«لَا يَجْلِدُْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٠٤

الحديث رقم ٥٢٠٤ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره من ضرب النساء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٠٤ في صحيح البخاري

«لَا يَجْلِدُْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ.»

بَابٌ: لَا تُطِيعُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي مَعْصِيَةٍ

إسناد حديث رقم ٥٢٠٤ من صحيح البخاري

٥٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَيِ ابْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الصِّيَامِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ وَحْدَهُ بِهِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: لَا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ اللَّاتِي أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ هُنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبَبِ الْقَسْمِ لَا جَمِيعُ النِّسْوَةِ، لَكِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ الصِّيَامِ، فَاسْتَمَرَّ مُقِيمًا فِي الْمَشْرُبَةِ ذَلِكَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ سَبَبَ الْقَسْمِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَارِيَةَ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ بَعْضِ النِّسْوَةِ دُونَ بَعْضٍ بِخِلَا فِقِصَّةِ الْعَسَلِ فَإِنَّهُنَّ اشْتَرَكْنَ فِيهَا إِلَّا صَاحِبَةَ الْعَسَلِ وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ بَدَأَتْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ طَلَبِ النَّفَقَةِ وَالْغَيْرَةِ فَإِنَّهُنَّ اجْتَمَعْنَ فِيهَا.

قَوْلُهُ (أَبُو يَعْفُورٍ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ رَاءٌ هُوَ الْأَصْغَرُ. وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَدَّثَ بِهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي الضُّحَى.

قَوْلُهُ (تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) لَمْ يَذْكُرْ مَا تَذَاكَرُوا بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فَأَوْضَحَهُ، وَلَفْظُهُ: تَذَاكَرْنَا الشَّهْرَ، فَقَالَ بَعْضُنَا: ثَلَاثِينَ، وَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقَالَ أَبُو الضُّحَى: ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقَالَ فِيهِ: تَذَاكَرْنَا الشَّهْرَ عِنْدَ أَبِي الضُّحَى.

قَوْلُهُ (فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنَ النَّاسِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي حُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَحَدِيثُهُ الطَّوِيلُ، بَلِ الَّذِي مَضَى قَرِيبًا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَا عَرَفَ الْقِصَّةَ إِلَّا مِنْ عُمَرَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَرَفَهَا مُجْمَلَةً فَفَصَّلَهَا عُمَرُ لَهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (فِي غُرْفَةٍ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي عُلَّيَّةٍ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَقَدْ تُكْسَرُ، وَبِلَامٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَتَيْنِ، هِيَ الْمَكَانُ الْعَالِي وَهِيَ الْغُرْفَةُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُبَةً وَفُسِّرَتْ فِيمَا مَضَى، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ فِي غُرْفَةٍ لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا إِلَّا بِلَالٌ.

قَوْلُهُ (فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ فَاعِلٍ فَنَادَاهُ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِعُمَرَ وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَانْصَرَفَ، فَنَادَاهُ بِلَالٌ فَدَخَلَ وَمِثْلُهُ لِلنَّسَائِيِّ لَكِنْ قَالَ: فَنَادَى بِلَالٌ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَانْحَطَّ، فَدَعَاهُ بِلَالٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ اسْمَ الْغُلَامِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ رَبَاحٌ، فَلَوْلَا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا إِلَّا بِلَالٌ لَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا كَانَا عِنْدَهُ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَصْرُ لِلْعِنْدِيَّةِ الدَّاخِلَةِ وَيَكُونُ رَبَاحٌ كَانَ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعِنْدَ الْإِذْنِ نَادَاهُ بِلَالٌ فَأَسْمَعَهُ رَبَاحٌ فَيَجْتَمِعُ الْخَبَرَانِ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا) أَيْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُمَرَ الْمُطَوَّلِ.

٩٣ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تعالى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ

٥٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ.

قَوْلُهُ (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ضَرْبَهُنَّ لَا يُبَاحُ مُطْلَقًا، بَلْ فِيهِ مَا يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ

أَوْ تَحْرِيمٍ عَلَى مَا سَنُفَصِّلُهُ.

قَوْلُهُ (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) هَذَا التَّفْسِيرُ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ضَرْبَ الْعَبْدِ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ: فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. قُلْتُ: وَسَبَقَ التَّنْصِيصُ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالشَّمْسِ.

قَوْلُهُ (لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ) كَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ، النَّسَائِيِّ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ - بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَلَيْسَ فِي أَوَّلِهِ صِيغَةُ النَّهْيِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ، وَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَنْ وَكِيعٍ وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَعَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدَةَ إِلَامَ يَجْلِدُ، وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ عَلَامَ يَجْلِدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَظَهُمْ فِي النِّسَاءِ فَقَالَ: يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ، وَلَيْسَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صِيغَةُ النَّهْيِ.

قَوْلُهُ (جَلْدَ الْعَبْدِ) أَيْ مِثْلَ جَلْدِ الْعَبْدِ، وَفِي إِحْدَى رِوَايَتَيِ ابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ضَرْبَ الْأَمَةِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: كَمَا يُضْرَبُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ: جَلْدَ الْبَعِيرِ أَوِ الْعَبْدِ وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: ضَرْبَ الْفَحْلِ أَوِ الْعَبْدِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَحْلِ الْبَعِيرُ، وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَكَ أَمَتَكَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يُجَامِعُهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْأَدَبِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ آخِرَ اللَّيْلِ، وَلَهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ آخِرَ النَّهَارِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَالْأَكْثَرِ فِي آخِرِ يَوْمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ آخِرَ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَأْدِيبِ الرَّقِيقِ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالْإِيمَاءُ إِلَى جَوَازِ ضَرْبِ النِّسَاءِ دُونَ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَفِي سِيَاقِهِ اسْتِبْعَادُ وُقُوعِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْعَاقِلِ: أَنْ يُبَالِغَ فِي ضَرْبِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُجَامِعَهَا مِنْ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ، وَالْمُجَامَعَةُ أَوِ الْمُضَاجَعَةُ إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ مَعَ مَيْلِ النَّفْسِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْعِشْرَةِ، وَالْمَجْلُودُ غَالِبًا يَنْفِرُ مِمَّنْ جَلَدَهُ، فَوَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَمِّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَلَابُدَّ فَلْيَكُنِ التَّأْدِيبُ بِالضَّرْبِ الْيَسِيرِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ النُّفُورُ التَّامُّ فَلَا يُفْرِطُ فِي الضَّرْبِ وَلَا يُفْرِطُ فِي التَّأْدِيبِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: بَيَّنَ بِقَوْلِهِ جَلْدَ الْعَبْدِ أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيقِ فَوْقَ ضَرْبِ الْحُرِّ لِتَبَايُنِ حَالَتَيْهِمَا، وَلِأَنَّ ضَرْبَ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ أَجْلِ عِصْيَانِهَا زَوْجَهَا فِيمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهَا اهـ.

وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ: لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوهُنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ نِسَاءٌ كَثِيرٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ، وَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَآخَرُ مُرْسَلٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

صحيحٌ فيما إذا زادَ على ثلاثة أيَّام، ويجوز في الثَّلاثة، كما قاله في «الرَّوضة» للحديث الصَّحيح: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاثة أيام» (١) فإن رُجي بالهجرِ صلاحُ دينٍ للهاجرِ أو المهجورِ فلا يحرم، وعليه يحملُ هجره كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصَّحابة عن كلامهم، وكذا ما جاءَ من هجرِ السَّلف بعضهم بعضًا.

(٩٣) (بابُ مَا يُكْرَهُ) للتَّحريم (مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ) الضَّرب المبرِّح (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]) أي (٢): (ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) بتشديد الراء المكسورة، أي: غير شديدِ الأذى بحيثُ لا يحصلُ معه النُّفور التَّام، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرِّحٍ».

٥٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ) بفتح الزاي والعين المهملة بينهما ميم ساكنة، ابنِ الأسودِ بن المطَّلبِ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا يَجْلِدْ) بالجزم على النَّهي، أي: لا يضربْ (أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ) وعند الإسماعيليِّ عن أحمد بنِ سفيان (٣)، عن محمَّد بنِ يوسف الفريابيِّ بصيغة الخبر، وعند أحمدَ من رواية أبي معاوية: «إلامَ يجلد» وعنده من روايةِ وكيع: «علامَ يجلدُ» وعنده من روايةِ ابنِ عُيينة: وعظهم في النِّساء فقال: «يضربُ أحدكُم امرأتهُ» (جَلْدَ العَبْدِ) بالنصب، أي: مثل جلد العبدِ (ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ) وفي التِّرمذيِّ مصححًا: «ثمَّ لعلَّه أن (٤) يُضاجِعَها من آخرِ يومهِ». وفيه: جواز (٥) تأديبُ الرَّقيقِ بالضَّربِ الشَّديد، والإيماءُ إلى جواز ضربِ النِّساء دون ذلك، وإليه أشار المصنِّفُ بقوله: غير مبرِّح، وإنَّما يباح ضربها

من أجل عصيانِها زوجها فيما يجب من حقِّه عليها بأن تكون ناشزةً، كأن يدعوها للوطءِ فتأبى، أو تخرج من المنزلِ بغير إذنهِ، فيعظُها بظهورِ أمارةِ النُّشوز، كالعُبوس بعد طلاقة الوجه، والكلام الخشن بعد لينهِ، فيقول لها نحو: اتَّقي الله في الحقِّ الواجب لي عليك، واحذَري العقوبةَ، ويضربها بتحقُّقه لقولهِ تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] قال في «الكشَّاف»: أمر بوعظهنَّ أولًا، ثمَّ بهجرانهنَّ في المضاجعِ، ثمَّ بالضَّرب إن لم ينجعْ فيهنَّ الوعظ والهجران. انتهى.

لكن (١) قال في «الانتصاف»: التَّرتيب الَّذي أشار إليه الزَّمخشريُّ غير مأخوذ من الآية لأنَّها واردةٌ بواو العطف، وإنَّما استفيد من أدلَّةٍ خارجة. قال الطِّيبيُّ: ما أظهر دَلالةَ الفاء في قوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ على التَّرتيب، وكذا قضيَّة التَّرتيب في الرِّفق والنَّظم، فإنَّ قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ وقوله: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] تفصيل لما أجملَ في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] كما سبقَ، أخبرَ الله تعالى بتفضيل الرِّجال على النِّساء وقِوامهم عليهنَّ، ثمَّ فصل النِّساء قسمين: إمَّا قانتاتٌ صالحاتٌ يحفظن أزواجهنَّ في الحضورِ والغيبةِ، فعلى الرِّجال الشَّفقة عليهنَّ، وإمَّا ناشزاتٌ غير مطيعاتٍ، فعلى الرِّجال التَّرفُّق بهنَّ أولًا بالوعظ والنَّصيحةِ، فإن لم ينجع الوعظُ فيهن فبالهجرانِ والتَّفرُّق في مضاجعهنَّ ثانيًا، ثمَّ التَّأديب بالضَّرب لأنَّ المقصود الإصلاح والدُّخول في الطَّاعة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٣٤] فرتَّب الوعظ على الخوفِ من النُّشوز، فلا بدَّ من تقديمه على قرينيه. انتهى.

والأولى له العفو عن الضَّرب، وحديثُ أبي داود والنَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم عن إياس بنِ عبدِ الله بن أبي (٢) ذُبَاب -بضم المعجمة وبموحدتين الأولى خفيفة- رفعه: «لا تضرِبُوا إماءَ اللهَ» محمولٌ على الضَّربِ بغير سببٍ يقتضيهِ، أو على العفوِ لا على النَّسخِ؛ إذ لا يصارُ إليه إلَّا إذا تعذَّرَ الجمع وعلمنا التَّاريخ، ولو كان الضَّرب غير مفيدٍ في ذلك في ظنِّه فلا يضربها كما صرَّح به الإمام، وينبغي أن يتولَّى تأديبَها بنفسه، ولا يرفعها إلى القاضِي ليؤدِّبها لما فيه من المشقَّةِ والعارِ والتَّنفيرِ للقلوبِ، لكن قال الزَّركشيُّ: ينبغي تخصيصُ ذلك بما إذا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَيِ ابْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الصِّيَامِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ وَحْدَهُ بِهِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: لَا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ اللَّاتِي أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ هُنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبَبِ الْقَسْمِ لَا جَمِيعُ النِّسْوَةِ، لَكِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ الصِّيَامِ، فَاسْتَمَرَّ مُقِيمًا فِي الْمَشْرُبَةِ ذَلِكَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ سَبَبَ الْقَسْمِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَارِيَةَ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ بَعْضِ النِّسْوَةِ دُونَ بَعْضٍ بِخِلَا فِقِصَّةِ الْعَسَلِ فَإِنَّهُنَّ اشْتَرَكْنَ فِيهَا إِلَّا صَاحِبَةَ الْعَسَلِ وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ بَدَأَتْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ طَلَبِ النَّفَقَةِ وَالْغَيْرَةِ فَإِنَّهُنَّ اجْتَمَعْنَ فِيهَا.

قَوْلُهُ (أَبُو يَعْفُورٍ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ رَاءٌ هُوَ الْأَصْغَرُ. وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَدَّثَ بِهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي الضُّحَى.

قَوْلُهُ (تَذَاكَرْنَا عِنْدَ أَبِي الضُّحَى فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) لَمْ يَذْكُرْ مَا تَذَاكَرُوا بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فَأَوْضَحَهُ، وَلَفْظُهُ: تَذَاكَرْنَا الشَّهْرَ، فَقَالَ بَعْضُنَا: ثَلَاثِينَ، وَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقَالَ أَبُو الضُّحَى: ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقَالَ فِيهِ: تَذَاكَرْنَا الشَّهْرَ عِنْدَ أَبِي الضُّحَى.

قَوْلُهُ (فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنَ النَّاسِ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي حُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَحَدِيثُهُ الطَّوِيلُ، بَلِ الَّذِي مَضَى قَرِيبًا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَا عَرَفَ الْقِصَّةَ إِلَّا مِنْ عُمَرَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَرَفَهَا مُجْمَلَةً فَفَصَّلَهَا عُمَرُ لَهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (فِي غُرْفَةٍ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي عُلَّيَّةٍ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَقَدْ تُكْسَرُ، وَبِلَامٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَتَيْنِ، هِيَ الْمَكَانُ الْعَالِي وَهِيَ الْغُرْفَةُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُبَةً وَفُسِّرَتْ فِيمَا مَضَى، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ فِي غُرْفَةٍ لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا إِلَّا بِلَالٌ.

قَوْلُهُ (فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ فَاعِلٍ فَنَادَاهُ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِعُمَرَ وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَانْصَرَفَ، فَنَادَاهُ بِلَالٌ فَدَخَلَ وَمِثْلُهُ لِلنَّسَائِيِّ لَكِنْ قَالَ: فَنَادَى بِلَالٌ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَانْحَطَّ، فَدَعَاهُ بِلَالٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ اسْمَ الْغُلَامِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ رَبَاحٌ، فَلَوْلَا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا إِلَّا بِلَالٌ لَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا كَانَا عِنْدَهُ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَصْرُ لِلْعِنْدِيَّةِ الدَّاخِلَةِ وَيَكُونُ رَبَاحٌ كَانَ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعِنْدَ الْإِذْنِ نَادَاهُ بِلَالٌ فَأَسْمَعَهُ رَبَاحٌ فَيَجْتَمِعُ الْخَبَرَانِ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا) أَيْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُمَرَ الْمُطَوَّلِ.

٩٣ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تعالى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ

٥٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ.

قَوْلُهُ (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ضَرْبَهُنَّ لَا يُبَاحُ مُطْلَقًا، بَلْ فِيهِ مَا يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ

أَوْ تَحْرِيمٍ عَلَى مَا سَنُفَصِّلُهُ.

قَوْلُهُ (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) هَذَا التَّفْسِيرُ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ضَرْبَ الْعَبْدِ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ: فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. قُلْتُ: وَسَبَقَ التَّنْصِيصُ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالشَّمْسِ.

قَوْلُهُ (لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ) كَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ، النَّسَائِيِّ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ - بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَلَيْسَ فِي أَوَّلِهِ صِيغَةُ النَّهْيِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْفِرْيَابِيِّ، وَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَنْ وَكِيعٍ وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَعَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدَةَ إِلَامَ يَجْلِدُ، وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ عَلَامَ يَجْلِدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَظَهُمْ فِي النِّسَاءِ فَقَالَ: يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ، وَلَيْسَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صِيغَةُ النَّهْيِ.

قَوْلُهُ (جَلْدَ الْعَبْدِ) أَيْ مِثْلَ جَلْدِ الْعَبْدِ، وَفِي إِحْدَى رِوَايَتَيِ ابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ضَرْبَ الْأَمَةِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: كَمَا يُضْرَبُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ: جَلْدَ الْبَعِيرِ أَوِ الْعَبْدِ وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: ضَرْبَ الْفَحْلِ أَوِ الْعَبْدِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَحْلِ الْبَعِيرُ، وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضَرْبَكَ أَمَتَكَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يُجَامِعُهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْأَدَبِ ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ آخِرَ اللَّيْلِ، وَلَهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ آخِرَ النَّهَارِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَالْأَكْثَرِ فِي آخِرِ يَوْمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ آخِرَ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَأْدِيبِ الرَّقِيقِ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالْإِيمَاءُ إِلَى جَوَازِ ضَرْبِ النِّسَاءِ دُونَ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَفِي سِيَاقِهِ اسْتِبْعَادُ وُقُوعِ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْعَاقِلِ: أَنْ يُبَالِغَ فِي ضَرْبِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُجَامِعَهَا مِنْ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ، وَالْمُجَامَعَةُ أَوِ الْمُضَاجَعَةُ إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ مَعَ مَيْلِ النَّفْسِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْعِشْرَةِ، وَالْمَجْلُودُ غَالِبًا يَنْفِرُ مِمَّنْ جَلَدَهُ، فَوَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَمِّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَلَابُدَّ فَلْيَكُنِ التَّأْدِيبُ بِالضَّرْبِ الْيَسِيرِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ النُّفُورُ التَّامُّ فَلَا يُفْرِطُ فِي الضَّرْبِ وَلَا يُفْرِطُ فِي التَّأْدِيبِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: بَيَّنَ بِقَوْلِهِ جَلْدَ الْعَبْدِ أَنَّ ضَرْبَ الرَّقِيقِ فَوْقَ ضَرْبِ الْحُرِّ لِتَبَايُنِ حَالَتَيْهِمَا، وَلِأَنَّ ضَرْبَ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ أَجْلِ عِصْيَانِهَا زَوْجَهَا فِيمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهَا اهـ.

وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ: لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوهُنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ نِسَاءٌ كَثِيرٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ، وَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَآخَرُ مُرْسَلٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

صحيحٌ فيما إذا زادَ على ثلاثة أيَّام، ويجوز في الثَّلاثة، كما قاله في «الرَّوضة» للحديث الصَّحيح: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاثة أيام» (١) فإن رُجي بالهجرِ صلاحُ دينٍ للهاجرِ أو المهجورِ فلا يحرم، وعليه يحملُ هجره كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصَّحابة عن كلامهم، وكذا ما جاءَ من هجرِ السَّلف بعضهم بعضًا.

(٩٣) (بابُ مَا يُكْرَهُ) للتَّحريم (مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ) الضَّرب المبرِّح (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]) أي (٢): (ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) بتشديد الراء المكسورة، أي: غير شديدِ الأذى بحيثُ لا يحصلُ معه النُّفور التَّام، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرِّحٍ».

٥٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبيرِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ) بفتح الزاي والعين المهملة بينهما ميم ساكنة، ابنِ الأسودِ بن المطَّلبِ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا يَجْلِدْ) بالجزم على النَّهي، أي: لا يضربْ (أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ) وعند الإسماعيليِّ عن أحمد بنِ سفيان (٣)، عن محمَّد بنِ يوسف الفريابيِّ بصيغة الخبر، وعند أحمدَ من رواية أبي معاوية: «إلامَ يجلد» وعنده من روايةِ وكيع: «علامَ يجلدُ» وعنده من روايةِ ابنِ عُيينة: وعظهم في النِّساء فقال: «يضربُ أحدكُم امرأتهُ» (جَلْدَ العَبْدِ) بالنصب، أي: مثل جلد العبدِ (ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ) وفي التِّرمذيِّ مصححًا: «ثمَّ لعلَّه أن (٤) يُضاجِعَها من آخرِ يومهِ». وفيه: جواز (٥) تأديبُ الرَّقيقِ بالضَّربِ الشَّديد، والإيماءُ إلى جواز ضربِ النِّساء دون ذلك، وإليه أشار المصنِّفُ بقوله: غير مبرِّح، وإنَّما يباح ضربها

من أجل عصيانِها زوجها فيما يجب من حقِّه عليها بأن تكون ناشزةً، كأن يدعوها للوطءِ فتأبى، أو تخرج من المنزلِ بغير إذنهِ، فيعظُها بظهورِ أمارةِ النُّشوز، كالعُبوس بعد طلاقة الوجه، والكلام الخشن بعد لينهِ، فيقول لها نحو: اتَّقي الله في الحقِّ الواجب لي عليك، واحذَري العقوبةَ، ويضربها بتحقُّقه لقولهِ تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] قال في «الكشَّاف»: أمر بوعظهنَّ أولًا، ثمَّ بهجرانهنَّ في المضاجعِ، ثمَّ بالضَّرب إن لم ينجعْ فيهنَّ الوعظ والهجران. انتهى.

لكن (١) قال في «الانتصاف»: التَّرتيب الَّذي أشار إليه الزَّمخشريُّ غير مأخوذ من الآية لأنَّها واردةٌ بواو العطف، وإنَّما استفيد من أدلَّةٍ خارجة. قال الطِّيبيُّ: ما أظهر دَلالةَ الفاء في قوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ على التَّرتيب، وكذا قضيَّة التَّرتيب في الرِّفق والنَّظم، فإنَّ قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ وقوله: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] تفصيل لما أجملَ في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] كما سبقَ، أخبرَ الله تعالى بتفضيل الرِّجال على النِّساء وقِوامهم عليهنَّ، ثمَّ فصل النِّساء قسمين: إمَّا قانتاتٌ صالحاتٌ يحفظن أزواجهنَّ في الحضورِ والغيبةِ، فعلى الرِّجال الشَّفقة عليهنَّ، وإمَّا ناشزاتٌ غير مطيعاتٍ، فعلى الرِّجال التَّرفُّق بهنَّ أولًا بالوعظ والنَّصيحةِ، فإن لم ينجع الوعظُ فيهن فبالهجرانِ والتَّفرُّق في مضاجعهنَّ ثانيًا، ثمَّ التَّأديب بالضَّرب لأنَّ المقصود الإصلاح والدُّخول في الطَّاعة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٣٤] فرتَّب الوعظ على الخوفِ من النُّشوز، فلا بدَّ من تقديمه على قرينيه. انتهى.

والأولى له العفو عن الضَّرب، وحديثُ أبي داود والنَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم عن إياس بنِ عبدِ الله بن أبي (٢) ذُبَاب -بضم المعجمة وبموحدتين الأولى خفيفة- رفعه: «لا تضرِبُوا إماءَ اللهَ» محمولٌ على الضَّربِ بغير سببٍ يقتضيهِ، أو على العفوِ لا على النَّسخِ؛ إذ لا يصارُ إليه إلَّا إذا تعذَّرَ الجمع وعلمنا التَّاريخ، ولو كان الضَّرب غير مفيدٍ في ذلك في ظنِّه فلا يضربها كما صرَّح به الإمام، وينبغي أن يتولَّى تأديبَها بنفسه، ولا يرفعها إلى القاضِي ليؤدِّبها لما فيه من المشقَّةِ والعارِ والتَّنفيرِ للقلوبِ، لكن قال الزَّركشيُّ: ينبغي تخصيصُ ذلك بما إذا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد