الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٠٦
الحديث رقم ٥٥٠٦ من كتاب «كتاب الذبائح والصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يذكى بالسن والعظم والظفر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ ذَبِيحَةِ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ
٥٥٠٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: فِيهِ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ لِأَنَّ ابْنَ
كَعْبٍ تَابِعِيٌّ وَابْنَ عُمَرَ صَحَابِيٌّ قُلْتُ: لَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ ابْنَ كَعْبٍ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ فَحَمَلَهُ عَنْهُ نَافِعٌ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ رَاوِيهَا فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ كَعْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا شَاذَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي فِي مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لَا يَقْدَحُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنِ الرَّاوِي الَّذِي لَمْ يُسَمَّ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الْأُخْرَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ (جَارِيَةً) وَفِي لَفْظٍ أَمَةً لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى امْرَأَةً لِأَنَّهَا أَعَمُّ، فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ صِفَةً وَهِيَ كَوْنُهَا أَمَةً.
قَوْلُهُ (فَذَبَحَتْهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَذَكَّتْهَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فَأَدْرَكَتْ ذَكَاتَهَا بِحَجَرٍ. قَوْلُهُ (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: كُلُوهَا فَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَتِهِ تَعْيِينُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيهِ عَلَى الشَّكِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ تَصْدِيقُ الْأَجِيرِ الْأَمِينِ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْخِيَانَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْأَمِينِ كَالْمُودِعِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا ذَبَحَ الرَّاعِي شَاةً بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ وَقَالَ خَشِيتُ عَلَيْهَا الْمَوْتَ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ أَمَةً لِصَاحِبِ الْغَنَمِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَضْمِينُهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مِلْكِهِ فَلَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ تَضْمِينَهَا، وَكَذَا لَوْ أَنْزَى عَلَى الْإِنَاثِ فَحْلًا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَهَلَكَتْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ مِنْ صَلَاحِ الْمَالِ، وَقَدْ أَوْمَأَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ إِلَى مُوَافَقَتِهِ حَيْثُ قَدَّمَ الْجَوَازَ بِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلُ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ وَلَوْ ضَمِنَ الذَّابِحُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْأَمْرِ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ، وَعُورِضَ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الَّتِي ذَبَحَتْهَا الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَكْلِهَا لَكِنَّهُ قَالَ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى فَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَكِيَّةً مَا أَمَرَ بِإِطْعَامِهَا الْأُسَارَى. وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ مَا ذَبَحَتْهُ الْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِأَكْلِ مَا ذَبَحَتْهُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْبَابِ.
٢٠ - بَاب لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالظُّفُرِ
٥٥٠٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلْ - يَعْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ - إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ.
قَوْلُهُ (بَابُ لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالظُّفُرِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: السِّنُّ عَظْمٌ خَاصٌّ وَكَذَلِكَ الظُّفُرُ وَلَكِنَّهُمَا فِي الْعُرْفِ لَيْسَا بِعَظْمَيْنِ، وَكَذَا عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَذِكْرُ الْعَظْمِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ثُمَّ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَرْجَمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابنُ عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بنِ مسروق (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ) جدِّه (رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم، ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) أي: لي، لمَّا سألته: يا رسول الله ليسَ لنا مُدى نذبحُ بها: (كُلْ -يَعْنِي) إذا ذبحتْ بكلِّ (١) (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ-) كالقصبِ والحجرِ (إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ) زادَ في غير هذهِ ممَّا سبق: «أمَّا السِّنُّ فعظمٌ» وبذلك تحصلُ المطابقة الكلِّيَّة بين الحديثِ والتَّرجمة.
(٢١) (بابُ) حكمُ (ذَبِيحَةِ الأَعْرَابِ) وهم ساكنُو الباديةِ (وَ) حكمُ ذبيحة (نَحْوِهِمْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ونحرهم» «بالراء» بدل: «الواو»، فالأوَّل لغير الإبلِ.
٥٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ زيد، أبو ثابت مولى آل عثمان بن عفَّان القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ المَدَنِيُّ) ضعَّفه الأزديُّ بلا حجَّة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ قَوْمًا) وللنَّسائيِّ: «إنَّ ناسًا من الأعرابِ» (يَأْتُونَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «يأتوننَا» بزيادة نون أخرى (بِاللَّحْمِ) من الباديةِ (لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) عند الذَّبح، بضم ذال أذُكر مبنيًّا للمفعول (أَمْ لَا؟ فَقَالَ) ﷺ: (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ) وهذا ظاهرٌ في عدم وجوب التَّسمية، وليس المراد من قوله ﷺ: «سمُّوا عليه أنتمْ» أنَّ تسميتهُم على الأكلِ قائمة مقامَ التَّسمية الفائتة على الذَّبح، بل طلبُ الإتيان بالتَّسمية الَّتي
لم تفت وهي التَّسمية على الأكلِ (قَالَتْ) عائشة: (وَكَانُوا) أي: القوم السَّائلون (حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ) بإسقاط النون للإضافةِ، وزاد (١) مالك في آخره: «وذلك في أولِ الإسلام»، وقد تمسَّك بهذه الزِّيادة قومٌ فزعموا أنَّ هذا الجواب كان قبلَ نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأُجيب بأنَّ في الحديثِ نفسه ما يردُّ ذلك لأنَّه أمرهمْ فيه بالتَّسمية عند الأكل، فدلَّ على أنَّ الآيةَ كانت نزلتْ بالأمر (٢) بالتَّسمية عند الأكل، وأيضًا فقد اتَّفقوا على أنَّ الأنعامَ مكِّيَّة، وأنَّ هذه القصَّة كانت بالمدينةِ، وأنَّ القومَ كانوا من أعرابِ بادية المدينةِ. وقال الطِّيبيُّ: قوله: «اذكروا اسم الله أنتم وكلُوا» من أسلوبِ الحكيم، كأنَّه قيل لهم: لا تهتمُّوا بذلك ولا تسألوا عنه (٣)، والَّذي يهمُّكم الآن أن تذكروا اسمَ الله عليه.
(تَابَعَهُ) أي: تابعَ أسامةَ بن حفص (عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ (عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ) عبد العزيز بنِ محمَّد، عن هشامِ بنِ عروة مرفوعًا كذلك، وهذه المتابعةُ وصلها الإسماعيليُّ (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع أسامةَ أيضًا (أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان الأحمر، فيما وصلَه المصنِّف في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٣٩٨] (وَ) تابعه أيضًا (الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء، محمَّد بن عبد الرَّحمن، فيما وصلَه المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٥٧] كلاهما مرفوعًا، لكن خالفهم مالكٌ فرواه عن هشامٍ، عن أبيه مرسلًا لم يذكرْ عائشة، ووافقَ مالكًا على إرسالهِ الحمَّادان وابنُ عيينة والقطَّانُ، عن هشام. وهو أشبهُ بالصَّواب، قاله الدَّارقطنيُّ. والحكم للواصلِ إذا زادَ عدد من وصلَ على من أرسلَ واحتفَّ (٤) بقرينةٍ تقوِّي الوصلَ كما هنا؛ إذ عروة معروفٌ بالرِّواية عن عائشةَ مشهورٌ بالأخذِ عنها، ففيه إشعارٌ بحفظِ (٥) من وصله عن هشام، دون من أرسلهُ.
(٢٢) (بابُ) جوازِ أكل (ذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى (وَ) جواز أكل (شُحُومِهَا) أي: شحوم ذبائح (١) أهل الكتاب (مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ) الَّذين لا يعطون الجزية (وَغَيْرِهِمْ) وغير أهلِ الحرب من الَّذين يعطون الجزية لأنَّ التَّذكية لا تقعُ على بعضِ أجزاءِ المذبوح دون بعض، وإذا كانت التَّذكية شائعة (٢) في جميعهَا دخلَ الشَّحم لا محالةَ، وعن مالك وأحمد: تحريمُ ما حرِّم على (٣) أهلِ الكتاب كالشُّحوم.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾) وهي ما ليس بخبيثٍ منها وهو كلُّ ما لم يأتِ تحريمه في كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ (﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾) أي: ذَبائحهم لأنَّ سائرَ الأطعمة لا يختصُّ حِلُّها بالملَّة، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿الْيَوْمَ﴾» وقوله: «﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ … » إلى آخره وبإثباتِ قوله: «﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ … » إلى آخره يتمُّ الاستدلال؛ إذ (٤) لم يخصَّ ذمِّيًّا من حربيٍّ ولا لحمًا من شحمٍ، وكون الشُّحوم (٥) محرَّمة عليهم لا يضرُّنا (٦) ذلك لأنَّها محرَّمة عليهم لا علينَا، والمرادُ بأهل الكتابِ: اليهود والنَّصارى ومن دخلَ في دينهِم قبلَ بعثةِ نبيِّنا ﷺ، فأمَّا من دخلَ دينهُم بعد المبعثِ فلا تحلُّ ذبيحتُه (﴿وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥]).
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى العَرَبِ) والَّذي في «اليونينيَّة»: «نصارِيِّ العرب» بكسر الراء وتشديد التحتية، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس
أيضًا كما في «اللُّباب» (وَإِنْ سَمِعْتَهُ) أي: الذِّميَّ (يُسَمِّي لِغَيْرِ اللهِ) كأنْ يذبحَ باسم المسيح (فَلَا تَأْكُلْ) وبه قال ابنُ عمر، وهو قولُ ربيعة، وبه قال إمامنَا الشَّافعيُّ، وعبارتُه: إن كانَ لهم ذبح يسمُّون عليه غيرَ اسم الله مثل اسمِ المسيح فإنه لم يحل، وإن ذكرَ المسيح على معنى الصَّلاة عليه لم يحرمْ، وحكى البيهقيُّ بحثًا عن الحَلِيْمِيِّ: أنَّ أهل الكتاب إنَّما يذبحون لله تعالى، وهو (١) في أصلِ دينهم لا يقصدون بعبادتهِمْ إلَّا الله، فإذا كان قصدُهم في الأصلِ ذلك اغتفرتْ ذبيحتُهم ولم يضر قولُ من قال منهم مثلًا: باسم المسيح لا يريد بذلك إلَّا الله، وإن كان قد كفرَ بذلك الاعتقاد (وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ) يسمِّي لغير الله (فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ) زاد أبو ذر: «لك» (وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) أي: نحو ما (٢) روي عن الزُّهريِّ وسياقُه بصيغةِ التَّمريض يُشعر بأنَّه لم يصح عنه، بل روي عن عليٍّ أنَّه استثنَى نصارى بني تغلبٍ، وقال: ليسوا على النَّصرانيَّة ولم يأخذوا منها (٣) إلَّا شرب الخمر. قال في «اللُّباب»: وبه أخذ الشَّافعيُّ. انتهى. ورواه الشَّافعيُّ وعبد الرَّزَّاق بأسانيدَ صحيحة عن محمَّد بن سيرين، عن عَبيدة السَّلمانيِّ، عن عليٍّ.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما أخرجه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عنه (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما أخرجه أبو بكر (٤) الخلَّال: (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ) بالقاف ثمَّ الفاء، الَّذي لم يختن، لكن أخرج ابن المنذر عن ابن عبَّاس: الأقلفُ لا تؤكلُ ذبيحتُه ولا تُقْبل صلاتُه، ولا شهادته. وقد حكى ابنُ المنذر الإجماع على جوازِ ذبيحته؛ لأنَّه سبحانه أباحَ ذبائح أهلِ الكتاب، ومنهم من لا يختتنُ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ مفسِّرًا لقوله ﷿: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾: (طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ) وهذا وصلَه البيهقيُّ، وثبتَ للمُستملي وسقط لغيرهِ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: فِيهِ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ لِأَنَّ ابْنَ
كَعْبٍ تَابِعِيٌّ وَابْنَ عُمَرَ صَحَابِيٌّ قُلْتُ: لَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ ابْنَ كَعْبٍ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ فَحَمَلَهُ عَنْهُ نَافِعٌ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ رَاوِيهَا فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ كَعْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا شَاذَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي فِي مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لَا يَقْدَحُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنِ الرَّاوِي الَّذِي لَمْ يُسَمَّ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الْأُخْرَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ (جَارِيَةً) وَفِي لَفْظٍ أَمَةً لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى امْرَأَةً لِأَنَّهَا أَعَمُّ، فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ صِفَةً وَهِيَ كَوْنُهَا أَمَةً.
قَوْلُهُ (فَذَبَحَتْهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَذَكَّتْهَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فَأَدْرَكَتْ ذَكَاتَهَا بِحَجَرٍ. قَوْلُهُ (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: كُلُوهَا فَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَتِهِ تَعْيِينُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيهِ عَلَى الشَّكِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ تَصْدِيقُ الْأَجِيرِ الْأَمِينِ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْخِيَانَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْأَمِينِ كَالْمُودِعِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا ذَبَحَ الرَّاعِي شَاةً بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ وَقَالَ خَشِيتُ عَلَيْهَا الْمَوْتَ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ أَمَةً لِصَاحِبِ الْغَنَمِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَضْمِينُهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مِلْكِهِ فَلَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ تَضْمِينَهَا، وَكَذَا لَوْ أَنْزَى عَلَى الْإِنَاثِ فَحْلًا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَهَلَكَتْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ مِنْ صَلَاحِ الْمَالِ، وَقَدْ أَوْمَأَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ إِلَى مُوَافَقَتِهِ حَيْثُ قَدَّمَ الْجَوَازَ بِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلُ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ وَلَوْ ضَمِنَ الذَّابِحُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْأَمْرِ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ، وَعُورِضَ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الَّتِي ذَبَحَتْهَا الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَكْلِهَا لَكِنَّهُ قَالَ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى فَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَكِيَّةً مَا أَمَرَ بِإِطْعَامِهَا الْأُسَارَى. وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ مَا ذَبَحَتْهُ الْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِأَكْلِ مَا ذَبَحَتْهُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْبَابِ.
٢٠ - بَاب لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالظُّفُرِ
٥٥٠٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلْ - يَعْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ - إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ.
قَوْلُهُ (بَابُ لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالظُّفُرِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: السِّنُّ عَظْمٌ خَاصٌّ وَكَذَلِكَ الظُّفُرُ وَلَكِنَّهُمَا فِي الْعُرْفِ لَيْسَا بِعَظْمَيْنِ، وَكَذَا عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَذِكْرُ الْعَظْمِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ثُمَّ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَرْجَمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابنُ عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بنِ مسروق (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ) جدِّه (رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم، ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) أي: لي، لمَّا سألته: يا رسول الله ليسَ لنا مُدى نذبحُ بها: (كُلْ -يَعْنِي) إذا ذبحتْ بكلِّ (١) (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ-) كالقصبِ والحجرِ (إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ) زادَ في غير هذهِ ممَّا سبق: «أمَّا السِّنُّ فعظمٌ» وبذلك تحصلُ المطابقة الكلِّيَّة بين الحديثِ والتَّرجمة.
(٢١) (بابُ) حكمُ (ذَبِيحَةِ الأَعْرَابِ) وهم ساكنُو الباديةِ (وَ) حكمُ ذبيحة (نَحْوِهِمْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ونحرهم» «بالراء» بدل: «الواو»، فالأوَّل لغير الإبلِ.
٥٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ زيد، أبو ثابت مولى آل عثمان بن عفَّان القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ المَدَنِيُّ) ضعَّفه الأزديُّ بلا حجَّة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ قَوْمًا) وللنَّسائيِّ: «إنَّ ناسًا من الأعرابِ» (يَأْتُونَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «يأتوننَا» بزيادة نون أخرى (بِاللَّحْمِ) من الباديةِ (لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) عند الذَّبح، بضم ذال أذُكر مبنيًّا للمفعول (أَمْ لَا؟ فَقَالَ) ﷺ: (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ) وهذا ظاهرٌ في عدم وجوب التَّسمية، وليس المراد من قوله ﷺ: «سمُّوا عليه أنتمْ» أنَّ تسميتهُم على الأكلِ قائمة مقامَ التَّسمية الفائتة على الذَّبح، بل طلبُ الإتيان بالتَّسمية الَّتي
لم تفت وهي التَّسمية على الأكلِ (قَالَتْ) عائشة: (وَكَانُوا) أي: القوم السَّائلون (حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ) بإسقاط النون للإضافةِ، وزاد (١) مالك في آخره: «وذلك في أولِ الإسلام»، وقد تمسَّك بهذه الزِّيادة قومٌ فزعموا أنَّ هذا الجواب كان قبلَ نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأُجيب بأنَّ في الحديثِ نفسه ما يردُّ ذلك لأنَّه أمرهمْ فيه بالتَّسمية عند الأكل، فدلَّ على أنَّ الآيةَ كانت نزلتْ بالأمر (٢) بالتَّسمية عند الأكل، وأيضًا فقد اتَّفقوا على أنَّ الأنعامَ مكِّيَّة، وأنَّ هذه القصَّة كانت بالمدينةِ، وأنَّ القومَ كانوا من أعرابِ بادية المدينةِ. وقال الطِّيبيُّ: قوله: «اذكروا اسم الله أنتم وكلُوا» من أسلوبِ الحكيم، كأنَّه قيل لهم: لا تهتمُّوا بذلك ولا تسألوا عنه (٣)، والَّذي يهمُّكم الآن أن تذكروا اسمَ الله عليه.
(تَابَعَهُ) أي: تابعَ أسامةَ بن حفص (عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ (عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ) عبد العزيز بنِ محمَّد، عن هشامِ بنِ عروة مرفوعًا كذلك، وهذه المتابعةُ وصلها الإسماعيليُّ (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع أسامةَ أيضًا (أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان الأحمر، فيما وصلَه المصنِّف في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٣٩٨] (وَ) تابعه أيضًا (الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء، محمَّد بن عبد الرَّحمن، فيما وصلَه المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٥٧] كلاهما مرفوعًا، لكن خالفهم مالكٌ فرواه عن هشامٍ، عن أبيه مرسلًا لم يذكرْ عائشة، ووافقَ مالكًا على إرسالهِ الحمَّادان وابنُ عيينة والقطَّانُ، عن هشام. وهو أشبهُ بالصَّواب، قاله الدَّارقطنيُّ. والحكم للواصلِ إذا زادَ عدد من وصلَ على من أرسلَ واحتفَّ (٤) بقرينةٍ تقوِّي الوصلَ كما هنا؛ إذ عروة معروفٌ بالرِّواية عن عائشةَ مشهورٌ بالأخذِ عنها، ففيه إشعارٌ بحفظِ (٥) من وصله عن هشام، دون من أرسلهُ.
(٢٢) (بابُ) جوازِ أكل (ذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى (وَ) جواز أكل (شُحُومِهَا) أي: شحوم ذبائح (١) أهل الكتاب (مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ) الَّذين لا يعطون الجزية (وَغَيْرِهِمْ) وغير أهلِ الحرب من الَّذين يعطون الجزية لأنَّ التَّذكية لا تقعُ على بعضِ أجزاءِ المذبوح دون بعض، وإذا كانت التَّذكية شائعة (٢) في جميعهَا دخلَ الشَّحم لا محالةَ، وعن مالك وأحمد: تحريمُ ما حرِّم على (٣) أهلِ الكتاب كالشُّحوم.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾) وهي ما ليس بخبيثٍ منها وهو كلُّ ما لم يأتِ تحريمه في كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ (﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾) أي: ذَبائحهم لأنَّ سائرَ الأطعمة لا يختصُّ حِلُّها بالملَّة، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿الْيَوْمَ﴾» وقوله: «﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ … » إلى آخره وبإثباتِ قوله: «﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ … » إلى آخره يتمُّ الاستدلال؛ إذ (٤) لم يخصَّ ذمِّيًّا من حربيٍّ ولا لحمًا من شحمٍ، وكون الشُّحوم (٥) محرَّمة عليهم لا يضرُّنا (٦) ذلك لأنَّها محرَّمة عليهم لا علينَا، والمرادُ بأهل الكتابِ: اليهود والنَّصارى ومن دخلَ في دينهِم قبلَ بعثةِ نبيِّنا ﷺ، فأمَّا من دخلَ دينهُم بعد المبعثِ فلا تحلُّ ذبيحتُه (﴿وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥]).
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى العَرَبِ) والَّذي في «اليونينيَّة»: «نصارِيِّ العرب» بكسر الراء وتشديد التحتية، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس
أيضًا كما في «اللُّباب» (وَإِنْ سَمِعْتَهُ) أي: الذِّميَّ (يُسَمِّي لِغَيْرِ اللهِ) كأنْ يذبحَ باسم المسيح (فَلَا تَأْكُلْ) وبه قال ابنُ عمر، وهو قولُ ربيعة، وبه قال إمامنَا الشَّافعيُّ، وعبارتُه: إن كانَ لهم ذبح يسمُّون عليه غيرَ اسم الله مثل اسمِ المسيح فإنه لم يحل، وإن ذكرَ المسيح على معنى الصَّلاة عليه لم يحرمْ، وحكى البيهقيُّ بحثًا عن الحَلِيْمِيِّ: أنَّ أهل الكتاب إنَّما يذبحون لله تعالى، وهو (١) في أصلِ دينهم لا يقصدون بعبادتهِمْ إلَّا الله، فإذا كان قصدُهم في الأصلِ ذلك اغتفرتْ ذبيحتُهم ولم يضر قولُ من قال منهم مثلًا: باسم المسيح لا يريد بذلك إلَّا الله، وإن كان قد كفرَ بذلك الاعتقاد (وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ) يسمِّي لغير الله (فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ) زاد أبو ذر: «لك» (وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) أي: نحو ما (٢) روي عن الزُّهريِّ وسياقُه بصيغةِ التَّمريض يُشعر بأنَّه لم يصح عنه، بل روي عن عليٍّ أنَّه استثنَى نصارى بني تغلبٍ، وقال: ليسوا على النَّصرانيَّة ولم يأخذوا منها (٣) إلَّا شرب الخمر. قال في «اللُّباب»: وبه أخذ الشَّافعيُّ. انتهى. ورواه الشَّافعيُّ وعبد الرَّزَّاق بأسانيدَ صحيحة عن محمَّد بن سيرين، عن عَبيدة السَّلمانيِّ، عن عليٍّ.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما أخرجه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عنه (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما أخرجه أبو بكر (٤) الخلَّال: (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ) بالقاف ثمَّ الفاء، الَّذي لم يختن، لكن أخرج ابن المنذر عن ابن عبَّاس: الأقلفُ لا تؤكلُ ذبيحتُه ولا تُقْبل صلاتُه، ولا شهادته. وقد حكى ابنُ المنذر الإجماع على جوازِ ذبيحته؛ لأنَّه سبحانه أباحَ ذبائح أهلِ الكتاب، ومنهم من لا يختتنُ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ مفسِّرًا لقوله ﷿: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾: (طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ) وهذا وصلَه البيهقيُّ، وثبتَ للمُستملي وسقط لغيرهِ.