«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٣٠

الحديث رقم ٥٢٣٠ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: إن…

«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا». هَكَذَا قَالَ.

سند حديث: ٥٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

٥٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: إن…

أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصحابةَ بانتصار المسلمين مِن الغَد على يهود خيبر مَدينة قُرْبَ المدينة، وذلك على يَد رجل يعطيه الراية، وهو العَلَم الذي يَتخذه الجيش شعارًا له، وهذا الرجل مِن صفاته أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.

وقد ذَكَرَ عُمرُ بن الخطاب رضي الله عنه أنه ما أحبَّ الإمارةَ وأن يكون هو المقصود إلا يومئذ؛ رجاء أن يصيبه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من حُبِّ الله ورسوله، ومدَّ عمر رضي الله عنه جسده ليراه النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يُدْعَى لها، وحرصًا وطمعًا في أخذ تلك الراية.

فدعا صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه فأعطاه الراية، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يَتحرَّك بالجيش، وألَّا ينصرف عن القتال بعد لقاء عدوه براحة أو توقف أو هدنة حتى يفتح الله عليه هذه الحصون بالنصر والغلبة.

فسار عليٌّ رضي الله عنه، ثم وَقَفَ إلا أنه لم يلتفت؛ لئلا يخالِف أمرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فرفع عليٌّ رضي الله عنه صوته: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟

فقال صلى الله عليه وسلم: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا استجابوا، ودخلوا في الإسلام؛ فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم وحَرُمَت عليك، إلا بحقِّها يعني إلا إذا ارتكبوا جريمة أو جناية يستحقون عليها القتل بموجب أحكام الإسلام، وحسابهم على الله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الصحابة كانوا يَكرهون الإمارة لما فيها من عِظَم المسؤولية.
  • جواز التطلُّع والاستشراف لأمر تأكَّد خيرُه.
  • توجيه الإمام لقائد الجيش في كيفية التصرّف في ساحة المعركة.
  • التزام أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لوصاياه والمبادرة إلى تنفيذها.
  • مَن أَشْكَلَ عليه شيء فيما طُلب منه سأل عنه.
  • من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم إخباره بالنصر على اليهود، حيث أخبر عن فتح خيبر فكان كما أخبر.
  • الحث على الإقدام والمبادرة إلى ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • لا يجوز قتل من نطق بالشهادتين إلا إذا ظهر منه ما يستوجب القتل.
  • تجري أحكام الإسلام على ما يظهر من الناس والله يتولى سرائرهم.
  • المقصود الأعظم من الجهاد هو دخول الناس في الإسلام.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: إن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْهَا، فَقَالَ: مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ وَاخَذَ عَائِشَةَ لِقِيَامِ مَعْذِرَتِهَا بِالْغَيْرَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا النِّسَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ مُسْتَوْفَاةً.

١٠٩ - بَاب ذَبِّ الرَّجُلِ عَنْ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالْإِنْصَافِ

٥٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا.

قَوْلُهُ (بَابُ ذَبِّ الرَّجُلِ عَنِ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالْإِنْصَافِ) أَيْ فِي دَفْعِ الْغَيْرَةِ عَنْهَا وَطَلَبِ الْإِنْصَافِ لَهَا.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ) كَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ أَيُّوبُ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ حَمَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا اهـ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ لِكَوْنِهِ تُوبِعَ وَلِكَوْنِ الْحَدِيثِ قَدْ جَاءَ عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْمَنَاقِبِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَزَادَ فِيهِ فِي الْخُمُسِ قِصَّةَ سَيْفِ النَّبِيِّ ، وَذَلِكَ سَبَبُ تَحْدِيثِ الْمِسْوَرِ، لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ السَّيْفِ عَنْهُ هُنَاكَ، وَلَا أَزَالُ أَتَعَجَّبُ مِنَ الْمِسْوَرِ كَيْفَ بَالَغَ فِي تَعَصُّبِهِ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ حَتَّى قَالَ: إِنَّهُ لَوْ أَوْدَعَ عِنْدَهُ السَّيْفَ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْهُ حَتَّى تَزْهَقَ رُوحُهُ، رِعَايَةً لِكَوْنِهِ ابْنَ ابْنِ فَاطِمَةَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَلَمْ يُرَاعِ خَاطِرَهُ فِي أَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غَضَاضَةٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ غَضٍّ مِنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى خِطْبَةِ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ حَتَّى اقْتَضَى أَنْ يَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِنْكَارِ مَا وَقَعَ، بَلْ أَتَعَجَّبُ مِنَ الْمِسْوَرِ تَعَجُّبًا آخَرَ أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُونَ السَّيْفِ رِعَايَةً لِخَاطِرِ وَلَدِ ابْنِ فَاطِمَةَ، وَمَا بَذَلَ نَفْسَهُ دُونَ ابْنِ فَاطِمَةَ نَفْسِهِ - أَعْنِي الْحُسَيْنَ وَالِدَ عَلِيٍّ الَّذِي وَقَعَتْ لَهُ مَعَهُ الْقِصَّةُ - حَتَّى قُتِلَ بِأَيْدِي ظَلَمَةِ الْوُلَاةِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُذْرَهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ مَا كَانَ الْمِسْوَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَظُنُّونَ أَنَّ أَمْرَهُ يَئُولُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قِصَّةِ السَّيْفِ وَقِصَّةِ الْخِطْبَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. قَوْلُهُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ الْمَاضِيَةِ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ: يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: هَذَا غَلَطٌ. وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: كَالْمُحْتَلِمِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: وَالْمِسْوَرُ لَمْ يَحْتَلِمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَيَكُونُ عُمُرُهُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ثَمَانِيَ سِنِينَ. قُلْتُ: كَذَا جَزَمَ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى فَيَكُونُ عُمُرُهُ عِنْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ تِسْعَ سِنِينَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتَلَمَ فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ مُحْتَلِمٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فَتَلْتَئِمُ الرِّوَايَتَانِ، وَإِلَّا فَابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ لَا يُقَالُ لَهُ مُحْتَلِمٌ وَلَا كَالْمُحْتَلِمِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَانَ كَالْمُحْتَلِمِ فِي الْحِذْقِ

وَالْفَهْمِ وَالْحِفْظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالصَّوَابُ هِشَامٌ لِأَنَّهُ جَدُّ الْمَخْطُوبَةِ.

قَوْلُهُ (اسْتَأْذَنُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اسْتَأْذَنُونِي (فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ سَبَبَ الْخُطْبَةِ اسْتِئْذَانُ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْهُ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ فَاطِمَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، هَكَذَا أَطْلَقَتْ عَلَيْهِ اسْمَ فَاعِلٍ مَجَازًا لِكَوْنِهِ أَرَادَ ذَلِكَ وَصَمَّمَ عَلَيْهِ فَنَزَّلَتْهُ مَنْزِلَةَ مَنْ فَعَلَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ خَطَبَ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ: أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهَا: لَا نُزَوِّجُكَ عَلَى فَاطِمَةَ. قُلْتُ: فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ اسْتِئْذَانِهِمْ. وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا اسْتَأْذَنَ بِنَفْسِهِ، فَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُخَضْرَمِينَ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ وَلَمْ يَلْقَهُ.

قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ إِلَى عَمِّهَا الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيَّ فَقَالَ: أَعَنْ حَسَبِهَا تَسْأَلُنِي؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَتَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: لَا، فَاطِمَةُ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَلَا أَحْسَبُ إِلَّا أَنَّهَا تَحْزَنُ أَوْ تَجْزَعُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا آتِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ، وَلَعَلَّ هَذَا الِاسْتِئْذَانَ وَقَعَ بَعْدَ خُطْبَةِ النَّبِيِّ بِمَا خَطَبَ وَلَمْ يَحْضُرْ عَلِيٌّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ فَاسْتَشَارَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ لَا لَمْ يَتَعَرَّضْ بَعْدَ ذَلِكَ لِطَلَبِهَا، وَلِهَذَا جَاءَ آخِرُ حَدِيثِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ: فَسَكَتَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ (فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ) كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَأْبِيدِ مُدَّةِ مَنْعِ الْإِذْنِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْمَجَازِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى مُدَّةٍ بِعَيْنِهَا، فَقَالَ: ثُمَّ لَا آذَنُ أَيْ: وَلَوْ مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَفْرُوضَةُ تَقْدِيرًا لَا آذَنُ بَعْدَهَا ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا، وَبَنُو هِشَامٍ هُمْ أَعْمَامُ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُ أَبُو الْحَكَمِ عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَقَدْ أَسْلمَ أَخَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ عَامَ الْفَتْحِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ جَوَابُهُمَا الْمُتَقَدِّمُ لِعَلِيٍّ. وَمِمَّنْ يَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَقَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَاسْمُ الْمَخْطُوبَةِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ ذِكْرِ أَصْهَارِ النَّبِيِّ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ لَمَّا تَرَكَهَا عَلِيٌّ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ زِيَادَةٌ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي ذِكْرِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي وَوَفَّى لِي وَتَوْجِيُهُ مَا وَقَعَ مِنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

قَوْلُهُ (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا وَشَى بِهِ أَنَّهُ مُصَمِّمٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْخِطْبَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَشَارَ النَّبِيَّ فَمَنَعَهُ، وَسِيَاقُ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ بِهِ فَاطِمَةُ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ وَشَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحَلِّلُ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تُجْمَعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصَحُّ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ حَرَّمَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَبَيْنَ ابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُ

عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَأَذِيَّتُهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا أُحَرِّمُ حَلَالًا أَيْ: هِيَ لَهُ حَلَالٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ فَاطِمَةُ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا الَّذِي يَسْتَلْزِمُ تَأَذِّيَ النَّبِيِّ لِتَأَذِّي فَاطِمَةَ بِهِ فَلَا، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِعَلِيٍّ، لَكِنَّهُ مَنَعَ النَّبِيُّ رِعَايَةً لِخَاطِرِ فَاطِمَةَ، وَقَبِلَ هُوَ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ .

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَدَّ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ أَنْ لَا يُتَزَوَّجَ عَلَى بَنَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِفَاطِمَةَ .

قَوْلُهُ (فَإِنَّمَا هيَ بَضْعَةٌ مِنِّي) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قِطْعَةٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ كَمَا تَقَدَّمَ مُضْغَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّهَا كَانَتْ أُصِيبَتْ بِأُمِّهَا ثُمَّ بِأَخَوَاتِهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَنْ تَسْتَأْنِسُ بِهِ مِمَّنْ يُخَفِّفُ عَلَيْهَا الْأَمْرَ مِمَّنْ تُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهَا إِذَا حَصَلَتْ لَهَا الْغَيْرَةُ.

قَوْلُهُ (يَرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا) كَذَا هُنَا مِنْ أَرَابَ رُبَاعِيًّا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَا رَابَهَا مِنْ رَابَ ثُلَاثِيًّا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَصْبِرُ عَلَى الْغَيْرَةِ فَيَقَعُ مِنْهَا فِي حَقِّ زَوْجِهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهَا فِي الدِّينِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا أَيْ تَزْوِيجُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَنْ يَفْتِنُوهَا وَهِيَ بِمَعْنَى أَنْ تُفْتَنَ.

قَوْلُهُ (وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي حَنْظَلَةَ: فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَيَنْصِبُنِي مَا أَنْصَبَهَا، وَهُوَ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مِنَ النَّصَبِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ التَّعَبُ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ: يُقْبِضُنِي مَا يُقْبِضُهَا وَيُبْسِطُنِي مَا يُبْسِطُهَا أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ عَلِيٌّ مِنَ التَّزْوِيجِ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ أَذَى مَنْ يَتَأَذَّى النَّبِيُّ بِتَأَذِّيهِ، لِأَنَّ أَذَى النَّبِيِّ حَرَامٌ اتِّفَاقًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِي فَاطِمَةَ، فَكُلُّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ شَيْءٌ فَتَأَذَّتْ بِهِ فَهُوَ يُؤْذِي النَّبِيَّ بِشَهَادَةِ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ فِي إِدْخَالِ الْأَذَى عَلَيْهَا مِنْ قَتْلِ وَلَدِهَا، وَلِهَذَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مُعَاجَلَةُ مَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِسَدِّ الذَّرِيعَةِ، لِأَنَّ تَزْوِيجَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الْأَرْبَعَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي الْمَآلِ. وَفِيهِ بَقَاءُ عَارِ الْآبَاءِ فِي أَعْقَابِهِمْ لِقَوْلِهِ: بِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ لِلْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ، مَعَ أَنَّهَا هيَ كَانَتْ مُسْلِمَةً حَسَنَةَ الْإِسْلَامِ.

وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ مَنَعَ كَفَاءَةَ مَنْ مَسَّ أَبَاهُ الرِّقُّ ثُمَّ أُعْتِقَ بِمَنْ لَمْ يَمَسَّ أَبَاهَا الرِّقُّ، وَمَنْ مَسَّهُ الرِّقُّ بِمَنْ لَمْ يَمَسَّهَا هِيَ بَلْ مَسَّ أَبَاهَا فَقَطْ. وَفِيهِ أَنَّ الْغَيْرَاءَ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا كَانَ لِوَلِيِّهَا أَنْ يَسْعَى فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ كَمَا فِي حُكْمِ النَّاشِزِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَرْطٌ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهَا مَنْ تَتَسَلَّى بِهِ وَيُخَفِّفُ عَنْهَا الْحَمْلَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ جَوَابُ مَنِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصَ فَاطِمَةَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى النَّبِيِّ أَقْرَبُ إِلَى خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ فِي الدِّينِ وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَتُوجَدُ مِنْهُنَّ الْغَيْرَةُ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا رَاعَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِنَّ كَمَا رَعَاهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَاقِدَةً مَنْ تَرْكَنُ إِلَيْهِ مَنْ يُؤْنِسُهَا وَيُزِيلُ وَحْشَتَهَا مِنْ أُمٍّ أَوْ أُخْتٍ، بِخِلَافِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَتْ تَرْجِعُ إِلَى مَنْ يَحْصُلُ لَهَا مَعَهُ ذَلِكَ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ زَوْجُهُنَّ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُلَاطَفَةِ وَتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ وَجَبْرِ الْخَوَاطِرِ بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَرْضَى مِنْهُ لِحُسْنِ خُلُقِهِ وَجَمِيلِ خَلْقِهِ بِجَمِيعِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ بِحَيْثُ لَوْ وُجِدَ مَا يُخْشَى وُجُودُهُ مِنَ الْغَيْرَةِ لَزَالَ عَنْ قُرْبٍ، وَقِيلَ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ إِكْرَامُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْخَيْرِ أَوِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله (١) (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن نوفل الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (عَلَى المِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «استأذَنُوني» (فِي أَنْ يُنْكِحُوا) بضم أوَّله مِنْ أَنْكَحَ (ابْنَتَهُمْ) جويرية (٢)، أو العوراء، أو جميلة بنت أبي جهلٍ (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهلٍ؛ لأنَّه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح، وعند الحاكم بسندٍ صحيحٍ إلى سويدِ بن غَفَلة أحد المخضرمين، ممَّن أسلم في حياة النَّبيِّ ولم يلْقه: قال: خطبَ عليٌّ بنتَ أبي جهلٍ إلى عمِّها الحارثِ، فاستشار النَّبيَّ فقال: «أعن حسبها تسألني؟» فقال: لا، ولكن أتأمُرني بها؟ قال: «لا … » الحديث، (فَلَا آذَنُ) لهم في ذلك (ثُمَّ لَا آذَنُ) لهم في ذلك (ثُمَّ لَا آذَنُ) لهم. بالتَّكرير ثلاثًا.

قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: لا بدَّ في العطفِ من المغايرةِ بين المعطوفين. وأجاب (٣) بأنَّ الثَّاني فيه مغايرةٌ للأوَّل لأنَّ فيه تأكيدًا ليس في الأوَّل، وفيه إشارةٌ إلى تأبيدِ مدةِ منع الإذن، كأنَّه أرادَ رفعَ المجاز لاحتمال أن يحملَ النَّفي على مدَّةٍ بعينها، فقال: ثمَّ لا آذنُ، أي: ولو مضتِ المدَّة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثمَّ كذلك أبدًا.

(إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) بفتح الياء من «يَنكح» (فَإِنَّمَا هِيَ) أي: فاطمة (بَضْعَةٌ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وحكي ضم الموحدة وكسرها، أي: قطعة لحم (مِنِّي، يُرِيبُنِي) بضمِّ أوَّله (مَا أَرَابَهَا) تقول (٤): أَرَابني (٥) فلانٌ إذا رأيتَ منه

ما تكره (١) (وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا). وحينئذٍ فمن آذى فاطمة فقد آذى النَّبيَّ ، وأذاهُ حرام اتِّفاقًا. وزاد في رواية الزُّهريِّ في «الخُمس»: «وأنا أتخوَّف أن تُفْتن في دِينها، وإنِّي لست أحرِّمُ حلالًا، ولا أحلُّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمِعُ بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله أبدًا» [خ¦٣١١٠].

قال السَّفاقِسيُّ: أصحُّ ما تحمل عليه هذه القصَّة: أنَّه حرَّم على عليٍّ أن يجمعَ بين ابنتهِ وبين (٢) ابنة أبي جهلٍ لأنَّه علَّل بأنَّ ذلك يؤذيه، وأذيَّته حرامٌ بالإجماع، ومعنى قوله: «لا أحرِّمُ حلالًا» أي: هي له حلالٌ لو لم تكن عنده فاطمة، وأمَّا (٣) الجمع بينهما المستلزم تأذِّيه لتأذِّي فاطمة به فلا. انتهى.

ولا يبعد أن يكون من خصائصهِ أن لا يتزوَّج على بناتهِ، أو هو خاصٌّ بفاطمة.

وزاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «هَكَذا قالَ».

وهذا الحديث قد سبق في «مناقب فاطمة» [خ¦٣٧٦٧] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٧٨].

(١١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ) أي: في آخر الزَّمان (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ فيما سبق موصولًا في «باب الصَّدقة قبل الرَّدِّ» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤١٤]: (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه قال: (وَتَرَى الرَّجُلَ الوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً) وللحَمُّويي والمُستملي: «نسوة» بدل: «امرأة»، وهو خلاف القياس (يَلُذْنَ) بضم اللام وسكون المعجمة، يستغثنَ (بِهِ) ويلتجئنَ (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْهَا، فَقَالَ: مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ وَاخَذَ عَائِشَةَ لِقِيَامِ مَعْذِرَتِهَا بِالْغَيْرَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا النِّسَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ مُسْتَوْفَاةً.

١٠٩ - بَاب ذَبِّ الرَّجُلِ عَنْ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالْإِنْصَافِ

٥٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا.

قَوْلُهُ (بَابُ ذَبِّ الرَّجُلِ عَنِ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالْإِنْصَافِ) أَيْ فِي دَفْعِ الْغَيْرَةِ عَنْهَا وَطَلَبِ الْإِنْصَافِ لَهَا.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ) كَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ أَيُّوبُ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ حَمَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا اهـ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ لِكَوْنِهِ تُوبِعَ وَلِكَوْنِ الْحَدِيثِ قَدْ جَاءَ عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْمَنَاقِبِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَزَادَ فِيهِ فِي الْخُمُسِ قِصَّةَ سَيْفِ النَّبِيِّ ، وَذَلِكَ سَبَبُ تَحْدِيثِ الْمِسْوَرِ، لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ السَّيْفِ عَنْهُ هُنَاكَ، وَلَا أَزَالُ أَتَعَجَّبُ مِنَ الْمِسْوَرِ كَيْفَ بَالَغَ فِي تَعَصُّبِهِ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ حَتَّى قَالَ: إِنَّهُ لَوْ أَوْدَعَ عِنْدَهُ السَّيْفَ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْهُ حَتَّى تَزْهَقَ رُوحُهُ، رِعَايَةً لِكَوْنِهِ ابْنَ ابْنِ فَاطِمَةَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَلَمْ يُرَاعِ خَاطِرَهُ فِي أَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غَضَاضَةٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ غَضٍّ مِنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى خِطْبَةِ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ حَتَّى اقْتَضَى أَنْ يَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِنْكَارِ مَا وَقَعَ، بَلْ أَتَعَجَّبُ مِنَ الْمِسْوَرِ تَعَجُّبًا آخَرَ أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُونَ السَّيْفِ رِعَايَةً لِخَاطِرِ وَلَدِ ابْنِ فَاطِمَةَ، وَمَا بَذَلَ نَفْسَهُ دُونَ ابْنِ فَاطِمَةَ نَفْسِهِ - أَعْنِي الْحُسَيْنَ وَالِدَ عَلِيٍّ الَّذِي وَقَعَتْ لَهُ مَعَهُ الْقِصَّةُ - حَتَّى قُتِلَ بِأَيْدِي ظَلَمَةِ الْوُلَاةِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُذْرَهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ مَا كَانَ الْمِسْوَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَظُنُّونَ أَنَّ أَمْرَهُ يَئُولُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قِصَّةِ السَّيْفِ وَقِصَّةِ الْخِطْبَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. قَوْلُهُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ الْمَاضِيَةِ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ: يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: هَذَا غَلَطٌ. وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ: كَالْمُحْتَلِمِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: وَالْمِسْوَرُ لَمْ يَحْتَلِمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَيَكُونُ عُمُرُهُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ثَمَانِيَ سِنِينَ. قُلْتُ: كَذَا جَزَمَ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى فَيَكُونُ عُمُرُهُ عِنْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ تِسْعَ سِنِينَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتَلَمَ فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ مُحْتَلِمٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فَتَلْتَئِمُ الرِّوَايَتَانِ، وَإِلَّا فَابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ لَا يُقَالُ لَهُ مُحْتَلِمٌ وَلَا كَالْمُحْتَلِمِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَانَ كَالْمُحْتَلِمِ فِي الْحِذْقِ

وَالْفَهْمِ وَالْحِفْظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالصَّوَابُ هِشَامٌ لِأَنَّهُ جَدُّ الْمَخْطُوبَةِ.

قَوْلُهُ (اسْتَأْذَنُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اسْتَأْذَنُونِي (فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ سَبَبَ الْخُطْبَةِ اسْتِئْذَانُ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْهُ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ فَاطِمَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، هَكَذَا أَطْلَقَتْ عَلَيْهِ اسْمَ فَاعِلٍ مَجَازًا لِكَوْنِهِ أَرَادَ ذَلِكَ وَصَمَّمَ عَلَيْهِ فَنَزَّلَتْهُ مَنْزِلَةَ مَنْ فَعَلَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ خَطَبَ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ: أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهَا: لَا نُزَوِّجُكَ عَلَى فَاطِمَةَ. قُلْتُ: فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ اسْتِئْذَانِهِمْ. وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا اسْتَأْذَنَ بِنَفْسِهِ، فَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُخَضْرَمِينَ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ وَلَمْ يَلْقَهُ.

قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ إِلَى عَمِّهَا الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيَّ فَقَالَ: أَعَنْ حَسَبِهَا تَسْأَلُنِي؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَتَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: لَا، فَاطِمَةُ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَلَا أَحْسَبُ إِلَّا أَنَّهَا تَحْزَنُ أَوْ تَجْزَعُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا آتِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ، وَلَعَلَّ هَذَا الِاسْتِئْذَانَ وَقَعَ بَعْدَ خُطْبَةِ النَّبِيِّ بِمَا خَطَبَ وَلَمْ يَحْضُرْ عَلِيٌّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ فَاسْتَشَارَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ لَا لَمْ يَتَعَرَّضْ بَعْدَ ذَلِكَ لِطَلَبِهَا، وَلِهَذَا جَاءَ آخِرُ حَدِيثِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ: فَسَكَتَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ (فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ) كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَأْبِيدِ مُدَّةِ مَنْعِ الْإِذْنِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْمَجَازِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى مُدَّةٍ بِعَيْنِهَا، فَقَالَ: ثُمَّ لَا آذَنُ أَيْ: وَلَوْ مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَفْرُوضَةُ تَقْدِيرًا لَا آذَنُ بَعْدَهَا ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا، وَبَنُو هِشَامٍ هُمْ أَعْمَامُ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُ أَبُو الْحَكَمِ عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَقَدْ أَسْلمَ أَخَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ عَامَ الْفَتْحِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ جَوَابُهُمَا الْمُتَقَدِّمُ لِعَلِيٍّ. وَمِمَّنْ يَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَقَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَاسْمُ الْمَخْطُوبَةِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ ذِكْرِ أَصْهَارِ النَّبِيِّ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ لَمَّا تَرَكَهَا عَلِيٌّ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ زِيَادَةٌ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي ذِكْرِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي وَوَفَّى لِي وَتَوْجِيُهُ مَا وَقَعَ مِنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

قَوْلُهُ (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا وَشَى بِهِ أَنَّهُ مُصَمِّمٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْخِطْبَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَشَارَ النَّبِيَّ فَمَنَعَهُ، وَسِيَاقُ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ بِهِ فَاطِمَةُ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ وَشَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحَلِّلُ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تُجْمَعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصَحُّ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ حَرَّمَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَبَيْنَ ابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُ

عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَأَذِيَّتُهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا أُحَرِّمُ حَلَالًا أَيْ: هِيَ لَهُ حَلَالٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ فَاطِمَةُ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا الَّذِي يَسْتَلْزِمُ تَأَذِّيَ النَّبِيِّ لِتَأَذِّي فَاطِمَةَ بِهِ فَلَا، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِعَلِيٍّ، لَكِنَّهُ مَنَعَ النَّبِيُّ رِعَايَةً لِخَاطِرِ فَاطِمَةَ، وَقَبِلَ هُوَ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ .

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَدَّ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ أَنْ لَا يُتَزَوَّجَ عَلَى بَنَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِفَاطِمَةَ .

قَوْلُهُ (فَإِنَّمَا هيَ بَضْعَةٌ مِنِّي) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قِطْعَةٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ كَمَا تَقَدَّمَ مُضْغَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّهَا كَانَتْ أُصِيبَتْ بِأُمِّهَا ثُمَّ بِأَخَوَاتِهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَنْ تَسْتَأْنِسُ بِهِ مِمَّنْ يُخَفِّفُ عَلَيْهَا الْأَمْرَ مِمَّنْ تُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهَا إِذَا حَصَلَتْ لَهَا الْغَيْرَةُ.

قَوْلُهُ (يَرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا) كَذَا هُنَا مِنْ أَرَابَ رُبَاعِيًّا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مَا رَابَهَا مِنْ رَابَ ثُلَاثِيًّا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَصْبِرُ عَلَى الْغَيْرَةِ فَيَقَعُ مِنْهَا فِي حَقِّ زَوْجِهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهَا فِي الدِّينِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا أَيْ تَزْوِيجُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَنْ يَفْتِنُوهَا وَهِيَ بِمَعْنَى أَنْ تُفْتَنَ.

قَوْلُهُ (وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي حَنْظَلَةَ: فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَيَنْصِبُنِي مَا أَنْصَبَهَا، وَهُوَ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مِنَ النَّصَبِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ التَّعَبُ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ: يُقْبِضُنِي مَا يُقْبِضُهَا وَيُبْسِطُنِي مَا يُبْسِطُهَا أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ عَلِيٌّ مِنَ التَّزْوِيجِ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ أَذَى مَنْ يَتَأَذَّى النَّبِيُّ بِتَأَذِّيهِ، لِأَنَّ أَذَى النَّبِيِّ حَرَامٌ اتِّفَاقًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِي فَاطِمَةَ، فَكُلُّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ شَيْءٌ فَتَأَذَّتْ بِهِ فَهُوَ يُؤْذِي النَّبِيَّ بِشَهَادَةِ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ فِي إِدْخَالِ الْأَذَى عَلَيْهَا مِنْ قَتْلِ وَلَدِهَا، وَلِهَذَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مُعَاجَلَةُ مَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِسَدِّ الذَّرِيعَةِ، لِأَنَّ تَزْوِيجَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الْأَرْبَعَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي الْمَآلِ. وَفِيهِ بَقَاءُ عَارِ الْآبَاءِ فِي أَعْقَابِهِمْ لِقَوْلِهِ: بِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ لِلْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ، مَعَ أَنَّهَا هيَ كَانَتْ مُسْلِمَةً حَسَنَةَ الْإِسْلَامِ.

وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ مَنَعَ كَفَاءَةَ مَنْ مَسَّ أَبَاهُ الرِّقُّ ثُمَّ أُعْتِقَ بِمَنْ لَمْ يَمَسَّ أَبَاهَا الرِّقُّ، وَمَنْ مَسَّهُ الرِّقُّ بِمَنْ لَمْ يَمَسَّهَا هِيَ بَلْ مَسَّ أَبَاهَا فَقَطْ. وَفِيهِ أَنَّ الْغَيْرَاءَ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا كَانَ لِوَلِيِّهَا أَنْ يَسْعَى فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ كَمَا فِي حُكْمِ النَّاشِزِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَرْطٌ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهَا مَنْ تَتَسَلَّى بِهِ وَيُخَفِّفُ عَنْهَا الْحَمْلَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ جَوَابُ مَنِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصَ فَاطِمَةَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى النَّبِيِّ أَقْرَبُ إِلَى خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ فِي الدِّينِ وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَتُوجَدُ مِنْهُنَّ الْغَيْرَةُ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا رَاعَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِنَّ كَمَا رَعَاهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَاقِدَةً مَنْ تَرْكَنُ إِلَيْهِ مَنْ يُؤْنِسُهَا وَيُزِيلُ وَحْشَتَهَا مِنْ أُمٍّ أَوْ أُخْتٍ، بِخِلَافِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَتْ تَرْجِعُ إِلَى مَنْ يَحْصُلُ لَهَا مَعَهُ ذَلِكَ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ زَوْجُهُنَّ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُلَاطَفَةِ وَتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ وَجَبْرِ الْخَوَاطِرِ بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَرْضَى مِنْهُ لِحُسْنِ خُلُقِهِ وَجَمِيلِ خَلْقِهِ بِجَمِيعِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ بِحَيْثُ لَوْ وُجِدَ مَا يُخْشَى وُجُودُهُ مِنَ الْغَيْرَةِ لَزَالَ عَنْ قُرْبٍ، وَقِيلَ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ إِكْرَامُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْخَيْرِ أَوِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله (١) (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن نوفل الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (عَلَى المِنْبَرِ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «استأذَنُوني» (فِي أَنْ يُنْكِحُوا) بضم أوَّله مِنْ أَنْكَحَ (ابْنَتَهُمْ) جويرية (٢)، أو العوراء، أو جميلة بنت أبي جهلٍ (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهلٍ؛ لأنَّه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح، وعند الحاكم بسندٍ صحيحٍ إلى سويدِ بن غَفَلة أحد المخضرمين، ممَّن أسلم في حياة النَّبيِّ ولم يلْقه: قال: خطبَ عليٌّ بنتَ أبي جهلٍ إلى عمِّها الحارثِ، فاستشار النَّبيَّ فقال: «أعن حسبها تسألني؟» فقال: لا، ولكن أتأمُرني بها؟ قال: «لا … » الحديث، (فَلَا آذَنُ) لهم في ذلك (ثُمَّ لَا آذَنُ) لهم في ذلك (ثُمَّ لَا آذَنُ) لهم. بالتَّكرير ثلاثًا.

قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: لا بدَّ في العطفِ من المغايرةِ بين المعطوفين. وأجاب (٣) بأنَّ الثَّاني فيه مغايرةٌ للأوَّل لأنَّ فيه تأكيدًا ليس في الأوَّل، وفيه إشارةٌ إلى تأبيدِ مدةِ منع الإذن، كأنَّه أرادَ رفعَ المجاز لاحتمال أن يحملَ النَّفي على مدَّةٍ بعينها، فقال: ثمَّ لا آذنُ، أي: ولو مضتِ المدَّة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثمَّ كذلك أبدًا.

(إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) بفتح الياء من «يَنكح» (فَإِنَّمَا هِيَ) أي: فاطمة (بَضْعَةٌ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وحكي ضم الموحدة وكسرها، أي: قطعة لحم (مِنِّي، يُرِيبُنِي) بضمِّ أوَّله (مَا أَرَابَهَا) تقول (٤): أَرَابني (٥) فلانٌ إذا رأيتَ منه

ما تكره (١) (وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا). وحينئذٍ فمن آذى فاطمة فقد آذى النَّبيَّ ، وأذاهُ حرام اتِّفاقًا. وزاد في رواية الزُّهريِّ في «الخُمس»: «وأنا أتخوَّف أن تُفْتن في دِينها، وإنِّي لست أحرِّمُ حلالًا، ولا أحلُّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمِعُ بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله أبدًا» [خ¦٣١١٠].

قال السَّفاقِسيُّ: أصحُّ ما تحمل عليه هذه القصَّة: أنَّه حرَّم على عليٍّ أن يجمعَ بين ابنتهِ وبين (٢) ابنة أبي جهلٍ لأنَّه علَّل بأنَّ ذلك يؤذيه، وأذيَّته حرامٌ بالإجماع، ومعنى قوله: «لا أحرِّمُ حلالًا» أي: هي له حلالٌ لو لم تكن عنده فاطمة، وأمَّا (٣) الجمع بينهما المستلزم تأذِّيه لتأذِّي فاطمة به فلا. انتهى.

ولا يبعد أن يكون من خصائصهِ أن لا يتزوَّج على بناتهِ، أو هو خاصٌّ بفاطمة.

وزاد في رواية غير أبي ذرٍّ: «هَكَذا قالَ».

وهذا الحديث قد سبق في «مناقب فاطمة» [خ¦٣٧٦٧] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٧٨].

(١١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ) أي: في آخر الزَّمان (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ فيما سبق موصولًا في «باب الصَّدقة قبل الرَّدِّ» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤١٤]: (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه قال: (وَتَرَى الرَّجُلَ الوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً) وللحَمُّويي والمُستملي: «نسوة» بدل: «امرأة»، وهو خلاف القياس (يَلُذْنَ) بضم اللام وسكون المعجمة، يستغثنَ (بِهِ) ويلتجئنَ (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.7 / 29.5
الإضاءة 83%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد