«أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٨٥

الحديث رقم ٥٢٨٥ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٨٥ في صحيح البخاري

«أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ.»

بَابُ نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ

إسناد حديث رقم ٥٢٨٥ من صحيح البخاري

٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةٌ وَقَدْ رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَزَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ أَحَدِ من الْعُلَمَاءِ.

وَفِيهِ أَنَّ الْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ، وَلَوْ كَانَ بِالرِّجَالِ لَأُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِعِدَّةِ الْإِمَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ فَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ أَصْلَهُ تَعْتَدُّ بِحَيْضٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ جِنْسَ مَا تَسْتَبْرِئُ بِهِ رَحِمَهَا لَا الْوَحْدَةُ وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْأَحْكَامِ سُنَنًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا وَاجِبًا، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ مَا دُونَ الْوَاجِبِ سُنَّةً اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ. وَفِيهِ جَوَازُ جَبْرِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ عَلَى تَزْوِيجِ مَنْ لَا تَخْتَارُهُ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقِهِ أَوْ خَلْقِهِ وَهِيَ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ جَمِيلَةً غَيْرَ سَوْدَاءَ بِخِلَافِ زَوْجِهَا وَقَدْ زُوِّجَتْ مِنْهُ وَظَهَرَ عَدَمُ اخْتِيَارِهَا لِذَلِكَ بَعْدَ عِتْقِهَا. وَفِيهِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ يُبْغِضُ الْآخَرَ وَلَا يُظْهِرُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَرِيرَةُ مَعَ بُغْضِهَا مُغِيثًا كَانَتْ تَصِبرُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا تُعَامِلُهُ بِمَا يَقْتضِيهِ الْبُغْضُ إِلَى أَنْ فَرَّجَ اللَّهِ عَنْهَا.

وَفِيهِ تَنْبِيهُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ إِذَا جَهِلَهُ، وَاسْتِقْلَالُ الْمُكَاتَبِ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ، وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى السَّادَةِ وَإِطْلَاقُ الْعَبِيدِ عَلَى الْأَرِقَّاءِ، وَجَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ مُغِيثًا، وَأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ وَأَنَّ لِلْمُعْتِقِ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ مُعْتِقِهِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي ثَوَابِ الْعِتْقِ، وَجَوَازُ الْهَدِيَّةِ لِأَهْلِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ، وَقَبُولُ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا رِيبَةَ، وَفِيهِ سُؤَالُ الرَّجُلِ عَمَّا لَمْ يَعْهَدْهُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ حَيْثُ وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ عَهِدَهُ وَفَاتَ فَلَا يَقُولُ لِأَهْلِهِ أَيْنَ ذَهَبَ؟ وَهُنَا سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَعَايَنَهُ ثُمَّ أُحْضِرَ لَهُ غَيْرُهُ فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ إِحْضَارَهُ لَهُ شُحًّا عَلَيْهِ بَلْ لِتَوَهُّمِ تَحْرِيمِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الْجَوَازَ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَبْسِيطِ الْإِنْسَانِ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْزِلِهِ وَمَا عَهِدَهُ فِيهِ قَبْلُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعِنْدِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي اللَّحْمِ وَأَنَّهُ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَالثَّانِي بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ أَيْنَ هُوَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أُهْدِيَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَعْضِ إِلْزَامِهَا كَأَقَارِبِهَا مَثَلًا وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْأَوَّلُ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَنْ أَصْلِ الْمَالِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يُظَنَّ تَحْرِيمُهُ أَوْ تَظْهَرُ فِيهِ شُبْهَةٌ، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى بَرِيرَةَ وَلَا عَنْ حَالِهِ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَى بَرِيرَةَ بِالصَّدَقَةِ فَلَمْ يَتِمَّ هَذَا.

١٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾

٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ; وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ وَلَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ لِقِيَامِ الِاحْتِمَالِ عِنْدَهُ فِي تَأْوِيلِهَا، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ وَأَنَّهَا خُصَّتْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نعم، ولكن أَرْجِعُ إلى رسول الله فأستأمرْهُ، فقالت: أَبِي تتبرَّم؟ ثمَّ استغاثتْ عليه، فضربوهُ ضربًا شديدًا ثمَّ خلوا سبيله، فلمَّا قضَى حاجته بمكَّة وانصرفَ إلى رسولِ الله فأعلمه الَّذي كان من أمرهِ وأمر عَنَاق، وقال: يا رسول الله، أيحلُّ لي أن أتزوَّجها؟ فأنزلَ الله تعالى الآية.

٥٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث» هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) (كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ، قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ) بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أكثر» بالمثلثة بدل الموحدة (مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى) إشارة إلى قول النَّصارى: المسيحُ ابن الله، واليهود: عزيرٌ ابن الله (وَهْوَ) أي: عيسى (عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ) وهذا مصيرٌ من ابن عمر إلى استمرارِ حُكم عمومِ آية البقرة السَّابقة، ولعلَّه كان يرى أنَّ آية المائدة منسوخة، وبه جزمَ إبراهيمُ الحربيُّ. والجمهورُ على أنَّ عموم آية البقرة خُصَّ بآية المائدة وهي قوله (١) تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: التَّوراة والإنجيل، وعن بعض السَّلف: أنَّ المرادَ بالمشركات عبدةُ الأوثانِ والمجوس، وقد قيل: إنَّ القائلَ من اليهود والنَّصارى العزير ابن الله، والمسيح ابن الله طائفتان انقرضُوا لا كلهم، ويهود ديار مصر مصرِّحون بالتَّنزيه عن ذلك وبالتَّوحيد، وروى ابن المنذر: أنَّ ابن عمر شذَّ بذلك، فقال: لا يحفظُ عن أحدٍ من الأوائلِ أنَّه حرَّم ذلك. لكن روى ابنُ أبي شيبة بسندٍ حسنٍ عن عطاء: كراهيةَ نكاحِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وروي عن عمر أنَّه كان يأمرُ بالتَّنزُّه عنهنَّ من غيرِ أن يحرِّمهنَّ لخلطة الكافرةِ وخوف الفتنةِ على الولد؛ لأنَّه في صغرهِ ألزم لأمِّه، ومثلُه قول مالكٍ : تصير تشربُ الخمر وهو يقبِّلُ ويُضاجع لا لعدم الحلِّ، ويدلُّ على الحلِّ تزوُّج بعض الصَّحابة منهم وخطبة بعضهم، فمن المتزوِّجين: حُذيفة، وطلحةُ، وكعبُ بن مالك، وقد خطب المغيرةُ بن شُعبة

هند ابنة النُّعمان بن المنذر، وكانت تنصَّرت وديرُها باقٍ إلى اليوم بظاهرِ الكوفة، وكانتْ قد عميتْ فأبت، وقالت: أيُّ رغبةٍ لشيخٍ أعور في عجوزٍ عمياءَ، ولكن أردتَ أن تفخرَ بنِكاحي، فتقول: تزوَّجتُ بنتَ النُّعمان بن المنذر. فقال: صدقتِ، وأنشدَ:

أَدْرَكْتِ مَا مَنَّيْتُ نَفْسِي خَالِيًا … للهِ دَرُّكِ يَا ابْنَةَ النُّعْمَانِ

فَلَقَدْ رَدَدْتِ عَلَى المُغِيْرَةِ ذِهْنَهُ … إِنَّ المُلُوكَ ذَكِيَّةُ الأَذْهَانِ

في أبياتٍ.

والأئمَّة الأربعة على حلِّ الكتابيَّة الحرَّة، وعلى المنعِ من غير أهلِ الكتابين من المجوسِ وإن كان لهم شبهةُ كتابٍ؛ إذ لا كتابَ بأيديهِم، وكذا المتمسِّكُون بصحفِ شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داود لأنَّها لم تتنزَّل (١) بنظم يُدْرَسُ ويُتلى، وإنَّما أوحي إليهم مَعانيها وسائر الكفَّار، كعبدةِ الشَّمس والقمر والصُّور والنُّجوم والمعطِّلة والزَّنادقة والباطنيَّة، وفرَّق القفَّال بين الكتابيَّة وغيرها بأنَّ غيرها اجتمعَ فيه نقصان الكفْرِ في الحالِ، وفساد الدِّين في الأصل، والكتابيَّة فيها نقصٌ واحدٌ، وهو كفرها في الحالِ، وشرط أصحابنا الشَّافعيَّة في حلِّ نكاحِ الكتابيَّة؛ في إسرائيليَّةٍ: أن لا يعلم دخول أوَّل آبائها في ذلك الدِّين بعد بعثةٍ تنسخُهُ، وهي بعثةُ عيسى أو نبيِّنا، وذلك بأنْ عُلِمَ دخولُه فيه قبلَها أو شُكَّ، وإنْ عُلِمَ دخولُه فيه بعدَ تحريفِهِ، أو بعدَ بعثةٍ لا تنسخُهُ، كبعثةِ مَنْ بين موسى وعيسى؛ لشرفِ نسبهم بخلافِ ما إذا عُلِمَ دخولُه فيه بعدَها لسقوطِ فضيلتهِ بها، فإن لم تكن الكتابيَّة إسرائيليَّة فالأظهرُ حلُّها إن عُلِمَ دخولُ أوَّل (٢) آبائها في ذلكَ الدِّين قبلَ نسخهِ وتحريفهِ، أو بعدَ تحريفِه إنْ تجنَّبوا المحرَّف.

(١٩) (بابُ) حكم (نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكَاتِ وَ) حكم (عِدَّتِهِنَّ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةٌ وَقَدْ رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَزَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ أَحَدِ من الْعُلَمَاءِ.

وَفِيهِ أَنَّ الْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ، وَلَوْ كَانَ بِالرِّجَالِ لَأُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِعِدَّةِ الْإِمَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ فَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ أَصْلَهُ تَعْتَدُّ بِحَيْضٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ جِنْسَ مَا تَسْتَبْرِئُ بِهِ رَحِمَهَا لَا الْوَحْدَةُ وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْأَحْكَامِ سُنَنًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا وَاجِبًا، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ مَا دُونَ الْوَاجِبِ سُنَّةً اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ. وَفِيهِ جَوَازُ جَبْرِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ عَلَى تَزْوِيجِ مَنْ لَا تَخْتَارُهُ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقِهِ أَوْ خَلْقِهِ وَهِيَ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ جَمِيلَةً غَيْرَ سَوْدَاءَ بِخِلَافِ زَوْجِهَا وَقَدْ زُوِّجَتْ مِنْهُ وَظَهَرَ عَدَمُ اخْتِيَارِهَا لِذَلِكَ بَعْدَ عِتْقِهَا. وَفِيهِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ يُبْغِضُ الْآخَرَ وَلَا يُظْهِرُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَرِيرَةُ مَعَ بُغْضِهَا مُغِيثًا كَانَتْ تَصِبرُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا تُعَامِلُهُ بِمَا يَقْتضِيهِ الْبُغْضُ إِلَى أَنْ فَرَّجَ اللَّهِ عَنْهَا.

وَفِيهِ تَنْبِيهُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ إِذَا جَهِلَهُ، وَاسْتِقْلَالُ الْمُكَاتَبِ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ، وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى السَّادَةِ وَإِطْلَاقُ الْعَبِيدِ عَلَى الْأَرِقَّاءِ، وَجَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ مُغِيثًا، وَأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ وَأَنَّ لِلْمُعْتِقِ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ مُعْتِقِهِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي ثَوَابِ الْعِتْقِ، وَجَوَازُ الْهَدِيَّةِ لِأَهْلِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ، وَقَبُولُ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا رِيبَةَ، وَفِيهِ سُؤَالُ الرَّجُلِ عَمَّا لَمْ يَعْهَدْهُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ حَيْثُ وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ عَهِدَهُ وَفَاتَ فَلَا يَقُولُ لِأَهْلِهِ أَيْنَ ذَهَبَ؟ وَهُنَا سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَعَايَنَهُ ثُمَّ أُحْضِرَ لَهُ غَيْرُهُ فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ إِحْضَارَهُ لَهُ شُحًّا عَلَيْهِ بَلْ لِتَوَهُّمِ تَحْرِيمِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الْجَوَازَ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَبْسِيطِ الْإِنْسَانِ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْزِلِهِ وَمَا عَهِدَهُ فِيهِ قَبْلُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَعِنْدِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي اللَّحْمِ وَأَنَّهُ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَالثَّانِي بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ أَيْنَ هُوَ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أُهْدِيَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَعْضِ إِلْزَامِهَا كَأَقَارِبِهَا مَثَلًا وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْأَوَّلُ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَنْ أَصْلِ الْمَالِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يُظَنَّ تَحْرِيمُهُ أَوْ تَظْهَرُ فِيهِ شُبْهَةٌ، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى بَرِيرَةَ وَلَا عَنْ حَالِهِ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَى بَرِيرَةَ بِالصَّدَقَةِ فَلَمْ يَتِمَّ هَذَا.

١٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾

٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الْإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ; وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ وَلَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ لِقِيَامِ الِاحْتِمَالِ عِنْدَهُ فِي تَأْوِيلِهَا، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ وَأَنَّهَا خُصَّتْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نعم، ولكن أَرْجِعُ إلى رسول الله فأستأمرْهُ، فقالت: أَبِي تتبرَّم؟ ثمَّ استغاثتْ عليه، فضربوهُ ضربًا شديدًا ثمَّ خلوا سبيله، فلمَّا قضَى حاجته بمكَّة وانصرفَ إلى رسولِ الله فأعلمه الَّذي كان من أمرهِ وأمر عَنَاق، وقال: يا رسول الله، أيحلُّ لي أن أتزوَّجها؟ فأنزلَ الله تعالى الآية.

٥٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث» هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) (كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ، قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ) بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أكثر» بالمثلثة بدل الموحدة (مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى) إشارة إلى قول النَّصارى: المسيحُ ابن الله، واليهود: عزيرٌ ابن الله (وَهْوَ) أي: عيسى (عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ) وهذا مصيرٌ من ابن عمر إلى استمرارِ حُكم عمومِ آية البقرة السَّابقة، ولعلَّه كان يرى أنَّ آية المائدة منسوخة، وبه جزمَ إبراهيمُ الحربيُّ. والجمهورُ على أنَّ عموم آية البقرة خُصَّ بآية المائدة وهي قوله (١) تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: التَّوراة والإنجيل، وعن بعض السَّلف: أنَّ المرادَ بالمشركات عبدةُ الأوثانِ والمجوس، وقد قيل: إنَّ القائلَ من اليهود والنَّصارى العزير ابن الله، والمسيح ابن الله طائفتان انقرضُوا لا كلهم، ويهود ديار مصر مصرِّحون بالتَّنزيه عن ذلك وبالتَّوحيد، وروى ابن المنذر: أنَّ ابن عمر شذَّ بذلك، فقال: لا يحفظُ عن أحدٍ من الأوائلِ أنَّه حرَّم ذلك. لكن روى ابنُ أبي شيبة بسندٍ حسنٍ عن عطاء: كراهيةَ نكاحِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وروي عن عمر أنَّه كان يأمرُ بالتَّنزُّه عنهنَّ من غيرِ أن يحرِّمهنَّ لخلطة الكافرةِ وخوف الفتنةِ على الولد؛ لأنَّه في صغرهِ ألزم لأمِّه، ومثلُه قول مالكٍ : تصير تشربُ الخمر وهو يقبِّلُ ويُضاجع لا لعدم الحلِّ، ويدلُّ على الحلِّ تزوُّج بعض الصَّحابة منهم وخطبة بعضهم، فمن المتزوِّجين: حُذيفة، وطلحةُ، وكعبُ بن مالك، وقد خطب المغيرةُ بن شُعبة

هند ابنة النُّعمان بن المنذر، وكانت تنصَّرت وديرُها باقٍ إلى اليوم بظاهرِ الكوفة، وكانتْ قد عميتْ فأبت، وقالت: أيُّ رغبةٍ لشيخٍ أعور في عجوزٍ عمياءَ، ولكن أردتَ أن تفخرَ بنِكاحي، فتقول: تزوَّجتُ بنتَ النُّعمان بن المنذر. فقال: صدقتِ، وأنشدَ:

أَدْرَكْتِ مَا مَنَّيْتُ نَفْسِي خَالِيًا … للهِ دَرُّكِ يَا ابْنَةَ النُّعْمَانِ

فَلَقَدْ رَدَدْتِ عَلَى المُغِيْرَةِ ذِهْنَهُ … إِنَّ المُلُوكَ ذَكِيَّةُ الأَذْهَانِ

في أبياتٍ.

والأئمَّة الأربعة على حلِّ الكتابيَّة الحرَّة، وعلى المنعِ من غير أهلِ الكتابين من المجوسِ وإن كان لهم شبهةُ كتابٍ؛ إذ لا كتابَ بأيديهِم، وكذا المتمسِّكُون بصحفِ شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داود لأنَّها لم تتنزَّل (١) بنظم يُدْرَسُ ويُتلى، وإنَّما أوحي إليهم مَعانيها وسائر الكفَّار، كعبدةِ الشَّمس والقمر والصُّور والنُّجوم والمعطِّلة والزَّنادقة والباطنيَّة، وفرَّق القفَّال بين الكتابيَّة وغيرها بأنَّ غيرها اجتمعَ فيه نقصان الكفْرِ في الحالِ، وفساد الدِّين في الأصل، والكتابيَّة فيها نقصٌ واحدٌ، وهو كفرها في الحالِ، وشرط أصحابنا الشَّافعيَّة في حلِّ نكاحِ الكتابيَّة؛ في إسرائيليَّةٍ: أن لا يعلم دخول أوَّل آبائها في ذلك الدِّين بعد بعثةٍ تنسخُهُ، وهي بعثةُ عيسى أو نبيِّنا، وذلك بأنْ عُلِمَ دخولُه فيه قبلَها أو شُكَّ، وإنْ عُلِمَ دخولُه فيه بعدَ تحريفِهِ، أو بعدَ بعثةٍ لا تنسخُهُ، كبعثةِ مَنْ بين موسى وعيسى؛ لشرفِ نسبهم بخلافِ ما إذا عُلِمَ دخولُه فيه بعدَها لسقوطِ فضيلتهِ بها، فإن لم تكن الكتابيَّة إسرائيليَّة فالأظهرُ حلُّها إن عُلِمَ دخولُ أوَّل (٢) آبائها في ذلكَ الدِّين قبلَ نسخهِ وتحريفهِ، أو بعدَ تحريفِه إنْ تجنَّبوا المحرَّف.

(١٩) (بابُ) حكم (نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكَاتِ وَ) حكم (عِدَّتِهِنَّ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله