الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٣٤
الحديث رقم ٥٧٣٤ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أجر الصابر في الطاعون.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الرُّقَى بِالْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَاتِ
٥٧٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا حَبَّانُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَتَذَاكَرَانِ السَّاعَةَ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ، نَقَلَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَرَادَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سِيرِينَ مَاتَ بَعْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَيَكُونُ حَدِيثُ حَفْصَةَ خَطَأً، انْتَهَى. وَتَخْرِيجُهُ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ فِي الصَّحِيحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ خَطَأٌ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ: حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ حَفْصَةَ خَطَأٌ، فَإِذَا جُوِّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَفْصَةَ جَازَ تَجْوِيزُهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يَحْيَى بْنُ سِيرِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ يَقَعُ بِهِ، هَكَذَا جَاءَ مُطْلَقًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَسَيَأْتِي مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ عَقِبَهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ مُطَوَّلًا بِلَفْظِ: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَطْعُونِ: مَنْ طَعَنَهُ الْجِنُّ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
٣١ - بَاب أَجْرِ الصَّابِرِ على الطَّاعُونِ
٥٧٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْه أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.
تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ دَاوُدَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ الصَّابِرِ عَلَى الطَّاعُونِ) أَيْ سَوَاءً وَقَعَ بِهِ أَوْ وَقَعَ فِي بَلَدٍ هُوَ مُقِيمٌ بِهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَحَبَّانُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ سَأَلْتُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى مَنْ شَاءَ، أَيْ: مِنْ كَافِرٍ أَوْ عَاصٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ مُوسَى مَعَ بَلْعَامَ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَسِيبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لَهُمْ، وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَوْنَ الطَّاعُونِ رَحْمَةً إِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وَقَعَ بِالْكَفَّارِ فَإِنَّمَا هُوَ عَذَابٌ عَلَيْهِمْ يُعَجَّلُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْعَاصِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهَلْ يَكُونُ الطَّاعُونُ لَهُ شَهَادَةً أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْمُرَادُ بِالْعَاصِي: مَنْ يَكُونُ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُصِرٌّ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُكَرَّمُ بِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ لِشُؤْمِ مَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؟ وَأَيْضًا فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ يَنْشَأُ عَنْ ظُهُورِ الْفَاحِشَةِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ
مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الْحَدِيثَ، وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِمَا، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ قط إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا بِلَفْظِ: إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ فَقَدِ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ سِيَاقِ مَالِكٍ، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الزِّنَا إِلَّا أُخِذُوا بِالْفَنَاءِ. الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ: وَلَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا، فَإِذَا فَشَا فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ يَقَعُ عُقُوبَةً بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَهَادَةً؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: بَلْ تَحْصُلُ لَهُ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أَنَسٍ: الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ لِمَنِ اجْتَرَحَ السَّيِّئَاتِ مُسَاوَاةُ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ فِي الْمَنْزِلَةِ، لِأَنَّ دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ كَنَظِيرِهِ مِنَ الْعُصَاةِ إِذَا قُتِلَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَحْصُلَ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ أَجْرُ الشَّهَادَةِ، وَلَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يُبَاشِرْ تِلْكَ الْفَاحِشَةَ، وَإِنَّمَا عَمَّهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِتَقَاعُدِهِمْ عَنْ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ: الْقَتْلُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَاكَ الشَّهِيدُ الْمُفْتَخِرُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لَا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ. وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ فَانْمَحَتْ خَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا. وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يُقْتَلَ فَهُوَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الصَّحِيحُ: إِنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُكَفِّرُ التَّبِعَاتِ، وَحُصُولُ التَّبِعَاتِ لَا يَمْنَعُ حُصُولَ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَ لِلشَّهَادَةِ مَعْنًى إِلَّا أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ ثَوَابًا مَخْصُوصًا وَيُكْرِمُهُ كَرَامَةً زَائِدَةً، وَقَدْ بَيَّنَ الْحَدِيثَ أَنَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ مَا عَدَا التَّبِعَاتِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ لِلشَّهِيدِ أَعْمَالًا صَالِحَةً وَقَدْ كَفَّرَتِ الشَّهَادَةُ أَعْمَالَهُ السَّيِّئَةَ غَيْرَ التَّبِعَاتِ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ تَنْفَعُهُ فِي مُوَازَنَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ التَّبِعَاتِ وَتَبْقَى لَهُ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ خَالِصَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ) أَيْ مُسْلِمٍ (يَقَعُ الطَّاعُونُ) أَيْ فِي مَكَانٍ هُوَ فِيهِ (فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: فِي بَيْتِهِ، وَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ بِلَفْظِ: يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ، أَيِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ.
قَوْلُهُ: (صَابِرًا) أَيْ غَيْرُ مُنْزَعِجٍ وَلَا قَلِقٍ، بَلْ مُسَلِّمًا لِأَمْرِ اللَّهِ رَاضِيًا بِقَضَائِهِ، وَهَذَا قَيْدٌ فِي حُصُولِ أَجْرِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ، وَهُوَ أَنْ يَمْكُثَ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ صَرِيحًا. وَقَوْلُهُ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، قَيْدٌ آخَرُ، وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْإِقَامَةِ، فَلَوْ مَكَثَ وَهُوَ قَلِقٌ أَوْ مُتَنَدِّمٌ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ ظَانًّا أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمَا وَقَعَ بِهِ أَصْلًا وَرَأْسًا وَأَنَّهُ بِإِقَامَتِهِ يَقَعُ بِهِ فَهَذَا لَا يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَلَوْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ، هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ
مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا اقْتَضَى مَنْطُوقُهُ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِالطَّاعُونِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ فَمَاتَ بِهِ، أَوْ وَقَعَ بِهِ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَقَعْ بِهِ أَصْلًا وَمَاتَ بِغَيْرِهِ عَاجِلًا أَوِ آجِلًا.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) لَعَلَّ السِّرَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمِثْلِيَّةِ مَعَ ثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ كَانَ شَهِيدًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالطَّاعُونِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ بِعَيْنِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِكَوْنِهِ شَهِيدًا أَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ وُعِدَ بِأَنَّهُ يُعْطَى مِثْلَ أَجْرِ الشَّهِيدِ، وَيَكُونُ كَمَنْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَمَاتَ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْقَتْلِ، وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ مَفْهُومُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ ثُمَّ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الشَّهِيدِ فَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ أَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لَأَصْحَابُ الْفُرُشِ، وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ لِابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ سَنَدِهِ مُوَثَّقُونَ، وَاسْتُنْبِطَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ فَمَاتَ بِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الثَّوَابِ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ كَمَنْ يَمُوتُ غَرِيبًا بِالطَّاعُونِ، أَوْ نُفَسَاءَ مَعَ الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابُ، وَالتَّحْقِيقُ فِيمَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ الْبَابِ أَنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِوُقُوعِ الطَّاعُونِ بِهِ وَيُضَافُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ لِصَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ، فَإِنَّ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ شَيْءٌ وَأَجْرَ الشَّهَادَةِ شَيْءٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَقَالَ: هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي قَوْلِهِ: وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا: فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بَلْ دَرَجَاتُ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَأَرْفَعُهَا مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَمَاتَ بِالطَّاعُونِ، وَدُونَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا وَطُعِنَ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ، وَدُونَهُ مَنِ اتَّصَفَ وَلَمْ يُطْعَنْ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا وَلَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ وَمَاتَ بِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ شُؤْمِ الِاعْتِرَاضِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ التَّضَجُّرُ وَالتَّسَخُّطُ لِقَدَرِ اللَّهِ وَكَرَاهَةُ لِقَاءِ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَفُوتُ مَعَهَا الْخِصَالُ الْمَشْرُوطَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ اسْتِوَاءُ شَهِيدِ الطَّاعُونِ وَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ رَفَعَهُ: يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ شُهَدَاءُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا فَإِنْ كَانَ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا وَرِيحُهَا كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمُ إِلَى رَبِّنَا ﷿ فِي الَّذِينَ مَاتُوا بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ، فَإِنِ اشْبَهَتْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ. زَادَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي آخِرِهِ فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ النَّضْرُ، عَنْ دَاوُدَ) النَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ، وَدَاوُدُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيقَ النَّضْرِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا أَيْضًا فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ كُلِّهِمْ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: تَابَعَهُ النَّضْرُ إِزَالَةَ تَوَهُّمِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٧٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابنُ هلالٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وفتح الراء المخففة وبعد الألف فوقية، عَمرو -بفتح العين- الكنديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء مصغَّرًا، الأسلميُّ التَّابعيُّ البصريُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء، المروزيِّ قاضيها (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ) ﵂ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبَرته» (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من كافرٍ أو عاصٍ، كما في قصَّةِ آل فرعونَ وقصَّةِ أصحابِ موسى مع بلعام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على من شاءَ» بلفظ الماضِي (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) من هذه الأمَّة، وزاد في حديثِ أبي عَسِيْبٍ عند أحمدَ «ورجسٌ على الكافرِ» وهل يكون الطَّاعونُ رحمةً وشهادةً للعاصي من هذه الأمَّة، أو يختصُّ بالمؤمن الكاملِ؟ والمرادُ بالعاصي: مُرتكب الكبيرة الَّذي يهجمُ عليه الطَّاعونُ وهو مُصِرٌّ، فإنَّه يحتملُ أن لا يلحق بدرجةِ الشُّهداءِ لشؤمِ ما كان مُتلبسًا به لقوله تعالى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وفي حديث ابنِ عمر عند ابن ماجه والبيهقيِّ ما يدلُّ على أنَّ الطَّاعون ينشأُ عن ظهورِ الفاحشةِ، ولفظهُ: «لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلنوا بها إلَّا فَشا فيهم الطَّاعون والأَوجاعُ الَّتي لم تكن مضتْ في أَسلافِهم» وفي إسنادهِ خالد بن يزيد بنِ أبي مالكٍ (١)، وثَّقهُ أحمدُ بن صالح وغيره، وقال ابنُ حبَّان: كان يخطئُ كثيرًا. لكن له شاهدٌ عن ابن عبَّاس في «الموطأ» بلفظ: «ولا فشا الزِّنا في قومٍ إلَّا كثُرَ (٢) فيهم الموتُ … » الحديث. قال (٣) في «الفتح»: وفيه انقطاعٌ، فدلَّ هذا وغيرهُ ممَّا روي في معناهُ: أنَّ الطَّاعون قد يقعُ عقوبةً بسبب المعصيةِ فكيف يكون شهادةً؟ نعم، يحتملُ أن
تحصلَ له درجةُ الشَّهادة لعمومِ الأحاديث في ذلك، ولا يلزمُ المساواة بين الكاملِ والنَّاقص في المنزلةِ؛ لأنَّ درجاتِ الشَّهادة متفاوتةٌ. انتهى. ملخَّصًا منَ «الفتح».
(فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ) مسلمٍ (يَقَعُ الطَّاعُونُ) في مكانٍ هو فيه (فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) ولا يخرجُ من البلدِ الَّتي وقع فيها الطَّاعون، حال كونه (صَابِرًا) وهو قادرٌ على الخروجِ غير منزعجٍ ولا قلقٍ، بل مسلمًا لأمرِ اللهِ راضيًا بقضائه، حال كونهِ (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ (١) يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) فلو مكثَ قلقًا مُتندِّمًا (٢) على الإقامةِ ظانًّا أنَّه لو خرج لما وقعَ به أصلًا ورأسًا، فهذا لا يحصل له أجرُ الشَّهيدِ ولو مات بالطَّاعون. قال في «الفتح»: ويدخلُ تحته ثلاث صورٍ من اتَّصفَ بذلك فوقع به الطَّاعونُ فماتَ به، أو وقع به ولم يمتْ به، أو لم يقعْ به أصلًا وماتَ بغيرهِ عاجلًا أو آجلًا، ومفهومُ الحديثِ أنَّ من لم يتَّصف بالصِّفات المذكورةِ لا يكونُ شهيدًا ولو وقع الطَّاعونُ (٣) ومات به فضلًا عن أن يموت بغيرهِ، وذلك (٤) ينشأُ عن شؤمِ الاعتراضِ الَّذي ينشأُ عنه التَّضجُّر والتَّسخُّط لقدر الله وكراهة لقائهِ، والتَّعبير بالمثليَّة في قوله: «مثل أجر الشَّهيدِ» مع ثبوت التَّصريحِ بأنَّ من مات بالطَّاعون كان شهيدًا يحتملُ أن من لم يمُت من هؤلاء بالطَّاعون يكون له مثلُ أجر الشَّهيدِ وإن لم يحصل له درجة الشَّهادةِ بعينها، فإنَّ من اتَّصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممَّن وعد بأنَّه يُعطى مثلُ أجر الشَّهيد.
وفي «مسند أحمد» بسندٍ حسنٍ عن العرباض بنِ ساريةَ مرفوعًا: «تختصمُ الشُّهداءُ والمتوفَّون على فرشهِم إلى ربِّنا ﷿ في الَّذين ماتُوا بالطَّاعون، فيقول الشُّهداءُ: إخواننا (٥) قتِلوا كما قُتلنَا، ويقولُ المتوفَّونَ على فرشِهِم: إخوانُنَا ماتُوا على فرشهِم كما متنَا، فيقولُ ربُّنا تعالى: انظرُوا إلى جراحِهِم (٦) فإن أشبهَتْ جراح (٧) المقتولينَ فإنَّهُم منهُم ومعهُم، فإذَا جراحهُم قد
أشبهَتْ جراحَهُم (١) فيلحقُونَ بهم (٢)» وروى (٣) النَّسائيُّ عن عتبةَ بن عبد مرفوعًا: «يأتي الشُّهداءُ والمتوفَّون بالطَّاعُون فيقولُ (٤) أصحابُ الطَّاعون: نحنُ شهداءُ، فيقال: انظرُوا فإن كانَتْ جراحُهُم (٥) كجراحِ الشُّهداءِ تسيلُ دمًا كريحِ المسكِ فهُمْ شهداءُ فيجدونَهُم (٦) كذلك» رواه الطَّبرانيُّ في «الكبير» بإسنادٍ لا بأس به، فيه إسماعيلُ بن عيَّاشٍ، روايتهُ عن الشَّاميِّين مقبولةٌ وهذا منها، ويشهدُ له حديثُ العرباضِ قبله، وفي ذلك استواءُ شهيد الطَّاعونِ وشهيدِ المعركةِ (تَابَعَهُ) أي: تابع حَبَّانَ بن هلالٍ (النَّضْرُ) بن شُميلٍ في روايته (عَنْ دَاوُدَ) بن أبي الفراتِ، فيما سبقَ موصولًا في «ذكر بني إسرائيلَ» (٧) [خ¦٣٤٧٤].
(٣٢) (بابُ الرُّقَى) بضم الراء وفتح القاف مقصورًا، جمعُ رُقْية، بسكون القاف، أي: التَّعويذُ (بِالقُرْآنِ وَالمُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو المشددة، الفلق والنَّاس والإخلاص، من باب تسميةِ (٨) التَّغليب، أو المرادُ: المعوِّذتان وسائرُ العوذ (٩) كـ ﴿قُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أو جُمع اعتبارًا بأنَّ أقلَّ الجمع اثنانِ، وإنَّما اجتزأ بهما لما اشتملتَا عليه من جوامعِ الاستعاذةِ من المكروهاتِ جملةً وتفصيلًا من السِّحر، والحسدِ، وشرِّ الشَّيطان ووسوستهِ، وغير ذلك، والعطف من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، أو المراد بالقرآن بعضهُ؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ يصدقُ على بعضهِ، و (١٠) المرادُ ما كان فيه التجاءٌ إلى الله تعالى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَتَذَاكَرَانِ السَّاعَةَ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ، نَقَلَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَرَادَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سِيرِينَ مَاتَ بَعْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَيَكُونُ حَدِيثُ حَفْصَةَ خَطَأً، انْتَهَى. وَتَخْرِيجُهُ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ فِي الصَّحِيحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ خَطَأٌ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ: حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ حَفْصَةَ خَطَأٌ، فَإِذَا جُوِّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَفْصَةَ جَازَ تَجْوِيزُهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يَحْيَى بْنُ سِيرِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ يَقَعُ بِهِ، هَكَذَا جَاءَ مُطْلَقًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَسَيَأْتِي مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ عَقِبَهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ مُطَوَّلًا بِلَفْظِ: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَطْعُونِ: مَنْ طَعَنَهُ الْجِنُّ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
٣١ - بَاب أَجْرِ الصَّابِرِ على الطَّاعُونِ
٥٧٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْه أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.
تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ دَاوُدَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ الصَّابِرِ عَلَى الطَّاعُونِ) أَيْ سَوَاءً وَقَعَ بِهِ أَوْ وَقَعَ فِي بَلَدٍ هُوَ مُقِيمٌ بِهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَحَبَّانُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ سَأَلْتُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى مَنْ شَاءَ، أَيْ: مِنْ كَافِرٍ أَوْ عَاصٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ مُوسَى مَعَ بَلْعَامَ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَسِيبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لَهُمْ، وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَوْنَ الطَّاعُونِ رَحْمَةً إِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وَقَعَ بِالْكَفَّارِ فَإِنَّمَا هُوَ عَذَابٌ عَلَيْهِمْ يُعَجَّلُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْعَاصِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهَلْ يَكُونُ الطَّاعُونُ لَهُ شَهَادَةً أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْمُرَادُ بِالْعَاصِي: مَنْ يَكُونُ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُصِرٌّ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُكَرَّمُ بِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ لِشُؤْمِ مَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؟ وَأَيْضًا فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ يَنْشَأُ عَنْ ظُهُورِ الْفَاحِشَةِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ
مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الْحَدِيثَ، وَفِي إِسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِمَا، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ قط إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا بِلَفْظِ: إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ فَقَدِ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ سِيَاقِ مَالِكٍ، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الزِّنَا إِلَّا أُخِذُوا بِالْفَنَاءِ. الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ: وَلَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا، فَإِذَا فَشَا فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ يَقَعُ عُقُوبَةً بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَهَادَةً؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: بَلْ تَحْصُلُ لَهُ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أَنَسٍ: الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ لِمَنِ اجْتَرَحَ السَّيِّئَاتِ مُسَاوَاةُ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ فِي الْمَنْزِلَةِ، لِأَنَّ دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ كَنَظِيرِهِ مِنَ الْعُصَاةِ إِذَا قُتِلَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَحْصُلَ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ أَجْرُ الشَّهَادَةِ، وَلَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يُبَاشِرْ تِلْكَ الْفَاحِشَةَ، وَإِنَّمَا عَمَّهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِتَقَاعُدِهِمْ عَنْ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ: الْقَتْلُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، فَذَاكَ الشَّهِيدُ الْمُفْتَخِرُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لَا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ. وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ فَانْمَحَتْ خَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا. وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يُقْتَلَ فَهُوَ فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الصَّحِيحُ: إِنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُكَفِّرُ التَّبِعَاتِ، وَحُصُولُ التَّبِعَاتِ لَا يَمْنَعُ حُصُولَ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَ لِلشَّهَادَةِ مَعْنًى إِلَّا أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ ثَوَابًا مَخْصُوصًا وَيُكْرِمُهُ كَرَامَةً زَائِدَةً، وَقَدْ بَيَّنَ الْحَدِيثَ أَنَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ مَا عَدَا التَّبِعَاتِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ لِلشَّهِيدِ أَعْمَالًا صَالِحَةً وَقَدْ كَفَّرَتِ الشَّهَادَةُ أَعْمَالَهُ السَّيِّئَةَ غَيْرَ التَّبِعَاتِ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ تَنْفَعُهُ فِي مُوَازَنَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ التَّبِعَاتِ وَتَبْقَى لَهُ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ خَالِصَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ) أَيْ مُسْلِمٍ (يَقَعُ الطَّاعُونُ) أَيْ فِي مَكَانٍ هُوَ فِيهِ (فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: فِي بَيْتِهِ، وَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ بِلَفْظِ: يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ، أَيِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ.
قَوْلُهُ: (صَابِرًا) أَيْ غَيْرُ مُنْزَعِجٍ وَلَا قَلِقٍ، بَلْ مُسَلِّمًا لِأَمْرِ اللَّهِ رَاضِيًا بِقَضَائِهِ، وَهَذَا قَيْدٌ فِي حُصُولِ أَجْرِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ، وَهُوَ أَنْ يَمْكُثَ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ صَرِيحًا. وَقَوْلُهُ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، قَيْدٌ آخَرُ، وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْإِقَامَةِ، فَلَوْ مَكَثَ وَهُوَ قَلِقٌ أَوْ مُتَنَدِّمٌ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ ظَانًّا أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمَا وَقَعَ بِهِ أَصْلًا وَرَأْسًا وَأَنَّهُ بِإِقَامَتِهِ يَقَعُ بِهِ فَهَذَا لَا يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَلَوْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ، هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ
مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا اقْتَضَى مَنْطُوقُهُ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ بِالطَّاعُونِ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ فَمَاتَ بِهِ، أَوْ وَقَعَ بِهِ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَقَعْ بِهِ أَصْلًا وَمَاتَ بِغَيْرِهِ عَاجِلًا أَوِ آجِلًا.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) لَعَلَّ السِّرَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمِثْلِيَّةِ مَعَ ثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ كَانَ شَهِيدًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالطَّاعُونِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ بِعَيْنِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِكَوْنِهِ شَهِيدًا أَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ وُعِدَ بِأَنَّهُ يُعْطَى مِثْلَ أَجْرِ الشَّهِيدِ، وَيَكُونُ كَمَنْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَمَاتَ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْقَتْلِ، وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ مَفْهُومُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَوَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ ثُمَّ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الشَّهِيدِ فَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ أَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لَأَصْحَابُ الْفُرُشِ، وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ لِابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ سَنَدِهِ مُوَثَّقُونَ، وَاسْتُنْبِطَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ الطَّاعُونُ فَمَاتَ بِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الثَّوَابِ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ كَمَنْ يَمُوتُ غَرِيبًا بِالطَّاعُونِ، أَوْ نُفَسَاءَ مَعَ الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابُ، وَالتَّحْقِيقُ فِيمَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ الْبَابِ أَنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِوُقُوعِ الطَّاعُونِ بِهِ وَيُضَافُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ لِصَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ، فَإِنَّ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ شَيْءٌ وَأَجْرَ الشَّهَادَةِ شَيْءٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَقَالَ: هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي قَوْلِهِ: وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا: فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بَلْ دَرَجَاتُ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَأَرْفَعُهَا مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَمَاتَ بِالطَّاعُونِ، وَدُونَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا وَطُعِنَ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ، وَدُونَهُ مَنِ اتَّصَفَ وَلَمْ يُطْعَنْ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا وَلَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ وَمَاتَ بِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ شُؤْمِ الِاعْتِرَاضِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ التَّضَجُّرُ وَالتَّسَخُّطُ لِقَدَرِ اللَّهِ وَكَرَاهَةُ لِقَاءِ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَفُوتُ مَعَهَا الْخِصَالُ الْمَشْرُوطَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ اسْتِوَاءُ شَهِيدِ الطَّاعُونِ وَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ رَفَعَهُ: يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ شُهَدَاءُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا فَإِنْ كَانَ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا وَرِيحُهَا كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ كَذَلِكَ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمُ إِلَى رَبِّنَا ﷿ فِي الَّذِينَ مَاتُوا بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ، فَإِنِ اشْبَهَتْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ. زَادَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي آخِرِهِ فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ النَّضْرُ، عَنْ دَاوُدَ) النَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ، وَدَاوُدُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيقَ النَّضْرِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا أَيْضًا فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ كُلِّهِمْ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: تَابَعَهُ النَّضْرُ إِزَالَةَ تَوَهُّمِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٧٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابنُ هلالٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وفتح الراء المخففة وبعد الألف فوقية، عَمرو -بفتح العين- الكنديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء مصغَّرًا، الأسلميُّ التَّابعيُّ البصريُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء، المروزيِّ قاضيها (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ) ﵂ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبَرته» (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من كافرٍ أو عاصٍ، كما في قصَّةِ آل فرعونَ وقصَّةِ أصحابِ موسى مع بلعام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على من شاءَ» بلفظ الماضِي (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) من هذه الأمَّة، وزاد في حديثِ أبي عَسِيْبٍ عند أحمدَ «ورجسٌ على الكافرِ» وهل يكون الطَّاعونُ رحمةً وشهادةً للعاصي من هذه الأمَّة، أو يختصُّ بالمؤمن الكاملِ؟ والمرادُ بالعاصي: مُرتكب الكبيرة الَّذي يهجمُ عليه الطَّاعونُ وهو مُصِرٌّ، فإنَّه يحتملُ أن لا يلحق بدرجةِ الشُّهداءِ لشؤمِ ما كان مُتلبسًا به لقوله تعالى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وفي حديث ابنِ عمر عند ابن ماجه والبيهقيِّ ما يدلُّ على أنَّ الطَّاعون ينشأُ عن ظهورِ الفاحشةِ، ولفظهُ: «لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلنوا بها إلَّا فَشا فيهم الطَّاعون والأَوجاعُ الَّتي لم تكن مضتْ في أَسلافِهم» وفي إسنادهِ خالد بن يزيد بنِ أبي مالكٍ (١)، وثَّقهُ أحمدُ بن صالح وغيره، وقال ابنُ حبَّان: كان يخطئُ كثيرًا. لكن له شاهدٌ عن ابن عبَّاس في «الموطأ» بلفظ: «ولا فشا الزِّنا في قومٍ إلَّا كثُرَ (٢) فيهم الموتُ … » الحديث. قال (٣) في «الفتح»: وفيه انقطاعٌ، فدلَّ هذا وغيرهُ ممَّا روي في معناهُ: أنَّ الطَّاعون قد يقعُ عقوبةً بسبب المعصيةِ فكيف يكون شهادةً؟ نعم، يحتملُ أن
تحصلَ له درجةُ الشَّهادة لعمومِ الأحاديث في ذلك، ولا يلزمُ المساواة بين الكاملِ والنَّاقص في المنزلةِ؛ لأنَّ درجاتِ الشَّهادة متفاوتةٌ. انتهى. ملخَّصًا منَ «الفتح».
(فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ) مسلمٍ (يَقَعُ الطَّاعُونُ) في مكانٍ هو فيه (فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) ولا يخرجُ من البلدِ الَّتي وقع فيها الطَّاعون، حال كونه (صَابِرًا) وهو قادرٌ على الخروجِ غير منزعجٍ ولا قلقٍ، بل مسلمًا لأمرِ اللهِ راضيًا بقضائه، حال كونهِ (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ (١) يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) فلو مكثَ قلقًا مُتندِّمًا (٢) على الإقامةِ ظانًّا أنَّه لو خرج لما وقعَ به أصلًا ورأسًا، فهذا لا يحصل له أجرُ الشَّهيدِ ولو مات بالطَّاعون. قال في «الفتح»: ويدخلُ تحته ثلاث صورٍ من اتَّصفَ بذلك فوقع به الطَّاعونُ فماتَ به، أو وقع به ولم يمتْ به، أو لم يقعْ به أصلًا وماتَ بغيرهِ عاجلًا أو آجلًا، ومفهومُ الحديثِ أنَّ من لم يتَّصف بالصِّفات المذكورةِ لا يكونُ شهيدًا ولو وقع الطَّاعونُ (٣) ومات به فضلًا عن أن يموت بغيرهِ، وذلك (٤) ينشأُ عن شؤمِ الاعتراضِ الَّذي ينشأُ عنه التَّضجُّر والتَّسخُّط لقدر الله وكراهة لقائهِ، والتَّعبير بالمثليَّة في قوله: «مثل أجر الشَّهيدِ» مع ثبوت التَّصريحِ بأنَّ من مات بالطَّاعون كان شهيدًا يحتملُ أن من لم يمُت من هؤلاء بالطَّاعون يكون له مثلُ أجر الشَّهيدِ وإن لم يحصل له درجة الشَّهادةِ بعينها، فإنَّ من اتَّصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممَّن وعد بأنَّه يُعطى مثلُ أجر الشَّهيد.
وفي «مسند أحمد» بسندٍ حسنٍ عن العرباض بنِ ساريةَ مرفوعًا: «تختصمُ الشُّهداءُ والمتوفَّون على فرشهِم إلى ربِّنا ﷿ في الَّذين ماتُوا بالطَّاعون، فيقول الشُّهداءُ: إخواننا (٥) قتِلوا كما قُتلنَا، ويقولُ المتوفَّونَ على فرشِهِم: إخوانُنَا ماتُوا على فرشهِم كما متنَا، فيقولُ ربُّنا تعالى: انظرُوا إلى جراحِهِم (٦) فإن أشبهَتْ جراح (٧) المقتولينَ فإنَّهُم منهُم ومعهُم، فإذَا جراحهُم قد
أشبهَتْ جراحَهُم (١) فيلحقُونَ بهم (٢)» وروى (٣) النَّسائيُّ عن عتبةَ بن عبد مرفوعًا: «يأتي الشُّهداءُ والمتوفَّون بالطَّاعُون فيقولُ (٤) أصحابُ الطَّاعون: نحنُ شهداءُ، فيقال: انظرُوا فإن كانَتْ جراحُهُم (٥) كجراحِ الشُّهداءِ تسيلُ دمًا كريحِ المسكِ فهُمْ شهداءُ فيجدونَهُم (٦) كذلك» رواه الطَّبرانيُّ في «الكبير» بإسنادٍ لا بأس به، فيه إسماعيلُ بن عيَّاشٍ، روايتهُ عن الشَّاميِّين مقبولةٌ وهذا منها، ويشهدُ له حديثُ العرباضِ قبله، وفي ذلك استواءُ شهيد الطَّاعونِ وشهيدِ المعركةِ (تَابَعَهُ) أي: تابع حَبَّانَ بن هلالٍ (النَّضْرُ) بن شُميلٍ في روايته (عَنْ دَاوُدَ) بن أبي الفراتِ، فيما سبقَ موصولًا في «ذكر بني إسرائيلَ» (٧) [خ¦٣٤٧٤].
(٣٢) (بابُ الرُّقَى) بضم الراء وفتح القاف مقصورًا، جمعُ رُقْية، بسكون القاف، أي: التَّعويذُ (بِالقُرْآنِ وَالمُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو المشددة، الفلق والنَّاس والإخلاص، من باب تسميةِ (٨) التَّغليب، أو المرادُ: المعوِّذتان وسائرُ العوذ (٩) كـ ﴿قُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أو جُمع اعتبارًا بأنَّ أقلَّ الجمع اثنانِ، وإنَّما اجتزأ بهما لما اشتملتَا عليه من جوامعِ الاستعاذةِ من المكروهاتِ جملةً وتفصيلًا من السِّحر، والحسدِ، وشرِّ الشَّيطان ووسوستهِ، وغير ذلك، والعطف من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، أو المراد بالقرآن بعضهُ؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ يصدقُ على بعضهِ، و (١٠) المرادُ ما كان فيه التجاءٌ إلى الله تعالى.