«كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْم�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٠٨

الحديث رقم ٥٥٠٨ من كتاب «كتاب الذبائح والصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٥٠٨ في صحيح البخاري

«كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لِآخُذَهُ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا النَّبِيُّ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ.

بَابُ مَا نَدَّ مِنَ الْبَهَائِمِ فَهْوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَعْجَزَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَهْوَ كَالصَّيْدِ وَفِي بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ

إسناد حديث رقم ٥٥٠٨ من صحيح البخاري

٥٥٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٥٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَا الْأَخِيرُ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: فِيهِ أَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ يُؤْكَلُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمَّى، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخَيْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعَكَسَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحِ الذَّبِيحَةُ بِالْأَمْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، كَمَا لَوْ عَرَضَ الشَّكُّ فِي نَفْسِ الذَّبْحِ فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَقَعَتِ الذَّكَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَوْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ حَيْثُ وَقَعَ الْجَوَابُ فِيهِ فَسَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ بَلِ الَّذِي يُهِمُّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَتَأْكُلُوا، وَهَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَأَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ فِي أَنَّهُمْ سَمَّوْا أَمْ لَا.

تَكْمِلَةٌ:

قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإحْيَاءِ فِي مَرَاتِبِ الشُّبُهَاتِ: الْمَرْتَبَةُ الْأَوْلَى مَا يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِي التَّوَرُّعِ عَنْهُ. هُوَ مَا يَقْوَى فِيهِ دَلِيلُ الْمُخَالِفِ، فَمِنْهُ التَّوَرُّعُ عَنْ أَكْلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، فَإِنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي الْإِيجَابِ، وَالْأَخْبَارَ مُتَوَاتِرَةٌ بِالْأَمْرِ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا صَحَّ قَوْلُهُ الْمُؤْمِنُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَامًّا مُوجِبًا لِصَرْفِ الْآيَةِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُخَصَّصَ بِالنَّاسِي وَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: الْحَدِيثُ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ بَالَغَ النَّوَوِيُّ فِي إِنْكَارِهِ، فَقَالَ: هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: مُنْكَرٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنِ الصَّلْتِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ قُلْتُ: الصَّلْتُ يُقَالُ لَهُ السَّدُوسِيُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَلَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمُرْسَلِ الْمَذْكُورِ قَوِيَ، أَمَّا كَوْنُهُ يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٢ - بَاب ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَقْلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذبَائِحُهُمْ.

٥٥٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لِآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا، مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ) أَشَارَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ تَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَالشُّحُومِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ طَعَامَهُمْ، وَلَيْسَ الشُّحُومُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَا يَقْصِدُونَهَا عِنْدَ الذكاة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ طَعَامَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ

الْبَابِ، وَإِذَا أُبِيحَتْ ذَبَائِحُهُمْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى قَصْدِهِمْ أَجْزَاءَ الْمَذْبُوحِ، وَالتَّذْكِيَةُ لَا تَقَعُ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْمَذْبُوحِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَتِ التَّذْكِيَةُ شَائِعَةً فِي جَمِيعِهَا دَخَلَ الشَّحْمُ لَا مَحَالَةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ نَصَّ بِأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، فَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّ الْيَهُودِيَّ إِذَا ذَبَحَ مَا لَهُ ظُفُرٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَكْلُهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ أَيْضًا يُحَرِّمُونَ أَكْلَ الْإِبِلِ فَيَقَعُ الْإِلْزَامُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَتَبَيَّنُ مُرَادُهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحِلِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ ذِمِّيًّا مِنْ حَرْبِيٍّ وَلَا خَصَّ لَحْمًا مِنْ شَحْمٍ، وَكَوْنُ الشُّحُومِ مُحَرَّمَةً عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا، وَغَايَتُهُ بَعْدَ أَنْ يَتَقَرَّرَ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ لَنَا حَلَالٌ أَنَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا مَسْكُوتٌ فِي شَرْعِنَا عَنْ تَحْرِيمِهِ عَلَيْنَا فَيَكُونُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ. وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُهِلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ: وَإِهْلَالُهُ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَبْحٌ يُسَمُّونَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ مِثْلَ اسْمِ الْمَسِيحِ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ ذَكَرَ الْمَسِيحَ عَلَى مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَلِيمِيِّ بَحْثًا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إِنَّمَا يَذْبَحُونَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ لَا يَقْصِدُونَ بِعِبَادَتِهِمْ إِلَّا اللَّهَ، فَإِذَا كَانَ قَصْدُهُمْ فِي الْأَصْلِ ذَلِكَ اعْتُبِرَتْ ذَبِيحَتُهُمْ وَلَمْ يَضُرَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ مَثَلًا: بِاسْمِ الْمَسِيحِ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا اللَّهَ وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ.

قَوْلُهُ (وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ، وَكَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ.

بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ الْمَنْعُ مِنْ ذَبَائِحِ بَعْضِ نَصَارَى الْعَرَبِ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّ مَنْعَ الَّذِي مَنَعَهُ فِيهِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي نُقِلَ فِيهِ عَنْهُ الْجَوَازُ

قَوْلُهُ (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَقْلَفِ) بِالْقَافِ ثُمَّ الْفَاءِ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ، وَالْقُلْفَةُ بِالْقَافِ وَيُقَالُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْغُرْلَةُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَسْتُرُ الْحَشَفَةَ، وَأَثَرُ الْحَسَنِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يُرَخِّصُ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَمَا يَكْبَرُ فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ إِنِ اخْتُتِنَ أَنْ لَا يُخْتَتَنَ، وَكَانَ لَا يَرَى بِأَكْلِ ذَبِيحَتِهِ بَأْسًا. وَأَمَّا أَثَرُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَقْلَفِ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يُخَالِفُهُ فَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَقْلَفُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ صَلَاتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ تَجُوزُ ذَبِيحَتُهُ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُخْتَتَنُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيقُ هُنَا عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَثَبَتَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ فِي آخِرِ الْبَابِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالَ: ذَبَائِحُهُمْ، وَقَائِلُ هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ ذَبِيحَةَ الْأَقْلَفِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُخْتَتَنُونَ، وَقَدْ خَاطَبَ النَّبِيُّ هِرَقْلَ وَقَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وَهِرَقْلُ وَقَوْمُهُ مِمَّنْ لَا يُخْتَتَنُ وَقَدْ سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ فَنَزَوْتُ) بِنُونٍ وَزَايٍ أَيْ وَثَبْتُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَبَدَرْتُ أَيْ سَارَعْتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ مَا حُرِّمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصر البصريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بفتح الغين المعجمة والفاء مشددة () أنَّه (قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ) لم أعرفْه (١) (بِجِرَابٍ) بكسر الجيم (فِيهِ شَحْمٌ) من شحم يهود (٢) (فَنَزَوْتُ) بالفاء والنون والزاي المفتوحات والواو الساكنة بعدها مثناة فوقية، أي: وَثَبْتُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فبدرتُ» أي: أسرعتُ (لآخُذَهُ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ) لكونه اطَّلع على حرصِي عليه، زاد أبو داود الطَّيالسيُّ: قال : «هو لك» وكأنَّه عرف شدَّة حاجتهِ إليه فسوَّغ له الاستئثار به، وفيه: حجَّة لجواز الشُّحوم لأنَّه أقرَّ ابن مغفَّل على الانتفاعِ بما في الجراب، وفيه: جوازُ أكل الشَّحم (٣) ممَّا ذبحه أهلُ الكتابِ ولو كانوا أهلَ حرب.

وهذا الحديث سبق في «الخُمُس» في «باب ما يُصيب من الطَّعام في أرضِ الحرب» [خ¦٣١٥٣] وزاد هنا الحَمُّويي والكُشميهنيُّ ما سبقَ قبل للمُستملي، وهو قوله: «وقال ابن عبَّاس: طعامهم ذبائحهم».

(٢٣) (بابُ مَا نَدَّ) أي: فرَّ وشردَ (مِنَ البَهَائِمِ) الإنسيَّة (فَهْوَ بِمَنْزِلَةِ الوَحْشِ) في عقره على أيِّ صفةٍ اتَّفقت (وَأَجَازَهُ) أي: عقر البهائم كالوحشِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، ممَّا (٤) وصله ابنُ أبي شيبة بمعناه (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (مَا أَعْجَزَكَ) ذبحه (مِنَ البَهَائِمِ) الإنسيَّة (مِمَّا فِي يَدَيْكَ) بالتَّثنية ممَّا كان لك وفي تصرُّفك (٥) فتوحَّش (فَهْوَ كَالصَّيْدِ) في أيِّ شيء منه أصبته فهو ذكاته، وهذا وصله ابنُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَا الْأَخِيرُ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: فِيهِ أَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ يُؤْكَلُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمَّى، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخَيْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعَكَسَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحِ الذَّبِيحَةُ بِالْأَمْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، كَمَا لَوْ عَرَضَ الشَّكُّ فِي نَفْسِ الذَّبْحِ فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَقَعَتِ الذَّكَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَوْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ حَيْثُ وَقَعَ الْجَوَابُ فِيهِ فَسَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ بَلِ الَّذِي يُهِمُّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَتَأْكُلُوا، وَهَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَأَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ فِي أَنَّهُمْ سَمَّوْا أَمْ لَا.

تَكْمِلَةٌ:

قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإحْيَاءِ فِي مَرَاتِبِ الشُّبُهَاتِ: الْمَرْتَبَةُ الْأَوْلَى مَا يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِي التَّوَرُّعِ عَنْهُ. هُوَ مَا يَقْوَى فِيهِ دَلِيلُ الْمُخَالِفِ، فَمِنْهُ التَّوَرُّعُ عَنْ أَكْلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، فَإِنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي الْإِيجَابِ، وَالْأَخْبَارَ مُتَوَاتِرَةٌ بِالْأَمْرِ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا صَحَّ قَوْلُهُ الْمُؤْمِنُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَامًّا مُوجِبًا لِصَرْفِ الْآيَةِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُخَصَّصَ بِالنَّاسِي وَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: الْحَدِيثُ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ بَالَغَ النَّوَوِيُّ فِي إِنْكَارِهِ، فَقَالَ: هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: مُنْكَرٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنِ الصَّلْتِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ قُلْتُ: الصَّلْتُ يُقَالُ لَهُ السَّدُوسِيُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَلَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمُرْسَلِ الْمَذْكُورِ قَوِيَ، أَمَّا كَوْنُهُ يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٢ - بَاب ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَقْلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذبَائِحُهُمْ.

٥٥٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لِآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا، مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ) أَشَارَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ تَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَالشُّحُومِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ طَعَامَهُمْ، وَلَيْسَ الشُّحُومُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَا يَقْصِدُونَهَا عِنْدَ الذكاة. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ طَعَامَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ

الْبَابِ، وَإِذَا أُبِيحَتْ ذَبَائِحُهُمْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى قَصْدِهِمْ أَجْزَاءَ الْمَذْبُوحِ، وَالتَّذْكِيَةُ لَا تَقَعُ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْمَذْبُوحِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَتِ التَّذْكِيَةُ شَائِعَةً فِي جَمِيعِهَا دَخَلَ الشَّحْمُ لَا مَحَالَةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ نَصَّ بِأَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، فَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّ الْيَهُودِيَّ إِذَا ذَبَحَ مَا لَهُ ظُفُرٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَكْلُهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ أَيْضًا يُحَرِّمُونَ أَكْلَ الْإِبِلِ فَيَقَعُ الْإِلْزَامُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَتَبَيَّنُ مُرَادُهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحِلِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ ذِمِّيًّا مِنْ حَرْبِيٍّ وَلَا خَصَّ لَحْمًا مِنْ شَحْمٍ، وَكَوْنُ الشُّحُومِ مُحَرَّمَةً عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْنَا، وَغَايَتُهُ بَعْدَ أَنْ يَتَقَرَّرَ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ لَنَا حَلَالٌ أَنَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا مَسْكُوتٌ فِي شَرْعِنَا عَنْ تَحْرِيمِهِ عَلَيْنَا فَيَكُونُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ. وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُهِلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ: وَإِهْلَالُهُ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَبْحٌ يُسَمُّونَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ مِثْلَ اسْمِ الْمَسِيحِ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ ذَكَرَ الْمَسِيحَ عَلَى مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَلِيمِيِّ بَحْثًا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إِنَّمَا يَذْبَحُونَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ لَا يَقْصِدُونَ بِعِبَادَتِهِمْ إِلَّا اللَّهَ، فَإِذَا كَانَ قَصْدُهُمْ فِي الْأَصْلِ ذَلِكَ اعْتُبِرَتْ ذَبِيحَتُهُمْ وَلَمْ يَضُرَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ مَثَلًا: بِاسْمِ الْمَسِيحِ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا اللَّهَ وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ.

قَوْلُهُ (وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ، وَكَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ.

بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ الْمَنْعُ مِنْ ذَبَائِحِ بَعْضِ نَصَارَى الْعَرَبِ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّ مَنْعَ الَّذِي مَنَعَهُ فِيهِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي نُقِلَ فِيهِ عَنْهُ الْجَوَازُ

قَوْلُهُ (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَقْلَفِ) بِالْقَافِ ثُمَّ الْفَاءِ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ، وَالْقُلْفَةُ بِالْقَافِ وَيُقَالُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْغُرْلَةُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَسْتُرُ الْحَشَفَةَ، وَأَثَرُ الْحَسَنِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يُرَخِّصُ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَمَا يَكْبَرُ فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ إِنِ اخْتُتِنَ أَنْ لَا يُخْتَتَنَ، وَكَانَ لَا يَرَى بِأَكْلِ ذَبِيحَتِهِ بَأْسًا. وَأَمَّا أَثَرُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الْأَقْلَفِ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يُخَالِفُهُ فَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَقْلَفُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ صَلَاتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ تَجُوزُ ذَبِيحَتُهُ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُخْتَتَنُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيقُ هُنَا عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَثَبَتَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ فِي آخِرِ الْبَابِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قَالَ: ذَبَائِحُهُمْ، وَقَائِلُ هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ ذَبِيحَةَ الْأَقْلَفِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُخْتَتَنُونَ، وَقَدْ خَاطَبَ النَّبِيُّ هِرَقْلَ وَقَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وَهِرَقْلُ وَقَوْمُهُ مِمَّنْ لَا يُخْتَتَنُ وَقَدْ سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ فَنَزَوْتُ) بِنُونٍ وَزَايٍ أَيْ وَثَبْتُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَبَدَرْتُ أَيْ سَارَعْتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ مَا حُرِّمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصر البصريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بفتح الغين المعجمة والفاء مشددة () أنَّه (قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ) لم أعرفْه (١) (بِجِرَابٍ) بكسر الجيم (فِيهِ شَحْمٌ) من شحم يهود (٢) (فَنَزَوْتُ) بالفاء والنون والزاي المفتوحات والواو الساكنة بعدها مثناة فوقية، أي: وَثَبْتُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فبدرتُ» أي: أسرعتُ (لآخُذَهُ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ) لكونه اطَّلع على حرصِي عليه، زاد أبو داود الطَّيالسيُّ: قال : «هو لك» وكأنَّه عرف شدَّة حاجتهِ إليه فسوَّغ له الاستئثار به، وفيه: حجَّة لجواز الشُّحوم لأنَّه أقرَّ ابن مغفَّل على الانتفاعِ بما في الجراب، وفيه: جوازُ أكل الشَّحم (٣) ممَّا ذبحه أهلُ الكتابِ ولو كانوا أهلَ حرب.

وهذا الحديث سبق في «الخُمُس» في «باب ما يُصيب من الطَّعام في أرضِ الحرب» [خ¦٣١٥٣] وزاد هنا الحَمُّويي والكُشميهنيُّ ما سبقَ قبل للمُستملي، وهو قوله: «وقال ابن عبَّاس: طعامهم ذبائحهم».

(٢٣) (بابُ مَا نَدَّ) أي: فرَّ وشردَ (مِنَ البَهَائِمِ) الإنسيَّة (فَهْوَ بِمَنْزِلَةِ الوَحْشِ) في عقره على أيِّ صفةٍ اتَّفقت (وَأَجَازَهُ) أي: عقر البهائم كالوحشِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، ممَّا (٤) وصله ابنُ أبي شيبة بمعناه (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (مَا أَعْجَزَكَ) ذبحه (مِنَ البَهَائِمِ) الإنسيَّة (مِمَّا فِي يَدَيْكَ) بالتَّثنية ممَّا كان لك وفي تصرُّفك (٥) فتوحَّش (فَهْوَ كَالصَّيْدِ) في أيِّ شيء منه أصبته فهو ذكاته، وهذا وصله ابنُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر