«خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٥٢

الحديث رقم ٥٧٥٢ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم يرق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرج علينا النبي ﷺ يوما، فقال: عرضت علي…

«خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ، فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ

⦗١٣٥⦘

أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا، فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ.»

سند حديث: ٥٧٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا…

٥٧٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرج علينا النبي ﷺ يوما، فقال: عرضت علي…

يخبرنا حُصين بن عبد الرحمن رحمه الله عن محاورة جرت بينه وبين سعيد بن جبير رحمه الله في شأن الرقية، وذلك أن حصينًا لدغته عقرب وارتقى منها بالرقية المشروعة، ولما سأله سعيد عن دليله أخبره بحديث الشعبي الذي يبيح الرقية من العين والسم، فامتدحه سعيد على ذلك، ولكنه روى له حديثًا يحبذ ترك الرقية، هو حديث ابن عباس الذي يتضمن الصفات الأربع التي من اتصف بها استحق الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي عدم طلب الرقية، وعدم الاكتواء، وعدم التشاؤم، وصدق الاعتماد على الله تعالى ولما طلب عكاشة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو له أن يكون منهم أخبره بأنه معهم، ولما قام رجل آخر لنفس الغرض تلطف معه النبي صلى الله عليه وسلم في المنع سدًّا للباب وقطعًا للتسلسل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدّونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله -تعالى-.
  • حرص السلف على الإخلاص وشدة ابتعادهم عن الرياء.
  • طلب الحجة على صحة المذهب وعناية السلف بالدليل.
  • الوقوف عند الدليل والعمل بالعلم، وأن من عمِل بما بلغه فقد أحسن.
  • تبليغ العلم بتلطف وحكمة.
  • إباحة الرقية.
  • إرشاد من أخذ بشيء مشروع إلى ما هو أفضل منه.
  • فضيلة نبينا محمد -صلى اللَّهُ عليه وسلم- حيث عُرضت عليه الأمم.
  • أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم.
  • أن الواجب اتباع الحق وإن قلّ أهله.
  • فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم اتباعًا لنبيهم -صلى اللَّهُ عليه وسلم-.
  • فضيلة تحقيق التوحيد وثوابه.
  • إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع للاستفادة وإظهار الحق.
  • عمق علم السلف لمعرفتهم أن المذكورين في الحديث لم ينالوا هذه المنزلة إلا بعمل.
  • حرص السلف على الخير والمنافسة على الأعمال الصالحة.
  • أن ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
  • طلب الدعاء من الفاضل في حياته.
  • علَم من أعلام نبوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حيث أخبر أن عكاشة بن مِحصن من السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فقُتل شهيدًا في حروب الردة -رضي الله عنه-.
  • فضيلة عكاشة بن محصن -رضي الله عنه-.
  • استعمال المعاريض وحسن خلقه -صلى اللَّهُ عليه وسلم- حيث لم يقل للرجل الآخر: لست منهم.
  • سد الذرائع لئلا يقوم من ليس أهلاً فيُردُّ.
  • العمل بالكتاب والسنة مقدم على كل مذهب.
  • إن من أحرز هذه الخصائل الأربع المذكورة في الحديث فقد حقق التوحيد ودخل الجنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرج علينا النبي ﷺ يوما، فقال: عرضت علي…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَفِيهِ قَوْلُهَا: كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنَا أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هُنَا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ.

٤٢ - بَاب مَنْ لَمْ يَرْقِ

٥٧٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ يَوْمًا فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يكتوون ولا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَعَمْ: فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرْقِ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: (حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بِنُونٍ مُصَغَّر هُوَ الْوَاسِطِيُّ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَذَكَرْتُ مَنْ زَادَ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً، وَأَنَّ شَرْحَهُ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، فَأَمَّا الطِّيَرَةُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَيُّ فَتَقَدَّمَ ذكر ما فِيهِ هُنَاكَ، وَأَمَّا الرُّقْيَةُ فَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ كَرِهَ الرُّقَى وَالْكَيَّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَدْوِيَةِ، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا قَادِحَانِ فِي التَّوَكُّلِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالْمَازِرِيُّ وَطَائِفَةٌ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ جَانَبَ اعْتِقَادَ الطَّبَائِعِيِّينَ فِي أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تَنْفَعُ بِطَبْعِهَا كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الرُّقَى الَّتِي يُحْمَدُ تَرْكُهَا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَن الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، بِخِلَافِ الرُّقَى بِالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلسَّبْعِينَ أَلْفًا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ وَفَضِيلَةً انْفَرَدُوا بِهَا عَمَّنْ شَارَكَهُمْ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ وَالدِّيَانَةِ، وَمَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تُؤَثِّرُ بِطَبْعِهَا أَوْ يَسْتَعْمِلُ رُقَى الْجَاهِلِيَّةِ وَنَحْوَهَا فَلَيْسَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَسْلَمْ هَذَا الْجَوَابُ.

ثَانِيهَا: قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَطَائِفَةٌ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ خَشْيَةَ وُقُوعِ الدَّاءِ، وَأَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِلُ الدَّوَاءَ بَعْدَ وُقُوعِ الدَّاءِ بِهِ فَلَا، وَقَدْ قَدَّمْتُ هَذَا عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، غَيْرَ أَنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ ثُبُوتِ الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الدَّاءِ. ثَالِثُهَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، الواسطيُّ الضَّرير (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد مصغَّرًا أيضًا، الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، الوالِبيِّ، مولاهم، أبي محمَّدٍ، أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» ( يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضَتْ) بضم العين وكسر الراء (عَلَيَّ الأُمَمُ) في منامي (فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «ومعَه» (الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ) وهو ما دون العشَرة من الرِّجال، أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا) أشخاصًا كثيرةً من بُعْد (سَدَّ) السَّواد (الأُفُقَ) وفي «باب من اكتوى» «حتَّى رُفع لي سوادٌ عظيمٌ (١)» [خ¦٥٧٠٥] (فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا) فنظرتُ (٢) (فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ) لي: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) الَّذين آمنوا بك (وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) الدَّاخلين

بغير حسابٍ (فَتَذَاكَرَ (١) أَصْحَابُ النَّبِيِّ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ (٢) أَبْنَاؤُنَا) الَّذين وُلِدوا في الإسلام (فَبَلَغَ) قولُهم (النَّبِيَّ فَقَالَ): الدَّاخلون الجنَّة بغير حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ) لا يتشاءمون بالطُّيور كالجاهلية (وَلَا يَكْتَوُونَ) مُعتقدي الشِّفاء في الكيِّ كالجاهليَّة (وَلَا يَسْتَرْقُونَ) مطلقًا حسمًا للمادة لأنَّ فاعلها لا يأمنُ أن يَكِل نفسَهُ إليها، وإلَّا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعةً، وإنَّما مُنع منها ما كان شركًا أو احتمَله (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يُفوضون إليه تعالى في ترتيب الأسبابِ على المسببات، أو: يتركون ذلك مطلقًا على ظاهر اللَّفظ، قال ابنُ الأثير: وهذا من صفةِ الأولياء المعرضين عن الدُّنيا وأسبابها وعلائقهَا وهم خواصُّ الأولياء، ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النَّبيِّ فعلًا وأمرًا لأنَّه كان في أعلى مَقامات العرفان ودرجات التَّوكُّل، وكان ذلك منه للتَّشريع وبيانِ الجوازِ، ولا ينقصُ ذلك من توكُّله لأنَّه كان كاملَ التَّوكُّل يقينًا، فلا يؤثِّر فيه تعاطي الأسباب شيئًا (٣) بخلاف غيره (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، و «عُكَّاشَة» بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف وبعد الألف شين معجمة مفتوحة مخففة، البدريّ (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قيل: هو سعد بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول الله؟ (فَقَالَ) : (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) قال ذلك حسمًا للمادَّة، وقول الزَّركشيِّ: قيلَ: كانت ساعة إجابةٍ وهو الأشبَه لئلا يَتَسَلْسَلَ الأمر. تعقَّبه في «المصابيح» في قوله: إنَّها ساعة إجابةٍ، فقال: إنَّما يحسنُ في الحديث الَّذي فيه «فادعُ الله أن يجعلني منهم» [خ¦٥٨١١] وأمَّا (٤) هنا فلا يحسن ذلك إذ الَّذي هنا إنَّما هو استفهامٌ وجوابٌ عنه وليس هنا ذكرٌ للدُّعاء، وفي حديث رِفاعة الجُهنيِّ عند أحمد وصحَّحه ابنُ حبَّان: «وعدَني أنْ يُدْخِل الجنَّة من أمَّتي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لا يدخلُوها حتَّى تَبَوَّؤُوا أنتم، ومن صلحَ من أزواجكُم وذريَّاتكُم مساكنَ الجنَّةِ» وهو يدلُّ على أنَّ مزية (٥) السَّبعين بالدُّخول بغير

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَفِيهِ قَوْلُهَا: كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنَا أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هُنَا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ.

٤٢ - بَاب مَنْ لَمْ يَرْقِ

٥٧٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ يَوْمًا فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يكتوون ولا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَعَمْ: فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرْقِ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: (حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بِنُونٍ مُصَغَّر هُوَ الْوَاسِطِيُّ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَذَكَرْتُ مَنْ زَادَ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً، وَأَنَّ شَرْحَهُ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، فَأَمَّا الطِّيَرَةُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَيُّ فَتَقَدَّمَ ذكر ما فِيهِ هُنَاكَ، وَأَمَّا الرُّقْيَةُ فَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ كَرِهَ الرُّقَى وَالْكَيَّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَدْوِيَةِ، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا قَادِحَانِ فِي التَّوَكُّلِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالْمَازِرِيُّ وَطَائِفَةٌ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ جَانَبَ اعْتِقَادَ الطَّبَائِعِيِّينَ فِي أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تَنْفَعُ بِطَبْعِهَا كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الرُّقَى الَّتِي يُحْمَدُ تَرْكُهَا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَن الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، بِخِلَافِ الرُّقَى بِالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلسَّبْعِينَ أَلْفًا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ وَفَضِيلَةً انْفَرَدُوا بِهَا عَمَّنْ شَارَكَهُمْ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ وَالدِّيَانَةِ، وَمَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تُؤَثِّرُ بِطَبْعِهَا أَوْ يَسْتَعْمِلُ رُقَى الْجَاهِلِيَّةِ وَنَحْوَهَا فَلَيْسَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَسْلَمْ هَذَا الْجَوَابُ.

ثَانِيهَا: قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَطَائِفَةٌ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ خَشْيَةَ وُقُوعِ الدَّاءِ، وَأَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِلُ الدَّوَاءَ بَعْدَ وُقُوعِ الدَّاءِ بِهِ فَلَا، وَقَدْ قَدَّمْتُ هَذَا عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، غَيْرَ أَنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ ثُبُوتِ الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الدَّاءِ. ثَالِثُهَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، الواسطيُّ الضَّرير (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد مصغَّرًا أيضًا، الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، الوالِبيِّ، مولاهم، أبي محمَّدٍ، أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» ( يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضَتْ) بضم العين وكسر الراء (عَلَيَّ الأُمَمُ) في منامي (فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «ومعَه» (الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ) وهو ما دون العشَرة من الرِّجال، أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا) أشخاصًا كثيرةً من بُعْد (سَدَّ) السَّواد (الأُفُقَ) وفي «باب من اكتوى» «حتَّى رُفع لي سوادٌ عظيمٌ (١)» [خ¦٥٧٠٥] (فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا) فنظرتُ (٢) (فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ) لي: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) الَّذين آمنوا بك (وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) الدَّاخلين

بغير حسابٍ (فَتَذَاكَرَ (١) أَصْحَابُ النَّبِيِّ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ (٢) أَبْنَاؤُنَا) الَّذين وُلِدوا في الإسلام (فَبَلَغَ) قولُهم (النَّبِيَّ فَقَالَ): الدَّاخلون الجنَّة بغير حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ) لا يتشاءمون بالطُّيور كالجاهلية (وَلَا يَكْتَوُونَ) مُعتقدي الشِّفاء في الكيِّ كالجاهليَّة (وَلَا يَسْتَرْقُونَ) مطلقًا حسمًا للمادة لأنَّ فاعلها لا يأمنُ أن يَكِل نفسَهُ إليها، وإلَّا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعةً، وإنَّما مُنع منها ما كان شركًا أو احتمَله (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يُفوضون إليه تعالى في ترتيب الأسبابِ على المسببات، أو: يتركون ذلك مطلقًا على ظاهر اللَّفظ، قال ابنُ الأثير: وهذا من صفةِ الأولياء المعرضين عن الدُّنيا وأسبابها وعلائقهَا وهم خواصُّ الأولياء، ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النَّبيِّ فعلًا وأمرًا لأنَّه كان في أعلى مَقامات العرفان ودرجات التَّوكُّل، وكان ذلك منه للتَّشريع وبيانِ الجوازِ، ولا ينقصُ ذلك من توكُّله لأنَّه كان كاملَ التَّوكُّل يقينًا، فلا يؤثِّر فيه تعاطي الأسباب شيئًا (٣) بخلاف غيره (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، و «عُكَّاشَة» بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف وبعد الألف شين معجمة مفتوحة مخففة، البدريّ (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قيل: هو سعد بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول الله؟ (فَقَالَ) : (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) قال ذلك حسمًا للمادَّة، وقول الزَّركشيِّ: قيلَ: كانت ساعة إجابةٍ وهو الأشبَه لئلا يَتَسَلْسَلَ الأمر. تعقَّبه في «المصابيح» في قوله: إنَّها ساعة إجابةٍ، فقال: إنَّما يحسنُ في الحديث الَّذي فيه «فادعُ الله أن يجعلني منهم» [خ¦٥٨١١] وأمَّا (٤) هنا فلا يحسن ذلك إذ الَّذي هنا إنَّما هو استفهامٌ وجوابٌ عنه وليس هنا ذكرٌ للدُّعاء، وفي حديث رِفاعة الجُهنيِّ عند أحمد وصحَّحه ابنُ حبَّان: «وعدَني أنْ يُدْخِل الجنَّة من أمَّتي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لا يدخلُوها حتَّى تَبَوَّؤُوا أنتم، ومن صلحَ من أزواجكُم وذريَّاتكُم مساكنَ الجنَّةِ» وهو يدلُّ على أنَّ مزية (٥) السَّبعين بالدُّخول بغير

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله