الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥١٧
الحديث رقم ٥٥١٧ من كتاب «كتاب الذبائح والصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لحم الدجاج.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٥١٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي: الْأَشْعَرِيَّ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قِصَّةِ عُكْلَ وَعُرَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الِاخْتِلَافَ عَلَى شُعْبَةَ فِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيَّ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا قَالَ حَجَّاجُ بْنُ مُنْهَالٍ، لَكِنْ أَدْخَلَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَالنَّبِيِّ ﷺ أَبَا أَيُّوبَ، وَرِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قُوَّةُ أَنَسٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِشِدَّةِ الْأَمِيرِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ نَهَى الْحَجَّاجَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ صَدَرَ مِنَ الْحَجَّاجِ فِي حَقِّهِ خُشُونَةً، فَشَكَاهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَأَغْلَظَ لِلْحَجَّاجِ وَأَمَرَهُ بِإِكْرَامِهِ.
٢٦ - بَاب لَحْمِ الدَّجَاجِ
٥٥١٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى - يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا.
٥٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ ادْنُ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ أَكَلَ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ ادْنُ أُخْبِرْكَ أَوْ أُحَدِّثْكَ إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا قَالَ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبٍ مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ قَالَ فَأَعْطَانَا خَمْسَ ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ حَمَلَكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا"
قَوْلُهُ (بَابُ لَحْمِ الدَّجَاجِ) هُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُثَلَّثُ الدَّالِ، ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ وَابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَحْكِ النَّوَوِيُّ الضَّمَّ، وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ مُثَلَّثٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمَّ فِيهِ ضَعِيفٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: دَخَلَتْهَا الْهَاءُ لِلْوَحْدَةِ مِثْلَ الْحَمَامَةِ، وَأَفَادَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الدَّجَاجَ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْوَاحِدُ مِنْهَا دِيكٌ، وَبِالْفَتْحِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكْرَانِ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، قَالَ: وَسُمِّيَ لِإِسْرَاعِهِ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ مِنْ دَجَّ يَدُجُّ إِذَا أَسْرَعَ. قُلْتُ: وَدَجَاجَةُ اسْمُ امْرَأَةٍ وَهِيَ بِالْفَتْحِ فَقَطْ، وَيُسَمَّى بِهَا الْكُبَّةُ مِنَ الْغَزْلِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، نَسَبَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ
بِأَنَّهُ ابْنُ جَعْفَرٍ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَيُّوبَ) فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ابْنُ أَبِي تَمِيمَةَ وَهُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) كَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بَدَلَ أَبِي قِلَابَةَ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ أَيْضًا، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ قَالَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ قَاسِمٍ أَحْفَظُ أَخْرَجَهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَكَذَا قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ (عَنْ زَهْدَمٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ هُوَ ابْنُ مُضَرِّبٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ (الْجَرْمِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثَيْنِ: هَذَا الْحَدِيثُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِعَ لَهُ، وَحَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ وَذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَيْضًا.
قَوْلُهُ (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَكَذَا سَاقَهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ أَتَمَّ مِنْهُ، وَسَاقَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلًا، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ ابْنُ عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَدْ أَوْرَدَهُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ مَقْرُونًا وَمُفْرَدًا مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا مُشْتَمِلًا عَلَى قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَفَتْوَى أَبِي مُوسَى لَهُ بِأَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَأْكُلَ، وَقَصَّ لَهُ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ وَسَبَبَهُ، وَهُوَ طَلَبُهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْمِلَهُمْ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ الِاسْتِحْمَالِ وَمَا يَلِيهَا مِنْ حُكْمِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَتِهِ دُونَ قِصَّةِ الدَّجَاجِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَأَوْرَدَهَا أَيْضًا فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْهُ فِي قِصَّةِ الِاسْتِحْمَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ أَحَلْتُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْمَغَازِي بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، فَأَذْكُرُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَاجِ.
قَوْلُهُ (كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَه هَذَا الْحَيِّ) بِالْخَفْضِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بَيْنَهُ كَذَا قَالَ ابْنُ التِّينِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّ زَهْدَمًا الْجَرْمِيَّ قَالَ: كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا مُوسَى وَقَوْمَهُ الْأَشْعَرِيِّينَ كَانُوا أَهْلَ مَوَدَّةٍ وَإِخَاءٍ لِقَوْمِ زَهْدَمٍ وَهُمْ بَنُو جَرْمٍ، وَقَدْ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَأَبِي قِلَابَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَالَ ابْنُ التِّينِ إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ أَوْ إِخَاءٌ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ.
قَوْلُهُ (إِخَاءٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْمَدِّ قَالَ ابْنُ التِّينِ ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالْقَصْرِ وَهُوَ خَطَأٌ.
قَوْلُهُ (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ) أَيِ اللَّوْنِ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي أَيِ الْعَجَمِ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ زَهْدَمٌ الرَّاوِي أَبْهَمَ نَفْسَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ دَجَاجًا فَقَالَ: ادْنُ فَكُلْ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُهُ مُخْتَصَرًا.
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا لِكَوْنِهِ وَصَفَ الرَّجُلَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ وَزَهْدَمٌ مِنْ بَنِي جَرْمٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا امْتَنَعَا مَعًا زَهْدَمٌ وَالرَّجُلُ التَّيْمِيُّ، وَحَمَلَهُ عَلَى دَعْوَى التَّعَدُّدِ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ
الشَّخْصُ الْوَاحِدُ يُنْسَبُ إِلَى تَيْمِ اللَّهِ وَإِلَى جَرْمٍ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ بَلْ قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ هُوَ الْعَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ زَهْدَمٌ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَأَتَى بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ زَهْدَمًا كَانَ تَارَةً يُنْسَبُ إِلَى بَنِي جَرْمٍ وَتَارَةً إِلَى بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، وَجَرْمٌ قَبِيلَةٌ فِي قُضَاعَةَ يُنْسَبُونَ إِلَى جَرْمِ بْنِ زَبَّانَ بِزَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ ابْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَتَيْمُ اللَّهِ بَطْنٌ مِنْ بَنِي كَلْبٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ فِي قُضَاعَةَ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى تَيْمِ اللَّهِ بْنِ رُفَيْدَةَ - بِرَاءٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرًا - ابْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، فَحُلْوَانُ عَمُّ جَرْمٍ، قَالَ الرَّشَاطِيُّ فِي الْأَنْسَابِ: وَكَثِيرًا مَا يَنْسُبُونَ الرَّجُلَ إِلَى أَعْمَامِهِ.
قُلْتُ: وَرُبَّمَا أَبْهَمَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَكُونَ زَهْدَمٌ صَاحِبَ الْقِصَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى زَهْدَمٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى يَأْكُلُ الدَّجَاجَ فَدَعَانِي فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ نَتِنًا، قَالَ ادْنُهُ فَكُلْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ. وَمِنْ طَرِيقِ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ فَقَالَ: ادْنُ فَكُلْ، فَقُلْتُ: إِنِّي حَلَفْتُ لَا آكُلُهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ، عَنِ الصَّعْقِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَهْدَمٍ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ فَقَالَ لِي: ادْنُ فَكُلْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أُرِيدُهُ الْحَدِيثَ.
فَهَذِهِ عِدَّةُ طُرُقٍ صَرَّحَ زَهْدَمٌ فِيهَا بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ زَهْدَمٍ وَالْمُمْتَنِعِ مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ، فَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَهْدَمٍ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ الْحَدِيثَ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الدَّاخِلَ دَخَلَ وَزَهْدَمٌ جَالِسٌ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ زَهْدَمٍ بِقَوْلِهِ كُنَّا قَوْمَهُ الَّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَهُ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَهَذَا مَجَازٌ قَدِ اسْتَعْمَلَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ كَقَوْلِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ خَطَبَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَيْ خَطَبَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُدْرِكْ ثَابِتٌ خُطْبَةَ عِمْرَانَ الْمَذْكُورَةَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَهْدَمٌ دَخَلَ فَجَرَى لَهُ مَا ذَكَرَ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسَهُ، وَلَا عَجَبَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ قَذِرًا وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَتْ جَلَّالَةً فَبَيَّنَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ تِلْكَ الدَّجَاجَةِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الدَّجَاجِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ (فَقَالَ ادْنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الدُّنُوِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ إِذًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَعَ التَّنْوِينِ حَرْفُ نَصْبٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ أُخْبِرْكَ مَجْزُومٌ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مَنْصُوبٌ، وَقَوْلُهُ أَوْ أُحَدِّثْكَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ (إِنِّي أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَوْلُهُ فَأَعْطَانَا خَمْسَ ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى الْغُرُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ أَغَرَّ وَالْأَغَرُّ الْأَبْيَضُ. وَالذُّرَى بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَصْرِ جَمْعُ ذِرْوَةٍ وَذِرْوَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَسْنِمَةُ الْإِبِلِ وَلَعَلَّهَا كَانَتْ بَيْضَاءَ حَقِيقَةً، أَوْ أَرَادَ وَصْفَهَا بِأَنَّهَا لَا عِلَّةَ فِيهَا وَلَا دَبَرَ، وَيَجُوزُ فِي غُرٍّ النَّصْبُ وَالْجَرُّ، وَقَوْلُهُ خَمْسُ ذَوْدٍ كَذَا وَقَعَ بِالْإِضَافَةِ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي غَرِيبِهِ قَالَ: وَالصَّوَابُ تَنْوِينُ خَمْسٍ وَأَنْ يَكُونَ ذَوْدٌ بَدَلًا مِنْ خَمْسٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْعَدَدَ الْمُضَافَ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ خَمْسُ ذَوْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا لِأَنَّ الْإِبِلَ الذَّوْدَ ثَلَاثَةٌ انْتَهَى، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ يُحْكَمُ بِفَسَادِ الْمَعْنَى إِذَا كَانَ الْعَدَدُ كَذَا ; وَلْيَكُنْ عَدَدُ الْإِبِلِ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فَمَا الَّذِي يَضُرُّ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ خُذْ هَذَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى البلخيُّ في قول ابن السَّكن، أو هو ابنُ جعفر بن أعين، أبو زكريَّا البِيْكَنديُّ فيما جزمَ به أبو نُعيم والكلاباذيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاح أحدُ الأعلام (عَنْ سُفْيَانَ (١)، عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمةَ السَّختيانيِّ الإمام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بنِ زيدٍ الجرميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابنِ مُضَرِّب؛ بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة (٢) (الجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عَنْ أَبِي مُوسَى -يَعْنِي: الأَشْعَرِيَّ ﵁) سقط لأبي ذرٍّ «يعني: الأشعري» أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا) فيه: دليل حلِّه وهو من الطَّيِّبات، وأكلُ الفتيِّ منه يزيدُ في العقلِ والمني، ويصفِّي الصَّوت.
٥٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله المُقْعَدُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ)
كيسان السَّختيانيُّ (عَنِ القَاسِمِ) بنِ عاصم الكُلَيبيِّ (١) (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابن مُضَرِّب -بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة- الجَرْميِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم (إِخَاءٌ) بكسر الهمزة والمدِّ، والحي بالخفضِ صفة لاسمِ الإشارة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بيننا وبينه هذا الحي» بالرَّفع، وقال السَّفاقسيُّ بالخفضِ بدلًا من الضَّمير في بينه. وردَّ بأنَّه يصيرُ تقدير الكلام أنَّ زهدمًا الجرميَّ، قال: كان بيننا وبين هذا الحي من جَرْمٍ إخاء، وليس المرادَ، وإنَّما المراد: أنَّ أبا موسى وقومَه الأشعريين كانوا أهل مودَّة وإخاء لقومِ زَهْدَمٍ، وهم بنو جرم، ورواية الكُشميهنيِّ السَّابقة هنا تُؤيِّد ما قاله السَّفاقسيُّ إلَّا أنَّ المعنى غير صحيحٍ، وفي آخر «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥]: عن زَهْدَمٍ قال: «كان بين هذا الحيِّ من جَرْمٍ وبين الأشعريين ودٌّ وإخاءٌ». وهذه الرِّواية هي المعتمدةُ، كما قاله في «الفتح».
(فَأُتِيَ) بضم الهمزة، أبو موسى (بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ) اللَّون (فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ، قَالَ (٢): ادْنُ) فكل (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ) وفي التِّرمذيِّ من طريق قتادة عن زَهْدَمٍ قال: «دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ دجاجًا، فقال: ادْنُ فكُلْ». ففيه: أنَّ المبهم هو زَهْدَمٌ الرَّاوي أَبهَمَ نفسَه، وقد كان زهدمٌ هذا (٣) ينتسب (٤) تارةً لبني جرمٍ، وتارة لبني تيم الله (٥)، وجرمٌ قبيلةٌ في (٦) قضاعةَ ينسبون (٧) إلى جرمِ بن زبَّان -بزاي
وموحدة ثقيلة- ابنِ عمران بنِ الحاف (١) بنِ قُضاعة، وتيم الله بطنٌ من بني كلبٍ، وهم (٢) قبيلةٌ من قُضاعة أيضًا ينسبون إلى تيمِ الله بن رُفَيدة -بفاء مصغَّرًا- ابن ثور بنِ كلب بنِ وبرة بنِ تغلب بنِ حلوان بنِ عمران بنِ الحاف بنِ قُضاعة، فحلوان عمُّ جرم. قال الرُّشاطيُّ في «الأنساب»: وكثيرًا ما ينسبون الرَّجل إلى أعمامهِ، قاله في «الفتح».
(قَالَ) الرَّجل لأبي موسى معتذرًا عن كونه لم يقرب للأكل (٣): (إِنِّي رَأَيْتُهُ) أي: جنس الدَّجاج (يأَكُلُ شَيْئًا) قذرًا (فَقَذِرْتُهُ) بكسر المعجمة (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ) وكأنَّه ظنَّه (٤) أنَّه أكثر من (٥) أكلهِ بحيث صارَ من الجلَّالة، فبيَّن له أنَّه ليس كذلك (فَقَالَ: ادْنُ) أي: أقرب (أُخْبِرْكَ) بالجزمِ جواب الأمر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذَنْ أُخْبِرَك» بكسر الهمزة وفتح الذال المعجمة وسكون النون، وأخبرَكَ نصب بإذن (أَوْ أُحَدِّثْكَ) شكٌّ من الرَّاوي (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «رسول الله» (ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ) طلبنَا منه إبلًا تحملنا (فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَهْبٍ) من غنيمة (مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ) ﷺ: (أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ؟) مرَّتين (قَالَ) أبو موسى: (فَأَعْطَانَا) ﵊ (خَمْسَ ذَوْدٍ) نصبٌ على المفعول (٦) مضاف لذودٍ، وهو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الإبلِ، واستنكرَ أبو البقاء في «غريبه» الإضافة فقال: والصَّواب تنوين خمس، وأن يكون ذود بدلًا من خمس، فإنَّه لو كان بغير تنوين وأضفتَ لتغير المعنى لأنَّ العددَ المضاف غير المضاف إليه، فيلزمُ أن يكون خمسَ ذودٍ خمسة عشر بعيرًا لأنَّ الإبل الذَّود ثلاثة. انتهى.
وتعقَّبه في «فتح الباري» فقال: وما أدري كيف حكم بفسادِ المعنى إذا كان العددُ كذا، وليكن
عددُ الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الَّذي يضرُّ؟ وقد ثبتَ في بعض طرقهِ: «خذ هذين القرينين (١) وهذين القرينين» إلى أن عدَّ (٢) ستَّ مرَّات. والَّذي قاله إنَّما يتمُّ أنْ (٣) لو جاءتْ روايةٌ صريحةٌ أنَّه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ردُّه مردودٌ عليه لأنَّ أبا البقاء إنَّما قال ما قاله في هذه الرِّواية، ولم يقل: إنَّ الَّذي قاله يتأتَّى في جميعِ طرقِ هذا الحديث. انتهى.
وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ القصَّة واحدةٌ والطُّرق يفسِّر بعضها بعضًا، فلا وجه لردِّ روايةِ (٤) الإضافة مع توجيههَا بورودِ (٥) بعض طرقِ الخبر بما يصحِّحها. انتهى.
وقال في «المصابيح» ردًّا على قول أبي البقاء: هذا خيالٌ فاسدٌ يلزم عليه أن يكون المأخوذ في قولك: أخذت (٦) خمسةَ أسياف، خمسة عشر سيفًا لأنَّ أقلَّ الأسياف ثلاثةٌ، وهذا عين (٧) ما قاله، وبطلانُه مقطوعٌ به.
(غُرَِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة، جمع: أغر، منصوبٌ ويجرُّ، والأغرُّ: الأبيضُ، والذُّرى -بضم الذال المعجمة- مقصورًا، جمع ذروة، وذروة كلِّ شيءٍ أعلاه، والمراد هنا: أسنمةُ الإبل (فَلَبِثْنَا) مكثنا (غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: نَسِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ) الَّذي حلف لا يحملنا (فَوَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا. فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ) أي: طلبنَا منك إبلًا تحملُنَا عليها (٨) (فَحَلَفْتَ
أَنْ لَا تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، فَقَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (إِنَّ اللهَ هُوَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمين فسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسةِ بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، أو على بمعنى الباء، وعند النَّسائيِّ: «إذا حلفت بيمين»، لكن قوله: (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) يدلُّ على الأوَّل لأنَّ الضَّمير لا يصحُّ عوده على اليمينِ بمعناه الحقيقيِّ، والمراد أنْ يظهرَ له بالعلم أو غلبة الظَّنِّ أنَّ غير المحلوفِ عليه خير منه، والمراد بغيره إن كان فعلًا تركُ ذلك الفعل، وإن كان (١) تركَ شيءٍ فهو ذلك الشَّيء (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الَّذي حلفتُ عليه (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة.
وفي الحديث: حِلُّ أكلِ الدَّجاج مطلقًا. نعم، إذا ظهرَ تغير لحم الجلَّالة من دجاج أو نعم وهي الَّتي تأكل العذرةَ؛ أي (٢): اليابسة أخذًا من الجَلة -بفتح الجيم- بالرَّائحة والنَّتن في عرقها و (٣) غيره حرمَ أكلُها، وقيل: يكره، وصحَّح النَّوويُّ الكراهةَ، فإن علفت طاهرًا فطابَ لحمها بزوال الرَّائحة حلَّ الأكلُ بالذَّبح من غير كراهةٍ، ويجري الخلاف في لبنها وبيضِها، وعلى الحرمةِ يكون اللَّحم نجسًا وهي في حياتها طاهرة، والأصلُ في ذلك حديث ابنِ عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن أكلِ الجلَّالة وشربِ ألبانها حتَّى تعلفَ أربعين ليلة». رواهُ الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ وقال: ليس بالقويِّ، وقال الحاكمُ: صحيحُ الإسناد، ولفظ نَهى يصدقُ بالحرمةِ والكراهةِ.
وحديث الباب سبق في «باب قدومِ الأشعريين» [خ¦٤٣٨٥].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قِصَّةِ عُكْلَ وَعُرَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الِاخْتِلَافَ عَلَى شُعْبَةَ فِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيَّ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا قَالَ حَجَّاجُ بْنُ مُنْهَالٍ، لَكِنْ أَدْخَلَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَالنَّبِيِّ ﷺ أَبَا أَيُّوبَ، وَرِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قُوَّةُ أَنَسٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِشِدَّةِ الْأَمِيرِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ نَهَى الْحَجَّاجَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ صَدَرَ مِنَ الْحَجَّاجِ فِي حَقِّهِ خُشُونَةً، فَشَكَاهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَأَغْلَظَ لِلْحَجَّاجِ وَأَمَرَهُ بِإِكْرَامِهِ.
٢٦ - بَاب لَحْمِ الدَّجَاجِ
٥٥١٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى - يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا.
٥٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ ادْنُ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُهُ أَكَلَ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ ادْنُ أُخْبِرْكَ أَوْ أُحَدِّثْكَ إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا قَالَ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبٍ مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ قَالَ فَأَعْطَانَا خَمْسَ ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ حَمَلَكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا"
قَوْلُهُ (بَابُ لَحْمِ الدَّجَاجِ) هُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُثَلَّثُ الدَّالِ، ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ وَابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَحْكِ النَّوَوِيُّ الضَّمَّ، وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ مُثَلَّثٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمَّ فِيهِ ضَعِيفٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: دَخَلَتْهَا الْهَاءُ لِلْوَحْدَةِ مِثْلَ الْحَمَامَةِ، وَأَفَادَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الدَّجَاجَ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْوَاحِدُ مِنْهَا دِيكٌ، وَبِالْفَتْحِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكْرَانِ وَالْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، قَالَ: وَسُمِّيَ لِإِسْرَاعِهِ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ مِنْ دَجَّ يَدُجُّ إِذَا أَسْرَعَ. قُلْتُ: وَدَجَاجَةُ اسْمُ امْرَأَةٍ وَهِيَ بِالْفَتْحِ فَقَطْ، وَيُسَمَّى بِهَا الْكُبَّةُ مِنَ الْغَزْلِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، نَسَبَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ
بِأَنَّهُ ابْنُ جَعْفَرٍ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَيُّوبَ) فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ابْنُ أَبِي تَمِيمَةَ وَهُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) كَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بَدَلَ أَبِي قِلَابَةَ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ أَيْضًا، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ قَالَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ قَاسِمٍ أَحْفَظُ أَخْرَجَهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَكَذَا قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ (عَنْ زَهْدَمٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ هُوَ ابْنُ مُضَرِّبٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ (الْجَرْمِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثَيْنِ: هَذَا الْحَدِيثُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِعَ لَهُ، وَحَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ وَذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَيْضًا.
قَوْلُهُ (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَكَذَا سَاقَهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ أَتَمَّ مِنْهُ، وَسَاقَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلًا، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ ابْنُ عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَدْ أَوْرَدَهُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ مَقْرُونًا وَمُفْرَدًا مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا مُشْتَمِلًا عَلَى قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَفَتْوَى أَبِي مُوسَى لَهُ بِأَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَأْكُلَ، وَقَصَّ لَهُ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ وَسَبَبَهُ، وَهُوَ طَلَبُهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْمِلَهُمْ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ الِاسْتِحْمَالِ وَمَا يَلِيهَا مِنْ حُكْمِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَتِهِ دُونَ قِصَّةِ الدَّجَاجِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَأَوْرَدَهَا أَيْضًا فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْهُ فِي قِصَّةِ الِاسْتِحْمَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ أَحَلْتُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْمَغَازِي بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، فَأَذْكُرُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَاجِ.
قَوْلُهُ (كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَه هَذَا الْحَيِّ) بِالْخَفْضِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بَيْنَهُ كَذَا قَالَ ابْنُ التِّينِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّ زَهْدَمًا الْجَرْمِيَّ قَالَ: كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا مُوسَى وَقَوْمَهُ الْأَشْعَرِيِّينَ كَانُوا أَهْلَ مَوَدَّةٍ وَإِخَاءٍ لِقَوْمِ زَهْدَمٍ وَهُمْ بَنُو جَرْمٍ، وَقَدْ وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَأَبِي قِلَابَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَالَ ابْنُ التِّينِ إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ أَوْ إِخَاءٌ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ.
قَوْلُهُ (إِخَاءٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْمَدِّ قَالَ ابْنُ التِّينِ ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالْقَصْرِ وَهُوَ خَطَأٌ.
قَوْلُهُ (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ) أَيِ اللَّوْنِ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي أَيِ الْعَجَمِ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ زَهْدَمٌ الرَّاوِي أَبْهَمَ نَفْسَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ دَجَاجًا فَقَالَ: ادْنُ فَكُلْ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُهُ مُخْتَصَرًا.
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا لِكَوْنِهِ وَصَفَ الرَّجُلَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ وَزَهْدَمٌ مِنْ بَنِي جَرْمٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا امْتَنَعَا مَعًا زَهْدَمٌ وَالرَّجُلُ التَّيْمِيُّ، وَحَمَلَهُ عَلَى دَعْوَى التَّعَدُّدِ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ
الشَّخْصُ الْوَاحِدُ يُنْسَبُ إِلَى تَيْمِ اللَّهِ وَإِلَى جَرْمٍ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ بَلْ قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ هُوَ الْعَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ زَهْدَمٌ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَأَتَى بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ زَهْدَمًا كَانَ تَارَةً يُنْسَبُ إِلَى بَنِي جَرْمٍ وَتَارَةً إِلَى بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، وَجَرْمٌ قَبِيلَةٌ فِي قُضَاعَةَ يُنْسَبُونَ إِلَى جَرْمِ بْنِ زَبَّانَ بِزَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ ابْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَتَيْمُ اللَّهِ بَطْنٌ مِنْ بَنِي كَلْبٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ فِي قُضَاعَةَ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى تَيْمِ اللَّهِ بْنِ رُفَيْدَةَ - بِرَاءٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرًا - ابْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، فَحُلْوَانُ عَمُّ جَرْمٍ، قَالَ الرَّشَاطِيُّ فِي الْأَنْسَابِ: وَكَثِيرًا مَا يَنْسُبُونَ الرَّجُلَ إِلَى أَعْمَامِهِ.
قُلْتُ: وَرُبَّمَا أَبْهَمَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَكُونَ زَهْدَمٌ صَاحِبَ الْقِصَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى زَهْدَمٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى يَأْكُلُ الدَّجَاجَ فَدَعَانِي فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ نَتِنًا، قَالَ ادْنُهُ فَكُلْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ. وَمِنْ طَرِيقِ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ فَقَالَ: ادْنُ فَكُلْ، فَقُلْتُ: إِنِّي حَلَفْتُ لَا آكُلُهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ، عَنِ الصَّعْقِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَهْدَمٍ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ فَقَالَ لِي: ادْنُ فَكُلْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أُرِيدُهُ الْحَدِيثَ.
فَهَذِهِ عِدَّةُ طُرُقٍ صَرَّحَ زَهْدَمٌ فِيهَا بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ زَهْدَمٍ وَالْمُمْتَنِعِ مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ، فَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَهْدَمٍ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ الْحَدِيثَ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الدَّاخِلَ دَخَلَ وَزَهْدَمٌ جَالِسٌ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ زَهْدَمٍ بِقَوْلِهِ كُنَّا قَوْمَهُ الَّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَهُ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَهَذَا مَجَازٌ قَدِ اسْتَعْمَلَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ كَقَوْلِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ خَطَبَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَيْ خَطَبَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُدْرِكْ ثَابِتٌ خُطْبَةَ عِمْرَانَ الْمَذْكُورَةَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَهْدَمٌ دَخَلَ فَجَرَى لَهُ مَا ذَكَرَ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسَهُ، وَلَا عَجَبَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ قَذِرًا وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَتْ جَلَّالَةً فَبَيَّنَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ تِلْكَ الدَّجَاجَةِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الدَّجَاجِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ (فَقَالَ ادْنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الدُّنُوِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ إِذًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَعَ التَّنْوِينِ حَرْفُ نَصْبٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ أُخْبِرْكَ مَجْزُومٌ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مَنْصُوبٌ، وَقَوْلُهُ أَوْ أُحَدِّثْكَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ (إِنِّي أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَوْلُهُ فَأَعْطَانَا خَمْسَ ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى الْغُرُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ أَغَرَّ وَالْأَغَرُّ الْأَبْيَضُ. وَالذُّرَى بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَصْرِ جَمْعُ ذِرْوَةٍ وَذِرْوَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَسْنِمَةُ الْإِبِلِ وَلَعَلَّهَا كَانَتْ بَيْضَاءَ حَقِيقَةً، أَوْ أَرَادَ وَصْفَهَا بِأَنَّهَا لَا عِلَّةَ فِيهَا وَلَا دَبَرَ، وَيَجُوزُ فِي غُرٍّ النَّصْبُ وَالْجَرُّ، وَقَوْلُهُ خَمْسُ ذَوْدٍ كَذَا وَقَعَ بِالْإِضَافَةِ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي غَرِيبِهِ قَالَ: وَالصَّوَابُ تَنْوِينُ خَمْسٍ وَأَنْ يَكُونَ ذَوْدٌ بَدَلًا مِنْ خَمْسٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْعَدَدَ الْمُضَافَ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ خَمْسُ ذَوْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا لِأَنَّ الْإِبِلَ الذَّوْدَ ثَلَاثَةٌ انْتَهَى، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ يُحْكَمُ بِفَسَادِ الْمَعْنَى إِذَا كَانَ الْعَدَدُ كَذَا ; وَلْيَكُنْ عَدَدُ الْإِبِلِ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فَمَا الَّذِي يَضُرُّ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ خُذْ هَذَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى البلخيُّ في قول ابن السَّكن، أو هو ابنُ جعفر بن أعين، أبو زكريَّا البِيْكَنديُّ فيما جزمَ به أبو نُعيم والكلاباذيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاح أحدُ الأعلام (عَنْ سُفْيَانَ (١)، عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمةَ السَّختيانيِّ الإمام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بنِ زيدٍ الجرميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابنِ مُضَرِّب؛ بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة (٢) (الجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عَنْ أَبِي مُوسَى -يَعْنِي: الأَشْعَرِيَّ ﵁) سقط لأبي ذرٍّ «يعني: الأشعري» أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا) فيه: دليل حلِّه وهو من الطَّيِّبات، وأكلُ الفتيِّ منه يزيدُ في العقلِ والمني، ويصفِّي الصَّوت.
٥٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله المُقْعَدُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ)
كيسان السَّختيانيُّ (عَنِ القَاسِمِ) بنِ عاصم الكُلَيبيِّ (١) (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابن مُضَرِّب -بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة- الجَرْميِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم (إِخَاءٌ) بكسر الهمزة والمدِّ، والحي بالخفضِ صفة لاسمِ الإشارة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بيننا وبينه هذا الحي» بالرَّفع، وقال السَّفاقسيُّ بالخفضِ بدلًا من الضَّمير في بينه. وردَّ بأنَّه يصيرُ تقدير الكلام أنَّ زهدمًا الجرميَّ، قال: كان بيننا وبين هذا الحي من جَرْمٍ إخاء، وليس المرادَ، وإنَّما المراد: أنَّ أبا موسى وقومَه الأشعريين كانوا أهل مودَّة وإخاء لقومِ زَهْدَمٍ، وهم بنو جرم، ورواية الكُشميهنيِّ السَّابقة هنا تُؤيِّد ما قاله السَّفاقسيُّ إلَّا أنَّ المعنى غير صحيحٍ، وفي آخر «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥]: عن زَهْدَمٍ قال: «كان بين هذا الحيِّ من جَرْمٍ وبين الأشعريين ودٌّ وإخاءٌ». وهذه الرِّواية هي المعتمدةُ، كما قاله في «الفتح».
(فَأُتِيَ) بضم الهمزة، أبو موسى (بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ) اللَّون (فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ، قَالَ (٢): ادْنُ) فكل (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ) وفي التِّرمذيِّ من طريق قتادة عن زَهْدَمٍ قال: «دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ دجاجًا، فقال: ادْنُ فكُلْ». ففيه: أنَّ المبهم هو زَهْدَمٌ الرَّاوي أَبهَمَ نفسَه، وقد كان زهدمٌ هذا (٣) ينتسب (٤) تارةً لبني جرمٍ، وتارة لبني تيم الله (٥)، وجرمٌ قبيلةٌ في (٦) قضاعةَ ينسبون (٧) إلى جرمِ بن زبَّان -بزاي
وموحدة ثقيلة- ابنِ عمران بنِ الحاف (١) بنِ قُضاعة، وتيم الله بطنٌ من بني كلبٍ، وهم (٢) قبيلةٌ من قُضاعة أيضًا ينسبون إلى تيمِ الله بن رُفَيدة -بفاء مصغَّرًا- ابن ثور بنِ كلب بنِ وبرة بنِ تغلب بنِ حلوان بنِ عمران بنِ الحاف بنِ قُضاعة، فحلوان عمُّ جرم. قال الرُّشاطيُّ في «الأنساب»: وكثيرًا ما ينسبون الرَّجل إلى أعمامهِ، قاله في «الفتح».
(قَالَ) الرَّجل لأبي موسى معتذرًا عن كونه لم يقرب للأكل (٣): (إِنِّي رَأَيْتُهُ) أي: جنس الدَّجاج (يأَكُلُ شَيْئًا) قذرًا (فَقَذِرْتُهُ) بكسر المعجمة (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ) وكأنَّه ظنَّه (٤) أنَّه أكثر من (٥) أكلهِ بحيث صارَ من الجلَّالة، فبيَّن له أنَّه ليس كذلك (فَقَالَ: ادْنُ) أي: أقرب (أُخْبِرْكَ) بالجزمِ جواب الأمر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذَنْ أُخْبِرَك» بكسر الهمزة وفتح الذال المعجمة وسكون النون، وأخبرَكَ نصب بإذن (أَوْ أُحَدِّثْكَ) شكٌّ من الرَّاوي (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «رسول الله» (ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ) طلبنَا منه إبلًا تحملنا (فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَهْبٍ) من غنيمة (مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ) ﷺ: (أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ؟) مرَّتين (قَالَ) أبو موسى: (فَأَعْطَانَا) ﵊ (خَمْسَ ذَوْدٍ) نصبٌ على المفعول (٦) مضاف لذودٍ، وهو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الإبلِ، واستنكرَ أبو البقاء في «غريبه» الإضافة فقال: والصَّواب تنوين خمس، وأن يكون ذود بدلًا من خمس، فإنَّه لو كان بغير تنوين وأضفتَ لتغير المعنى لأنَّ العددَ المضاف غير المضاف إليه، فيلزمُ أن يكون خمسَ ذودٍ خمسة عشر بعيرًا لأنَّ الإبل الذَّود ثلاثة. انتهى.
وتعقَّبه في «فتح الباري» فقال: وما أدري كيف حكم بفسادِ المعنى إذا كان العددُ كذا، وليكن
عددُ الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الَّذي يضرُّ؟ وقد ثبتَ في بعض طرقهِ: «خذ هذين القرينين (١) وهذين القرينين» إلى أن عدَّ (٢) ستَّ مرَّات. والَّذي قاله إنَّما يتمُّ أنْ (٣) لو جاءتْ روايةٌ صريحةٌ أنَّه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ردُّه مردودٌ عليه لأنَّ أبا البقاء إنَّما قال ما قاله في هذه الرِّواية، ولم يقل: إنَّ الَّذي قاله يتأتَّى في جميعِ طرقِ هذا الحديث. انتهى.
وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ القصَّة واحدةٌ والطُّرق يفسِّر بعضها بعضًا، فلا وجه لردِّ روايةِ (٤) الإضافة مع توجيههَا بورودِ (٥) بعض طرقِ الخبر بما يصحِّحها. انتهى.
وقال في «المصابيح» ردًّا على قول أبي البقاء: هذا خيالٌ فاسدٌ يلزم عليه أن يكون المأخوذ في قولك: أخذت (٦) خمسةَ أسياف، خمسة عشر سيفًا لأنَّ أقلَّ الأسياف ثلاثةٌ، وهذا عين (٧) ما قاله، وبطلانُه مقطوعٌ به.
(غُرَِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة، جمع: أغر، منصوبٌ ويجرُّ، والأغرُّ: الأبيضُ، والذُّرى -بضم الذال المعجمة- مقصورًا، جمع ذروة، وذروة كلِّ شيءٍ أعلاه، والمراد هنا: أسنمةُ الإبل (فَلَبِثْنَا) مكثنا (غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: نَسِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ) الَّذي حلف لا يحملنا (فَوَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا. فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ) أي: طلبنَا منك إبلًا تحملُنَا عليها (٨) (فَحَلَفْتَ
أَنْ لَا تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، فَقَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (إِنَّ اللهَ هُوَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمين فسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسةِ بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، أو على بمعنى الباء، وعند النَّسائيِّ: «إذا حلفت بيمين»، لكن قوله: (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) يدلُّ على الأوَّل لأنَّ الضَّمير لا يصحُّ عوده على اليمينِ بمعناه الحقيقيِّ، والمراد أنْ يظهرَ له بالعلم أو غلبة الظَّنِّ أنَّ غير المحلوفِ عليه خير منه، والمراد بغيره إن كان فعلًا تركُ ذلك الفعل، وإن كان (١) تركَ شيءٍ فهو ذلك الشَّيء (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الَّذي حلفتُ عليه (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة.
وفي الحديث: حِلُّ أكلِ الدَّجاج مطلقًا. نعم، إذا ظهرَ تغير لحم الجلَّالة من دجاج أو نعم وهي الَّتي تأكل العذرةَ؛ أي (٢): اليابسة أخذًا من الجَلة -بفتح الجيم- بالرَّائحة والنَّتن في عرقها و (٣) غيره حرمَ أكلُها، وقيل: يكره، وصحَّح النَّوويُّ الكراهةَ، فإن علفت طاهرًا فطابَ لحمها بزوال الرَّائحة حلَّ الأكلُ بالذَّبح من غير كراهةٍ، ويجري الخلاف في لبنها وبيضِها، وعلى الحرمةِ يكون اللَّحم نجسًا وهي في حياتها طاهرة، والأصلُ في ذلك حديث ابنِ عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن أكلِ الجلَّالة وشربِ ألبانها حتَّى تعلفَ أربعين ليلة». رواهُ الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ وقال: ليس بالقويِّ، وقال الحاكمُ: صحيحُ الإسناد، ولفظ نَهى يصدقُ بالحرمةِ والكراهةِ.
وحديث الباب سبق في «باب قدومِ الأشعريين» [خ¦٤٣٨٥].