الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٤٢٦
الحديث رقم ٥٤٢٦ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الأكل في إناء مفضض.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ ذِكْرِ الطَّعَامِ
٥٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَنْطَبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ. فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، أَوْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ.
قَوْلُهُ (بَابُ الْحَيْسِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ مَعَ شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَأَصْلُ الْحَيْسِ مَا يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَقَدْ يُجْعَلُ عَوِضَ الْأَقِطِ الْفَتِيتُ أَوِ الدَّقِيقُ.
وقَوْلُهُ فيه (وَضَلَعُ الدَّيْنِ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ أَيْ ثِقَلُهُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ سُكُونَ اللَّامِ وَفَسَّرَهُ بِالْمَيْلِ، وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِشَرْحِ هَذَا الدُّعَاءِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ يَحْوِي بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ يَجْعَلُ لَهَا حَوِيَّةً، وَهُوَ كِسَاءٌ مَحْشُوٌّ يُدَارُ حَوْلَ سَنَامِ الرَّاحِلَةِ يَحْفَظُ رَاكِبَهَا مِنَ السُّقُوطِ وَيَسْتَرِيحُ بِالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى بَدَا لَهُ أُحُدٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ (مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مِثْلَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ، وَلَيْسَتْ لَفْظَةُ بِهِ زَائِدَةً.
٢٩ - بَاب الْأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ
٥٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ، فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ.
[الحديث ٥٤٢٦ - أطرافه في ٥٦٣٢، ٥٦٣٣، ٥٨٣١، ٥٨٣٧]
قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ) أَيِ الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ الْفِضَّةُ، كَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْآنِيَّةِ عَلَى هَذَا، وَالْأَكْلُ فِي جَمِيعِ الْآنِيَّةِ مُبَاحٌ إِلَّا إِنَاءَ الذَّهَبِ وَإِنَاءَ الْفِضَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِمَّا بِالتَّضْبِيبِ وَإِمَّا بِالْخَلْطِ وَإِمَّا بِالطِّلَاءِ، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْبَابِ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَّةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيُؤْخَذُ مَنْعُ الْأَكْلِ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ ذِكْرُ الْأَكْلِ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْهُ بِالنَّصِّ أَيْضًا، وَهَذَا فِي الَّذِي جَمِيعُهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَمَّا الْمَخْلُوطُ أَوِ الْمُضَبَّبُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكريم ونبيِّه العظيم -عليه أفضلُ الصَّلاة وأزكى (١) التَّسليم- أن يمنَّ عليَّ وأحبابِي والمسلمين بالمقامِ بها على أحسن حالٍ مع الإقبال والقبول وبلوغِ المأمولِ والوفاة بها على الإسلامِ، والقرب منه ﵊ في دار السَّلام بمنِّه وكرمه.
(٢٩) (بابُ) حكمِ (الأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ) أي: جعل فيه الفضَّة بالتَّضبيبِ، أو بالخلطِ، أو بالطِّلاء.
٥٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) المخزوميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) أبا الحجَّاج بن جبر، مولى السَّائب بن أبي السَّائب المخزوميَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ، عالم الكوفة (أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ) لم يعرفِ الحافظ ابن حَجر اسمه.
ولمسلم من حديثِ عبد الله بنِ عُكَيم (٢) قال: «كنَّا مع حذيفةَ بالمدائنِ فاستسقَى حذيفةُ فجاءه دهقان بشراب في إناءٍ من فضَّة» (فَلَمَّا وَضَعَ القَدَحَ) الَّذي فيه الماء (فِي يَدِهِ رَمَاهُ) أي: رمى المجوسيَّ (بِهِ) بالقدح، أو رمى القدح بالشَّراب، ولأبي ذرٍّ: «رمى به» وزاد في روايةٍ عند الإسماعيليِّ -وأصله في مسلم-: «رماه (٣) به فكسرهُ» (وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لولا أنَّه» (نَهَيْتُهُ) بلساني (غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ) عن استعمالِ آنية الذَّهب والفضَّة ما رميته لكنَّه لما لم ينتهِ بالنَّهي اللِّسانيِّ مع تكرارهِ رميتُ (٤) به تغليظًا عليه (كَأَنَّهُ) أي: حذيفة
(يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ) الثِّياب المتَّخذة من الإبريسم، فارسيٌّ معرَّب (وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا) هذا على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] فالضَّمير عائدٌ على الفضَّة، ويلزم حكم الذَّهب بطريق (١) الأولى (فَإِنَّهَا لَهُمْ) للكفَّار (فِي الدُّنْيَا) قال الإسماعيليُّ: ليس المراد بقوله: «لهم في الدُّنيا» إباحةُ (٢) استعمالهم إيَّاها، وإنَّما المعنى، أي: هم الَّذين يستعملونها (٣) مخالفةً لزيِّ المسلمين (وَلَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وهي لكم» (فِي الآخِرَةِ) مكافأةً على تركها (٤) في الدُّنيا، ويُمْنَعُها (٥) أولئك جزاء لهم (٦) على مَعْصيتهم باستعمالها (٧).
وعند أحمد من طريق مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى: نهى أن يُشربَ في آنية الذَّهب والفضَّة وأن يؤكلَ فيها، وهذا في الَّذي كلُّه ذهبٌ أو فضَّة، أمَّا المخلوطُ، أو المضبَّب، أو المموَّه فروى الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عمر رفعه: «من شربَ في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، أو إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك، فإنَّما يجرجرُ في جوفهِ نارَ جهنَّم» لكن قال البيهقيُّ: المشهورُ أنَّه عن ابن عمر موقوفٌ عليه، وهو عند ابنِ أبي شيبة من طريقٍ أُخرى عنه: أنَّه كان لا يشربُ من قدحٍ فيه حلقةُ فضَّة ولا ضبَّة فضةٍ.
وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من حديثِ أمِّ عطيَّة: نهى رسولُ الله ﷺ عن تفضيضِ الأقداحِ، ثمَّ رخَّص فيه للنِّساء، فيحرمُ استعمالُ كلِّ إناءٍ جميعه أو بعضه ذهب أو فضَّة لما ذكر، واتِّخاذهُ؛ لأنَّه يجرُّ (٨) إلى استعمالهِ، وسواء في ذلك الرِّجال والنِّساء، وكذا المضبَّب بأحدهما، وضبَّة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَنْطَبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ. فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، أَوْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ.
قَوْلُهُ (بَابُ الْحَيْسِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ مَعَ شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَأَصْلُ الْحَيْسِ مَا يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَقَدْ يُجْعَلُ عَوِضَ الْأَقِطِ الْفَتِيتُ أَوِ الدَّقِيقُ.
وقَوْلُهُ فيه (وَضَلَعُ الدَّيْنِ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ أَيْ ثِقَلُهُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ سُكُونَ اللَّامِ وَفَسَّرَهُ بِالْمَيْلِ، وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِشَرْحِ هَذَا الدُّعَاءِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ يَحْوِي بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ يَجْعَلُ لَهَا حَوِيَّةً، وَهُوَ كِسَاءٌ مَحْشُوٌّ يُدَارُ حَوْلَ سَنَامِ الرَّاحِلَةِ يَحْفَظُ رَاكِبَهَا مِنَ السُّقُوطِ وَيَسْتَرِيحُ بِالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى بَدَا لَهُ أُحُدٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ (مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مِثْلَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ، وَلَيْسَتْ لَفْظَةُ بِهِ زَائِدَةً.
٢٩ - بَاب الْأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ
٥٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ، فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِي يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ.
[الحديث ٥٤٢٦ - أطرافه في ٥٦٣٢، ٥٦٣٣، ٥٨٣١، ٥٨٣٧]
قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ) أَيِ الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ الْفِضَّةُ، كَذَا اقْتَصَرَ مِنَ الْآنِيَّةِ عَلَى هَذَا، وَالْأَكْلُ فِي جَمِيعِ الْآنِيَّةِ مُبَاحٌ إِلَّا إِنَاءَ الذَّهَبِ وَإِنَاءَ الْفِضَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِمَّا بِالتَّضْبِيبِ وَإِمَّا بِالْخَلْطِ وَإِمَّا بِالطِّلَاءِ، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْبَابِ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَّةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيُؤْخَذُ مَنْعُ الْأَكْلِ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ ذِكْرُ الْأَكْلِ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْهُ بِالنَّصِّ أَيْضًا، وَهَذَا فِي الَّذِي جَمِيعُهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَمَّا الْمَخْلُوطُ أَوِ الْمُضَبَّبُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكريم ونبيِّه العظيم -عليه أفضلُ الصَّلاة وأزكى (١) التَّسليم- أن يمنَّ عليَّ وأحبابِي والمسلمين بالمقامِ بها على أحسن حالٍ مع الإقبال والقبول وبلوغِ المأمولِ والوفاة بها على الإسلامِ، والقرب منه ﵊ في دار السَّلام بمنِّه وكرمه.
(٢٩) (بابُ) حكمِ (الأَكْلِ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ) أي: جعل فيه الفضَّة بالتَّضبيبِ، أو بالخلطِ، أو بالطِّلاء.
٥٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) المخزوميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) أبا الحجَّاج بن جبر، مولى السَّائب بن أبي السَّائب المخزوميَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ، عالم الكوفة (أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ) لم يعرفِ الحافظ ابن حَجر اسمه.
ولمسلم من حديثِ عبد الله بنِ عُكَيم (٢) قال: «كنَّا مع حذيفةَ بالمدائنِ فاستسقَى حذيفةُ فجاءه دهقان بشراب في إناءٍ من فضَّة» (فَلَمَّا وَضَعَ القَدَحَ) الَّذي فيه الماء (فِي يَدِهِ رَمَاهُ) أي: رمى المجوسيَّ (بِهِ) بالقدح، أو رمى القدح بالشَّراب، ولأبي ذرٍّ: «رمى به» وزاد في روايةٍ عند الإسماعيليِّ -وأصله في مسلم-: «رماه (٣) به فكسرهُ» (وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لولا أنَّه» (نَهَيْتُهُ) بلساني (غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ) عن استعمالِ آنية الذَّهب والفضَّة ما رميته لكنَّه لما لم ينتهِ بالنَّهي اللِّسانيِّ مع تكرارهِ رميتُ (٤) به تغليظًا عليه (كَأَنَّهُ) أي: حذيفة
(يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ) الثِّياب المتَّخذة من الإبريسم، فارسيٌّ معرَّب (وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا) هذا على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] فالضَّمير عائدٌ على الفضَّة، ويلزم حكم الذَّهب بطريق (١) الأولى (فَإِنَّهَا لَهُمْ) للكفَّار (فِي الدُّنْيَا) قال الإسماعيليُّ: ليس المراد بقوله: «لهم في الدُّنيا» إباحةُ (٢) استعمالهم إيَّاها، وإنَّما المعنى، أي: هم الَّذين يستعملونها (٣) مخالفةً لزيِّ المسلمين (وَلَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وهي لكم» (فِي الآخِرَةِ) مكافأةً على تركها (٤) في الدُّنيا، ويُمْنَعُها (٥) أولئك جزاء لهم (٦) على مَعْصيتهم باستعمالها (٧).
وعند أحمد من طريق مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى: نهى أن يُشربَ في آنية الذَّهب والفضَّة وأن يؤكلَ فيها، وهذا في الَّذي كلُّه ذهبٌ أو فضَّة، أمَّا المخلوطُ، أو المضبَّب، أو المموَّه فروى الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عمر رفعه: «من شربَ في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، أو إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك، فإنَّما يجرجرُ في جوفهِ نارَ جهنَّم» لكن قال البيهقيُّ: المشهورُ أنَّه عن ابن عمر موقوفٌ عليه، وهو عند ابنِ أبي شيبة من طريقٍ أُخرى عنه: أنَّه كان لا يشربُ من قدحٍ فيه حلقةُ فضَّة ولا ضبَّة فضةٍ.
وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من حديثِ أمِّ عطيَّة: نهى رسولُ الله ﷺ عن تفضيضِ الأقداحِ، ثمَّ رخَّص فيه للنِّساء، فيحرمُ استعمالُ كلِّ إناءٍ جميعه أو بعضه ذهب أو فضَّة لما ذكر، واتِّخاذهُ؛ لأنَّه يجرُّ (٨) إلى استعمالهِ، وسواء في ذلك الرِّجال والنِّساء، وكذا المضبَّب بأحدهما، وضبَّة