الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٩
الحديث رقم ٥٥٩ من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وقت المغرب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ [هُوَ عَطَاءُ بْنُ]
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِخِلَافِ مَا أَبْدَاهُ الْمُهَلَّبُ وَأَكْمَلْنَاهُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ سِيَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَظَاهِرُهُمَا أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُهُمُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَتَعَسَّفَ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ذُكِرَ مِثَالًا لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ لِقَوْلِهِ فَعَجَزُوا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَنِيعٌ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لَهُ تَامًّا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ. قَالَ: وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مِثَالًا لِمَنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ عَامِدًا لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا حَصَلَ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى (فَقَالَ أَكْمِلُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَبِالْكَافِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْإِجَازَةِ. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ اعْمَلُوا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِالْعَيْنِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَأَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِوَقْتِ الظُّهْرِ، وَقَدْ قَالُوا (كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دُونَ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُسَاوَاةِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَطْوَلُ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ رُبْعُ النَّهَارِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّقْرِيبِ إِذَا فَرَغْنَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ الظِّلِّ مِثْلَهُ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَالَّذِي مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ أَطْوَلُ قَطْعًا، وَعَلَى التَّنَزُّلِ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَبِأَنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَرَدَ فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَقْصُودًا فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَرُ عَمَلًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلَّهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ الْيَهُودِ خَاصَّةً فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ
بَعْضُهُمْ، وَتَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُرَادَةٍ بَلْ هُوَ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَرَ عَمَلًا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ فِي زَمَنِهِمْ كَانَ أَشَقَّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ كَوْنُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ دُونَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ نَبِيِّنَا ﷺ وَقِيَامِ السَّاعَةِ؛ لِأَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ قَالُوا: إِنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ سلمَانَ، وَقِيلَ إِنَّهَا دُونَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهَذِهِ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَمَسَّكْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّمْثِيلُ بِطُولِ الزَّمَانَيْنِ وَقِصَرِهِمَا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَطْوَلَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ وَقِلَّتُهُ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
١٨ - بَاب وَقْتُ الْمَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ هو عطاء بن صُهَيْب مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أصحابنا: يجوز بالمرض والوحل، وممَّن قاله (١): الخطَّابيُّ والقاضي الحسين، واستحسنه الرُّويانيُّ، ثمَّ قال النَّوويُّ: قلت: القول بجواز الجمع للمرض (٢) ظاهرٌ مختارٌ، فقد ثبت في «صحيح مسلمٍ» أنَّه ﷺ جمع بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ. انتهى.
قال في «المهمَّات»: وظاهره الميل إلى الجواز بالمرض، وقد ظفرت بنقله عن الشَّافعيِّ، كذا رأيته في «مُختصَر المزنيِّ»، وهو مُختصَرٌ لطيفٌ سمَّاه: «نهاية الاختصار» في (٣) قول الأستاذ (٤) الشَّافعيِّ، فقال: والجمع بين الصَّلاتين في السَّفر والمطر والمرض جائزٌ. هذه عبارته (٥).
٥٥٩ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجَمَّال (قَالَ: حدَّثنا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ -بسكون السِّين وكسر اللَّام الخفيفة- الأمويُّ عالم الشَّام (قَالَ: حدَّثنا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (أَبُو النَّجَاشِيِّ) بنونٍ مفتوحةٍ وجيمٍ مُخفَّفةٍ وشينٍ مُعجَمةٍ (مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -و (٦) هُوَ عَطَاءُ بنُ صُهَيْبٍ-) بضمِّ الصَّاد مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بالفاء في «رافعٍ» والخاء المُعجَمة المفتوحة وكسر (٧)
الدَّال المُهمَلة (١) في «خديجٍ» آخره جيمٌ، الأنصاريَّ الأوسيَّ المدنيَّ، كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، ولأبي الوقت: «حدَّثني أبو النَّجاشيِّ مولى رافع بن خَديجٍ، واسمه: عطاء بن صُهَيْبٍ»، وفي روايةٍ: «أبو النَّجاشيِّ هو عطاء بن صُهَيْبٍ»، وفي روايةٍ بالفرع (٢): «أبو النَّجاشيِّ صهيبٌ»، والصَّواب الأوَّل، ولابن عساكر: «حدَّثني أبو النَّجاشيِّ قال: سمعت رافع بن خَديجٍ» حال كونه (يَقُولُ (٣): كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) أي: في أوَّل وقتها (فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) من المسجد (وَإنَّه لَيُبْصِرُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، و «اللَّام» للتَّأكيد (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) حين يقع لبقاء الضَّوء، و «النَّبْل» بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة، ولأحمد بإسنادٍ (٤) حسنٍ من طريق عليِّ بن بلالٍ عن ناسٍ من الأنصار قالوا: «كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثمَّ نرجع فنترامى (٥) حتَّى نأتي ديارنا، فما تخفى علينا مواقع سهامنا»، وفيه دلالةٌ على تعجيلها وعدم تطويلها، وأمَّا الأحاديث الدَّالَّة على التَّأخير لقرب سقوط الشَّفق فلبيان الجواز.
ورواة حديث الباب الخمسة ما بين رازيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والقول والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّلاة».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِخِلَافِ مَا أَبْدَاهُ الْمُهَلَّبُ وَأَكْمَلْنَاهُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ سِيَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَظَاهِرُهُمَا أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُهُمُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَتَعَسَّفَ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ذُكِرَ مِثَالًا لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ لِقَوْلِهِ فَعَجَزُوا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَنِيعٌ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لَهُ تَامًّا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ. قَالَ: وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مِثَالًا لِمَنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ (لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ عَامِدًا لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا حَصَلَ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى (فَقَالَ أَكْمِلُوا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَبِالْكَافِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْإِجَازَةِ. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ اعْمَلُوا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِالْعَيْنِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَأَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لَكَانَ مُسَاوِيًا لِوَقْتِ الظُّهْرِ، وَقَدْ قَالُوا (كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دُونَ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُسَاوَاةِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَطْوَلُ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ رُبْعُ النَّهَارِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّقْرِيبِ إِذَا فَرَغْنَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ الظِّلِّ مِثْلَهُ كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَالَّذِي مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ أَطْوَلُ قَطْعًا، وَعَلَى التَّنَزُّلِ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ التَّسْوِيَةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَبِأَنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَرَدَ فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَقْصُودًا فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَرُ عَمَلًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلَّهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ الْيَهُودِ خَاصَّةً فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ
بَعْضُهُمْ، وَتَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُرَادَةٍ بَلْ هُوَ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ أَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا، وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَرَ عَمَلًا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ فِي زَمَنِهِمْ كَانَ أَشَقَّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ كَوْنُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ دُونَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ نَبِيِّنَا ﷺ وَقِيَامِ السَّاعَةِ؛ لِأَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ قَالُوا: إِنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ سلمَانَ، وَقِيلَ إِنَّهَا دُونَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهَذِهِ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَمَسَّكْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّمْثِيلُ بِطُولِ الزَّمَانَيْنِ وَقِصَرِهِمَا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَطْوَلَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ وَقِلَّتُهُ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
١٨ - بَاب وَقْتُ الْمَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ هو عطاء بن صُهَيْب مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أصحابنا: يجوز بالمرض والوحل، وممَّن قاله (١): الخطَّابيُّ والقاضي الحسين، واستحسنه الرُّويانيُّ، ثمَّ قال النَّوويُّ: قلت: القول بجواز الجمع للمرض (٢) ظاهرٌ مختارٌ، فقد ثبت في «صحيح مسلمٍ» أنَّه ﷺ جمع بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ. انتهى.
قال في «المهمَّات»: وظاهره الميل إلى الجواز بالمرض، وقد ظفرت بنقله عن الشَّافعيِّ، كذا رأيته في «مُختصَر المزنيِّ»، وهو مُختصَرٌ لطيفٌ سمَّاه: «نهاية الاختصار» في (٣) قول الأستاذ (٤) الشَّافعيِّ، فقال: والجمع بين الصَّلاتين في السَّفر والمطر والمرض جائزٌ. هذه عبارته (٥).
٥٥٩ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجَمَّال (قَالَ: حدَّثنا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ -بسكون السِّين وكسر اللَّام الخفيفة- الأمويُّ عالم الشَّام (قَالَ: حدَّثنا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (أَبُو النَّجَاشِيِّ) بنونٍ مفتوحةٍ وجيمٍ مُخفَّفةٍ وشينٍ مُعجَمةٍ (مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -و (٦) هُوَ عَطَاءُ بنُ صُهَيْبٍ-) بضمِّ الصَّاد مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بالفاء في «رافعٍ» والخاء المُعجَمة المفتوحة وكسر (٧)
الدَّال المُهمَلة (١) في «خديجٍ» آخره جيمٌ، الأنصاريَّ الأوسيَّ المدنيَّ، كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، ولأبي الوقت: «حدَّثني أبو النَّجاشيِّ مولى رافع بن خَديجٍ، واسمه: عطاء بن صُهَيْبٍ»، وفي روايةٍ: «أبو النَّجاشيِّ هو عطاء بن صُهَيْبٍ»، وفي روايةٍ بالفرع (٢): «أبو النَّجاشيِّ صهيبٌ»، والصَّواب الأوَّل، ولابن عساكر: «حدَّثني أبو النَّجاشيِّ قال: سمعت رافع بن خَديجٍ» حال كونه (يَقُولُ (٣): كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) أي: في أوَّل وقتها (فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) من المسجد (وَإنَّه لَيُبْصِرُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، و «اللَّام» للتَّأكيد (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) حين يقع لبقاء الضَّوء، و «النَّبْل» بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة، ولأحمد بإسنادٍ (٤) حسنٍ من طريق عليِّ بن بلالٍ عن ناسٍ من الأنصار قالوا: «كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثمَّ نرجع فنترامى (٥) حتَّى نأتي ديارنا، فما تخفى علينا مواقع سهامنا»، وفيه دلالةٌ على تعجيلها وعدم تطويلها، وأمَّا الأحاديث الدَّالَّة على التَّأخير لقرب سقوط الشَّفق فلبيان الجواز.
ورواة حديث الباب الخمسة ما بين رازيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والقول والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّلاة».