعين مهملة وذال معجمة- للختَانِ، والعقيقةُ للولادةِ في اليوم السَّابع، والخُرْسُ -بضم الخاء المعجمة وسكون الراء ثم سين مهملة- لسلامة المرأَةِ من الطَّلقِ، وقيل: هو طعامُ الولادةِ، والنَّقيعةُ لقدومِ المسافرِ، مشتقةٌ من النَّقعِ وهو الغبارُ، والوكيرةُ للسَّكن المتجدِّد، مأخوذٌ من الوَكْرِ؛ وهو المأوَى والمستقرُّ، والوضيمةُ -بضاد معجمة- لما يتَّخذ عند المصيبةِ، والمأدُبَة -بضم الدال، ويجوز فتحها- لما يتَّخذُ بلا سببٍ، ومنها الحِذَاق -بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف قاف- الطَّعام الذي يعملُ عند حذقِ الصَّبي. ذكره ابن الصَّبَّاغ في «الشامل». وقال ابنُ الرِّفعة: هو الَّذي يعملُ عند ختم القرآنِ. والعَتِيرة -بفتح المهملة وكسر الفوقية- وهي شاةٌ تذبحُ في أوَّل رجب. وتُعقِّب بأنَّها في معنى الأضحيةِ، فلا معنى لذكرها مع الولائمِ، وقد أخرج مسلم وأبو داود حديث: «إذا دَعا أحدُكُم أخاهُ فليُجِب، عُرسًا كان أو غيره» وقد أخذَ بظاهره بعضُ الشَّافعية فقال بوجوب الإجابةِ إلى الدَّعوة مطلقًا، عرسًا كان أو
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ كَذَلِكَ، وَالْأَعْرَجُ شَيْخُ الزُّهْرِيِّ فِيهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ. وَلِسُفْيَانَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، صَرَّحَ فِيهِ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا صَرِيحًا، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ فِي الدَّعْوَةِ لِلْعَهْدِ مِنَ الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيمَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى طَعَامِ الْعُرْسِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ، وَقَوْلُهُ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ أَيْ أَنَّهَا تَكُونُ شَرَّ الطَّعَامِ إِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا خُصَّ الْغَنِيُّ وَتُرِكَ الْفَقِيرُ أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجِيبَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِذَا مَيَّزَ الدَّاعِي بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ فَأَطْعَمَ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ مَنْ مُقَدَّرَةٍ كَمَا يُقَالُ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ أَيْ مِنْ شَرِّهِمْ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِمَا ذُكِرَ عَقِبَهُ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ الَّذِي شَأْنُهُ كَذَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي الْوَلِيمَةِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ، إِذْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَدْعُوا الْأَغْنِيَاءَ وَيَتْرُكُوا الْفُقَرَاءَ. وَقَوْلُهُ يُدْعَى إِلَخْ اسْتِئْنَافٌ وَبَيَانٌ لِكَوْنِهَا شَرَّ الطَّعَامِ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ تَرَكَ إِلَخْ حَالٌ وَالْعَامِلُ يُدْعَى، أَيْ يُدْعَى الْأَغْنِيَاءُ، وَالْحَالُ أَنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ سَبَبًا لِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ شَرَّ الطَّعَامِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنْتُمُ الْعَاصُونَ فِي الدَّعْوَةِ، تَدْعُونَ مَنْ لَا يَأْتِي وَتَدْعُونَ مَنْ يَأْتِي، يَعْنِي بِالْأَوَّلِ الْأَغْنِيَاءَ وَبِالثَّانِي الْفُقَرَاءَ.
قَوْلُهُ (شَرُّ الطَّعَامِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ بِئْسَ الطَّعَامُ وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الطُّرُقِ.
قَوْلُهُ (يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْأَعْرَجِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ لِطَعَامِ الْوَلِيمَةِ؛ فَلَوْ دَعَا الدَّاعِي عَامًّا لَمْ يَكُنْ طَعَامُهُ شَرَّ الطَّعَامِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهِ الشَّبْعَانُ وَيُحْبَسُ عَنْهُ الْجَيْعَانُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ) أَيْ تَرَكَ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ: وَمَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هَذَا دَلِيلُ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ، لِأَنَّ الْعِصْيَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلَمْ يَأْتِهَا؛ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
٧٣ - بَاب مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ
٥١٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ.
قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: هُوَ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنَ الرِّجْلِ وَمِنْ حَدِّ الرُّسْغِ مِنَ الْيَدِ، وَهُوَ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنَ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَقِيلَ الْكُرَاعُ مَا دُونَ الْكَعْبِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: كُرَاعُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبَدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو حَمْزَةَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ الْيَشْكُرِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا مَا ظَهَرَ لَهُ سَمَاعُهُمْ فِيهِ، وَأَبُو حَازِمٍ هَذَا هُوَ سَلْمَانُ بِسُكُونِ اللَّامِ مَوْلَى عَزَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تعقَّبه الدَّمامينيُّ بأنَّ الظَّاهر أنَّها صفةٌ للوليمةِ، على أن تجعل اللَّام جنسيَّة مثلها في قوله:
ولقَدْ أمُرَّ علَى اللَّئيمِ يسُبُّنِي .........................
ويُستغنى حينئذٍ عن تأويلِ تأنيث الضَّمير على تقديرِ كونها صفة لطعام. انتهى.
وهذا الحديثُ موقوفٌ على أبي هُريرة، لكن قوله: (وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ) أي: إجابتها (فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ) يقتضِي كونه مرفوعًا إذ مثلُ هذا لا يكونُ من قبيل الرَّأي، لكن جلُّ (١) رواة مالك -كما قال ابنُ عبدِ البرِّ- لم يصرِّحوا برفعهِ. نعم قال روح بنُ القاسمِ عن مالكٍ بسندهِ: قال رسول الله ﷺ. وكذا أخرجه الدَّارقطنيُّ من طريق إسماعيلِ بنِ مَسْلمةَ بنِ قَعْنَب، عن مالكٍ. ولمسلم من طريق سفيان: سمعتُ زيادَ بنَ سعدٍ يقول: سمعتُ ثابتًا الأعرج يحدِّث عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال … فذكر نحوه. وكذا أخرجه أبو الشَّيخ مرفوعًا من طريق محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرةَ ﵁. وفي قوله: عصى الله ورسوله دليلٌ لوجوبِ الإجابةِ لأنَّ العصيانَ لا يطلقُ إلَّا على تركِ الواجبِ كما لا يخفى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح»، وأبو داود في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «النِّكاح».
(٧٣) (بابُ مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ) بضم الكاف وتخفيف الراء، أي: من أجابَ إلى وليمةٍ فيها كراعٌ، وهو مُسْتَدَقُّ السَّاقِ من الرِّجل، ومن حدِّ الرُّسغِ من اليدِ، وهو من البقر والغنمِ بمنزلة الوظيفِ من الفرس والبعيرِ.
٥١٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بنُ عثمان (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي،
اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهرانَ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلْمان -بسكون اللام- مولى عَزَّة؛ بفتح العين المهملة وتشديد الزاي. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: ووهم من زعم أنَّه سلمة بن دينار الرَّاوي عن سهلِ بنِ سعدٍ المقدَّم ذكره قريبًا؛ فإنَّهما وإن كانا مدنيَّين لكن راوي حديث الباب أكبرُ من ابن دينار (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ) وأما رواية الغزاليِّ الحديث في «الإحياء» بلفظ: «ولو دُعيتُ إلى كراعِ الغميمِ» فلا أصلَ لهذه الزِّيادة، والمرادُ به المكانُ المعروفُ بين مكَّةَ والمدينة، وزعمَ بعضهم أنَّه أطلقَ ذلك على سبيل المبالغةِ في الإجابةِ ولو بعُدَ المكان، لكن المبالغة في الإجابةِ مع حقارةِ الشَّيء أوضح في المرادِ، ومن ثمَّ ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد بالكُراعِ كُراعُ الشَّاةِ (وَلَوْ أُهْدِيَ) بضم الهمزة (إِلَيَّ) بتشديد الياء (ذِرَاعٌ) ولأبي ذرٍّ: «كُرَاع» (لَقَبِلْتُ) واللام في «لَقبلتُ» و «لَأجبتُ» للتَّأكيد.
وهذا الحديث سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٦٨] وأخرجه النَّسائيُّ في «الوليمة».
(٧٤) (بابُ إِجَابَةِ الدَّاعِي) أي: إجابة المدعوِّ الدَّاعي، فالمصدر مضاف إلى مفعوله، وطوي ذكرُ الفاعل (فِي العُرْسِ) وهو طعامُ الوليمةِ المعمول عند العرسِ (وَغَيْرِهَا) أي: غير وليمةِ العرسِ، ولأبي ذرٍّ: «وغيره» أي: وغيرُ العرسِ. وذكر النَّووي أنَّ الولائمَ ثمانيةٌ: الإِعْذَار -بعين مهملة وذال معجمة- للختَانِ، والعقيقةُ للولادةِ في اليوم السَّابع، والخُرْسُ -بضم الخاء المعجمة وسكون الراء ثم سين مهملة- لسلامة المرأَةِ من الطَّلقِ، وقيل: هو طعامُ الولادةِ، والنَّقيعةُ لقدومِ المسافرِ، مشتقةٌ من النَّقعِ وهو الغبارُ، والوكيرةُ للسَّكن المتجدِّد، مأخوذٌ من الوَكْرِ؛ وهو المأوَى والمستقرُّ، والوضيمةُ -بضاد معجمة- لما يتَّخذ عند المصيبةِ، والمأدُبَة -بضم الدال، ويجوز فتحها- لما يتَّخذُ بلا سببٍ، ومنها الحِذَاق -بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف قاف- الطَّعام الذي يعملُ عند حذقِ الصَّبي. ذكره ابن الصَّبَّاغ في «الشامل». وقال ابنُ الرِّفعة: هو الَّذي يعملُ عند ختم القرآنِ. والعَتِيرة -بفتح المهملة وكسر الفوقية- وهي شاةٌ تذبحُ في أوَّل رجب. وتُعقِّب بأنَّها في معنى الأضحيةِ، فلا معنى لذكرها مع الولائمِ، وقد أخرج مسلم وأبو داود حديث: «إذا دَعا أحدُكُم أخاهُ فليُجِب، عُرسًا كان أو غيره» وقد أخذَ بظاهره بعضُ الشَّافعية فقال بوجوب الإجابةِ إلى الدَّعوة مطلقًا، عرسًا كان أو