«أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٢١

الحديث رقم ٥٣٢١ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٣٢١ في صحيح البخاري

«أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ اتَّقِ اللهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا، قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي، وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ.»

إسناد حديث رقم ٥٣٢١ من صحيح البخاري

٥٣٢١ - ٥٣٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٣٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤١ - بَاب قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾

٥٣٢١، ٥٣٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ - اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا. قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ.

[الحديث ٥٣٢١ - أطرافه في: ٥٣٢٣، ٥٣٢٥، ٣٥٢٧]

[الحديث ٥٣٢٢ - أطرافه في: ٥٣٢٤، ٥٣٢٦، ٥٣٢٨]

٥٣٢٣، ٥٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا لِفَاطِمَةَ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ"

٥٣٢٥، ٥٣٢٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ فَقَالَتْ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ قَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالَتْ إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ "

قَوْلُهُ: (قِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: بَابٌ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفَاطِمَةُ هِيَ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَهِيَ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الَّذِي وَلِيَ الْعِرَاقَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَقُتِلَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنْهُ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، وَكَانَ لَهَا عَقْلٌ وَجَمَالٌ وَتَزَوَّجَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ - وَيُقَالُ: أَبُو حَفْصِ بْنُ عَمْرِو - ابْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَخَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ ثَالِثَةٍ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ ابْنَيْ عَمَّيْهِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْ يَدْفَعَا لَهَا تَمْرًا وَشَعِيرًا، فَاسْتَقَلَّتْ ذَلِكَ، وَشَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لَكِ

سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، هَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِصَّتَهَا مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْهَا، وَلَمْ أَرَهَا فِي الْبُخَارِيِّ وَإِنَّمَا تَرْجَمَ لَهَا كَمَا تَرَى، وَأَوْرَدَ أَشْيَاءَ مِنْ قِصَّتِهَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا، وَوَهِمَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فَأَوْرَدَ حَدِيثَهَا بِطُولِهِ فِي الْمُتَّفَقِ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ فَاطِمَةَ عَلَى كَثْرَتِهَا عَنْهَا أَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ الْحَدِيثَ.

وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهْمٌ، وَلَكِنْ أَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أُصِيبَ بِجِرَاحَةٍ، أَوْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: أُصِيبَ أَيْ: مَاتَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكَانَ فِي بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ، فَيَصْدُقُ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَيْ: فِي طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ بِالْمَوْتِ، بَلْ بِالطَّلَاقِ السَّابِقِ عَلَى الْمَوْتِ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ جَمٌّ إِلَى أَنَّهُ مَاتَ مَعَ عَلِيٍّ بِالْيَمَنِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اسْتَقَامَ هَذَا التَّأْوِيلُ وَارْتَفَعَ الْوَهْمُ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهُ ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وَسَاقَ الْآيَاتِ كُلَّهَا إِلَى ﴿يُسْرًا﴾ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) أَيِ: ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَيَحْيَى هُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ.

قَوْلُهُ: (طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ) هِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْوَانَ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ أَيْضًا لِمُعَاوِيَةَ حِينَئِذٍ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْمُهَا عَمْرَةُ فِيمَا قِيلَ، وَسَيَأْتِي فِي الْخَبَرِ الثَّالِثِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ.

قَوْلُهُ: قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي) وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ حَدِيثَيْ شَيْخَيْهِ فَسَاقَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَفْظَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ابْنُ يَسَارٍ وَحْدَهُ، وَلَفْظَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ مَرْوَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي، أَيْ: لَمْ يُطِعْنِي فِي رَدِّهَا إِلَى بَيْتِهَا، وَقِيلَ: مُرَادُهُ غَلَبَنِي بِالْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِالشَّرِّ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) أَيْ: لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ انْتِقَالِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ) أَيْ: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ فَاطِمَةَ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ فَهَذَا السَّبَبُ مَوْجُودٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْ مَرْوَانَ إِلَى الرُّجُوعِ عَنْ رَدِّ خَبَرِ فَاطِمَةَ، فَقَدْ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ طَلَّقَ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَلْبَتَّةَ وَأُمُّهَا حُزْمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأَمَرَتْهَا خَالَتُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ بِالِانْتِقَالِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ فَأَنْكَرَ، فَذَكَرَتْ أَنَّ خَالَتَهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَفْتَاهَا بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ، قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ إِلَى فَاطِمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ، وَزَادَ: فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ يُسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ، فَسَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا النَّاسَ وَسَيَأْتِي لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَكَأَنَّ مَرْوَانَ أَنْكَرَ الْخُرُوجَ مُطْلَقًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِ وُجُودِ عَارِضٍ يَقْتَضِي جَوَازَ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ الطَّلَاقِ، كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ بُنْدَارٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كَذَا

نَسَبَهُ أَبُو مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ وَمِنْهَا نَقْلُ الْمِزِّيِّ، وَلَمْ أُنَبِّهْ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمُقَدِّمَةِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا اتَّصَلَ لَنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ إِلَى الْفَرَبْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّ سَبَبَ الْإِذْنِ فِي انْتِقَالِ فَاطِمَةَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلُقَتْ، فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ لَسُنَّةً وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) أَيِ: ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ) نَسَبَهَا إِلَى جَدِّهَا، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا صَنَعَ أَيْ: زَوْجُهَا فِي تَمْكِينِهَا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ: أَبُوهَا فِي مُوَافَقَتِهَا، وَلِهَذَا أَرْسَلَتْ عَائِشَةَ إِلَى مَرْوَانَ عَمِّهَا وَهُوَ الْأَمِيرُ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْزِلِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَسْمَعِي قَوْلَ فَاطِمَةَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ هُوَ عُرْوَةُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَطَلَّقَهَا وَأَخْرَجَهَا، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: لَقَدْ عَابَتْ وَزَادَ: يَعْنِي فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَقَوْلُهُ: وَحْشٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، أَيْ: خَالٍ لَا أَنِيسَ بِهِ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، فَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ وَقَدْ أَخَذَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ، فَرَتَّبَ الْجَوَازَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا خَشْيَةَ الِاقْتِحَامِ عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ مُطَلِّقِهَا فُحْشٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ مُعَارَضَةً لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِمَا مَعًا فِي شَأْنِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عِلَّتَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْبَابِ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى الْأُخْرَى، إِمَّا لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهَا إِذَا اقْتَضَى خُرُوجَهَا، فَمِثْلُهُ الْخَوْفُ مِنْهَا، بَلْ لَعَلَّهُ أَوْلَى فِي جَوَازِ إِخْرَاجِهَا، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ مَعْنَى الْعِلَّةِ الْأُخْرَى ضَمَّنَهَا التَّرْجَمَةَ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ بَعْضٍ آخَرَ إِذَا صَحَّ طَرِيقُهُ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ شَكْوَاهَا مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِقْلَالِ النَّفَقَةِ، وَأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُ بَدَا مِنْهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرٌّ لِأَصْهَارِهَا وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِمْ وَخَشِيَ عَلَيْهَا إِنِ اسْتَمَرَّتْ هُنَاكَ أَنْ يَتْرُكُوهَا بِغَيْرِ أَنِيسٍ فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالثَّانِي إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ، لِعَائِشَةَ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي تَرْكِ أَمْرِهَا بِمُلَازَمَةِ السَّكَنِ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: سِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ مَعَ الْوَكِيلِ بِسَبَبِ اسْتِقْلَالِهَا مَا أَعْطَاهَا، وَأَنَّهَا لَمَّا قَالَ لَهَا الْوَكِيلُ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ، فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّعْلِيلَ إِنَّمَا هُوَ

بِسَبَبِ مَا جَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ لَا بِسَبَبِ الِاقْتِحَامِ وَالْبَذَاءَةِ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ عُمِلَ بِهِ.

قُلْتُ: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ فِي النَّفَقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ: فَفِي بَعْضِهَا: فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهَا: لَا نَفَقَةَ لَكِ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ فَأَذِنَ لَهَا، وَكُلُّهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَإِذَا جَمَعَتْ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ خَرَجَ مِنْهَا أَنَّ سَبَبَ اسْتِئْذَانِهَا فِي الِانْتِقَالِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا وَمِنْهَا، وَاسْتَقَامَ الِاسْتِدْلَالُ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ السُّكْنَى لَمْ تَسْقُطْ لِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ. نَعَمْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تَجْزِمُ بِإِسْقَاطِ سُكْنَى الْبَائِنِ وَنَفَقَتِهَا، وَتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ عَلَيْهَا.

تَنْبِيهٌ:

طَعَنَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ الْمُعَلَّقَةِ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَحَكَمَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ بِالْبُطْلَانِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَنْ طَعَنَ فِيهِ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ فَضْلًا عَنْ بُطْلَانِ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِأَنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْبُخَارِيِّ مَا أَكْثَرَ اسْتِحْضَارَهُ وَأَحْسَنَ تَصَرُّفَهُ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ وَسُكْنَاهَا: فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا نَفَقَةَ لَهَا. وَلَهَا السُّكْنَى، وَاحْتَجُّوا لِإِثْبَاتِ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَلِإِسْقَاطِ النَّفَقَةِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ غَيْرَ الْحَامِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ مَعْنًى، وَالسِّيَاقُ يُفْهِمُ أَنَّهَا فِي غَيْرِ الرَّجْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الرَّجْعِيَّةِ وَاجِبَةٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا.

وَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَنَازَعُوا فِي تَنَاوُلِ الْآيَةِ الْأُولَى الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ، وَقَدِ احْتَجَّتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ عَلَى مَرْوَانَ حِينَ بَلَغَهَا إِنْكَارُهُ بِقَوْلِهَا: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَيْسَتْ حَامِلًا فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا؟ وَقَدْ وَافَقَ فَاطِمَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ الْمُرَاجَعَةُ قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا يَأْتِي مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَخْصِيصٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَصِرْ ذَلِكَ فِي الْمُرَاجَعَةِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِهَا مَرْفُوعًا: إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةُ، فَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ أَنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَقَدْ أَدْرَجَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ تَابَعَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَفْعِهِ مُجَالِدًا لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا؟، فَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْهُ بِأَنَّ السُّكْنَى الَّتِي تَتْبَعُهَا النَّفَقَةُ هُوَ حَالُ الزَّوْجِيَّةِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، وَأَمَّا السُّكْنَى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاطِ الْعِدَّةِ لَمْ تَسْقُطْ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ. وَقَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُمْ. وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَيَّدَ النَّفَقَةَ بِحَالَةِ الْحَمْلِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى إِيجَابِهَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَمْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَطُولُ غَالِبًا. وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ فِي طُولِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، بَلْ تَكُونُ مُدَّةُ الْحَمْلِ أَقْصَرَ مِنْ غَيْرِهَا تَارَةً وَأَطْوَلَ أُخْرَى فَلَا أَوْلَوِيَّةَ، وَبِأَنَّ قِيَاسَ الْحَائِلِ عَلَى الْحَامِلِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ تَقْيِيدٍ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٢١ - ٥٣٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (١) (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والسين المهملة المخفَّفة، مَولى ميمونة (أَنَّهُ) أي: أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ (سَمِعَهُمَا) أي: القاسم بن محمَّد وسليمان بن يسارٍ (يَذْكُرَانِ: أَنَّ (٢) يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) أخا عَمرو بن سعيد، المعروف بالأشدَقِ (طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين، عَمْرة، الطَّلاق البتَّة (فَانْتَقَلَهَا) أي: نقلها (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أبوها من مسكنِهَا الَّذي طُلِّقت فيه، فسمعتْ عائشة بنقلِ عبد الرَّحمن ابنته من مَسْكنها الَّذي طُلِّقت فيه (فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ) (إِلَى) عمِّ عَمرة بنت عبد الرَّحمن بن الحكم (مَرْوَانَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن الحكم» (وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ) يومئذٍ من قبل معاوية وولي الخلافة بعدُ، تقول له: (اتَّقِ اللهَ) يا مروان (وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا) الَّذي طُلِّقت فيه (قَالَ مَرْوَانُ) مجيبًا لعائشة كما (فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ) بن يسار: (إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَكَمِ) يعني: أخاهُ والدَ عَمرة (غَلَبَنِي) فلم أقدرْ على منعهِ من نَقلتها (٣) (وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) في حديثه: قال مروان مجيبًا لعائشة أيضًا: (أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟) حيث لم تعتدَّ في بيتِ زوجها وانتقلتْ إلى غيره (قَالَتْ) عائشة لمروان: (لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) لأنَّه لا حجَّة فيه لجواز انتقالِ المطلَّقة من منزلها بغير سببٍ (٤)، قاله في «الفتح».

وقال في «الكواكب»: كان لعلَّةٍ وهو أنَّ مكانها كان وحشًا مخوفًا عليه، أو لأنَّها كانت لسنَةً استطالَتْ على أحمائهَا (فَقَالَ: مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ) لعائشة: (إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ) أي: إن كان عندَك أنَّ سببَ خروج فاطمة بنت قيس ما وقعَ بينها وبين أقارب زوجها من الشَّرِّ (فَحَسْبُكِ) فيكفيكِ في

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤١ - بَاب قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾

٥٣٢١، ٥٣٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ - اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا. قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ.

[الحديث ٥٣٢١ - أطرافه في: ٥٣٢٣، ٥٣٢٥، ٣٥٢٧]

[الحديث ٥٣٢٢ - أطرافه في: ٥٣٢٤، ٥٣٢٦، ٥٣٢٨]

٥٣٢٣، ٥٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا لِفَاطِمَةَ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ"

٥٣٢٥، ٥٣٢٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ فَقَالَتْ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ قَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالَتْ إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ "

قَوْلُهُ: (قِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: بَابٌ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفَاطِمَةُ هِيَ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَهِيَ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الَّذِي وَلِيَ الْعِرَاقَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَقُتِلَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنْهُ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، وَكَانَ لَهَا عَقْلٌ وَجَمَالٌ وَتَزَوَّجَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ - وَيُقَالُ: أَبُو حَفْصِ بْنُ عَمْرِو - ابْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَخَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ ثَالِثَةٍ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ ابْنَيْ عَمَّيْهِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْ يَدْفَعَا لَهَا تَمْرًا وَشَعِيرًا، فَاسْتَقَلَّتْ ذَلِكَ، وَشَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لَكِ

سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، هَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِصَّتَهَا مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْهَا، وَلَمْ أَرَهَا فِي الْبُخَارِيِّ وَإِنَّمَا تَرْجَمَ لَهَا كَمَا تَرَى، وَأَوْرَدَ أَشْيَاءَ مِنْ قِصَّتِهَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا، وَوَهِمَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فَأَوْرَدَ حَدِيثَهَا بِطُولِهِ فِي الْمُتَّفَقِ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ فَاطِمَةَ عَلَى كَثْرَتِهَا عَنْهَا أَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ الْحَدِيثَ.

وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهْمٌ، وَلَكِنْ أَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أُصِيبَ بِجِرَاحَةٍ، أَوْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: أُصِيبَ أَيْ: مَاتَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكَانَ فِي بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ، فَيَصْدُقُ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَيْ: فِي طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ بِالْمَوْتِ، بَلْ بِالطَّلَاقِ السَّابِقِ عَلَى الْمَوْتِ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ جَمٌّ إِلَى أَنَّهُ مَاتَ مَعَ عَلِيٍّ بِالْيَمَنِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اسْتَقَامَ هَذَا التَّأْوِيلُ وَارْتَفَعَ الْوَهْمُ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهُ ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وَسَاقَ الْآيَاتِ كُلَّهَا إِلَى ﴿يُسْرًا﴾ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) أَيِ: ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَيَحْيَى هُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ.

قَوْلُهُ: (طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ) هِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْوَانَ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ أَيْضًا لِمُعَاوِيَةَ حِينَئِذٍ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْمُهَا عَمْرَةُ فِيمَا قِيلَ، وَسَيَأْتِي فِي الْخَبَرِ الثَّالِثِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ.

قَوْلُهُ: قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي) وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ حَدِيثَيْ شَيْخَيْهِ فَسَاقَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَفْظَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ابْنُ يَسَارٍ وَحْدَهُ، وَلَفْظَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ مَرْوَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي، أَيْ: لَمْ يُطِعْنِي فِي رَدِّهَا إِلَى بَيْتِهَا، وَقِيلَ: مُرَادُهُ غَلَبَنِي بِالْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِالشَّرِّ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) أَيْ: لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ انْتِقَالِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ) أَيْ: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ فَاطِمَةَ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ فَهَذَا السَّبَبُ مَوْجُودٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْ مَرْوَانَ إِلَى الرُّجُوعِ عَنْ رَدِّ خَبَرِ فَاطِمَةَ، فَقَدْ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ طَلَّقَ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَلْبَتَّةَ وَأُمُّهَا حُزْمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأَمَرَتْهَا خَالَتُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ بِالِانْتِقَالِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ فَأَنْكَرَ، فَذَكَرَتْ أَنَّ خَالَتَهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَفْتَاهَا بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ، قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ إِلَى فَاطِمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ، وَزَادَ: فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ يُسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ، فَسَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا النَّاسَ وَسَيَأْتِي لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَكَأَنَّ مَرْوَانَ أَنْكَرَ الْخُرُوجَ مُطْلَقًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِ وُجُودِ عَارِضٍ يَقْتَضِي جَوَازَ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ الطَّلَاقِ، كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ بُنْدَارٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كَذَا

نَسَبَهُ أَبُو مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ وَمِنْهَا نَقْلُ الْمِزِّيِّ، وَلَمْ أُنَبِّهْ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمُقَدِّمَةِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا اتَّصَلَ لَنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ إِلَى الْفَرَبْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّ سَبَبَ الْإِذْنِ فِي انْتِقَالِ فَاطِمَةَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلُقَتْ، فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ لَسُنَّةً وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) أَيِ: ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ) نَسَبَهَا إِلَى جَدِّهَا، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا صَنَعَ أَيْ: زَوْجُهَا فِي تَمْكِينِهَا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ: أَبُوهَا فِي مُوَافَقَتِهَا، وَلِهَذَا أَرْسَلَتْ عَائِشَةَ إِلَى مَرْوَانَ عَمِّهَا وَهُوَ الْأَمِيرُ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْزِلِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَسْمَعِي قَوْلَ فَاطِمَةَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ هُوَ عُرْوَةُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَطَلَّقَهَا وَأَخْرَجَهَا، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: لَقَدْ عَابَتْ وَزَادَ: يَعْنِي فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَقَوْلُهُ: وَحْشٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، أَيْ: خَالٍ لَا أَنِيسَ بِهِ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، فَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ وَقَدْ أَخَذَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ، فَرَتَّبَ الْجَوَازَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا خَشْيَةَ الِاقْتِحَامِ عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ مُطَلِّقِهَا فُحْشٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ مُعَارَضَةً لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِمَا مَعًا فِي شَأْنِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عِلَّتَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْبَابِ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى الْأُخْرَى، إِمَّا لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهَا إِذَا اقْتَضَى خُرُوجَهَا، فَمِثْلُهُ الْخَوْفُ مِنْهَا، بَلْ لَعَلَّهُ أَوْلَى فِي جَوَازِ إِخْرَاجِهَا، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ مَعْنَى الْعِلَّةِ الْأُخْرَى ضَمَّنَهَا التَّرْجَمَةَ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ بَعْضٍ آخَرَ إِذَا صَحَّ طَرِيقُهُ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ شَكْوَاهَا مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِقْلَالِ النَّفَقَةِ، وَأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُ بَدَا مِنْهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرٌّ لِأَصْهَارِهَا وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِمْ وَخَشِيَ عَلَيْهَا إِنِ اسْتَمَرَّتْ هُنَاكَ أَنْ يَتْرُكُوهَا بِغَيْرِ أَنِيسٍ فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالثَّانِي إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ، لِعَائِشَةَ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي تَرْكِ أَمْرِهَا بِمُلَازَمَةِ السَّكَنِ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: سِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ مَعَ الْوَكِيلِ بِسَبَبِ اسْتِقْلَالِهَا مَا أَعْطَاهَا، وَأَنَّهَا لَمَّا قَالَ لَهَا الْوَكِيلُ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ، فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّعْلِيلَ إِنَّمَا هُوَ

بِسَبَبِ مَا جَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ لَا بِسَبَبِ الِاقْتِحَامِ وَالْبَذَاءَةِ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ عُمِلَ بِهِ.

قُلْتُ: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ فِي النَّفَقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ: فَفِي بَعْضِهَا: فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهَا: لَا نَفَقَةَ لَكِ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ فَأَذِنَ لَهَا، وَكُلُّهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَإِذَا جَمَعَتْ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ خَرَجَ مِنْهَا أَنَّ سَبَبَ اسْتِئْذَانِهَا فِي الِانْتِقَالِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا وَمِنْهَا، وَاسْتَقَامَ الِاسْتِدْلَالُ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ السُّكْنَى لَمْ تَسْقُطْ لِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ. نَعَمْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تَجْزِمُ بِإِسْقَاطِ سُكْنَى الْبَائِنِ وَنَفَقَتِهَا، وَتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ عَلَيْهَا.

تَنْبِيهٌ:

طَعَنَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ الْمُعَلَّقَةِ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَحَكَمَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ بِالْبُطْلَانِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَنْ طَعَنَ فِيهِ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ فَضْلًا عَنْ بُطْلَانِ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِأَنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْبُخَارِيِّ مَا أَكْثَرَ اسْتِحْضَارَهُ وَأَحْسَنَ تَصَرُّفَهُ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ وَسُكْنَاهَا: فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا نَفَقَةَ لَهَا. وَلَهَا السُّكْنَى، وَاحْتَجُّوا لِإِثْبَاتِ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَلِإِسْقَاطِ النَّفَقَةِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ غَيْرَ الْحَامِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ مَعْنًى، وَالسِّيَاقُ يُفْهِمُ أَنَّهَا فِي غَيْرِ الرَّجْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الرَّجْعِيَّةِ وَاجِبَةٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا.

وَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَنَازَعُوا فِي تَنَاوُلِ الْآيَةِ الْأُولَى الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ، وَقَدِ احْتَجَّتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ عَلَى مَرْوَانَ حِينَ بَلَغَهَا إِنْكَارُهُ بِقَوْلِهَا: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَيْسَتْ حَامِلًا فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا؟ وَقَدْ وَافَقَ فَاطِمَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ الْمُرَاجَعَةُ قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا يَأْتِي مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَخْصِيصٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَصِرْ ذَلِكَ فِي الْمُرَاجَعَةِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِهَا مَرْفُوعًا: إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةُ، فَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ أَنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَقَدْ أَدْرَجَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ تَابَعَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَفْعِهِ مُجَالِدًا لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ.

وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا؟، فَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْهُ بِأَنَّ السُّكْنَى الَّتِي تَتْبَعُهَا النَّفَقَةُ هُوَ حَالُ الزَّوْجِيَّةِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، وَأَمَّا السُّكْنَى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاطِ الْعِدَّةِ لَمْ تَسْقُطْ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ. وَقَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُمْ. وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَيَّدَ النَّفَقَةَ بِحَالَةِ الْحَمْلِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى إِيجَابِهَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَمْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَطُولُ غَالِبًا. وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ فِي طُولِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، بَلْ تَكُونُ مُدَّةُ الْحَمْلِ أَقْصَرَ مِنْ غَيْرِهَا تَارَةً وَأَطْوَلَ أُخْرَى فَلَا أَوْلَوِيَّةَ، وَبِأَنَّ قِيَاسَ الْحَائِلِ عَلَى الْحَامِلِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ تَقْيِيدٍ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٢١ - ٥٣٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (١) (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والسين المهملة المخفَّفة، مَولى ميمونة (أَنَّهُ) أي: أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ (سَمِعَهُمَا) أي: القاسم بن محمَّد وسليمان بن يسارٍ (يَذْكُرَانِ: أَنَّ (٢) يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ) أخا عَمرو بن سعيد، المعروف بالأشدَقِ (طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين، عَمْرة، الطَّلاق البتَّة (فَانْتَقَلَهَا) أي: نقلها (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أبوها من مسكنِهَا الَّذي طُلِّقت فيه، فسمعتْ عائشة بنقلِ عبد الرَّحمن ابنته من مَسْكنها الَّذي طُلِّقت فيه (فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ) (إِلَى) عمِّ عَمرة بنت عبد الرَّحمن بن الحكم (مَرْوَانَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن الحكم» (وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ) يومئذٍ من قبل معاوية وولي الخلافة بعدُ، تقول له: (اتَّقِ اللهَ) يا مروان (وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا) الَّذي طُلِّقت فيه (قَالَ مَرْوَانُ) مجيبًا لعائشة كما (فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ) بن يسار: (إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَكَمِ) يعني: أخاهُ والدَ عَمرة (غَلَبَنِي) فلم أقدرْ على منعهِ من نَقلتها (٣) (وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) في حديثه: قال مروان مجيبًا لعائشة أيضًا: (أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟) حيث لم تعتدَّ في بيتِ زوجها وانتقلتْ إلى غيره (قَالَتْ) عائشة لمروان: (لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) لأنَّه لا حجَّة فيه لجواز انتقالِ المطلَّقة من منزلها بغير سببٍ (٤)، قاله في «الفتح».

وقال في «الكواكب»: كان لعلَّةٍ وهو أنَّ مكانها كان وحشًا مخوفًا عليه، أو لأنَّها كانت لسنَةً استطالَتْ على أحمائهَا (فَقَالَ: مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ) لعائشة: (إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ) أي: إن كان عندَك أنَّ سببَ خروج فاطمة بنت قيس ما وقعَ بينها وبين أقارب زوجها من الشَّرِّ (فَحَسْبُكِ) فيكفيكِ في

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله