«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٣٦

الحديث رقم ٥٢٣٦ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٣٦ في صحيح البخاري

«رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللهْوِ.»

بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ لِحَوَائِجِهِنَّ

إسناد حديث رقم ٥٢٣٦ من صحيح البخاري

٥٢٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عَنْ عِيسَى، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

شرح حديث ٥٢٣٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَثِيبٌ وَأَعْلَاهَا عَسِيبٌ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ النَّبِيُّ لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْكُنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي آخِرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا أُرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَهُنَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ. قَالَتْ فَحَجَبُوهُ، وَزَادَ أَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ: وَأَخْرَجَهُ فَكَانَ بِالْبَيْدَاءِ يَدْخُلُ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ يَسْتَطْعِمُ، وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ لَقَدْ غَلْغَلْتَ النَّظَرَ إِلَيْهَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ، ثُمَّ أَجَلَاهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحِمَى، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ: إِنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ هِيتٌ: أَنَا أَنْعَتُهَا لَكَ: إِذَا أَقْبَلَتْ قُلْتَ تَمْشِي بِسِتٍّ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ قُلْتَ تَمْشِي بِأَرْبَعٍ. وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى سَوْدَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا أُرَاهُ إِلَّا مُنْكَرًا فَمَنَعَهُ.

وَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَفَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ النَّبِيُّ مَا لَكَ قَاتَلَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتُ لَأَحْسَبُكَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى خَاخٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَقَدْ ضُبِطَتْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَمَلَتْ كِتَابَ حَاطِبٍ إِلَى قُرَيْشٍ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا حَجَبَهُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى النِّسَاءِ لَمَّا سَمِعَهُ يَصِفُ الْمَرْأَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي تُهَيِّجُ قُلُوبَ الرِّجَالِ فَمَنَعَهُ لِئَلَّا يَصِفَ الْأَزْوَاجَ لِلنَّاسِ فَيَسْقُطُ مَعْنَى الْحِجَابَ اهـ، وَفِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَجَبَهُ لِذَاتِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ: لَا أُرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَهُنَا وَلِقَوْلِهِ: وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُولِي الْإِرْبَةِ فَنَفَاهُ لِذَلِكَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ حَجْبُ النِّسَاءِ عَمَّنْ يَفْطِنُ لِمَحَاسِنِهِنَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِبْعَادِ مَنْ يُسْتَرَابُ بِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمَوْصُوفَةِ بِدُونِ الرُّؤْيَةِ لِقِيَامِ الصِّفَةِ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الصِّفَةِ لَمْ يَكْفِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ اتِّفَاقًا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ. قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَادَ الْمُهَلَّبُ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْوَصْفَ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَإِذَا اسْتَوْعَبَ الْوَصْفَ حَتَّى قَامَ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَجْزَأَ، هَذَا مُرَادُهُ، وَانْتِزَاعُهُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا تَعْزِيرُ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْبُيُوتِ وَالنَّفْيِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِرَدْعِهِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ ذَلِكَ، وَتَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ مِنْ قَاصِدٍ مُخْتَارٍ حَرَامٌ اتِّفَاقًا، وَسَيَأْتِي لَعْنُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.

١١٤ - بَاب نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ

٥٢٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عَنْ عِيسَى، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ.

قَوْلُهُ (بَابُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ) وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ شَهِيرَةٌ، وَاخْتُلِفَ التَّرْجِيحُ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يُسَاعِدُ مَنْ أَجَازَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعِيدِ جَوَابُ النَّوَوِيِّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ، وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ وَأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِ وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَأَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَلِعَائِشَةَ يَوْمَئِذٍ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بعد قوله: وتدبرُ بثمان: بثغْرٍ كالأُقْحوانِ، إن قعدتْ تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، وبين رجليها مثل الإناء المكفوءِ. وزاد المدينيُّ (١) من طريق يزيد بن رومان عن عروة مرسلًا: أسفلُها كَثِيب، وأعلاهَا عَسِيب (فَقَالَ النَّبِيُّ (٢) : لَا يَدْخُلَنَّ) بفتح اللام وتشديد النون (٣) (هَذَا عَلَيْكُم) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عليكنَّ» بالنون، وزاد أبو يعلى في روايته من طريق يونسَ، عن الزُّهريِّ في آخره: «وأخرجه، فكان بالبيداءِ يدخلُ كلَّ يوم جمعةٍ يستطعمُ».

واستنبطَ منه حجب النِّساء عمَّن يفطن لمحاسنهنَّ، والحديث سبق في «باب غزوة الطَّائف» من «المغازي» [خ¦٤٣٢٤].

(١١٤) (بابُ نَظَرِ المَرْأَةِ إِلَى الحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ) من الأجانبِ (مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ) أي: تهمةٍ.

٥٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بن رَاهُوْيَه المروزيُّ، سكن نيسابور وتوفِّي بها (عَنْ عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرو (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ) فيه إشعارٌ بأنَّه كان بعد نزول الحجاب (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ) أي: بحرابِهم ودرقهم (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي)

ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الَّتي» (أَسْأَمُ) أي: أَمَلُّ، واستدلَّ به على جواز رؤية المرأة إلى الأجنبيِّ (١) دون العكس، ويدلُّ له استمرار العملِ على جوازِ خروج النِّساء إلى المساجدِ والأسواقِ والأسفار (٢) متنقباتٌ لئلَّا يراهن الرِّجالُ، ولم يؤمر الرِّجال قطُّ بالانتقابِ لئلَّا يراهُم (٣) النِّساء، فدلَّ على اختلاف الحكم بين الفريقينِ، وبهذا احتجَّ الغزاليُّ للجواز فقال: لسنا نقول: إنَّ وجه الرَّجل في حقِّها عورة كوجه المرأةِ في حقِّه، فيحرم النَّظر عند خوف الفتنةِ فقط، وإن لم تكن فتنةٌ فلا، إذ لم تزل الرِّجال على ممرِّ الزَّمان مكشوفي الوجوهِ، والنِّساءُ يخرجنَ منتقبات، فلو استووا لأُمِر الرِّجال بالتَّنقُّب أو منعنَ من الخروج. انتهى.

وقال النَّووي: نظرُ الوجهِ والكفَّين عند أمن الفتنة من المرأةِ إلى الرَّجلِ وعكسه جائزٌ، وإن كان مكروهًا لقوله تعالى في الثانية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وهو مفسَّر بالوجهِ والكفَّين، وقيس بها الأولى، وهذا ما في «الرَّوضة» عن أكثر الأصحابِ، والَّذي صحَّحه في «المنهاج» التَّحريم، وعليه الفتوى، وأمَّا نظرُ عائشة إلى الحبشةِ وهم يلعبون فليس فيه أنَّها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنَّما نظرت إلى لعبِهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمُّد النَّظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصدٍ صرفته في الحال، مع أنَّ ذلك كان مع أمن الفتنة، أو أنَّ عائشة كانت صغيرةً دون البلوغِ، ويدلُّ لها قولها: (فَاقْدُرُوا) بضم الدال المهملة، أي: فانظُروا وتدبَّرُوا (قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ) الغير البالغةِ (الحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ) ومصابرة النَّبيِّ معها على ذلك، لكن عورض بأنَّ في بعض طرقه أنَّ ذلك بعد قدوم وفد الحبشة، وأنَّ قدومهم كان سنة سبعٍ، ولعائشة يومئذ ستَّ عشرة سنةً، فكانت بالغةً. نعم، احتجَّ المانعون بحديث أمِّ سلمة المشهور حيث قال : «أفعمياوان أنتما؟» وهو حديث أخرجه أصحاب السُّنن من رواية الزُّهريِّ عن نبهان مولى أمِّ سلمة عنها، وإسناده قويٌّ. قال في «الفتح»: وأكثر ما علل به انفرادُ الزُّهريِّ بالرِّواية عن نبهان، وليست بعلةٍ قادحةٍ؛ فإنَّ من يعرفه الزُّهريُّ ويصفه بأنَّه مكاتبُ أمِّ سلمة ولم يجرحه أحد لا تردُّ روايته.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَثِيبٌ وَأَعْلَاهَا عَسِيبٌ.

قَوْلُهُ (فَقَالَ النَّبِيُّ لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْكُنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي آخِرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا أُرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَهُنَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ. قَالَتْ فَحَجَبُوهُ، وَزَادَ أَبُو يَعْلَى فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ: وَأَخْرَجَهُ فَكَانَ بِالْبَيْدَاءِ يَدْخُلُ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ يَسْتَطْعِمُ، وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ لَقَدْ غَلْغَلْتَ النَّظَرَ إِلَيْهَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ، ثُمَّ أَجَلَاهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحِمَى، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ: إِنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ هِيتٌ: أَنَا أَنْعَتُهَا لَكَ: إِذَا أَقْبَلَتْ قُلْتَ تَمْشِي بِسِتٍّ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ قُلْتَ تَمْشِي بِأَرْبَعٍ. وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى سَوْدَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا أُرَاهُ إِلَّا مُنْكَرًا فَمَنَعَهُ.

وَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَفَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ النَّبِيُّ مَا لَكَ قَاتَلَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتُ لَأَحْسَبُكَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى خَاخٍ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَقَدْ ضُبِطَتْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَمَلَتْ كِتَابَ حَاطِبٍ إِلَى قُرَيْشٍ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا حَجَبَهُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى النِّسَاءِ لَمَّا سَمِعَهُ يَصِفُ الْمَرْأَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي تُهَيِّجُ قُلُوبَ الرِّجَالِ فَمَنَعَهُ لِئَلَّا يَصِفَ الْأَزْوَاجَ لِلنَّاسِ فَيَسْقُطُ مَعْنَى الْحِجَابَ اهـ، وَفِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَجَبَهُ لِذَاتِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ: لَا أُرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَهُنَا وَلِقَوْلِهِ: وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُولِي الْإِرْبَةِ فَنَفَاهُ لِذَلِكَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ حَجْبُ النِّسَاءِ عَمَّنْ يَفْطِنُ لِمَحَاسِنِهِنَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِبْعَادِ مَنْ يُسْتَرَابُ بِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمَوْصُوفَةِ بِدُونِ الرُّؤْيَةِ لِقِيَامِ الصِّفَةِ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الصِّفَةِ لَمْ يَكْفِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ اتِّفَاقًا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ. قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَادَ الْمُهَلَّبُ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْوَصْفَ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَإِذَا اسْتَوْعَبَ الْوَصْفَ حَتَّى قَامَ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَجْزَأَ، هَذَا مُرَادُهُ، وَانْتِزَاعُهُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا تَعْزِيرُ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْبُيُوتِ وَالنَّفْيِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِرَدْعِهِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ ذَلِكَ، وَتَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ مِنْ قَاصِدٍ مُخْتَارٍ حَرَامٌ اتِّفَاقًا، وَسَيَأْتِي لَعْنُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.

١١٤ - بَاب نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ

٥٢٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عَنْ عِيسَى، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ.

قَوْلُهُ (بَابُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ) وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ شَهِيرَةٌ، وَاخْتُلِفَ التَّرْجِيحُ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يُسَاعِدُ مَنْ أَجَازَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعِيدِ جَوَابُ النَّوَوِيِّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ، وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ وَأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِ وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَأَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَلِعَائِشَةَ يَوْمَئِذٍ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بعد قوله: وتدبرُ بثمان: بثغْرٍ كالأُقْحوانِ، إن قعدتْ تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، وبين رجليها مثل الإناء المكفوءِ. وزاد المدينيُّ (١) من طريق يزيد بن رومان عن عروة مرسلًا: أسفلُها كَثِيب، وأعلاهَا عَسِيب (فَقَالَ النَّبِيُّ (٢) : لَا يَدْخُلَنَّ) بفتح اللام وتشديد النون (٣) (هَذَا عَلَيْكُم) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عليكنَّ» بالنون، وزاد أبو يعلى في روايته من طريق يونسَ، عن الزُّهريِّ في آخره: «وأخرجه، فكان بالبيداءِ يدخلُ كلَّ يوم جمعةٍ يستطعمُ».

واستنبطَ منه حجب النِّساء عمَّن يفطن لمحاسنهنَّ، والحديث سبق في «باب غزوة الطَّائف» من «المغازي» [خ¦٤٣٢٤].

(١١٤) (بابُ نَظَرِ المَرْأَةِ إِلَى الحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ) من الأجانبِ (مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ) أي: تهمةٍ.

٥٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بن رَاهُوْيَه المروزيُّ، سكن نيسابور وتوفِّي بها (عَنْ عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرو (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ) فيه إشعارٌ بأنَّه كان بعد نزول الحجاب (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ) أي: بحرابِهم ودرقهم (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي)

ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الَّتي» (أَسْأَمُ) أي: أَمَلُّ، واستدلَّ به على جواز رؤية المرأة إلى الأجنبيِّ (١) دون العكس، ويدلُّ له استمرار العملِ على جوازِ خروج النِّساء إلى المساجدِ والأسواقِ والأسفار (٢) متنقباتٌ لئلَّا يراهن الرِّجالُ، ولم يؤمر الرِّجال قطُّ بالانتقابِ لئلَّا يراهُم (٣) النِّساء، فدلَّ على اختلاف الحكم بين الفريقينِ، وبهذا احتجَّ الغزاليُّ للجواز فقال: لسنا نقول: إنَّ وجه الرَّجل في حقِّها عورة كوجه المرأةِ في حقِّه، فيحرم النَّظر عند خوف الفتنةِ فقط، وإن لم تكن فتنةٌ فلا، إذ لم تزل الرِّجال على ممرِّ الزَّمان مكشوفي الوجوهِ، والنِّساءُ يخرجنَ منتقبات، فلو استووا لأُمِر الرِّجال بالتَّنقُّب أو منعنَ من الخروج. انتهى.

وقال النَّووي: نظرُ الوجهِ والكفَّين عند أمن الفتنة من المرأةِ إلى الرَّجلِ وعكسه جائزٌ، وإن كان مكروهًا لقوله تعالى في الثانية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وهو مفسَّر بالوجهِ والكفَّين، وقيس بها الأولى، وهذا ما في «الرَّوضة» عن أكثر الأصحابِ، والَّذي صحَّحه في «المنهاج» التَّحريم، وعليه الفتوى، وأمَّا نظرُ عائشة إلى الحبشةِ وهم يلعبون فليس فيه أنَّها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنَّما نظرت إلى لعبِهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمُّد النَّظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصدٍ صرفته في الحال، مع أنَّ ذلك كان مع أمن الفتنة، أو أنَّ عائشة كانت صغيرةً دون البلوغِ، ويدلُّ لها قولها: (فَاقْدُرُوا) بضم الدال المهملة، أي: فانظُروا وتدبَّرُوا (قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ) الغير البالغةِ (الحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ) ومصابرة النَّبيِّ معها على ذلك، لكن عورض بأنَّ في بعض طرقه أنَّ ذلك بعد قدوم وفد الحبشة، وأنَّ قدومهم كان سنة سبعٍ، ولعائشة يومئذ ستَّ عشرة سنةً، فكانت بالغةً. نعم، احتجَّ المانعون بحديث أمِّ سلمة المشهور حيث قال : «أفعمياوان أنتما؟» وهو حديث أخرجه أصحاب السُّنن من رواية الزُّهريِّ عن نبهان مولى أمِّ سلمة عنها، وإسناده قويٌّ. قال في «الفتح»: وأكثر ما علل به انفرادُ الزُّهريِّ بالرِّواية عن نبهان، وليست بعلةٍ قادحةٍ؛ فإنَّ من يعرفه الزُّهريُّ ويصفه بأنَّه مكاتبُ أمِّ سلمة ولم يجرحه أحد لا تردُّ روايته.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله