«إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦

الحديث رقم ٥٦ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء أن الأعمال بالنية.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦ في صحيح البخاري

«إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

إسناد حديث رقم ٥٦ من صحيح البخاري

٥٦ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا

⦗٢١⦘

شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الرَّجل (يَحْتَسِبُهَا) أي: يريد بها وجه الله (فَهُوَ) أي: الإنفاق، ولغير الأربعة: «فهي» أي: النَّفقة (لَهُ صَدَقَةٌ) أي: كالصَّدقة في الثَّواب لا حقيقةً، وإلَّا حرمت (١) على الهاشميِّ والمُطَّلبيِّ، والصَّارف له عن الحقيقة الإجماع، وإطلاق الصَّدقة على النَّفقة مجازٌ، أو المُرَاد بها الثَّواب، كما تقدَّم، فالتَّشبيه واقعٌ على أصل الثَّواب، لا في الكميَّة ولا في الكيفيَّة، قال القرطبيُّ: أفاد منطوقه أنَّ الأجر في الإنفاق إنَّما يحصل بقصد القربة، سواءٌ كانت واجبةً أم مُباحةً، وأفاد مفهومه أنَّ من لم يقصد القربة لم يُؤجَر، لكن تبرأ ذمَّته من النَّفقة الواجبة لأنَّها معقولة المعنى، وحذف المعمول ليفيد التَّعميم، أي: أيَّ نفقةٍ كانت كبيرةً أو صغيرةً.

وفي هذا الحديث: الرَّدُّ على المرجئة؛ حيث قالوا: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ورجاله خمسةٌ ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٠٦] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٥١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الكاف: هو أبو اليمان (بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أبي بكرٍ محمَّد ابن شهابٍ، أنَّه (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد

(عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) المدنيِّ، أحد العشرة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ) يخاطب سعدًا، وَمَنْ يصحُّ منه الإنفاق: (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) قليلةً أو كثيرةً (تَبْتَغِي) أي: تطلب (بِهَا وَجْهَ اللهِ) تعالى، هو من المتشابه، وفيه مذهبان: التَّفويض والتَّأويل، قال العارف المحقِّق شمس الدِّين بن اللَّبان المصريُّ الشَّاذليُّ: وقد جاء ذكره في آياتٍ كثيرةٍ، فإذا أردت أن تعلم حقيقة مظهره من الصُّور (١) فاعلم أنَّ حقيقته من غمام الشَّريعة: بارقُ نورِ التَّوحيد، ومظهره من العمل: وجه الإخلاص ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ … الآية [الروم: ٤٣] ويدلُّ على أنَّ وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقوله ﷿: ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] والمُرَاد بذلك كلِّه: الثَّناء بالإخلاص على أهله، تعبيرًا بإرادة «الوجه» عن إخلاص النِّيَّة، وتنبيهًا على أنَّه مظهر وجهه ، ويدلُّ على أنَّ حقيقة الوجه هو بارق نور التَّوحيد قوله ﷿: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي: إلَّا نور توحيده. انتهى. و «الباء» في قوله في الحديث «بها» للمقابلة، أو بمعنى «على» ولذا وقع في بعض النُّسخ: «عليها» بدل «بها»، أو للسَّببيَّة، أي: لن تُنفق نفقةً تبتغي بسببها وجه الله تعالى (إِلَّا) نفقةً (أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، ولكريمة: «إلَّا أُجِرْتَ بها» وهي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ، لكنَّه ضُرِبَ عليها بالحُمْرة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الذي تجعله (فِي فَمِ امْرَأَتِكَ) فأنت مأجورٌ فيه، وعلى هذا فالمرائي بعمل الواجب غير مُثَابٍ، وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ سقوط العقاب مُطلَقًا غير صحيحٍ، بل الصَّحيح التَّفصيل فيه؛ وهو أنَّ العقاب الذي يترتَّب على ترك الواجب يسقط لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنَّه كان مأمورًا أن يأتيَ بما عليه بالإخلاص وترك الرِّياء، فينبغي أن يُعاقَب على ترك الإخلاص لأنَّه مأمورٌ به، وتارك المأمور به يُعاقَب، وقال النَّوويُّ: ما أُرِيدَ به وجه الله يثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظُّ شهوةٍ من لذَّةٍ أو غيرها؛

كوضع اللُّقمة (١) في فم الزَّوجة، وهو غالبًا لحظِّ النَّفس والشَّهوة، وإذا ثبت الأجر في هذا ففيما يُرَاد به وجه الله سبحانه فقط أحرى، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «في فِي امرأتك» بغير ميمٍ، قال في «الفتح»: وهي رواية الأكثر، والمُستثنَى محذوفٌ لأنَّ الفعل لا يقع مُستثنًى، والتَّقدير -كما قال العينيُّ-: لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه (٢) الله إِلَّا نفقةً أُجِرْتَ عليها، ويكون قوله: «أُجِرْتَ عليها» صفةً للمُستثنَى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النَّفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لأنَّها لو لم تكن لوجه الله لَمَا كانت مأجورًا فيها، والاستثناء متَّصلٌ لأنَّه من الجنس، والتَّنكير في قوله: «نفقةً» في سياق النَّفيِ يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والخطاب في «إنَّك» للعموم إذ ليس المُرَاد «سعدًا» فقط، فهو مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] والصَّارف قرينة عدم اختصاصه، ويحتمل أن يكون بالقياس، و «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و «ما»: مبتدأٌ، خبره المحذوف المُقدَّر بقوله: «فَأَنتَ مَأجُورٌ فِيْهِ»، فالنِّيَّة الصَّالحة إكسيرٌ تَقلِبُ العادةَ

عبادةً، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرَّك حركةً إلَّا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربِّه في انتظار الصَّلاة، واعتكافه (١) على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر بشرطٍ، وأمرًا بمعروفٍ، ونهيًا عن مُنكَرٍ، وينوي عقب كلِّ فريضةٍ انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيَّته خيرٌ من عمله.

وهذا الحديث المذكور في الباب قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ مشهورٍ، أخرجه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥] وفي «المغازي» [خ¦٤٤٠٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] و «الهجرة» [خ¦٣٩٣٦] و «الطِّب» [خ¦٥٦٦٨] و «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣]، ومسلمٌ في «الوصايا»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ فيها أيضًا، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ فيها وفي «عِشْرة النِّساء» وفي «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الوصايا».

(٤٢) هذا (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) مبتدأٌ مضافٌ، خبره قوله (٢): (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) أي: قوامُ

الدِّين وعماده النَّصيحةُ (لِلَّهِ) تعالى بأن يؤمن به ويصفه بما هو أهله، ويخضع له ظاهرًا وباطنًا، ويرغب في محابِّه بفعل طاعته، ويرهب من (١) مساخطه بترك معصيته، ويجاهد في ردِّ العاصين إليه (وَ) النَّصيحة (لِرَسُولِهِ) بأن يصدِّقَ برسالته، ويؤمنَ بجميع ما أتى به، ويعظِّمه وينصرَه حيًّا وميتًا، ويحييَ سُنَّته بتعلُّمها وتعليمها، ويتخلَّق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، ويحبَّ أهل بيته وأصحابه وأتباعه وأحبابه (وَ) النَّصيحة (لأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ) بإعانتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم عند الغفلة برفقٍ، وسدِّ خَلَّتهم عند الهفوة، وردِّ القلوب النَّافرة إليهم، وأما أئمَّة الاجتهاد فَبِبَثِّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظَّنِّ بهم (وَ) نصيحة (عَامَّتِهِمْ) بالشَّفقة عليهم (٢)، والسَّعيِ فيما يعود نفعُه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك، ويُستَفاد من هذا الحديث: أنَّ الدِّين يُطلَق على العمل لأنَّه سمَّى النَّصيحةَ دينًا، وعلى هذا المعنى بنى المؤلِّف أكثر «كتاب الإيمان»، وإنَّما أورده هنا ترجمةً، ولم يذكره في الباب مُسنَدًا لكونه ليس على شرطه كما سيأتي قريبًا، ووصله مسلمٌ عن تميمٍ الدَّاريِّ، وزاد فيه: «النصيحة لكتاب الله» وذلك يقع بتعلُّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم (٣) معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنَّما لم يسنده المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه لأنَّه رواية (٤) تميمٍ، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالحٍ، وقد قال ابن المدينيِّ فيما ذكره عنه المؤلِّف: إنَّه نسي كثيرًا من الأحاديث لمَوْجَدَته لموت أخيه، وقال ابن معينٍ: لا يُحتَجُّ به، ونسبه بعضهم لسوء الحفظ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الرَّجل (يَحْتَسِبُهَا) أي: يريد بها وجه الله (فَهُوَ) أي: الإنفاق، ولغير الأربعة: «فهي» أي: النَّفقة (لَهُ صَدَقَةٌ) أي: كالصَّدقة في الثَّواب لا حقيقةً، وإلَّا حرمت (١) على الهاشميِّ والمُطَّلبيِّ، والصَّارف له عن الحقيقة الإجماع، وإطلاق الصَّدقة على النَّفقة مجازٌ، أو المُرَاد بها الثَّواب، كما تقدَّم، فالتَّشبيه واقعٌ على أصل الثَّواب، لا في الكميَّة ولا في الكيفيَّة، قال القرطبيُّ: أفاد منطوقه أنَّ الأجر في الإنفاق إنَّما يحصل بقصد القربة، سواءٌ كانت واجبةً أم مُباحةً، وأفاد مفهومه أنَّ من لم يقصد القربة لم يُؤجَر، لكن تبرأ ذمَّته من النَّفقة الواجبة لأنَّها معقولة المعنى، وحذف المعمول ليفيد التَّعميم، أي: أيَّ نفقةٍ كانت كبيرةً أو صغيرةً.

وفي هذا الحديث: الرَّدُّ على المرجئة؛ حيث قالوا: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ورجاله خمسةٌ ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٠٦] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٥١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الكاف: هو أبو اليمان (بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أبي بكرٍ محمَّد ابن شهابٍ، أنَّه (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد

(عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) المدنيِّ، أحد العشرة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ) يخاطب سعدًا، وَمَنْ يصحُّ منه الإنفاق: (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) قليلةً أو كثيرةً (تَبْتَغِي) أي: تطلب (بِهَا وَجْهَ اللهِ) تعالى، هو من المتشابه، وفيه مذهبان: التَّفويض والتَّأويل، قال العارف المحقِّق شمس الدِّين بن اللَّبان المصريُّ الشَّاذليُّ: وقد جاء ذكره في آياتٍ كثيرةٍ، فإذا أردت أن تعلم حقيقة مظهره من الصُّور (١) فاعلم أنَّ حقيقته من غمام الشَّريعة: بارقُ نورِ التَّوحيد، ومظهره من العمل: وجه الإخلاص ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ … الآية [الروم: ٤٣] ويدلُّ على أنَّ وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقوله ﷿: ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] والمُرَاد بذلك كلِّه: الثَّناء بالإخلاص على أهله، تعبيرًا بإرادة «الوجه» عن إخلاص النِّيَّة، وتنبيهًا على أنَّه مظهر وجهه ، ويدلُّ على أنَّ حقيقة الوجه هو بارق نور التَّوحيد قوله ﷿: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي: إلَّا نور توحيده. انتهى. و «الباء» في قوله في الحديث «بها» للمقابلة، أو بمعنى «على» ولذا وقع في بعض النُّسخ: «عليها» بدل «بها»، أو للسَّببيَّة، أي: لن تُنفق نفقةً تبتغي بسببها وجه الله تعالى (إِلَّا) نفقةً (أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، ولكريمة: «إلَّا أُجِرْتَ بها» وهي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ، لكنَّه ضُرِبَ عليها بالحُمْرة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الذي تجعله (فِي فَمِ امْرَأَتِكَ) فأنت مأجورٌ فيه، وعلى هذا فالمرائي بعمل الواجب غير مُثَابٍ، وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ سقوط العقاب مُطلَقًا غير صحيحٍ، بل الصَّحيح التَّفصيل فيه؛ وهو أنَّ العقاب الذي يترتَّب على ترك الواجب يسقط لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنَّه كان مأمورًا أن يأتيَ بما عليه بالإخلاص وترك الرِّياء، فينبغي أن يُعاقَب على ترك الإخلاص لأنَّه مأمورٌ به، وتارك المأمور به يُعاقَب، وقال النَّوويُّ: ما أُرِيدَ به وجه الله يثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظُّ شهوةٍ من لذَّةٍ أو غيرها؛

كوضع اللُّقمة (١) في فم الزَّوجة، وهو غالبًا لحظِّ النَّفس والشَّهوة، وإذا ثبت الأجر في هذا ففيما يُرَاد به وجه الله سبحانه فقط أحرى، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «في فِي امرأتك» بغير ميمٍ، قال في «الفتح»: وهي رواية الأكثر، والمُستثنَى محذوفٌ لأنَّ الفعل لا يقع مُستثنًى، والتَّقدير -كما قال العينيُّ-: لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه (٢) الله إِلَّا نفقةً أُجِرْتَ عليها، ويكون قوله: «أُجِرْتَ عليها» صفةً للمُستثنَى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النَّفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لأنَّها لو لم تكن لوجه الله لَمَا كانت مأجورًا فيها، والاستثناء متَّصلٌ لأنَّه من الجنس، والتَّنكير في قوله: «نفقةً» في سياق النَّفيِ يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والخطاب في «إنَّك» للعموم إذ ليس المُرَاد «سعدًا» فقط، فهو مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] والصَّارف قرينة عدم اختصاصه، ويحتمل أن يكون بالقياس، و «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و «ما»: مبتدأٌ، خبره المحذوف المُقدَّر بقوله: «فَأَنتَ مَأجُورٌ فِيْهِ»، فالنِّيَّة الصَّالحة إكسيرٌ تَقلِبُ العادةَ

عبادةً، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرَّك حركةً إلَّا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربِّه في انتظار الصَّلاة، واعتكافه (١) على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر بشرطٍ، وأمرًا بمعروفٍ، ونهيًا عن مُنكَرٍ، وينوي عقب كلِّ فريضةٍ انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيَّته خيرٌ من عمله.

وهذا الحديث المذكور في الباب قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ مشهورٍ، أخرجه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥] وفي «المغازي» [خ¦٤٤٠٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] و «الهجرة» [خ¦٣٩٣٦] و «الطِّب» [خ¦٥٦٦٨] و «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣]، ومسلمٌ في «الوصايا»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ فيها أيضًا، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ فيها وفي «عِشْرة النِّساء» وفي «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الوصايا».

(٤٢) هذا (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) مبتدأٌ مضافٌ، خبره قوله (٢): (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) أي: قوامُ

الدِّين وعماده النَّصيحةُ (لِلَّهِ) تعالى بأن يؤمن به ويصفه بما هو أهله، ويخضع له ظاهرًا وباطنًا، ويرغب في محابِّه بفعل طاعته، ويرهب من (١) مساخطه بترك معصيته، ويجاهد في ردِّ العاصين إليه (وَ) النَّصيحة (لِرَسُولِهِ) بأن يصدِّقَ برسالته، ويؤمنَ بجميع ما أتى به، ويعظِّمه وينصرَه حيًّا وميتًا، ويحييَ سُنَّته بتعلُّمها وتعليمها، ويتخلَّق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، ويحبَّ أهل بيته وأصحابه وأتباعه وأحبابه (وَ) النَّصيحة (لأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ) بإعانتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم عند الغفلة برفقٍ، وسدِّ خَلَّتهم عند الهفوة، وردِّ القلوب النَّافرة إليهم، وأما أئمَّة الاجتهاد فَبِبَثِّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظَّنِّ بهم (وَ) نصيحة (عَامَّتِهِمْ) بالشَّفقة عليهم (٢)، والسَّعيِ فيما يعود نفعُه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك، ويُستَفاد من هذا الحديث: أنَّ الدِّين يُطلَق على العمل لأنَّه سمَّى النَّصيحةَ دينًا، وعلى هذا المعنى بنى المؤلِّف أكثر «كتاب الإيمان»، وإنَّما أورده هنا ترجمةً، ولم يذكره في الباب مُسنَدًا لكونه ليس على شرطه كما سيأتي قريبًا، ووصله مسلمٌ عن تميمٍ الدَّاريِّ، وزاد فيه: «النصيحة لكتاب الله» وذلك يقع بتعلُّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم (٣) معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنَّما لم يسنده المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه لأنَّه رواية (٤) تميمٍ، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالحٍ، وقد قال ابن المدينيِّ فيما ذكره عنه المؤلِّف: إنَّه نسي كثيرًا من الأحاديث لمَوْجَدَته لموت أخيه، وقال ابن معينٍ: لا يُحتَجُّ به، ونسبه بعضهم لسوء الحفظ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد