الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٥
الحديث رقم ٥٢٥ من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة كفارة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤ - باب الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهَا - لَجَرِيءٌ. قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنْ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذن لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ.
[الحديث ٥٢٥ - أطرافه في: ٧٠٩٦، ٣٥٨٦، ١٨٩٥، ١٤٣٥]
قَوْلُهُ (بَابُ الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بَابُ تَكْفِيرِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ.
قَوْلُهُ (سمعت حذيفة) لِلْمُسْتَمْلِي حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ.
قَوْلُهُ (فِي الْفِتْنَةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ. إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا عَنْ فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَمَعْنَى الْفِتْنَةِ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَكْشِفُهُ الِامْتِحَانُ عَنْ سُوءٍ. وَتُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْغُلُوِّ فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَعَلَى الْفَضِيحَةِ وَالْبَلِيَّةِ وَالْعَذَابِ وَالْقِتَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنَ الْحَسَنِ إِلَى الْقَبِيحِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
قَوْلُهُ (أَنَا كَمَا قَالَهُ) أَيْ أَنَا أَحْفَظُ مَا قَالَهُ، وَالْكَافُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ هِيَ بِمَعْنَى عَلَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمِثْلِيَّةُ، أَيْ أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَهُ.
قَوْلُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (أَوْ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَقَالَةِ، وَالشَّكُّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ.
قَوْلُهُ (الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ) أَيِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ (قُلْنَا) هُوَ مَقُولُ شَقِيقٍ. وَقَوْلُهُ (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) هُوَ مَقُولُ حُذَيْفَةَ. وَ (الْأَغَالِيطُ) جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ. وَقَوْلُهُ (فَهَبْنَا) أَيْ خِفْنَا، وَهُوَ مَقُولُ شَقِيقٍ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ (الْبَابُ عُمَرُ) لَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ (إِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابًا)؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، أَيْ بَيْنَ زَمَانِكَ وَبَيْنَ زَمَانِ الْفِتْنَةِ وُجُودُ حَيَاتِكَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ.
[الحديث ٥٢٦ - طرفه في: ٤٦٨٧]
قَوْلُهُ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ أَبُو الْيَسَرِ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - الْأَنْصَارِيُّ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مِنَ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي التَّأْكِيدِ، وَسَقَطَ كُلِّهمْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة الأسديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، وللمُستملي: «حدَّثني» بالإفراد «حذيفة» ﵁ حال كونه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) أي: جالسين (عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵁، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «النَّبيِّ» (ﷺ فِي الفِتْنَةِ) المخصوصة؟، وهي في الأصل: الاختبار والامتحان، قال حذيفة ﵁: (قُلْتُ: أَنَا) أحفظ (كَمَا قَالَهُ) أي: رسول الله ﷺ، والكاف في «كما» زائدةٌ للتَّأكيد (قَالَ) عمر لحذيفة: (إِنَّكَ عَلَيْهِ) أي: على النَّبيِّ ﷺ (أَوْ عَلَيْهَا) على المقالة (لَجَرِيءٌ) بوزن «فَعِيلٍ» من الجرأة، أي: جسورٌ مِقْدامٌ، قاله على جهة الإنكار والشَّكِّ من حذيفة، أومن غيره من الرُّواة، قال حذيفة: (قُلْتُ) هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بأن يأتيَ من أجلهم (١)
بما لا يحلُّ من القول والفعل (وَ) فتنته (١) في (مَالِهِ) بأن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه (وَ) فتنته (٢) في (وَلَدِهِ) بفرط المحبَّة والشُّغل به عن كثيرٍ من الخيرات، أو التَّوغُّل في الاكتساب من أجلهم من غير اتِّقاء المُحرَّمات (وَ) فتنته في (جَارِهِ) بأن يتمنَّى مثل حاله إن كان متَّسعًا (٣) مع الزَّوال، هذه كلُّها (تُكَفِّرُهَا (٤) الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ) بالمعروف (وَالنَّهْيُ) عن المُنكَر كما صرَّح به في «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٥] وكلُّها تكفِّر الصَّغائر فقط لحديث: «إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارةٌ لما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر» ففيه تقييدٌ لِما أُطلِق، فإن قلت: إذا كانت الصَّغائر مكفَّرةً باجتناب الكبائر فما الَّذي تكفِّره الصَّلوات الخمس؟ أُجيب بأنَّه لا يتمُّ اجتناب الكبائر إِلَّا بفعل الصَّلوات الخمس، فإن لم يفعلها لم يكن مجتنبًا للكبائر، فتوقَّف التَّكفير على فعلها (٥) (قَالَ) عمر ﵁: (لَيْسَ هَذَا) الَّذي ذكرته (أُرِيدُ، وَلَكِنِ) الَّذي أريده (٦) (الفِتْنَةَ) بالنَّصب مفعول فعلٍ مُقدَّرٍ، أي: أريد الفتنة الكبرى الكاملة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ
البَحْرُ) أي: تضطرب كاضطرابه، و «ما» مصدريَّةٌ (قَالَ) حذيفة لعمر: (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا) وللأربعة: «لبابًا» (مُغْلَقًا) بالنَّصب صفةٌ لسابقه، اسم مفعولٍ من «أغلق» رباعيًّا، أي: لا يخرج شيءٌ من الفتن في حياتك (قَالَ) عمر: (أَيُكْسَرُ) هذا الباب (أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (يُكْسَرُ، قَالَ) عمر (١): (إذنْ) جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن انكسر (لَا يُغْلَقَ أَبَدًا) فإنَّ الإغلاق إنَّما يكون في الصَّحيح، وأمَّا الكسر فهو هتكٌ لا يُجبَر، ولذلك انخرق عليهم بقتل عثمان ﵁ من الفتن ما لا يُغلَق إلى يوم القيامة، و «إذن»: حرفٌ ناصبٌ (٢)، و «لا (٣) يغلقَ»: منصوبٌ بها لوجود ما اشتُرِط في عملها وهو تصديرها، وكون الفعل مُستقبَلًا، واتِّصاله بها، و (٤) انفصاله عنها بالقسم أو بـ «لا» النَّافية لا يبطل عملها (٥)، وفي كتابة «إذن» بالنُّون خلافٌ (٦)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يُغلَقُ» بالرَّفع بتقدير، نحو: «الباب» أو «هو»،
قال شقيقٌ: (قُلْنَا) لحذيفة: (أَكَانَ عُمَرُ) ﵁ (يَعْلَمُ البَابَ؟! قَالَ: نَعَمْ) يعلمه (كَمَا) يعلم (أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ) أي: أنَّ اللَّيلة أقرب من الغد، قِيلَ: وإنَّما علمه عمر ﵁ لأنَّه ﵊ كان على «حِرَاء» هو والعُمَران وعثمان ﵃، فاهتزَّ، فقال ﵊: «إنَّما عليك نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدان» قال حذيفة: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) أي: عمر (بِحَدِيثٍ) صدقٍ عن الرَّسول ﷺ (لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) بفتح الهمزة، جمع أُغلوطةٍ بضمِّها، قال شقيقٌ: (فَهِبْنَا) أي: خفنا (١) (أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ): مَنِ الباب؟ (فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) -هو ابن الأجدع- أن يسأله (فَسَأَلَهُ (٢)، فَقَالَ) حذيفة: (البَابُ) هو (عُمَرُ) ﵁، ولا تغاير بين قوله أوَّلًا: «إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلَقًا» وبين قوله هنا: «إنَّه هو الباب» لأنَّ المُراد بقوله: «بينك» أي: بين زمانك وبين (٣) زمان الفتنة وجود حياتك، وعلمُ حذيفة بذلك مستندٌ (٤) إلى الرَّسول ﷺ بقرينة السِّياق، والسُّؤال والجواب، وقِيلَ: إنَّ عمر لمَّا رأى الأمر كاد يتغيَّر سأل عن الفتنة الَّتي تأتي (٥) بعده خوفًا أن يدركها، مع أنَّه علم الباب الَّذي تكون الفتنة بعد كسره، لكنَّه من شدَّة الخوف خشيَ أن يكون نسي، فسأل من ذكَّره (٦).
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريِّين وكوفيِّين، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦] و «الفتن» [خ¦٧٠٩٦] و «الصَّوم» [خ¦١٨٩٥]،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤ - باب الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهَا - لَجَرِيءٌ. قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنْ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذن لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ.
[الحديث ٥٢٥ - أطرافه في: ٧٠٩٦، ٣٥٨٦، ١٨٩٥، ١٤٣٥]
قَوْلُهُ (بَابُ الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بَابُ تَكْفِيرِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ.
قَوْلُهُ (سمعت حذيفة) لِلْمُسْتَمْلِي حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ.
قَوْلُهُ (فِي الْفِتْنَةِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ. إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا عَنْ فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَمَعْنَى الْفِتْنَةِ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَكْشِفُهُ الِامْتِحَانُ عَنْ سُوءٍ. وَتُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْغُلُوِّ فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَعَلَى الْفَضِيحَةِ وَالْبَلِيَّةِ وَالْعَذَابِ وَالْقِتَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنَ الْحَسَنِ إِلَى الْقَبِيحِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
قَوْلُهُ (أَنَا كَمَا قَالَهُ) أَيْ أَنَا أَحْفَظُ مَا قَالَهُ، وَالْكَافُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ هِيَ بِمَعْنَى عَلَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمِثْلِيَّةُ، أَيْ أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَهُ.
قَوْلُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (أَوْ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَقَالَةِ، وَالشَّكُّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ.
قَوْلُهُ (الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ) أَيِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ (قُلْنَا) هُوَ مَقُولُ شَقِيقٍ. وَقَوْلُهُ (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) هُوَ مَقُولُ حُذَيْفَةَ. وَ (الْأَغَالِيطُ) جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ. وَقَوْلُهُ (فَهَبْنَا) أَيْ خِفْنَا، وَهُوَ مَقُولُ شَقِيقٍ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ (الْبَابُ عُمَرُ) لَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ (إِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابًا)؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، أَيْ بَيْنَ زَمَانِكَ وَبَيْنَ زَمَانِ الْفِتْنَةِ وُجُودُ حَيَاتِكَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ.
[الحديث ٥٢٦ - طرفه في: ٤٦٨٧]
قَوْلُهُ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ أَبُو الْيَسَرِ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - الْأَنْصَارِيُّ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مِنَ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي التَّأْكِيدِ، وَسَقَطَ كُلِّهمْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة الأسديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، وللمُستملي: «حدَّثني» بالإفراد «حذيفة» ﵁ حال كونه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) أي: جالسين (عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵁، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «النَّبيِّ» (ﷺ فِي الفِتْنَةِ) المخصوصة؟، وهي في الأصل: الاختبار والامتحان، قال حذيفة ﵁: (قُلْتُ: أَنَا) أحفظ (كَمَا قَالَهُ) أي: رسول الله ﷺ، والكاف في «كما» زائدةٌ للتَّأكيد (قَالَ) عمر لحذيفة: (إِنَّكَ عَلَيْهِ) أي: على النَّبيِّ ﷺ (أَوْ عَلَيْهَا) على المقالة (لَجَرِيءٌ) بوزن «فَعِيلٍ» من الجرأة، أي: جسورٌ مِقْدامٌ، قاله على جهة الإنكار والشَّكِّ من حذيفة، أومن غيره من الرُّواة، قال حذيفة: (قُلْتُ) هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بأن يأتيَ من أجلهم (١)
بما لا يحلُّ من القول والفعل (وَ) فتنته (١) في (مَالِهِ) بأن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه (وَ) فتنته (٢) في (وَلَدِهِ) بفرط المحبَّة والشُّغل به عن كثيرٍ من الخيرات، أو التَّوغُّل في الاكتساب من أجلهم من غير اتِّقاء المُحرَّمات (وَ) فتنته في (جَارِهِ) بأن يتمنَّى مثل حاله إن كان متَّسعًا (٣) مع الزَّوال، هذه كلُّها (تُكَفِّرُهَا (٤) الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ) بالمعروف (وَالنَّهْيُ) عن المُنكَر كما صرَّح به في «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٥] وكلُّها تكفِّر الصَّغائر فقط لحديث: «إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارةٌ لما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر» ففيه تقييدٌ لِما أُطلِق، فإن قلت: إذا كانت الصَّغائر مكفَّرةً باجتناب الكبائر فما الَّذي تكفِّره الصَّلوات الخمس؟ أُجيب بأنَّه لا يتمُّ اجتناب الكبائر إِلَّا بفعل الصَّلوات الخمس، فإن لم يفعلها لم يكن مجتنبًا للكبائر، فتوقَّف التَّكفير على فعلها (٥) (قَالَ) عمر ﵁: (لَيْسَ هَذَا) الَّذي ذكرته (أُرِيدُ، وَلَكِنِ) الَّذي أريده (٦) (الفِتْنَةَ) بالنَّصب مفعول فعلٍ مُقدَّرٍ، أي: أريد الفتنة الكبرى الكاملة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ
البَحْرُ) أي: تضطرب كاضطرابه، و «ما» مصدريَّةٌ (قَالَ) حذيفة لعمر: (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا) وللأربعة: «لبابًا» (مُغْلَقًا) بالنَّصب صفةٌ لسابقه، اسم مفعولٍ من «أغلق» رباعيًّا، أي: لا يخرج شيءٌ من الفتن في حياتك (قَالَ) عمر: (أَيُكْسَرُ) هذا الباب (أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (يُكْسَرُ، قَالَ) عمر (١): (إذنْ) جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن انكسر (لَا يُغْلَقَ أَبَدًا) فإنَّ الإغلاق إنَّما يكون في الصَّحيح، وأمَّا الكسر فهو هتكٌ لا يُجبَر، ولذلك انخرق عليهم بقتل عثمان ﵁ من الفتن ما لا يُغلَق إلى يوم القيامة، و «إذن»: حرفٌ ناصبٌ (٢)، و «لا (٣) يغلقَ»: منصوبٌ بها لوجود ما اشتُرِط في عملها وهو تصديرها، وكون الفعل مُستقبَلًا، واتِّصاله بها، و (٤) انفصاله عنها بالقسم أو بـ «لا» النَّافية لا يبطل عملها (٥)، وفي كتابة «إذن» بالنُّون خلافٌ (٦)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يُغلَقُ» بالرَّفع بتقدير، نحو: «الباب» أو «هو»،
قال شقيقٌ: (قُلْنَا) لحذيفة: (أَكَانَ عُمَرُ) ﵁ (يَعْلَمُ البَابَ؟! قَالَ: نَعَمْ) يعلمه (كَمَا) يعلم (أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ) أي: أنَّ اللَّيلة أقرب من الغد، قِيلَ: وإنَّما علمه عمر ﵁ لأنَّه ﵊ كان على «حِرَاء» هو والعُمَران وعثمان ﵃، فاهتزَّ، فقال ﵊: «إنَّما عليك نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشهيدان» قال حذيفة: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) أي: عمر (بِحَدِيثٍ) صدقٍ عن الرَّسول ﷺ (لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) بفتح الهمزة، جمع أُغلوطةٍ بضمِّها، قال شقيقٌ: (فَهِبْنَا) أي: خفنا (١) (أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ): مَنِ الباب؟ (فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) -هو ابن الأجدع- أن يسأله (فَسَأَلَهُ (٢)، فَقَالَ) حذيفة: (البَابُ) هو (عُمَرُ) ﵁، ولا تغاير بين قوله أوَّلًا: «إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلَقًا» وبين قوله هنا: «إنَّه هو الباب» لأنَّ المُراد بقوله: «بينك» أي: بين زمانك وبين (٣) زمان الفتنة وجود حياتك، وعلمُ حذيفة بذلك مستندٌ (٤) إلى الرَّسول ﷺ بقرينة السِّياق، والسُّؤال والجواب، وقِيلَ: إنَّ عمر لمَّا رأى الأمر كاد يتغيَّر سأل عن الفتنة الَّتي تأتي (٥) بعده خوفًا أن يدركها، مع أنَّه علم الباب الَّذي تكون الفتنة بعد كسره، لكنَّه من شدَّة الخوف خشيَ أن يكون نسي، فسأل من ذكَّره (٦).
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريِّين وكوفيِّين، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦] و «الفتن» [خ¦٧٠٩٦] و «الصَّوم» [خ¦١٨٩٥]،