«أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٤٦٦

الحديث رقم ٥٤٦٦ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى فإذا طعمتم فانتشروا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٤٦٦ في صحيح البخاري

«أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَمَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ.»

كِتَابُ الْعَقِيقَةِ

بَابُ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ وَتَحْنِيكِهِ

إسناد حديث رقم ٥٤٦٦ من صحيح البخاري

٥٤٦٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَنَسًا قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٤٦٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرِّوَايَةُ عِنْدَنَا بِالْفَتْحِ، وَإِنَّمَا فِي التَّرْجَمَةِ عُدُولٌ عَنِ الْمُضْمَرِ إِلَى الْمُظْهَرِ لِمَعْنًى قَصَدَهُ، وَيُبْعِدُ الْكَسْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً، وَلَفْظُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَقَعَ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ يُونُسَ.

قَوْلُهُ (فَأَلْقَاهَا) أَيِ الْقِطْعَةَ اللَّحْمَ الَّتِي كَانَ احْتَزَّهَا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الضَّمِيرُ لِلْكَتِفِ، وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَوْ هُوَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ، قَالَ: وَدَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِالْأَكْلِ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِتَقْدِيمِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ بِتَرْكِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ.

قَوْلُهُ (وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ نَحْوُهُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكَذَا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الثَّانِي وَلَفْظُهُ إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ قَالَ فَتَعَشَّى ابْنُ عُمَرَ لَيْلَةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرَيقِ الْأُخْرَى فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ (قَالَ وُهَيْبٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ) يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ (إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ) يَعْنِي أَنَّ هَذَيْنِ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ إِذَا وُضِعَ بَدَلَ إِذَا حَضَرَ وَهِيَ الَّتِي وَصَلَهَا فِي الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ وُهَيْبٍ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حِسَانَ، وَمُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ بِهِ وَلَفْظُهُ إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْقَطَّانُ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ إِذَا حَضَرَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وُضِعَ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَقُرِّبَ الْعَشَاءُ فَكُلُوا ثُمَّ صَلُّوا وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ هِشَامٍ رَوَوْهُ عَنْهُ بِلَفْظِ إِذَا وُضِعَ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ إِذَا حَضَرَ وَجَاءَ عَنْ شُعْبَةَ وُضِعَ وَحَضَرَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِذَا قُدِّمَ. قُلْتُ: قُدِّمَ وَقُرِّبَ وَوُضِعَ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى، فَيُحْمَلُ حَضَرَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي الْأَصْلِ أَعَمَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾

٥٤٦٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسًا قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ

ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ"

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا وَنُزُولُ آيَةِ الْحِجَابِ وَقَوْلُهُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ الْعَرُوسُ نَعْتٌ يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعُرْسُ مُدَّةُ بِنَاءِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَأَصْلُهُ اللُّزُومُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَمْرِ بِالِانْتِشَارِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ وَأَمَّا الِانْتِشَارُ هُنَا بَعْدَ الْأَكْلِ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّوَجُّهُ عَنْ مَكَانِ الطَّعَامِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ كما هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ، وَقَدْ مَرَّ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ.

خَاتِمَةٌ:

اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اسْتِقْرَائِهِ عُمَرَ الْآيَةَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ مَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا، وَحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ لَا آكُلُ مُتَّكِئًا، وَحَدِيثِ سَهْلٍ مَا رَأَى النَّقِيَّ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا قِصَّةٌ لَهُ غَيْرُ قِصَّتِهِ فِي وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَنَادِيلِ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧١ - كتاب الْعَقِيقَةِ

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ عَنِ الْمَوْلُودِ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيُّ: أَصْلُهَا الشَّعْرُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ، وَتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَسُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَقِيقَةً لِأَنَّهُ يُحْلَقُ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّعْرِ عِنْدَ الذَّبْحِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَطَائِفَةٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَقِيقَةُ اسْمُ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ عَنِ الْوَلَدِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُعَقُّ مَذَابِحُهَا أَيْ تُشَقُّ وَتَقْطَعُ. قَالَ: وَقِيلَ هِيَ الشَّعْرُ الَّذِي يُحْلَقُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ وَالشَّعْرُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى عَقِيقَةً، يُقَالُ عَقَّ يَعُقُّ إِذَا حَلَقَ عَنِ ابْنِهِ عَقِيقَتَهُ وَذَبَحَ لِلْمَسَاكِينِ شَاةً.

وَقَالَ الْقَزَّازُ: أَصْلُ الْعَقِّ الشَّقُّ، فَكَأَنَّهَا قِيلَ لَهَا عَقِيقَةٌ بِمَعْنَى مَعْقُوقَةٍ، وَسُمِّيَ شَعْرُ الْمَوْلُودِ عَقِيقَةً بِاسْمِ مَا يَعُقُّ عَنْهُ، وَقِيلَ بِاسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي انْعَقَّ عَنْهُ فِيهِ، وَكُلُّ مَوْلُودٍ مِنَ الْبَهَائِمِ فَشَعْرُهُ عَقِيقَةٌ، فَإِذَا سَقَطَ وَبَرُ الْبَعِيرِ ذَهَبَ عَقُّهُ. وَيُقَالُ: أَعَقَتِ الْحَامِلُ نَبَتَتْ عَقِيقَةُ وَلَدِهَا فِي بَطْنِهَا. قُلْتُ: وَمِمَّا وَرَدَ فِي تَسْمِيَةِ الشَّاةِ عَقِيقَةً مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ لِلْغُلَامِ عَقِيقَتَانِ وَلِلْجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ اهـ. وَوَقَعَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

القطَّان ممَّا وصلَه أحمد (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة: (إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ) بضم الواو، بدل: «إذا حضرَ العشاء (١)».

(٥٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أي: فتفرَّقوا عن موضعِ الطَّعام تخفيفًا عن صاحبِ المنزل.

٥٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو (٢) ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ أَنَسًا قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ) بسبب نزولِ آية الحجاب ((٣) كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) والعروسُ وصفٌ يستوي فيه الرَّجل والمرأة، والعرس: مدَّة بناء الرَّجل بالمرأةِ (وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ) وأكلوا من الطَّعام (حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ) (أَنَّهُمْ) أي: الرِّجال الَّذين تخلَّفوا في منزلهِ

المقدَّس (خَرَجُوا) منه (فَرَجَعْتُ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فرجع فرجعت» (٢) (مَعَهُ) إلى منزله (فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ (٣)، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قد قَامُوا، فَضَرَبَ) (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحجاب: رفع نائب الفاعل. وللكُشميهنيِّ: «ونزل عليه الحجاب» أي: آيةُ الحجاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣].

وهذه آدابٌ تتعلَّق بالأكلِ لا بأسَ بإيرادها:

فاعلم أنَّه يستحبُّ غسلُ اليد قبل الطَّعام، ففي الحديث (٥): أنه ينفي الفقرَ، وبعد الطَّعام ينفي اللَّمم، وهو الجنونُ. ولا ينشِّفُها قبل الأكلِ، فإنَّه (٦) ربَّما يكون بالمنديلِ وسخٌ فيعلقَ باليد. ويقدِّمُ الصِّبيان في الغسل الأوَّل لأنَّهم أقرب إلى الأوساخِ، وربَّما نفدَ الماء لو قدَّمنا الشُّيوخ، وفي الثَّاني يقدِّم الشُّيوخ كرامةً لهم، ويقدِّم المالك في الأوَّل ويتأخَّر في الثَّاني، وينبغِي للآكل أن يضمَّ شفتيهِ عند الأكل ليأمن ممَّا يتطايرُ من البُصاق حالَ المضغ. ولا يتنخَّم ولا يبصُقُ بحضرةِ آكلٍ غيره، فإن عرضَ له سعال حوَّل وجههُ عن الطَّعام، ولا ينفضُ يديه من الطَّعام لئلَّا يقعَ منه شيءٌ على ثوب جليسهِ أو في الطَّعام.

وفي «تاريخ أصبهان» لأبي نُعيم عن ابن مسعود مرفوعًا: «تخلَّلوا فإنَّه نظافة، والنَّظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمانُ مع صاحبهِ في الجنَّة» ولا يتخلَّل بعودِ الرَّيحان والرُّمان لأنَّهما (٧) يُثيران عرقَ الجُذَام، ولا بعودِ القصبِ لأنَّه يُفسد لحمَ الأسنان.

وهذا آخر «كتاب الأطعمة»، ولله الحمد (٨).

((٧١)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ العَقِيقَةِ) بفتح العين المهملة، وهي لغة: الشَّعر الَّذي على رأس الولد حين ولادتهِ، وشرعًا: ما يُذبح عند حلقِ شعرهِ لأنَّ مذبحه يُعَقُّ، أي: يُشَقُّ ويُقْطَعُ، ولأنَّ الشَّعر يُحْلَقُ إذا ذاك.

وقال ابنُ أبي الدَّم: قال أصحابُنَا: يستحبُّ تسميتُها نَسِيكة أو ذَبِيحة، وتُكره تسميتُها عقيقةً، كما تُكره تسميةُ العشاء عتمةً، والمعنى فيها إظهارُ البشر والنِّعمة ونشر النَّسب.

وهي سنَّة مؤكدة، وإنَّما لم تجب كالأضحية بجامع أنَّ كلًّا منهما إراقة دمٍ بغير جناية. وقال اللَّيث بن سعدٍ: إنَّها واجبة، وكذا قال داود وأبو الزِّناد. وقال أبو حنيفة -فيما نقله العينيُّ-: ليست بسنَّة. وقال محمَّد بن الحسن: هي تطوُّع كان النَّاس يفعلونها، ثمَّ نسختْ بالأضحى. وقال بعضُهم: هي بدعة. وفي «الموطأ» عن زيد بن أسلم، عن رجلٍ من بني ضَمْرة، عن أبيه: سئل النَّبيُّ عن العقيقةِ فقال: «لا أحبُّ العقوق» كأنَّه كرهَ الاسم وقال: «مَن ولدَ له ولدٌ فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعلْ»، وهذا لا حجَّة فيه لنفي مشروعيَّتها بل آخر الحديث يثبتُها، وإنَّما غايته أنَّ الأولى أن تسمَّى نسيكة أو ذبيحةً، وأن (١) لا تسمَّى عقيقةً كما مرَّ عن ابنِ أبي الدَّم.

وقد تقرَّر في علم الفصاحةِ الاحترازُ عن لفظِ يشتركُ فيه مَعنيان: أحدُهما مكروهٌ فيجاءُ به مطلقًا، والأصل فيها أحاديث كحديث: «الغلامُ مُرْتَهن بعقيقتهِ تُذْبحُ عنه يوم السَّابع ويُحلق رأسُه» رواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيح. وعند البزَّار عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «للغلامِ عقيقتان، وللجاريةِ عقيقة» وقال: لا نعلمُه بهذا اللَّفظ إلَّا بهذا الإسناد. انتهى.

والعقيقةُ كالضَّحيَّة في جميعِ أحكامهَا من جنسها، وسنِّها، وسلامتها، والأفضل منها، ونيَّتها، والأكل والتَّصدُّق، وسن طبخها كسائر الولائم، إلَّا رجلها فتُعْطى نيِّئة للقابلةِ لحديث الحاكم، وبحلوٍ تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاق الولد، وأن لا يكسرَ عظمها تفاؤلًا بسلامةِ أعضاء الولد، فإن كسرَ فخلاف الأولى، وأن تُذْبَحَ سابع ولادته.

(١) (بابُ تَسْمِيَةِ المَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ) أي: وقت يولد (لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ) بفتح التَّحتية وضم العين. ومفهومه أن من لم يُرِد أن يعقَّ عنه لا تؤخَّر تسميتُه إلى السَّابع، ومن أراد أن يعقَّ عنه تؤخَّر تسميتُه إلى السَّابع. وقال النَّوويُّ في «الأذكار»: تسنُّ تسميتُه يوم السَّابع أو يوم الولادةِ، ولكلٍّ من القولين أحاديث صحيحة، فحمل البخاريُّ (١) أحاديثَ يوم الولادة على من لم يُرِد العقَّ، وأحاديثَ يوم السَّابع على من أرادهُ، كما ترى. قال ابن حجرٍ: وهو جمعٌ لطيفٌ لم أره لغيره، وثبت لفظة: «عنه» لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (وَتَحْنِيكِهِ) يومَ ولادتهِ بتمرٍ فحلو بأن يمضغَ التَّمر ويدلك به حنكه داخلَ فمه حتَّى ينزلَ إلى جوفهِ منه شيءٌ، وقيس بالتَّمر الحلو، وفي معنى التَّمر الرُّطب.

والحكمةُ فيه: التَّفاؤل بالإيمان لأنَّ التَّمر من الشَّجرة الَّتي شبَّهها بالإيمانِ، لاسيَّما إذا كان المحنِّك من العلماء والصَّالحين لأنَّه يصل إلى جوفِ المولود من ريقهِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرِّوَايَةُ عِنْدَنَا بِالْفَتْحِ، وَإِنَّمَا فِي التَّرْجَمَةِ عُدُولٌ عَنِ الْمُضْمَرِ إِلَى الْمُظْهَرِ لِمَعْنًى قَصَدَهُ، وَيُبْعِدُ الْكَسْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً، وَلَفْظُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَقَعَ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ يُونُسَ.

قَوْلُهُ (فَأَلْقَاهَا) أَيِ الْقِطْعَةَ اللَّحْمَ الَّتِي كَانَ احْتَزَّهَا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الضَّمِيرُ لِلْكَتِفِ، وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَوْ هُوَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ، قَالَ: وَدَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِالْأَكْلِ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِتَقْدِيمِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ بِتَرْكِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ.

قَوْلُهُ (وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ نَحْوُهُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكَذَا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الثَّانِي وَلَفْظُهُ إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ قَالَ فَتَعَشَّى ابْنُ عُمَرَ لَيْلَةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرَيقِ الْأُخْرَى فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ (قَالَ وُهَيْبٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ) يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ (إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ) يَعْنِي أَنَّ هَذَيْنِ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ إِذَا وُضِعَ بَدَلَ إِذَا حَضَرَ وَهِيَ الَّتِي وَصَلَهَا فِي الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ وُهَيْبٍ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حِسَانَ، وَمُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ بِهِ وَلَفْظُهُ إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْقَطَّانُ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ إِذَا حَضَرَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وُضِعَ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَقُرِّبَ الْعَشَاءُ فَكُلُوا ثُمَّ صَلُّوا وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ هِشَامٍ رَوَوْهُ عَنْهُ بِلَفْظِ إِذَا وُضِعَ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ إِذَا حَضَرَ وَجَاءَ عَنْ شُعْبَةَ وُضِعَ وَحَضَرَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِذَا قُدِّمَ. قُلْتُ: قُدِّمَ وَقُرِّبَ وَوُضِعَ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى، فَيُحْمَلُ حَضَرَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي الْأَصْلِ أَعَمَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾

٥٤٦٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسًا قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ

ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا وَأُنْزِلَ الْحِجَابُ"

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا وَنُزُولُ آيَةِ الْحِجَابِ وَقَوْلُهُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ الْعَرُوسُ نَعْتٌ يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعُرْسُ مُدَّةُ بِنَاءِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَأَصْلُهُ اللُّزُومُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَمْرِ بِالِانْتِشَارِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ وَأَمَّا الِانْتِشَارُ هُنَا بَعْدَ الْأَكْلِ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّوَجُّهُ عَنْ مَكَانِ الطَّعَامِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ كما هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ، وَقَدْ مَرَّ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ.

خَاتِمَةٌ:

اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اسْتِقْرَائِهِ عُمَرَ الْآيَةَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ مَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا، وَحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ لَا آكُلُ مُتَّكِئًا، وَحَدِيثِ سَهْلٍ مَا رَأَى النَّقِيَّ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا قِصَّةٌ لَهُ غَيْرُ قِصَّتِهِ فِي وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَنَادِيلِ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧١ - كتاب الْعَقِيقَةِ

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ عَنِ الْمَوْلُودِ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيُّ: أَصْلُهَا الشَّعْرُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ، وَتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَسُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَقِيقَةً لِأَنَّهُ يُحْلَقُ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّعْرِ عِنْدَ الذَّبْحِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَطَائِفَةٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَقِيقَةُ اسْمُ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ عَنِ الْوَلَدِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُعَقُّ مَذَابِحُهَا أَيْ تُشَقُّ وَتَقْطَعُ. قَالَ: وَقِيلَ هِيَ الشَّعْرُ الَّذِي يُحْلَقُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ وَالشَّعْرُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى عَقِيقَةً، يُقَالُ عَقَّ يَعُقُّ إِذَا حَلَقَ عَنِ ابْنِهِ عَقِيقَتَهُ وَذَبَحَ لِلْمَسَاكِينِ شَاةً.

وَقَالَ الْقَزَّازُ: أَصْلُ الْعَقِّ الشَّقُّ، فَكَأَنَّهَا قِيلَ لَهَا عَقِيقَةٌ بِمَعْنَى مَعْقُوقَةٍ، وَسُمِّيَ شَعْرُ الْمَوْلُودِ عَقِيقَةً بِاسْمِ مَا يَعُقُّ عَنْهُ، وَقِيلَ بِاسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي انْعَقَّ عَنْهُ فِيهِ، وَكُلُّ مَوْلُودٍ مِنَ الْبَهَائِمِ فَشَعْرُهُ عَقِيقَةٌ، فَإِذَا سَقَطَ وَبَرُ الْبَعِيرِ ذَهَبَ عَقُّهُ. وَيُقَالُ: أَعَقَتِ الْحَامِلُ نَبَتَتْ عَقِيقَةُ وَلَدِهَا فِي بَطْنِهَا. قُلْتُ: وَمِمَّا وَرَدَ فِي تَسْمِيَةِ الشَّاةِ عَقِيقَةً مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ لِلْغُلَامِ عَقِيقَتَانِ وَلِلْجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ اهـ. وَوَقَعَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

القطَّان ممَّا وصلَه أحمد (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة: (إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ) بضم الواو، بدل: «إذا حضرَ العشاء (١)».

(٥٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أي: فتفرَّقوا عن موضعِ الطَّعام تخفيفًا عن صاحبِ المنزل.

٥٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو (٢) ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ أَنَسًا قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ) بسبب نزولِ آية الحجاب ((٣) كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) والعروسُ وصفٌ يستوي فيه الرَّجل والمرأة، والعرس: مدَّة بناء الرَّجل بالمرأةِ (وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ) وأكلوا من الطَّعام (حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ) (أَنَّهُمْ) أي: الرِّجال الَّذين تخلَّفوا في منزلهِ

المقدَّس (خَرَجُوا) منه (فَرَجَعْتُ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فرجع فرجعت» (٢) (مَعَهُ) إلى منزله (فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ (٣)، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قد قَامُوا، فَضَرَبَ) (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحجاب: رفع نائب الفاعل. وللكُشميهنيِّ: «ونزل عليه الحجاب» أي: آيةُ الحجاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣].

وهذه آدابٌ تتعلَّق بالأكلِ لا بأسَ بإيرادها:

فاعلم أنَّه يستحبُّ غسلُ اليد قبل الطَّعام، ففي الحديث (٥): أنه ينفي الفقرَ، وبعد الطَّعام ينفي اللَّمم، وهو الجنونُ. ولا ينشِّفُها قبل الأكلِ، فإنَّه (٦) ربَّما يكون بالمنديلِ وسخٌ فيعلقَ باليد. ويقدِّمُ الصِّبيان في الغسل الأوَّل لأنَّهم أقرب إلى الأوساخِ، وربَّما نفدَ الماء لو قدَّمنا الشُّيوخ، وفي الثَّاني يقدِّم الشُّيوخ كرامةً لهم، ويقدِّم المالك في الأوَّل ويتأخَّر في الثَّاني، وينبغِي للآكل أن يضمَّ شفتيهِ عند الأكل ليأمن ممَّا يتطايرُ من البُصاق حالَ المضغ. ولا يتنخَّم ولا يبصُقُ بحضرةِ آكلٍ غيره، فإن عرضَ له سعال حوَّل وجههُ عن الطَّعام، ولا ينفضُ يديه من الطَّعام لئلَّا يقعَ منه شيءٌ على ثوب جليسهِ أو في الطَّعام.

وفي «تاريخ أصبهان» لأبي نُعيم عن ابن مسعود مرفوعًا: «تخلَّلوا فإنَّه نظافة، والنَّظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمانُ مع صاحبهِ في الجنَّة» ولا يتخلَّل بعودِ الرَّيحان والرُّمان لأنَّهما (٧) يُثيران عرقَ الجُذَام، ولا بعودِ القصبِ لأنَّه يُفسد لحمَ الأسنان.

وهذا آخر «كتاب الأطعمة»، ولله الحمد (٨).

((٧١)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ العَقِيقَةِ) بفتح العين المهملة، وهي لغة: الشَّعر الَّذي على رأس الولد حين ولادتهِ، وشرعًا: ما يُذبح عند حلقِ شعرهِ لأنَّ مذبحه يُعَقُّ، أي: يُشَقُّ ويُقْطَعُ، ولأنَّ الشَّعر يُحْلَقُ إذا ذاك.

وقال ابنُ أبي الدَّم: قال أصحابُنَا: يستحبُّ تسميتُها نَسِيكة أو ذَبِيحة، وتُكره تسميتُها عقيقةً، كما تُكره تسميةُ العشاء عتمةً، والمعنى فيها إظهارُ البشر والنِّعمة ونشر النَّسب.

وهي سنَّة مؤكدة، وإنَّما لم تجب كالأضحية بجامع أنَّ كلًّا منهما إراقة دمٍ بغير جناية. وقال اللَّيث بن سعدٍ: إنَّها واجبة، وكذا قال داود وأبو الزِّناد. وقال أبو حنيفة -فيما نقله العينيُّ-: ليست بسنَّة. وقال محمَّد بن الحسن: هي تطوُّع كان النَّاس يفعلونها، ثمَّ نسختْ بالأضحى. وقال بعضُهم: هي بدعة. وفي «الموطأ» عن زيد بن أسلم، عن رجلٍ من بني ضَمْرة، عن أبيه: سئل النَّبيُّ عن العقيقةِ فقال: «لا أحبُّ العقوق» كأنَّه كرهَ الاسم وقال: «مَن ولدَ له ولدٌ فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعلْ»، وهذا لا حجَّة فيه لنفي مشروعيَّتها بل آخر الحديث يثبتُها، وإنَّما غايته أنَّ الأولى أن تسمَّى نسيكة أو ذبيحةً، وأن (١) لا تسمَّى عقيقةً كما مرَّ عن ابنِ أبي الدَّم.

وقد تقرَّر في علم الفصاحةِ الاحترازُ عن لفظِ يشتركُ فيه مَعنيان: أحدُهما مكروهٌ فيجاءُ به مطلقًا، والأصل فيها أحاديث كحديث: «الغلامُ مُرْتَهن بعقيقتهِ تُذْبحُ عنه يوم السَّابع ويُحلق رأسُه» رواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيح. وعند البزَّار عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «للغلامِ عقيقتان، وللجاريةِ عقيقة» وقال: لا نعلمُه بهذا اللَّفظ إلَّا بهذا الإسناد. انتهى.

والعقيقةُ كالضَّحيَّة في جميعِ أحكامهَا من جنسها، وسنِّها، وسلامتها، والأفضل منها، ونيَّتها، والأكل والتَّصدُّق، وسن طبخها كسائر الولائم، إلَّا رجلها فتُعْطى نيِّئة للقابلةِ لحديث الحاكم، وبحلوٍ تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاق الولد، وأن لا يكسرَ عظمها تفاؤلًا بسلامةِ أعضاء الولد، فإن كسرَ فخلاف الأولى، وأن تُذْبَحَ سابع ولادته.

(١) (بابُ تَسْمِيَةِ المَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ) أي: وقت يولد (لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ) بفتح التَّحتية وضم العين. ومفهومه أن من لم يُرِد أن يعقَّ عنه لا تؤخَّر تسميتُه إلى السَّابع، ومن أراد أن يعقَّ عنه تؤخَّر تسميتُه إلى السَّابع. وقال النَّوويُّ في «الأذكار»: تسنُّ تسميتُه يوم السَّابع أو يوم الولادةِ، ولكلٍّ من القولين أحاديث صحيحة، فحمل البخاريُّ (١) أحاديثَ يوم الولادة على من لم يُرِد العقَّ، وأحاديثَ يوم السَّابع على من أرادهُ، كما ترى. قال ابن حجرٍ: وهو جمعٌ لطيفٌ لم أره لغيره، وثبت لفظة: «عنه» لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (وَتَحْنِيكِهِ) يومَ ولادتهِ بتمرٍ فحلو بأن يمضغَ التَّمر ويدلك به حنكه داخلَ فمه حتَّى ينزلَ إلى جوفهِ منه شيءٌ، وقيس بالتَّمر الحلو، وفي معنى التَّمر الرُّطب.

والحكمةُ فيه: التَّفاؤل بالإيمان لأنَّ التَّمر من الشَّجرة الَّتي شبَّهها بالإيمانِ، لاسيَّما إذا كان المحنِّك من العلماء والصَّالحين لأنَّه يصل إلى جوفِ المولود من ريقهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله