«سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٧

الحديث رقم ٥٢٧ من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل الصلاة لوقتها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٧ في صحيح البخاري

«سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي».

بَابٌ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ

إسناد حديث رقم ٥٢٧ من صحيح البخاري

٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ : أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ الْمُرْجِئَةُ بِظَاهِرِهِ، وَظَاهِرِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ مُكَفِّرَةٌ لِلْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الصَّغَائِرِ، عَمَلًا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا

٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

[الحديث ٥٢٧ - أطرافه في: ٧٥٣٤، ٥٩٧٠، ٢٧٨٢]

قَوْلُهُ (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) كَذَا تَرْجَمَ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ شُعْبَةَ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظَيْنِ.

قَوْلُهُ (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي) هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) كَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مُبْهَمًا، وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ فَصَرَّحَا بَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ (وَأَشَارَ بِيَدِهِ) فِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظُ حَدِيثِ الْبَابِ مَلْزُومٌ عَنْهُ. وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ، أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ، أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ. الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّرَاخِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ.

قُلْتُ: وَفِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ قَضَاءً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ، وَلَفْظُ أَحَبَّ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازُ عَنْ إِيقَاعِهَا آخِرَ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ وَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ

أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ؛ فَوَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا مِنْ مَعْذُورٍ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمَا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، لَكِنَّ إِيقَاعَهَا فِي الْوَقْتِ أَحَبُّ.

(تَنْبِيهٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَنْ وَقْتِهَا وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ شَيْخٌ صَدُوقٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَا أَحْسَبُهُ حَفِظَهُ؛ لِأَنَّهُ كَبُرَ وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ.

قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْمَعْمَرِيُّ، فَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا ثُمَّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الْمَحَامِلِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ غُنْدَرٍ عَنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْمَرِيَّ وَهِمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ رِوَايَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ضَعِيفَةٌ اهـ، لَكِنْ لَهَا طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، وَتَفَرَّدَ عُثْمَانُ بِذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهَا كَذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِد، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظَةِ عَلَى؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ لِوَقْتِهَا اللَّامُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ مُسْتَقْبِلَاتٍ عِدَّتَهُنَّ، وَقِيلَ لِلِابْتِدَاءِ؛ كَقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقِيلَ بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي وَقْتِهَا. وَقَوْلُهُ: عَلَى وَقْتِهَا قِيلَ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ فَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ لِإِرَادَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ، وَفَائِدَتُهُ تَحَقُّقُ دُخُولِ الْوَقْتِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ فِيهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَيُّ) قِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَتَنْوِينُهُ وَوَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهُ خَطَأٌ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ وَقْفَةً لَطِيفَةً، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ الْخَشَّابِ الْجَزْمَ بِتَنْوِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ غَيْرُ مُضَافٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُضَافٌ تَقْدِيرًا وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ لَفْظًا، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ؟ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِينٍ. وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهَا تُعْرَبُ وَلَكِنَّهَا تُبْنَى إِذَا أُضِيفَتْ، وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّجَّاجُ.

قَوْلُهُ (قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِزِيَادَةِ ثُمَّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَيْثُ قَالَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَهَا فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) هُوَ مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ بَاشَرَ السُّؤَالَ وَسَمِعَ الْجَوَابَ.

قَوْلُهُ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ مَرَاتِبُ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ: فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. فَكَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ مَشَقَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَمَا تَرَكْتُ أَنْ أَسْتَزِيدَهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ. أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْأَمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنْ مَسَائِلَ شَتَّى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالرِّفْقُ بِالْعَالِمِ، وَالتَّوَقُّفُ عَنِ الْإِكْثَارِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ مَلَالِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ مُمَيَّزَةً لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقَديمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: يكفِّرن (﴿السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) الصَّغائر لحديث: «إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة مكفِّراتٌ ما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر» (فَقَالَ الرَّجُلُ) المعهود: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِي هَذَا؟) بهمزة الاستفهام، واسم الإشارة: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «لي»: خبرٌ مُقدَّمٌ ليفيد الاختصاص (قَالَ) : هو (١) (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) مُبالَغةً في التَّأكيد، لكن سقط «كلِّهم» من رواية المُستملي، كذا (٢) قاله العينيُّ كابن حجرٍ، والَّذي في الفرع -كأصله- رُقِم علامة سقوطها لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ، والله أعلم.

ورواته الخمسة بصريُّون ماخلا قتيبة، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الصَّلاة».

(٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) أي: في وقتها أو على وقتها.

٥٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ البصريُّ، وسقط من رواية الأَصيليِّ «هشام بن عبد الملك» (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: الوَلِيدُ بْنُ

العَيْزَارِ) بعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فزايٍ فألفٍ فراءٍ، ابن حُرَيْثٍ بضمِّ المُهمَلة آخره مُثلَّثةٌ، الكوفيُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني الوليد بن العَيْزار (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) سعد بن إياسٍ بسكون العين وبكسر الهمزة في «إِياسٍ» وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة (الشَّيْبَانِيَّ) المُخضرَم الكوفيَّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وله مئةٌ وعشرون سنةً (يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) هو عبد الله بن مسعودٍ كما صرَّح به مالكُ بن مغولٍ عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] (وَأَشَارَ) أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ بيدِهِ (إلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ اكتفاءً بالإشارة المفهمة (١) عن التَّصريح (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ) : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) اتَّفق أصحاب شعبة على هذا اللَّفظ، وخالفهم عليُّ بن حفصٍ، وهو ممَّن احتجَّ به مسلمٌ، فقال: «الصَّلاة في أوَّل وقتها» رواه الحاكم والدَّارقُطنيُّ، واحتُرِز بقوله: «على وقتها» عمَّا إذا وقعت الصَّلاة (٢) خارج وقتها من معذورٍ كالنَّائم والنَّاسي، فإنَّ إخراجهما لها عن وقتها لا يُوصَف بتحريمٍ، ولا بأنَّه أفضل الأعمال، مع أنَّه محبوبٌ، لكنَّ إيقاعها في الوقت أحبُّ.

ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة باللَّام وبين الحديث بـ «على»: أنَّ «اللَّام» قد تأتي بمعنى «على»، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعضٍ عند الكوفيِّين، كهي في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ

لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] أي: عليها ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: عليه، أو هي لام التَّأقيت (١) والتَّأريخ كهي في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: وقتها، وهو الطُّهر، فإنَّ «اللَّام» في الأزمان وما أشبهها للتَّأقيت، ومن عدَّ العدَّة بالحيض علَّق اللَّام بمحذوفٍ، مثل: مستقبلاتٍ، قاله البيضاويُّ، فعلى قول الكوفيِّين: إنَّ حروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، فهما متطابقان، وإِلَّا فمتغايران لأنَّ «على» للاستعلاء على الوقت، والتَّمكُّن من أداء الصَّلاة في أيِّ جزءٍ كان من أجزائه، و «اللَّام» لاستقبال الوقت، أو «اللَّام» بمعنى «في» لأنَّ الوقت ظرفٌ لها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيها (٢) (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: قلت لرسول الله : (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين، كما سمعه أبو الفرج بن الجوزيِّ

من ابن الخشَّاب، وقال -يعني: ابن الخشَّاب-: لا يجوز غيره لأنَّه اسمٌ مُعرَبٌ غير مُضافٍ، وأجاب الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» بأنَّه مُضافٌ تقديرًا، و (١) المُضاف إليه محذوفٌ لوقوعه في الاستفهام، والتَّقدير: ثمَّ أيُّ العمل أفضل؟ قال: فالأَوْلى أن يُوقَف عليه بإسكان الياء، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كأنَّه فُهِم أنَّ ابن الخشَّاب نفى كونه مضافًا مُطلَقًا حتَّى أورد عليه أنَّه مُضافٌ تقديرًا، وليس هذا مراد ابن الخشَّاب قطعًا، إذ هو بصدد تعليله (٢) إيجاب التَّنوين فيه، وهو يثبت بكونه غير مضافٍ لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدم تنوينه، بل ولا يجوِّزه، وتوجيه الفاكهانيِّ في «شرح العمدة» بأنَّه موقوفٌ عليه في الكلام، والسَّائل ينتظر الجواب منه ، والتَّنوين لا يُوقَف عليه إجماعًا، وحينئذٍ فتنوينه ووصله بما بعده خطأٌ، فيُوقَف عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتَى (٣) بما بعده، أُجيب عنه بأنَّ الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعيَ حال المحكيِّ عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته الَّتي هو فيها، والاستعمالات الفصيحة شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فهذا كلام (٤) محكيٌّ بُدِئ بهمزة قطعٍ وخُتِم بتنوينٍ، ولم يقل أحدٌ بوجوب الوقف على «قالوا» محافظةً على الإتيان بهمزة القطع كما كانت في كلامهم المحكيِّ، ولا بوجوب الوقف على الميم بالسُّكون كما وقفوا عليه، بل يجوز الوصل إجماعًا، فتُراعَى حالته، قاله الدَّمامينيُّ (قَالَ) : (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسان إليهما،

والقيام بخدمتهما، وترك عقوقهما، وللمُستملي: «ثمَّ برُّ الوالدين» (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ : قلت: (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين كما سبق (قَالَ) : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله ﷿، وإظهار شعائر الإسلام بالنَّفس والمال (قَالَ) ابن مسعودٍ : (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي: بالثَّلاثة (رَسُولُ اللهِ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: لو (١) طلبت منه الزِّيادة في السُّؤال (لَزَادَنِي) في الجواب، فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب ونحو: «إنَّ إطعام الطَّعام خير أعمال الإسلام»؟ أُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلاف أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما هو لائقٌ بهم، أو الاختلاف باختلاف الأوقات، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنَّه وسيلةٌ إلى القيام بها، ولا ريبَ أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّدقة، وقد تكون في وقت مواساة المُضطَر أفضل، أو أنَّ «أفعل» ليست على بابها، بل المُراد بها الفضل المُطلَق، أو هو على حذف «من» وإرادتها.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول والسَّماع والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] وفي (٢) «الأدب» [خ¦٥٩٧٠] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة» وفي «البرِّ والصِّلةِ»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كفَّاراتٌ للخطايا إذا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُودٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ الْمُرْجِئَةُ بِظَاهِرِهِ، وَظَاهِرِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ مُكَفِّرَةٌ لِلْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الصَّغَائِرِ، عَمَلًا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٥ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا

٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

[الحديث ٥٢٧ - أطرافه في: ٧٥٣٤، ٥٩٧٠، ٢٧٨٢]

قَوْلُهُ (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) كَذَا تَرْجَمَ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ شُعْبَةَ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظَيْنِ.

قَوْلُهُ (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي) هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) كَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مُبْهَمًا، وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ فَصَرَّحَا بَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ (وَأَشَارَ بِيَدِهِ) فِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ فَلَفْظُ حَدِيثِ الْبَابِ مَلْزُومٌ عَنْهُ. وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ، أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ، أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ. الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّرَاخِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ.

قُلْتُ: وَفِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ قَضَاءً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ، وَلَفْظُ أَحَبَّ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازُ عَنْ إِيقَاعِهَا آخِرَ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ وَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ

أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ؛ فَوَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا مِنْ مَعْذُورٍ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمَا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، لَكِنَّ إِيقَاعَهَا فِي الْوَقْتِ أَحَبُّ.

(تَنْبِيهٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَنْ وَقْتِهَا وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ شَيْخٌ صَدُوقٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَا أَحْسَبُهُ حَفِظَهُ؛ لِأَنَّهُ كَبُرَ وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ.

قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْمَعْمَرِيُّ، فَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا ثُمَّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الْمَحَامِلِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ غُنْدَرٍ عَنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْمَرِيَّ وَهِمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ رِوَايَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ضَعِيفَةٌ اهـ، لَكِنْ لَهَا طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، وَتَفَرَّدَ عُثْمَانُ بِذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهَا كَذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِد، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ لَفْظَةِ عَلَى؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ لِوَقْتِهَا اللَّامُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ مُسْتَقْبِلَاتٍ عِدَّتَهُنَّ، وَقِيلَ لِلِابْتِدَاءِ؛ كَقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وَقِيلَ بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي وَقْتِهَا. وَقَوْلُهُ: عَلَى وَقْتِهَا قِيلَ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ فَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ لِإِرَادَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ، وَفَائِدَتُهُ تَحَقُّقُ دُخُولِ الْوَقْتِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ فِيهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَيُّ) قِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَتَنْوِينُهُ وَوَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهُ خَطَأٌ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ وَقْفَةً لَطِيفَةً، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ الْخَشَّابِ الْجَزْمَ بِتَنْوِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ غَيْرُ مُضَافٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُضَافٌ تَقْدِيرًا وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ لَفْظًا، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ؟ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِينٍ. وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهَا تُعْرَبُ وَلَكِنَّهَا تُبْنَى إِذَا أُضِيفَتْ، وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّجَّاجُ.

قَوْلُهُ (قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِزِيَادَةِ ثُمَّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَيْثُ قَالَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَهَا فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) هُوَ مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ بَاشَرَ السُّؤَالَ وَسَمِعَ الْجَوَابَ.

قَوْلُهُ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ مَرَاتِبُ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ: فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. فَكَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ مَشَقَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَمَا تَرَكْتُ أَنْ أَسْتَزِيدَهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ. أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْأَمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنْ مَسَائِلَ شَتَّى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالرِّفْقُ بِالْعَالِمِ، وَالتَّوَقُّفُ عَنِ الْإِكْثَارِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ مَلَالِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ مُمَيَّزَةً لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقَديمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: يكفِّرن (﴿السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) الصَّغائر لحديث: «إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة مكفِّراتٌ ما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر» (فَقَالَ الرَّجُلُ) المعهود: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِي هَذَا؟) بهمزة الاستفهام، واسم الإشارة: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «لي»: خبرٌ مُقدَّمٌ ليفيد الاختصاص (قَالَ) : هو (١) (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) مُبالَغةً في التَّأكيد، لكن سقط «كلِّهم» من رواية المُستملي، كذا (٢) قاله العينيُّ كابن حجرٍ، والَّذي في الفرع -كأصله- رُقِم علامة سقوطها لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ، والله أعلم.

ورواته الخمسة بصريُّون ماخلا قتيبة، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «الصَّلاة».

(٥) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا) أي: في وقتها أو على وقتها.

٥٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ البصريُّ، وسقط من رواية الأَصيليِّ «هشام بن عبد الملك» (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: الوَلِيدُ بْنُ

العَيْزَارِ) بعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ فزايٍ فألفٍ فراءٍ، ابن حُرَيْثٍ بضمِّ المُهمَلة آخره مُثلَّثةٌ، الكوفيُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: حدَّثنا شعبة قال: أخبرني الوليد بن العَيْزار (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) سعد بن إياسٍ بسكون العين وبكسر الهمزة في «إِياسٍ» وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة (الشَّيْبَانِيَّ) المُخضرَم الكوفيَّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وله مئةٌ وعشرون سنةً (يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) هو عبد الله بن مسعودٍ كما صرَّح به مالكُ بن مغولٍ عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] (وَأَشَارَ) أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ بيدِهِ (إلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ اكتفاءً بالإشارة المفهمة (١) عن التَّصريح (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ) : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) اتَّفق أصحاب شعبة على هذا اللَّفظ، وخالفهم عليُّ بن حفصٍ، وهو ممَّن احتجَّ به مسلمٌ، فقال: «الصَّلاة في أوَّل وقتها» رواه الحاكم والدَّارقُطنيُّ، واحتُرِز بقوله: «على وقتها» عمَّا إذا وقعت الصَّلاة (٢) خارج وقتها من معذورٍ كالنَّائم والنَّاسي، فإنَّ إخراجهما لها عن وقتها لا يُوصَف بتحريمٍ، ولا بأنَّه أفضل الأعمال، مع أنَّه محبوبٌ، لكنَّ إيقاعها في الوقت أحبُّ.

ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة باللَّام وبين الحديث بـ «على»: أنَّ «اللَّام» قد تأتي بمعنى «على»، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعضٍ عند الكوفيِّين، كهي في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ

لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] أي: عليها ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: عليه، أو هي لام التَّأقيت (١) والتَّأريخ كهي في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: وقتها، وهو الطُّهر، فإنَّ «اللَّام» في الأزمان وما أشبهها للتَّأقيت، ومن عدَّ العدَّة بالحيض علَّق اللَّام بمحذوفٍ، مثل: مستقبلاتٍ، قاله البيضاويُّ، فعلى قول الكوفيِّين: إنَّ حروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، فهما متطابقان، وإِلَّا فمتغايران لأنَّ «على» للاستعلاء على الوقت، والتَّمكُّن من أداء الصَّلاة في أيِّ جزءٍ كان من أجزائه، و «اللَّام» لاستقبال الوقت، أو «اللَّام» بمعنى «في» لأنَّ الوقت ظرفٌ لها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيها (٢) (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: قلت لرسول الله : (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين، كما سمعه أبو الفرج بن الجوزيِّ

من ابن الخشَّاب، وقال -يعني: ابن الخشَّاب-: لا يجوز غيره لأنَّه اسمٌ مُعرَبٌ غير مُضافٍ، وأجاب الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» بأنَّه مُضافٌ تقديرًا، و (١) المُضاف إليه محذوفٌ لوقوعه في الاستفهام، والتَّقدير: ثمَّ أيُّ العمل أفضل؟ قال: فالأَوْلى أن يُوقَف عليه بإسكان الياء، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كأنَّه فُهِم أنَّ ابن الخشَّاب نفى كونه مضافًا مُطلَقًا حتَّى أورد عليه أنَّه مُضافٌ تقديرًا، وليس هذا مراد ابن الخشَّاب قطعًا، إذ هو بصدد تعليله (٢) إيجاب التَّنوين فيه، وهو يثبت بكونه غير مضافٍ لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدم تنوينه، بل ولا يجوِّزه، وتوجيه الفاكهانيِّ في «شرح العمدة» بأنَّه موقوفٌ عليه في الكلام، والسَّائل ينتظر الجواب منه ، والتَّنوين لا يُوقَف عليه إجماعًا، وحينئذٍ فتنوينه ووصله بما بعده خطأٌ، فيُوقَف عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتَى (٣) بما بعده، أُجيب عنه بأنَّ الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعيَ حال المحكيِّ عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته الَّتي هو فيها، والاستعمالات الفصيحة شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فهذا كلام (٤) محكيٌّ بُدِئ بهمزة قطعٍ وخُتِم بتنوينٍ، ولم يقل أحدٌ بوجوب الوقف على «قالوا» محافظةً على الإتيان بهمزة القطع كما كانت في كلامهم المحكيِّ، ولا بوجوب الوقف على الميم بالسُّكون كما وقفوا عليه، بل يجوز الوصل إجماعًا، فتُراعَى حالته، قاله الدَّمامينيُّ (قَالَ) : (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسان إليهما،

والقيام بخدمتهما، وترك عقوقهما، وللمُستملي: «ثمَّ برُّ الوالدين» (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ : قلت: (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّشديد والتَّنوين كما سبق (قَالَ) : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله ﷿، وإظهار شعائر الإسلام بالنَّفس والمال (قَالَ) ابن مسعودٍ : (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي: بالثَّلاثة (رَسُولُ اللهِ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: لو (١) طلبت منه الزِّيادة في السُّؤال (لَزَادَنِي) في الجواب، فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب ونحو: «إنَّ إطعام الطَّعام خير أعمال الإسلام»؟ أُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلاف أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما هو لائقٌ بهم، أو الاختلاف باختلاف الأوقات، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنَّه وسيلةٌ إلى القيام بها، ولا ريبَ أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّدقة، وقد تكون في وقت مواساة المُضطَر أفضل، أو أنَّ «أفعل» ليست على بابها، بل المُراد بها الفضل المُطلَق، أو هو على حذف «من» وإرادتها.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول والسَّماع والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٢] وفي (٢) «الأدب» [خ¦٥٩٧٠] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة» وفي «البرِّ والصِّلةِ»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كفَّاراتٌ للخطايا إذا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده