«أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَحَشُوا عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٣٨

الحديث رقم ٥٣٣٨ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الكحل للحادة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٣٣٨ في صحيح البخاري

«أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَحَشُوا عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ، فَقَالَ: لَا تَكَحَّلْ قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.»

إسناد حديث رقم ٥٣٣٨ من صحيح البخاري

٥٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٣٣٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَمْسَحُ بِهِ، ثُمَّ تَفْتَضُّ، أَيْ: تَغْتَسِلُ، وَالِافْتِضَاضُ: الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ؛ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ، وَإِرَادَةِ النَّقَاءِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ فَتَنْتَقِي مِنَ الْوَسَخِ فَتُشْبِهُ الْفِضَّةَ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِهْلَاكِ مَا هيَ فِيهِ، وَمِنَ الرَّمْيِ الِانْفِصَالُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ.

تَنْبِيهٌ:

جَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَتَفْتَضُّ بِهِ لِلتَّعَدِّيَةِ، أَوْ تَكُونَ زَائِدَةً، أَيْ: تَفْتَضُّ الطَّائِرَ، بِأَنْ تَكْسِرَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، انْتَهَى. وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الِافْتِضَاضِ صَرِيحًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا.

قَوْلُهُ: (فَتَرْمِي بِهَا) فِي رِوَايَةِ مُطَرَّفٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مَالِكٍ: تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوِ الْإِبِلِ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَتَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ: فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ رَمْيَهَا الْبَعْرَةَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرُورِ الْكَلْبِ سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ انْتِظَارِ مُرُورِهِ أَمْ قَصُرَ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقِيلَ: تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مُقَامَهَا حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَةٍ تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَلْبَ إِذَا مَرَّ افْتُضَّتْ بِهِ ثُمَّ رَمَتِ الْبَعْرَةَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا؛ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ. وَاخْتُلَفَ فِي الْمُرَادِ بِرَمْيِ الْبَعْرَةِ، فَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَمَتِ الْعِدَّةَ رَمْيَ الْبَعْرَةِ، وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِمَا انْقَضَى كَانَ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَةِ الَّتِي رَمَتْهَا اسْتِحْقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجِهَا، وَقِيلَ: بَلْ تَرْمِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ عَوْدِهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.

٤٧ - بَاب الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ

٥٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ: لَا تَكتحلْ؛ قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ، فَلَا، حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.

٥٣٣٩ - وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

٥٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ) كَذَا وَقَعَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ لَقَالَ الْمُحِدَّةِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الصَّوَابُ الْحَادُّ بِلَا هَاءٍ؛ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُؤَنَّثِ كَطَالِقٍ وَحَائِضٍ. قُلْتُ: لَكِنَّهُ جَائِزٌ فَلَيْسَ بِخَطَأٍ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَرْجَحَ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَاضِيَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَكَذَا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَوْرَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤٧) (بابُ) حكم استعمال (الكُحْلِ لِلْحَادَّةِ) أي: التي تَحُدُّ -بفتح أوله وضم الحاء المهملة- من الثُّلاثي، وأما المحدَّة فمن أحَدَّت الرُّباعي، وقول (١) السَّفاقِسيِّ: صوابُه للحادِّ بلا هاء، مثل (٢) طالق وحائض لأنَّه نعتٌ للمؤنَّث لا يشركه فيه المُذكر. تعقَّبه في «الفتح» فقال: إنَّه جائزٌ ليس بخطأ، وإنْ كان الآخرُ أرجح، وقال العينيُّ: إنْ كان يُقال في طالقٍ: طالقة، وفي حائضٍ: حائضة، فيقال أيضًا: حادَّة، وإن كان لا يقال: طالِقة ولا حائضةٌ فلا يقال: حادَّة. والصَّواب مع السَّفاقسيِّ، والَّذي ادَّعى صاحب «الفتح» جوازه فيه نظرٌ لا يخفَى، وأجاب في «المصابيح»: إنَّ الزَّمخشريَّ وغيره نصُّوا على أنَّه إنْ قصدَ في هذه الصِّفات معنى الحدوث فالتَّاء لازمةٌ كحاضتْ فهي حائضةٌ، وطُلِّقت فهي طالقةٌ، وقد تلحقُها التَّاء إن (٣) لم يُقصد الحدوث كمُرضعة وحامِلة، فيُمكن أن يُمشَّى كلامُ البخاريِّ على ذلك. انتهى.

٥٣٣٨ - ٥٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريُّ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا: أَنَّ امْرَأَةً) تسمَّى: عاتكةَ، كما مرَّ في البابِ السَّابق (تُوُفِّي زَوْجُهَا) المغيرة (فَخَشُوا) بالخاء المفتوحة والشين المضمومة المعجمتين، وأصله: خشِيُوا -بكسر الشين وضم التحتية- فاستثقلتْ ضمة الياء

فنقلتْ لسابقها بعد سلبِ حركته فالتقَى ساكنان الياء والواو فحُذفتِ الأولى وأُبقيتِ الثانية؛ إذ هي علامةُ الجمعِ، فصار بوزن فعوا، أي: خافوا (عَيْنَيْهَا) وللكُشميهنيِّ: «على عينيها» بالتَّثنية فيهما (فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الكُحْلِ، فَقَالَ: لَا تَكَحَّلْ) بفتح التاء والكاف والحاء المشددة، أصلُه: تتكحَّل فحذفتْ إحدى التَّاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: بسكون الكاف وكسر الحاء من باب الافتعال، وعند ابن مندهْ: رمَدَتْ رَمَدًا شديدًا، وقد خشيتْ على بَصرها، وعند ابن حزمٍ بسندٍ صحيحٍ من رواية القاسمِ بن أصبغ: إنِّي أخشَى أنْ تنفقئَ عينُها، قال: «لا، وإنْ انفقَأتْ». ولِذا قال مالكٌ رحمه الله تعالى في رواية عنه: بمنعه مطلقًا، وعنه: يجوزُ إذا خافتْ على عينهَا بما لا طيبَ فيه، وبه قال الشَّافعيُّ (١)، لكن مع التَّقييدِ باللَّيل.

وأجابوا عن قصَّةِ هذه المرأة باحتمال أنَّه كان يحصل لها البرءُ بغيرِ الكُحْل كالتَّضْميد بالصَّبر ونحوه، وعند الطَّبرانيِّ: «أنَّها تشتكِي عينها فوق ما يظن» فقال رسول الله : لا (قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ) في الجاهليَّة (تَمْكُثُ) إذا توفِّي زوجها (فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا) بمهملتين جمعُ حِلْس -بكسر ثمَّ سكون- الثَّوب، أو الكساء الرَّقيق يكون تحت البَرْذَعة (-أَوْ: شَرِّ بَيْتِهَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، هل وقع الوصفُ لثيابها أو مَكانها؟ (فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ) من وفاة زَوْجها (فَمَرَّ) عليها (كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ) لتُري من حَضَرها أنَّ مَقَامها حولًا أهوَن عليها من بَعَرَةٍ ترمِي بها كلبًا، وظاهره: أنَّ رميهَا البعرَة متوقِّفٌ على مرورِ الكلب سواء طالَ زمن انتظارِ مروره أم قَصُر، وهذا التَّفسير وقع هنا مرفوعًا كلُّه بخلاف ما وقعَ في الباب السَّابق، فلم تسندْهُ زينبُ، وهو غيرُ مقتضٍ للإدراجِ في رواية شعبة لأنَّ شعبة من أحفظ النَّاس فلا يُقْضَى على روايتهِ بروايةِ غيره بالاحتمالِ، قاله الحافظُ ابن حجرٍ (فَلَا) نكتحلُ (حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ).

قال حميدٌ بالسَّند السَّابق (وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت أم (٢) سلمة» (تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) بنت أبي سفيان زوج النَّبيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ) بضم أوله وكسر الحاء المهملة، على ميِّت

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَمْسَحُ بِهِ، ثُمَّ تَفْتَضُّ، أَيْ: تَغْتَسِلُ، وَالِافْتِضَاضُ: الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ؛ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ، وَإِرَادَةِ النَّقَاءِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ فَتَنْتَقِي مِنَ الْوَسَخِ فَتُشْبِهُ الْفِضَّةَ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِهْلَاكِ مَا هيَ فِيهِ، وَمِنَ الرَّمْيِ الِانْفِصَالُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ.

تَنْبِيهٌ:

جَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَتَفْتَضُّ بِهِ لِلتَّعَدِّيَةِ، أَوْ تَكُونَ زَائِدَةً، أَيْ: تَفْتَضُّ الطَّائِرَ، بِأَنْ تَكْسِرَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، انْتَهَى. وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الِافْتِضَاضِ صَرِيحًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا.

قَوْلُهُ: (فَتَرْمِي بِهَا) فِي رِوَايَةِ مُطَرَّفٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مَالِكٍ: تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوِ الْإِبِلِ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَتَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ: فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ رَمْيَهَا الْبَعْرَةَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرُورِ الْكَلْبِ سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ انْتِظَارِ مُرُورِهِ أَمْ قَصُرَ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقِيلَ: تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مُقَامَهَا حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَةٍ تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَلْبَ إِذَا مَرَّ افْتُضَّتْ بِهِ ثُمَّ رَمَتِ الْبَعْرَةَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا؛ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ. وَاخْتُلَفَ فِي الْمُرَادِ بِرَمْيِ الْبَعْرَةِ، فَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَمَتِ الْعِدَّةَ رَمْيَ الْبَعْرَةِ، وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِمَا انْقَضَى كَانَ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَةِ الَّتِي رَمَتْهَا اسْتِحْقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجِهَا، وَقِيلَ: بَلْ تَرْمِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ عَوْدِهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.

٤٧ - بَاب الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ

٥٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ: لَا تَكتحلْ؛ قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ، فَلَا، حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.

٥٣٣٩ - وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

٥٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ) كَذَا وَقَعَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ لَقَالَ الْمُحِدَّةِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الصَّوَابُ الْحَادُّ بِلَا هَاءٍ؛ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُؤَنَّثِ كَطَالِقٍ وَحَائِضٍ. قُلْتُ: لَكِنَّهُ جَائِزٌ فَلَيْسَ بِخَطَأٍ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَرْجَحَ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَاضِيَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَكَذَا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَوْرَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤٧) (بابُ) حكم استعمال (الكُحْلِ لِلْحَادَّةِ) أي: التي تَحُدُّ -بفتح أوله وضم الحاء المهملة- من الثُّلاثي، وأما المحدَّة فمن أحَدَّت الرُّباعي، وقول (١) السَّفاقِسيِّ: صوابُه للحادِّ بلا هاء، مثل (٢) طالق وحائض لأنَّه نعتٌ للمؤنَّث لا يشركه فيه المُذكر. تعقَّبه في «الفتح» فقال: إنَّه جائزٌ ليس بخطأ، وإنْ كان الآخرُ أرجح، وقال العينيُّ: إنْ كان يُقال في طالقٍ: طالقة، وفي حائضٍ: حائضة، فيقال أيضًا: حادَّة، وإن كان لا يقال: طالِقة ولا حائضةٌ فلا يقال: حادَّة. والصَّواب مع السَّفاقسيِّ، والَّذي ادَّعى صاحب «الفتح» جوازه فيه نظرٌ لا يخفَى، وأجاب في «المصابيح»: إنَّ الزَّمخشريَّ وغيره نصُّوا على أنَّه إنْ قصدَ في هذه الصِّفات معنى الحدوث فالتَّاء لازمةٌ كحاضتْ فهي حائضةٌ، وطُلِّقت فهي طالقةٌ، وقد تلحقُها التَّاء إن (٣) لم يُقصد الحدوث كمُرضعة وحامِلة، فيُمكن أن يُمشَّى كلامُ البخاريِّ على ذلك. انتهى.

٥٣٣٨ - ٥٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريُّ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا: أَنَّ امْرَأَةً) تسمَّى: عاتكةَ، كما مرَّ في البابِ السَّابق (تُوُفِّي زَوْجُهَا) المغيرة (فَخَشُوا) بالخاء المفتوحة والشين المضمومة المعجمتين، وأصله: خشِيُوا -بكسر الشين وضم التحتية- فاستثقلتْ ضمة الياء

فنقلتْ لسابقها بعد سلبِ حركته فالتقَى ساكنان الياء والواو فحُذفتِ الأولى وأُبقيتِ الثانية؛ إذ هي علامةُ الجمعِ، فصار بوزن فعوا، أي: خافوا (عَيْنَيْهَا) وللكُشميهنيِّ: «على عينيها» بالتَّثنية فيهما (فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الكُحْلِ، فَقَالَ: لَا تَكَحَّلْ) بفتح التاء والكاف والحاء المشددة، أصلُه: تتكحَّل فحذفتْ إحدى التَّاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: بسكون الكاف وكسر الحاء من باب الافتعال، وعند ابن مندهْ: رمَدَتْ رَمَدًا شديدًا، وقد خشيتْ على بَصرها، وعند ابن حزمٍ بسندٍ صحيحٍ من رواية القاسمِ بن أصبغ: إنِّي أخشَى أنْ تنفقئَ عينُها، قال: «لا، وإنْ انفقَأتْ». ولِذا قال مالكٌ رحمه الله تعالى في رواية عنه: بمنعه مطلقًا، وعنه: يجوزُ إذا خافتْ على عينهَا بما لا طيبَ فيه، وبه قال الشَّافعيُّ (١)، لكن مع التَّقييدِ باللَّيل.

وأجابوا عن قصَّةِ هذه المرأة باحتمال أنَّه كان يحصل لها البرءُ بغيرِ الكُحْل كالتَّضْميد بالصَّبر ونحوه، وعند الطَّبرانيِّ: «أنَّها تشتكِي عينها فوق ما يظن» فقال رسول الله : لا (قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ) في الجاهليَّة (تَمْكُثُ) إذا توفِّي زوجها (فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا) بمهملتين جمعُ حِلْس -بكسر ثمَّ سكون- الثَّوب، أو الكساء الرَّقيق يكون تحت البَرْذَعة (-أَوْ: شَرِّ بَيْتِهَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، هل وقع الوصفُ لثيابها أو مَكانها؟ (فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ) من وفاة زَوْجها (فَمَرَّ) عليها (كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ) لتُري من حَضَرها أنَّ مَقَامها حولًا أهوَن عليها من بَعَرَةٍ ترمِي بها كلبًا، وظاهره: أنَّ رميهَا البعرَة متوقِّفٌ على مرورِ الكلب سواء طالَ زمن انتظارِ مروره أم قَصُر، وهذا التَّفسير وقع هنا مرفوعًا كلُّه بخلاف ما وقعَ في الباب السَّابق، فلم تسندْهُ زينبُ، وهو غيرُ مقتضٍ للإدراجِ في رواية شعبة لأنَّ شعبة من أحفظ النَّاس فلا يُقْضَى على روايتهِ بروايةِ غيره بالاحتمالِ، قاله الحافظُ ابن حجرٍ (فَلَا) نكتحلُ (حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ).

قال حميدٌ بالسَّند السَّابق (وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت أم (٢) سلمة» (تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) بنت أبي سفيان زوج النَّبيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ) بضم أوله وكسر الحاء المهملة، على ميِّت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله