الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٠١
الحديث رقم ٥٢٠١ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى الرجال قوامون على النساء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
٥٢٠١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابٌ الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٩١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
٥٢٠١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرا، قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ.
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إِلَى هُنَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، زَادَ غَيْرُهُ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ وَبِسِيَاقِ الْآيَةِ تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فَهُوَ الَّذِي يُطَابِقُ قَوْلَهُ: آلَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ هَجَرَهُنَّ. وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: لَمْ يَتَّضِحْ لِي دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا فِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ: آلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ
وَقَوْلُهُ (فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَائِلُ ذَلِكَ عَائِشَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا فِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ أَيْضًا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ.
٩٢ - بَاب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ
وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ: غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
٥٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِنَّ - أَوْ رَاحَ - فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
٥٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنْ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَنَّهُ تَجُوزُ الْهِجْرَة فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَجْرِهِ لِأَزْوَاجِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ أَذْكُرُهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ (وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَهُوَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَوْلُهُ (رَفَعَهُ، وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: غَيْرِ أَنْ لَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وابْنُ مَنْدَهْ فِي غَرَائِبِ شُعْبَةَ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَزَعَةَ سُوَيْدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِ: مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ قَالَ: يُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمَ، وَيَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَى، وَلَا يَضْرِبُ الْوَجْهَ، وَلَا يُقَبِّحُ، وَلَا يَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ.
قَوْلُهُ (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَاقْتَضَى صَنِيعَهُ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ دُونَ غَيْرِهَا فِي الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا صَدَّرَهَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ إِشَارَةً إِلَى انْحِطَاطِ رُتْبَتِهَا. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكِرْمَانِيِّ قَوْلُهُ: وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفَعَهُ وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ أَيْ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالْأَوَّلُ أَيِ الْهِجْرَةُ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ أَصَحُّ إِسْنَادًا، وَفِي بَعْضِهَا أَيْ بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: غَيْرَ أَنْ لَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ قَالَ: فَحِينَئِذٍ فَفَاعِلُ يُذْكَرُ هَجْرُ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ، أَيْ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَفْعُهُ غَيْرَ أَنْ لَا تَهْجُرَ، أَيْ رُوِيَتْ قِصَّةُ الْهِجْرَةِ عَنْهُ مَرْفُوعَةً إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، وَهَذَا الَّذِي تَلْمَحُهُ غَلَطٌ مَحْضٌ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَيْدَةَ مَا رَوَى قِصَّةَ هَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَزْوَاجَهُ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَلَا الْأَجْزَاءِ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ مَا ذَكَرَهُ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ حِكَايَةُ مَا وَرَدَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَلَا يُقَبِّحْ وَلَا يَضْرِبِ الْوَجْهَ، غَيْرَ أَنْ لَا يَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ فَظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حِكَايَةٌ مِنْهُ عَمَّا وَرَدَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ النَّاسُ بِمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْهَجْرِ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ رِفْقًا بِالنِّسَاءِ، لِأَنَّ هِجْرَانَهُنَّ مَعَ الْإِقَامَةِ مَعَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ آلَمُ لِأَنْفُسِهِنَّ وَأَوْجَعُ لِقُلُوبِهِنَّ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْإِعْرَاضِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَلِمَا فِي الْغَيْبَةِ عَنِ الْأَعْيُنِ مِنَ التَّسْلِيَةِ عَنِ الرِّجَالِ، قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِنَّ فِي الْمَضَاجِعِ فَضْلًا عَنِ الْبُيُوتِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ مَا فَهِمَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْهِجْرَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبُيُوتِ وَفِي غَيْرِ الْبُيُوتِ، وَأَنَّ الْحَصْرَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ بَلْ يَجُوزُ الْهَجْرُ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَرُبَّمَا كَانَ الْهِجْرَانُ فِي الْبُيُوتِ أَشَدَّ مِنَ الْهِجْرَانِ فِي غَيْرِهَا، وَبِالْعَكْسِ بَلِ الْغَالِبُ أَنَّ الْهِجْرَانَ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ آلَمُ لِلنُّفُوسِ وَخُصُوصًا النِّسَاءَ لِضَعْفِ نُفُوسِهِنَّ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي الْمُرَادِ بِالْهِجْرَانِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ تَرْكَ الدُّخُولَ عَلَيْهِنَّ وَالْإِقَامَةَ عِنْدَهُنَّ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ مِنَ الْهِجْرَانِ وَهُوَ الْبُعْدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُضَاجِعُهَا. وَقِيلَ الْمَعْنَى يُضَاجِعُهَا وَيُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ مِنْ جِمَاعِهَا، وَقِيلَ يُجَامِعُهَا وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَقِيلَ: اهْجُرُوهُنَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهُجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ أَيْ أَغْلِظُوا لَهُنَّ فِي الْقَوْلِ، وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهِجَارِ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْبَعِيرُ يُقَالُ هَجَرَ الْبَعِيرَ أَيْ رَبَطَهُ، فَالْمَعْنَى أَوْثِقُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاضْرِبُوهُنَّ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَوَهَّاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَأَجَادَ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ. الْأَوَّلُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ (عِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
من النَّفقة وحسنِ العشرةِ (١) (وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ) بحسن التَّدبير والتَّعهد لخدمتهِ وغير ذلك (فَكُلُّكُمْ رَاعٍ) بالفاء، أي: مثل الرَّاعي (وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).
وهذا «الحديثُ» قد سبق في «باب الجمعة في القرى والمدن» من «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩٣] وفي «الاستقراض» أيضًا [خ¦٢٤٠٩].
(٩١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾) أي: يقومون عليهنَّ آمرين ناهين، كما تقوم الولاة على الرَّعايا (﴿بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾) أي بسبب تفضيلِ الله بعضهم -وهم الرِّجال- على بعضٍ -وهم النِّساء- بالعقلِ والعزمِ والحزمِ والقوَّة والغزو، وكمالِ الصَّوم والصَّلاة، والنُّبوَّة والخلافة والإمامة (٢)، والأذانِ والخطبةِ والجماعة، وتضعيفِ الميراثِ، والتَّعصُّبِ فيه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]) أي: إن علت أيديكم عليهنَّ فاعلموا أنَّ قدرته تعالى عليكم أعظم من قدرتِكُم عليهنَّ، فاجتنبوا ظلمهنَّ، وسقط قولهُ: «﴿بِمَا فَضَّلَ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
٥٢٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام، القطوانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلال (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويلُ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: آلَى) بمد الهمزة وفتح اللام (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ) أي: حلفَ لا يدخل عليهنَّ (شَهْرًا) وكان أوَّل الشَّهر، وليس المراد هنا الإيلاء الفقهيُّ بل المعنى اللُّغويُّ؛ وهو الحلف. قال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: إذا كان للَّفظ معنى شرعيٌّ ومعنى لغويٌّ، يقدَّم الشَّرعي على اللُّغويِّ؟ وأجاب بأنَّه إذا لم يكن ثمَّة قرينة صارفة عن إرادةِ معناه الشَّرعي، والقرينة كونها شهرًا واحدًا
(وَقَعَدَ) ولأبي ذرٍّ: «فقعد» (فِي مَشْرُبَةٍ) بضم الراء، أي: غرفةٍ (لَهُ فَنَزَلَ) منها، فدخل على عائشة إذ وافقَ يوم نوبتها (لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ) من يومِ إيلائهِ (١) (فَقِيلَ) أي: قالت عائشة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا) وللمُستملي والكُشمِيهنيِّ: «على شهرٍ» (قَالَ) ﵊: (الشَّهْرُ (٢)) الَّذي آليتُ فيه (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ومناسبة الآية في قولهِ تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] ومن الحديثِ قوله: آلى النَّبيُّ ﷺ من نسائهِ شهرًا؛ إذ مقتضاهُ أنَّه هجرهنَّ، واختلفَ في المراد بالهجرانِ فقيل: لا يدخلُ عليهنَّ، وقيل: لا يضاجعهُنَّ، أو يضاجعهنَّ ويوليهنَّ ظهره، أو يمتنعُ من جماعهِنَّ، أو يجامعهُنَّ ولا يكلِّمهُنَّ (٣).
(٩٢) (بابُ هِجْرَةِ (٤) النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ) شهرًا وسكناه (٥) (فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ) فلا مفهومَ لقولهِ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] (وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الدال المهملة، الصَّحابيِّ، ممَّا أخرجه أحمد وأبو داود والخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق»، وابن مندَه في «غرائبِ شعبة» مطوَّلًا، كلُّهم من روايةِ أبي قزعة سويد، عن حكيمِ بنِ معاويةَ (٦) عن أبيه (رَفْعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ بسكون الفاء وضم العين في «اليونينية» (٧) (غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ) وللمُستملي: «ولا تهجر» (إِلَّا فِي البَيْتِ، وَ) حديث أنس (الأَوَّلُ) المرويُّ في البابِ السَّابق [خ¦٥٢٠١] المذكور فيهِ هجرهُ ﷺ نساءَهُ في غير بيوتهنَّ (أَصَحُّ) من حديثِ معاويةَ بنِ حيدةَ هذا، ولفظ رواية أبي داود عن حكيمِ بنِ معاوية القشيريِّ، عن أبيهِ قال:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابٌ الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٩١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
٥٢٠١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرا، قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ.
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إِلَى هُنَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، زَادَ غَيْرُهُ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ وَبِسِيَاقِ الْآيَةِ تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فَهُوَ الَّذِي يُطَابِقُ قَوْلَهُ: آلَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ هَجَرَهُنَّ. وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: لَمْ يَتَّضِحْ لِي دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا فِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ: آلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ
وَقَوْلُهُ (فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَائِلُ ذَلِكَ عَائِشَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا فِي آخِرِ حَدِيثِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ أَيْضًا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ.
٩٢ - بَاب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ
وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ: غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
٥٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِنَّ - أَوْ رَاحَ - فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
٥٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنْ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَنَّهُ تَجُوزُ الْهِجْرَة فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَجْرِهِ لِأَزْوَاجِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ أَذْكُرُهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ (وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَهُوَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَوْلُهُ (رَفَعَهُ، وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: غَيْرِ أَنْ لَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وابْنُ مَنْدَهْ فِي غَرَائِبِ شُعْبَةَ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَزَعَةَ سُوَيْدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِ: مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ قَالَ: يُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمَ، وَيَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَى، وَلَا يَضْرِبُ الْوَجْهَ، وَلَا يُقَبِّحُ، وَلَا يَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ.
قَوْلُهُ (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَاقْتَضَى صَنِيعَهُ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ دُونَ غَيْرِهَا فِي الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا صَدَّرَهَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ إِشَارَةً إِلَى انْحِطَاطِ رُتْبَتِهَا. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكِرْمَانِيِّ قَوْلُهُ: وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفَعَهُ وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ أَيْ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالْأَوَّلُ أَيِ الْهِجْرَةُ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ أَصَحُّ إِسْنَادًا، وَفِي بَعْضِهَا أَيْ بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: غَيْرَ أَنْ لَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ قَالَ: فَحِينَئِذٍ فَفَاعِلُ يُذْكَرُ هَجْرُ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ، أَيْ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَفْعُهُ غَيْرَ أَنْ لَا تَهْجُرَ، أَيْ رُوِيَتْ قِصَّةُ الْهِجْرَةِ عَنْهُ مَرْفُوعَةً إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، وَهَذَا الَّذِي تَلْمَحُهُ غَلَطٌ مَحْضٌ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَيْدَةَ مَا رَوَى قِصَّةَ هَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَزْوَاجَهُ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَلَا الْأَجْزَاءِ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ مَا ذَكَرَهُ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ حِكَايَةُ مَا وَرَدَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَلَا يُقَبِّحْ وَلَا يَضْرِبِ الْوَجْهَ، غَيْرَ أَنْ لَا يَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ فَظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حِكَايَةٌ مِنْهُ عَمَّا وَرَدَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ النَّاسُ بِمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْهَجْرِ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ رِفْقًا بِالنِّسَاءِ، لِأَنَّ هِجْرَانَهُنَّ مَعَ الْإِقَامَةِ مَعَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ آلَمُ لِأَنْفُسِهِنَّ وَأَوْجَعُ لِقُلُوبِهِنَّ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْإِعْرَاضِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَلِمَا فِي الْغَيْبَةِ عَنِ الْأَعْيُنِ مِنَ التَّسْلِيَةِ عَنِ الرِّجَالِ، قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِنَّ فِي الْمَضَاجِعِ فَضْلًا عَنِ الْبُيُوتِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ مَا فَهِمَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْهِجْرَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبُيُوتِ وَفِي غَيْرِ الْبُيُوتِ، وَأَنَّ الْحَصْرَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ بَلْ يَجُوزُ الْهَجْرُ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَرُبَّمَا كَانَ الْهِجْرَانُ فِي الْبُيُوتِ أَشَدَّ مِنَ الْهِجْرَانِ فِي غَيْرِهَا، وَبِالْعَكْسِ بَلِ الْغَالِبُ أَنَّ الْهِجْرَانَ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ آلَمُ لِلنُّفُوسِ وَخُصُوصًا النِّسَاءَ لِضَعْفِ نُفُوسِهِنَّ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي الْمُرَادِ بِالْهِجْرَانِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ تَرْكَ الدُّخُولَ عَلَيْهِنَّ وَالْإِقَامَةَ عِنْدَهُنَّ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ مِنَ الْهِجْرَانِ وَهُوَ الْبُعْدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُضَاجِعُهَا. وَقِيلَ الْمَعْنَى يُضَاجِعُهَا وَيُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ مِنْ جِمَاعِهَا، وَقِيلَ يُجَامِعُهَا وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَقِيلَ: اهْجُرُوهُنَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهُجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ أَيْ أَغْلِظُوا لَهُنَّ فِي الْقَوْلِ، وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهِجَارِ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْبَعِيرُ يُقَالُ هَجَرَ الْبَعِيرَ أَيْ رَبَطَهُ، فَالْمَعْنَى أَوْثِقُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاضْرِبُوهُنَّ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَوَهَّاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَأَجَادَ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ. الْأَوَّلُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ (عِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
من النَّفقة وحسنِ العشرةِ (١) (وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ) بحسن التَّدبير والتَّعهد لخدمتهِ وغير ذلك (فَكُلُّكُمْ رَاعٍ) بالفاء، أي: مثل الرَّاعي (وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).
وهذا «الحديثُ» قد سبق في «باب الجمعة في القرى والمدن» من «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩٣] وفي «الاستقراض» أيضًا [خ¦٢٤٠٩].
(٩١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾) أي: يقومون عليهنَّ آمرين ناهين، كما تقوم الولاة على الرَّعايا (﴿بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾) أي بسبب تفضيلِ الله بعضهم -وهم الرِّجال- على بعضٍ -وهم النِّساء- بالعقلِ والعزمِ والحزمِ والقوَّة والغزو، وكمالِ الصَّوم والصَّلاة، والنُّبوَّة والخلافة والإمامة (٢)، والأذانِ والخطبةِ والجماعة، وتضعيفِ الميراثِ، والتَّعصُّبِ فيه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]) أي: إن علت أيديكم عليهنَّ فاعلموا أنَّ قدرته تعالى عليكم أعظم من قدرتِكُم عليهنَّ، فاجتنبوا ظلمهنَّ، وسقط قولهُ: «﴿بِمَا فَضَّلَ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
٥٢٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام، القطوانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلال (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويلُ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: آلَى) بمد الهمزة وفتح اللام (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ) أي: حلفَ لا يدخل عليهنَّ (شَهْرًا) وكان أوَّل الشَّهر، وليس المراد هنا الإيلاء الفقهيُّ بل المعنى اللُّغويُّ؛ وهو الحلف. قال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: إذا كان للَّفظ معنى شرعيٌّ ومعنى لغويٌّ، يقدَّم الشَّرعي على اللُّغويِّ؟ وأجاب بأنَّه إذا لم يكن ثمَّة قرينة صارفة عن إرادةِ معناه الشَّرعي، والقرينة كونها شهرًا واحدًا
(وَقَعَدَ) ولأبي ذرٍّ: «فقعد» (فِي مَشْرُبَةٍ) بضم الراء، أي: غرفةٍ (لَهُ فَنَزَلَ) منها، فدخل على عائشة إذ وافقَ يوم نوبتها (لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ) من يومِ إيلائهِ (١) (فَقِيلَ) أي: قالت عائشة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا) وللمُستملي والكُشمِيهنيِّ: «على شهرٍ» (قَالَ) ﵊: (الشَّهْرُ (٢)) الَّذي آليتُ فيه (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ومناسبة الآية في قولهِ تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] ومن الحديثِ قوله: آلى النَّبيُّ ﷺ من نسائهِ شهرًا؛ إذ مقتضاهُ أنَّه هجرهنَّ، واختلفَ في المراد بالهجرانِ فقيل: لا يدخلُ عليهنَّ، وقيل: لا يضاجعهُنَّ، أو يضاجعهنَّ ويوليهنَّ ظهره، أو يمتنعُ من جماعهِنَّ، أو يجامعهُنَّ ولا يكلِّمهُنَّ (٣).
(٩٢) (بابُ هِجْرَةِ (٤) النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ) شهرًا وسكناه (٥) (فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ) فلا مفهومَ لقولهِ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] (وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الدال المهملة، الصَّحابيِّ، ممَّا أخرجه أحمد وأبو داود والخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق»، وابن مندَه في «غرائبِ شعبة» مطوَّلًا، كلُّهم من روايةِ أبي قزعة سويد، عن حكيمِ بنِ معاويةَ (٦) عن أبيه (رَفْعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ بسكون الفاء وضم العين في «اليونينية» (٧) (غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ) وللمُستملي: «ولا تهجر» (إِلَّا فِي البَيْتِ، وَ) حديث أنس (الأَوَّلُ) المرويُّ في البابِ السَّابق [خ¦٥٢٠١] المذكور فيهِ هجرهُ ﷺ نساءَهُ في غير بيوتهنَّ (أَصَحُّ) من حديثِ معاويةَ بنِ حيدةَ هذا، ولفظ رواية أبي داود عن حكيمِ بنِ معاوية القشيريِّ، عن أبيهِ قال: