«عَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٥٠

الحديث رقم ٥٢٥٠ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الرجل لصاحبه هل أعرستم الليلة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٥٠ في صحيح البخاري

«عَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي.»

كِتَابُ الطَّلَاقِ

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أَحْصَيْنَاهُ حَفِظْنَاهُ

⦗٤١⦘

وَعَدَدْنَاهُ وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَيُشْهِدَُ شَاهِدَيْنِ

إسناد حديث رقم ٥٢٥٠ من صحيح البخاري

٥٢٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٥٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بأيديهنَّ (إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ) الخواتيم والفتخ (ثُمَّ ارْتَفَعَ) أي: رجع (هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ) والغرض منه مشاهدةُ ابن عبَّاس ما وقع من النِّساءِ حينئذٍ، وكان صغيرًا فلم يحتجبنَ منه، وأمَّا بلالٌ فيحتملُ أن لا يكون إذ ذاكَ يشاهدهنَّ مسفرات.

(١٢٥) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: هَلْ أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟) كذا في الفرع وأصله، لكن عليه علامة السُّقوط في رواية أبي ذرٍّ، وقال في «الفتح»: إنَّ ذلك زاده ابن بطَّالٍ في «شرحه»، ثمَّ قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد وجدتُ هذه الزِّيادة في نسخةِ الصَّغاني مقدَّمة، ولفظه: باب قول الرَّجل … إلى آخره، وبعدَه: (وَطَعْنِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ فِي الخَاصِرَةِ عِنْدَ العِتَابِ) وهو عطفٌ على «قول الرَّجل»، مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، و «ابنته» مفعولُه.

٥٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنس الإمام الأعظمُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ التَّيميِّ (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: عَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ) أي: في قصَّة ضياعِ العقدِ وحبس النَّاسِ، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماء (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي) بضم العين (بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) فأدَّبها بالقول والفعل؛ ولذا قالت (١): أبو بكر، ولم تقل: أبِي لأنَّ منزلة الأبوَّةِ تقتضي الحنوَّ (فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي).

وهذا الحديث مطابقٌ للجزء الثَّاني من التَّرجمة على ما لا يخفى، ولم يذكر حديثًا يناسب الجزء الأول، فقال في «الفتح»: إنَّ الَّذي (٢) يظهر أنَّهُ أخلى بياضًا ليكتب فيه ما يناسبه. قال: وقد

وقعَ في قصَّة أبي طلحةَ وأمِّ سليمٍ عند موت ولدهما (١) وكتمها ذلك عنه حتَّى تعشَّى وبات معها، فأخبرتْه بذلك، فأخبر بذلك أبو طلحة النَّبيَّ ، فقال: «أعرَّستُم اللَّيلة؟» قال: نعم.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في أوائل «العقيقة» [خ¦٥٤٧٠] بعون الله وقوَّته.

((٦٨)) (كِتَابُ الطَّلَاقِ) هو في اللُّغة: رفعُ القيدِ، يقال: أطلقَ الفرسَ والأسير، وفي الشَّرع: رفعُ القيدِ الثَّابت شرعًا بالنِّكاح. فقوله: شرعًا يخرج به القيدُ الثَّابت حسًّا، وهو حلُّ الوثاقِ، وبالنِّكاح يخرج العتق لأنَّه رفع قيدٍ ثابتٍ شرعًا لكنَّه لا (١) يثبُت بالنِّكاح، واستعملَ في النِّكاح بلفظ التَّفعيل، وفي غيره بالإفعالِ، ولهذا لو قال لها: أنت مُطلَّقة بتشديد اللام لا يفتقرُ إلى نيَّةٍ ولو خفَّفها فلا بدَّ منها، ويقالُ: طَلُقت المرأةُ -بفتح الطاء وضم اللام، وبفتحها أيضًا- وعن الأخفشِ نفيُ الضَّمِّ. وفي «ديوان الأدب» أنَّه لغة، ويقال: طُلِّقت أيضًا -بضم أوله وكسر اللام المشددة- فإن خُفِّفت فهو خاصٌّ بالولادةِ، وفي مشروعيَّة النِّكاح مصالح العباد الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، وفي الطَّلاق إكمالٌ لها إذ قد لا يوافقه النِّكاح فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاءِ الموجبة عدم إقامة حدودِ الله، فمكَّن من ذلك رحمةً منه سبحانه، وفي جعله عددًا حكمةٌ لطيفةٌ لأنَّ النَّفس كذوبةٌ ربَّما تظهرُ عدمَ الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتُسوِّله له (٢)، فإذا وقع حصل النَّدم، وضاق الصَّدر به، وعيلَ الصَّبر، فشرعه ثلاثًا ليجرِّب نفسه في المرَّة الأولى، فإن كان الواقع صِدْقَها استمرَّ حتَّى تنقضيَ العدَّة، وإلَّا أمكنه التَّدارك بالرَّجعة، ثمَّ إذا عادت النَّفس لمثل الأوَّل وغلبته حتَّى عاد إلى طلاقِها نظر أيضًا فيما يحدثُ له، فما يُوقع الثَّالثة إلَّا وقد جرَّب وفَقِه في حال نفسه، ثمَّ حرَّمها عليه بعد انتهاء العددِ قبل أن تتزوَّج آخر ليُثاب بما فيه غيظهُ وهو الزَّوج الثَّاني على ما عليه من جبلَّة الفُحوليَّة بحكمتهِ ولطفه تعالى بعباده.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقطتِ «الواو» لغيرِ أبي ذرٍّ: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾) خصَّ النَّبيَّ بالنِّداء وعمَّ بالخطابِ لأنَّه إمامُ أمَّته وقدوتهم، كما يقال لرئيسِ القوم: يا فلان افعلوا كذا، إظهارًا لتقدُّمه فكأنَّه هو وحده في حكم كلِّهم وسادًّا مسدَّ جميعهم، أو التقدير: يا أيُّها النَّبيُّ وأمَّته (١)، أو هو على إضمار: قل، والتَّقدير: يا أيُّها النَّبيُّ قل لأمَّتك، ومعنى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ إذا أردتُم تطليقهنَّ على تنزيلِ المقبل على الأمر المشارف له منزلةَ الشَّارع فيه (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾) أي: فطلِّقوهنَّ مستقبلاتٍ لعدَّتهنَّ، أي: عند ابتداءِ شروعهنَّ في العدَّة، واللَّام للتَّوقيت كقولك (٢): أتيتُه لليلةٍ بقيتْ من المحرَّم، أي: مستقبلًا لها، والمراد: أنْ يطلِّق المدخول بهنَّ من المعتدَّات بالحيض في طُهرٍ لم يجامعهُنَّ فيه، ثمَّ يُخَلَّين حتَّى تنقضي عدَّتهنَّ، وهذا أحسن الطَّلاق. وفي حديث ابن عُمر عند مسلمٍ: قرأ رسول الله : «فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عدتهنَّ» (﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) واضبطوها بالحفظ، وأكملوها ثلاثةَ أقراءٍ مستقبلاتٍ كواملَ لا نقصانَ فيهنَّ. يقال: (﴿أحْصَيْنَاهُ﴾ [يس: ١٢]) أي: (حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ) وهذا التَّفسير لأبي عُبيدة، وأخرج الطَّبريُّ معناه عن السُّدِّيِّ، والمراد بالأمر (٣) أن يحفظَ ابتداء وقت العدَّة؛ لئلَّا يلتبس الأمر فتطول المدَّة فتتأذَّى بذلك المرأةُ، وخوطب الأزواجُ بذلك لغفلةِ النِّساء.

ثمَّ إنَّ الطَّلاق يكون بدعيًّا وسنِّيًّا وواجبًا ومستحبًّا ومكروهًا: فأمَّا السُّنيُّ فأشار إليه (٤) البخاريُّ بقوله: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا) بعد الدُّخول بها حال كونها (طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ) في ذلك الطُّهر، ولا في حيضٍ قبله، وليست بحاملٍ، ولا صغيرةٍ، ولا آيسةٍ، وهي (٥) تعتدُّ بالأقراء، وذلك لاستعقابهِ الشُّروع في العدَّة (وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ) لقوله ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وعن ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن مَرْدويه، قال: «كان نفرٌ من المهاجرين يطلِّقون لغير عدَّةٍ ويراجعون بغير شهودٍ فنزلت»، وأمَّا تسميتُه بالسُّنيِّ فقال الشَّيخ كمالُ الدِّين

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بأيديهنَّ (إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ) الخواتيم والفتخ (ثُمَّ ارْتَفَعَ) أي: رجع (هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ) والغرض منه مشاهدةُ ابن عبَّاس ما وقع من النِّساءِ حينئذٍ، وكان صغيرًا فلم يحتجبنَ منه، وأمَّا بلالٌ فيحتملُ أن لا يكون إذ ذاكَ يشاهدهنَّ مسفرات.

(١٢٥) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: هَلْ أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟) كذا في الفرع وأصله، لكن عليه علامة السُّقوط في رواية أبي ذرٍّ، وقال في «الفتح»: إنَّ ذلك زاده ابن بطَّالٍ في «شرحه»، ثمَّ قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد وجدتُ هذه الزِّيادة في نسخةِ الصَّغاني مقدَّمة، ولفظه: باب قول الرَّجل … إلى آخره، وبعدَه: (وَطَعْنِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ فِي الخَاصِرَةِ عِنْدَ العِتَابِ) وهو عطفٌ على «قول الرَّجل»، مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، و «ابنته» مفعولُه.

٥٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنس الإمام الأعظمُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ التَّيميِّ (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: عَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ) أي: في قصَّة ضياعِ العقدِ وحبس النَّاسِ، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماء (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي) بضم العين (بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) فأدَّبها بالقول والفعل؛ ولذا قالت (١): أبو بكر، ولم تقل: أبِي لأنَّ منزلة الأبوَّةِ تقتضي الحنوَّ (فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي).

وهذا الحديث مطابقٌ للجزء الثَّاني من التَّرجمة على ما لا يخفى، ولم يذكر حديثًا يناسب الجزء الأول، فقال في «الفتح»: إنَّ الَّذي (٢) يظهر أنَّهُ أخلى بياضًا ليكتب فيه ما يناسبه. قال: وقد

وقعَ في قصَّة أبي طلحةَ وأمِّ سليمٍ عند موت ولدهما (١) وكتمها ذلك عنه حتَّى تعشَّى وبات معها، فأخبرتْه بذلك، فأخبر بذلك أبو طلحة النَّبيَّ ، فقال: «أعرَّستُم اللَّيلة؟» قال: نعم.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في أوائل «العقيقة» [خ¦٥٤٧٠] بعون الله وقوَّته.

((٦٨)) (كِتَابُ الطَّلَاقِ) هو في اللُّغة: رفعُ القيدِ، يقال: أطلقَ الفرسَ والأسير، وفي الشَّرع: رفعُ القيدِ الثَّابت شرعًا بالنِّكاح. فقوله: شرعًا يخرج به القيدُ الثَّابت حسًّا، وهو حلُّ الوثاقِ، وبالنِّكاح يخرج العتق لأنَّه رفع قيدٍ ثابتٍ شرعًا لكنَّه لا (١) يثبُت بالنِّكاح، واستعملَ في النِّكاح بلفظ التَّفعيل، وفي غيره بالإفعالِ، ولهذا لو قال لها: أنت مُطلَّقة بتشديد اللام لا يفتقرُ إلى نيَّةٍ ولو خفَّفها فلا بدَّ منها، ويقالُ: طَلُقت المرأةُ -بفتح الطاء وضم اللام، وبفتحها أيضًا- وعن الأخفشِ نفيُ الضَّمِّ. وفي «ديوان الأدب» أنَّه لغة، ويقال: طُلِّقت أيضًا -بضم أوله وكسر اللام المشددة- فإن خُفِّفت فهو خاصٌّ بالولادةِ، وفي مشروعيَّة النِّكاح مصالح العباد الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، وفي الطَّلاق إكمالٌ لها إذ قد لا يوافقه النِّكاح فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاءِ الموجبة عدم إقامة حدودِ الله، فمكَّن من ذلك رحمةً منه سبحانه، وفي جعله عددًا حكمةٌ لطيفةٌ لأنَّ النَّفس كذوبةٌ ربَّما تظهرُ عدمَ الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتُسوِّله له (٢)، فإذا وقع حصل النَّدم، وضاق الصَّدر به، وعيلَ الصَّبر، فشرعه ثلاثًا ليجرِّب نفسه في المرَّة الأولى، فإن كان الواقع صِدْقَها استمرَّ حتَّى تنقضيَ العدَّة، وإلَّا أمكنه التَّدارك بالرَّجعة، ثمَّ إذا عادت النَّفس لمثل الأوَّل وغلبته حتَّى عاد إلى طلاقِها نظر أيضًا فيما يحدثُ له، فما يُوقع الثَّالثة إلَّا وقد جرَّب وفَقِه في حال نفسه، ثمَّ حرَّمها عليه بعد انتهاء العددِ قبل أن تتزوَّج آخر ليُثاب بما فيه غيظهُ وهو الزَّوج الثَّاني على ما عليه من جبلَّة الفُحوليَّة بحكمتهِ ولطفه تعالى بعباده.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقطتِ «الواو» لغيرِ أبي ذرٍّ: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾) خصَّ النَّبيَّ بالنِّداء وعمَّ بالخطابِ لأنَّه إمامُ أمَّته وقدوتهم، كما يقال لرئيسِ القوم: يا فلان افعلوا كذا، إظهارًا لتقدُّمه فكأنَّه هو وحده في حكم كلِّهم وسادًّا مسدَّ جميعهم، أو التقدير: يا أيُّها النَّبيُّ وأمَّته (١)، أو هو على إضمار: قل، والتَّقدير: يا أيُّها النَّبيُّ قل لأمَّتك، ومعنى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ إذا أردتُم تطليقهنَّ على تنزيلِ المقبل على الأمر المشارف له منزلةَ الشَّارع فيه (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾) أي: فطلِّقوهنَّ مستقبلاتٍ لعدَّتهنَّ، أي: عند ابتداءِ شروعهنَّ في العدَّة، واللَّام للتَّوقيت كقولك (٢): أتيتُه لليلةٍ بقيتْ من المحرَّم، أي: مستقبلًا لها، والمراد: أنْ يطلِّق المدخول بهنَّ من المعتدَّات بالحيض في طُهرٍ لم يجامعهُنَّ فيه، ثمَّ يُخَلَّين حتَّى تنقضي عدَّتهنَّ، وهذا أحسن الطَّلاق. وفي حديث ابن عُمر عند مسلمٍ: قرأ رسول الله : «فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عدتهنَّ» (﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) واضبطوها بالحفظ، وأكملوها ثلاثةَ أقراءٍ مستقبلاتٍ كواملَ لا نقصانَ فيهنَّ. يقال: (﴿أحْصَيْنَاهُ﴾ [يس: ١٢]) أي: (حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ) وهذا التَّفسير لأبي عُبيدة، وأخرج الطَّبريُّ معناه عن السُّدِّيِّ، والمراد بالأمر (٣) أن يحفظَ ابتداء وقت العدَّة؛ لئلَّا يلتبس الأمر فتطول المدَّة فتتأذَّى بذلك المرأةُ، وخوطب الأزواجُ بذلك لغفلةِ النِّساء.

ثمَّ إنَّ الطَّلاق يكون بدعيًّا وسنِّيًّا وواجبًا ومستحبًّا ومكروهًا: فأمَّا السُّنيُّ فأشار إليه (٤) البخاريُّ بقوله: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا) بعد الدُّخول بها حال كونها (طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ) في ذلك الطُّهر، ولا في حيضٍ قبله، وليست بحاملٍ، ولا صغيرةٍ، ولا آيسةٍ، وهي (٥) تعتدُّ بالأقراء، وذلك لاستعقابهِ الشُّروع في العدَّة (وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ) لقوله ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وعن ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن مَرْدويه، قال: «كان نفرٌ من المهاجرين يطلِّقون لغير عدَّةٍ ويراجعون بغير شهودٍ فنزلت»، وأمَّا تسميتُه بالسُّنيِّ فقال الشَّيخ كمالُ الدِّين

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 12%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله