«أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا. قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٧٩

الحديث رقم ٥١٧٩ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إجابة الداعي في العرس وغيره.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٧٩ في صحيح البخاري

«أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا. قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ.»

بَابُ ذَهَابِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِلَى الْعُرْسِ

إسناد حديث رقم ٥١٧٩ من صحيح البخاري

٥١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١٧٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الزَّايِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ الرَّاوِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ قَرِيبًا، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مَدَنِيَّيْنِ لَكِنَّ رَاوِيَ حَدِيثِ الْبَابِ أَكْبَرُ مِنِ ابْنِ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ (وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ ذِرَاعٌ وَكُرَاعٌ بِالتَّغْيِيرِ، وَالذِّرَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الْكُرَاعِ، وَفِي الْمَثَلِ أَنْفَقَ الْعَبْدُ كُرَاعًا وَطَلَبَ ذِرَاعًا، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَكَذَا وَقَعَ لِلْغَزالِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَغَازِي، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِجَابَةِ وَلَوْ بَعُدَ الْمَكَانُ، لَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِجَابَةِ مَعَ حَقَارَةِ الشَّيْءِ أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ هُنَا كُرَاعُ الشَّاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْهِبَةِ فِي حَدِيثِ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنَ شَاةٍ، وَأَغْرَبَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَلَا أَصْلَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا: لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ لِمِثْلِهِ لَأَجَبْتُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَادِعٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكْرَهُ الْهَدِيَّةَ؟ فَقَالَ: مَا أَقْبَحَ رَدَّ الْهَدِيَّةِ! فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَيُسْتَفَادُ سَبَبُهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَجَبْرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ، وَعَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَنْ يَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا يَبْعَثُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ إِلَّا صِدْقُ الْمَحَبَّةِ وَسُرُورُ الدَّاعِي بِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ مِنْ طَعَامِهِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ بِالْمُؤَاكَلَةِ وَتَوْكِيدِ الذِّمَامِ مَعَهُ بِهَا، فَلِذَلِكَ حَضَّ عَلَى الْإِجَابَةِ وَلَوْ نَزَرَ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهِ. وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ لِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ كَذَلِكَ.

٧٤ - بَاب إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ

٥١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ، وَهَذِهِ اللَّامُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ الْأُخْرَى: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ إِذَا تَعَدَّدَتْ أَلْفَاظُهُ وَأَمْكَنَ حَمْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعُمُومِ وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَكَانَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ لِلْعُرْسِ وَلِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ رِوَايَتُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عِبَادَةَ، فَقِيلَ: هُوَ هَذَا نَسَبُهُ إِلَى جَدِّهِ، وَقِيلَ غَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو وَالْمُسْتَمْلِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مُتْقِنٌ.

قَوْلُهُ (عَنْ نَافِعٍ) فِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ (قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ)، الْقَائِلُ هُوَ نَافِعٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةَ

عُرْسٍ فَلْيُجِبْ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا فَهِمَهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِجَابَةِ لَا يَخْتَصُّ بِطَعَامِ الْعُرْسِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِشَرْطِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي وَلِيمَةِ الْخِتَانِ لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهَا، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ لَوْ دُعُوا، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَعَا بِالطَّعَامِ؛ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اعْفِنِي، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ لَا عَافِيَةَ لَكَ مِنْ هَذَا، فَقُمْ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ صَفْوَانَ دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي مَشْغُولٌ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِنِي جِئْتُهُ.

وَجَزَمَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ: إِتْيَانُ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ حَقٌّ، وَالْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ دُعِيَ إِلَيْهَا رَجُلٌ وَلِيمَةٌ فَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لي أَنَّهُ عَاصٍ فِي تَرْكِهَا كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ.

قَوْلُهُ (فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجِيبُ صَائِمًا وَمُفْطِرًا، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي آخِرِهِ: وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ هِشَامٍ رَاوِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَحَمَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ فَقَالَ: إِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُهَا، وَيَحْصُلُ لِأَهْلِ الْمَنْزِلِ وَالْحَاضِرِينَ بَرَكَتُهَا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ لَكِنْ يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ الصَّائِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ حَقِّ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمَّا حَضَرَ الْوَلِيمَةَ وَهُوَ صَائِمٌ أَثْنَى وَدَعَا، وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَكَلَ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا لَهُمْ وَبَرَّكَ ثُمَّ انْصَرَفَ.

وَفِي الْحُضُورِ فَوَائِدُ أُخْرَى كَالتَّبَرُّكِ بِالْمَدْعُوِّ وَالتَّجَمُّلِ بِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِإِشَارَتِهِ وَالصِّيَانَةِ عَمَّا لَا يَحْصُلُ لَهُ الصِّيَانَةُ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ، وَفِي الْإِخْلَالِ بِالْإِجَابَةِ تَفْوِيتُ ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى مَا يَقَعُ لِلدَّاعِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ التَّشْوِيشِ، وَعُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ فَلْيَدْعُ لَهُمْ حُصُولَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْإِجَابَةِ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْمَدْعُوَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِنْ كَانَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا؟ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ صَوْمُهُ فَالْأَفْضَلُ الْفِطْرُ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ، وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيُّ، وَابْنُ الْفَرَّاءِ اسْتِحْبَابَ الْفِطْرِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ الْخُرُوجَ مِنْ صَوْمِ النَّفْلِ، وَأَمَّا مَنْ يُوجِبُهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الْفِطْرُ كَمَا فِي صَوْمِ الْفَرْضِ، وَيَبْعُدُ إِطْلَاقُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ قَدْ قَرُبَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ لِلصَّائِمِ بِالْحُضُورِ وَالدُّعَاءِ، نَعَمْ لَوِ اعْتَذَرَ بِهِ الْمَدْعُوُّ فَقَبِلَ الدَّاعِي عُذْرَهُ لِكَوْنِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِذَا حَضَرَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي التَّأَخُّرِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُفْطِرَ وَلَوْ حَضَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

غيره بشرطه، وقد جزم المالكيَّة والحنفيَّة والحنابلة وجمهور الشَّافعيَّة بعدم الوجوب في غير وليمة النِّكاح.

٥١٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) البغداديُّ. قال البخاريُّ عنه: إنَّه متقنٌ. قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعورُ (قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبدِ العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحبُ المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ) أي: دعوةَ الوليمةِ (إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا. قَالَ) نافعٌ: و (كَانَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمرَ (١) (يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي العُرْسِ وَغَيْرِ العُرْسِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (صَائِمٌ) وفي مسلم حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا دُعِي أحدُكم إلى طعامٍ فليُجِب، فإن كان مُفطرًا فَلْيَطْعَم، وإن كانَ صائمًا فليصلِّ» أي: فليدع؛ بدليل رواية: «فليدعُ بالبركةِ». رواه أبو عَوَانة، فإن كان الصَّوم نفلًا فإفطارهُ لجبرِ خاطرِ الدَّاعي أفضلُ ولو آخرَ النَّهار لأنَّه لما أمسكَ من حضرَ معهُ وقال: إنِّي صائمٌ قال له: «يتكلَّفُ أخوكَ المسلمُ وتقول: إنِّي صائمٌ؟ أفطر، ثم اقضِ يومًا مكانه» رواه البيهقيُّ وغيره، وفي إسناده راوٍ ضعيف لكنَّه توبع، ولو أمسكَ المفطرُ عن الأكلِ لم يحرمْ بل يجوزُ، وفي مسلم: «إذا دُعي أحدُكُم إلى طعامٍ فليُجِب فإن شاء طَعِم، وإن شاءَ تركَ». وفي شرح مسلم تصحيحُ وجوبِ الأكل، ويحرم على الصَّائم الإفطار من صوم فرضٍ.

(٧٥) (بابُ ذَهَابِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِلَى) وليمة (العُرْسِ) من غير كراهةٍ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الزَّايِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ الرَّاوِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ قَرِيبًا، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مَدَنِيَّيْنِ لَكِنَّ رَاوِيَ حَدِيثِ الْبَابِ أَكْبَرُ مِنِ ابْنِ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ (وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ ذِرَاعٌ وَكُرَاعٌ بِالتَّغْيِيرِ، وَالذِّرَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الْكُرَاعِ، وَفِي الْمَثَلِ أَنْفَقَ الْعَبْدُ كُرَاعًا وَطَلَبَ ذِرَاعًا، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَكَذَا وَقَعَ لِلْغَزالِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَغَازِي، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِجَابَةِ وَلَوْ بَعُدَ الْمَكَانُ، لَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِجَابَةِ مَعَ حَقَارَةِ الشَّيْءِ أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ هُنَا كُرَاعُ الشَّاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْهِبَةِ فِي حَدِيثِ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنَ شَاةٍ، وَأَغْرَبَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَلَا أَصْلَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا: لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ لِمِثْلِهِ لَأَجَبْتُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَادِعٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكْرَهُ الْهَدِيَّةَ؟ فَقَالَ: مَا أَقْبَحَ رَدَّ الْهَدِيَّةِ! فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَيُسْتَفَادُ سَبَبُهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَجَبْرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ، وَعَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَنْ يَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا يَبْعَثُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ إِلَّا صِدْقُ الْمَحَبَّةِ وَسُرُورُ الدَّاعِي بِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ مِنْ طَعَامِهِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ بِالْمُؤَاكَلَةِ وَتَوْكِيدِ الذِّمَامِ مَعَهُ بِهَا، فَلِذَلِكَ حَضَّ عَلَى الْإِجَابَةِ وَلَوْ نَزَرَ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهِ. وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ لِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ كَذَلِكَ.

٧٤ - بَاب إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ

٥١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ، وَهَذِهِ اللَّامُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ الْأُخْرَى: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ إِذَا تَعَدَّدَتْ أَلْفَاظُهُ وَأَمْكَنَ حَمْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعُمُومِ وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَكَانَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ لِلْعُرْسِ وَلِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ رِوَايَتُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عِبَادَةَ، فَقِيلَ: هُوَ هَذَا نَسَبُهُ إِلَى جَدِّهِ، وَقِيلَ غَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو وَالْمُسْتَمْلِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مُتْقِنٌ.

قَوْلُهُ (عَنْ نَافِعٍ) فِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ (قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ)، الْقَائِلُ هُوَ نَافِعٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةَ

عُرْسٍ فَلْيُجِبْ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا فَهِمَهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِجَابَةِ لَا يَخْتَصُّ بِطَعَامِ الْعُرْسِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِشَرْطِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي وَلِيمَةِ الْخِتَانِ لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهَا، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ لَوْ دُعُوا، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَعَا بِالطَّعَامِ؛ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اعْفِنِي، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ لَا عَافِيَةَ لَكَ مِنْ هَذَا، فَقُمْ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ صَفْوَانَ دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي مَشْغُولٌ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِنِي جِئْتُهُ.

وَجَزَمَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ: إِتْيَانُ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ حَقٌّ، وَالْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ دُعِيَ إِلَيْهَا رَجُلٌ وَلِيمَةٌ فَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لي أَنَّهُ عَاصٍ فِي تَرْكِهَا كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ.

قَوْلُهُ (فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجِيبُ صَائِمًا وَمُفْطِرًا، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي آخِرِهِ: وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ هِشَامٍ رَاوِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَحَمَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ فَقَالَ: إِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُهَا، وَيَحْصُلُ لِأَهْلِ الْمَنْزِلِ وَالْحَاضِرِينَ بَرَكَتُهَا. وَفِيهِ نَظَرٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: (لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ لَكِنْ يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ الصَّائِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ حَقِّ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمَّا حَضَرَ الْوَلِيمَةَ وَهُوَ صَائِمٌ أَثْنَى وَدَعَا، وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَكَلَ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا لَهُمْ وَبَرَّكَ ثُمَّ انْصَرَفَ.

وَفِي الْحُضُورِ فَوَائِدُ أُخْرَى كَالتَّبَرُّكِ بِالْمَدْعُوِّ وَالتَّجَمُّلِ بِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِإِشَارَتِهِ وَالصِّيَانَةِ عَمَّا لَا يَحْصُلُ لَهُ الصِّيَانَةُ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ، وَفِي الْإِخْلَالِ بِالْإِجَابَةِ تَفْوِيتُ ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى مَا يَقَعُ لِلدَّاعِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ التَّشْوِيشِ، وَعُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ فَلْيَدْعُ لَهُمْ حُصُولَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْإِجَابَةِ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْمَدْعُوَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِنْ كَانَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا؟ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ صَوْمُهُ فَالْأَفْضَلُ الْفِطْرُ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ، وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيُّ، وَابْنُ الْفَرَّاءِ اسْتِحْبَابَ الْفِطْرِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ الْخُرُوجَ مِنْ صَوْمِ النَّفْلِ، وَأَمَّا مَنْ يُوجِبُهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الْفِطْرُ كَمَا فِي صَوْمِ الْفَرْضِ، وَيَبْعُدُ إِطْلَاقُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ قَدْ قَرُبَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ لِلصَّائِمِ بِالْحُضُورِ وَالدُّعَاءِ، نَعَمْ لَوِ اعْتَذَرَ بِهِ الْمَدْعُوُّ فَقَبِلَ الدَّاعِي عُذْرَهُ لِكَوْنِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِذَا حَضَرَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي التَّأَخُّرِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُفْطِرَ وَلَوْ حَضَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

غيره بشرطه، وقد جزم المالكيَّة والحنفيَّة والحنابلة وجمهور الشَّافعيَّة بعدم الوجوب في غير وليمة النِّكاح.

٥١٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) البغداديُّ. قال البخاريُّ عنه: إنَّه متقنٌ. قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعورُ (قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبدِ العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحبُ المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ) أي: دعوةَ الوليمةِ (إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا. قَالَ) نافعٌ: و (كَانَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمرَ (١) (يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي العُرْسِ وَغَيْرِ العُرْسِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (صَائِمٌ) وفي مسلم حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا دُعِي أحدُكم إلى طعامٍ فليُجِب، فإن كان مُفطرًا فَلْيَطْعَم، وإن كانَ صائمًا فليصلِّ» أي: فليدع؛ بدليل رواية: «فليدعُ بالبركةِ». رواه أبو عَوَانة، فإن كان الصَّوم نفلًا فإفطارهُ لجبرِ خاطرِ الدَّاعي أفضلُ ولو آخرَ النَّهار لأنَّه لما أمسكَ من حضرَ معهُ وقال: إنِّي صائمٌ قال له: «يتكلَّفُ أخوكَ المسلمُ وتقول: إنِّي صائمٌ؟ أفطر، ثم اقضِ يومًا مكانه» رواه البيهقيُّ وغيره، وفي إسناده راوٍ ضعيف لكنَّه توبع، ولو أمسكَ المفطرُ عن الأكلِ لم يحرمْ بل يجوزُ، وفي مسلم: «إذا دُعي أحدُكُم إلى طعامٍ فليُجِب فإن شاء طَعِم، وإن شاءَ تركَ». وفي شرح مسلم تصحيحُ وجوبِ الأكل، ويحرم على الصَّائم الإفطار من صوم فرضٍ.

(٧٥) (بابُ ذَهَابِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِلَى) وليمة (العُرْسِ) من غير كراهةٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر