«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٧٦

الحديث رقم ٥٧٧٦ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا عدوى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٧٧٦ في صحيح البخاري

«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ.»

بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي سَُمِّ النَّبِيِّ رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ

إسناد حديث رقم ٥٧٧٦ من صحيح البخاري

٥٧٧٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٧٧٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٧٧٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا عَدْوَى) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الأول: قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (وَحَمْزَةُ) هُوَ أَخُو سَالِمٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) قَالَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي تَصْرِيحِ الزُّهْرِيِّ بِالْإِخْبَارِ فِيهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ انْقِطَاعِهِ بِسَبَبِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَسَالِمٍ رَجُلًا، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ ابْنِ قُنْفُذٍ، وَيُحْمَلُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ سَالِمٍ.

قَوْلُهُ: (لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ. الْحَدِيثَ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الشُّؤْمِ فِي ثَلَاثٍ؛ فِي النِّكَاحِ، وَجَمْعُ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْمُرَادِ بِالشُّؤْمِ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِلَّا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ بِدُونِهَا. فَكَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالزِّيَادَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا عَدْوَى) قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُورِدُوا الْمُمْرِضَ عَلَى الْمُصِحِّ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا عَدْوَى، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ) فَذَكَرَ الْقِصَّةَ الْمَاضِيَةَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِالْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَلَفْظُهُ: لَا عَدْوَى، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ، قَالَهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَوْرَدَ أَيْضًا رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ بِالْقِصَّةِ، وَأَحَالَ بِسِيَاقِهِ عَلَى رِوَايَةِ يُونُسَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهَا كُلَّهَا مَوْصُولَةٌ. وَسِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ، وَاسْمُ أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَلَهُ آخَرُ عَنْ جَابِرٍ قَرَنَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ بِلَفْظِ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، وَفِيهِ تَفْسِيرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

٥٥ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي سُمِّ النَّبِيِّ

رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ

٥٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ الْيَهُودِ، فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صادقوني عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا

الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ، فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ. فَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صادقوني عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ أَنْتُمْ صادقوني عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ،

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي سُمِّ النَّبِيِّ ) الْإِضَافَةُ فِيهِ إِلَى الْمَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا عَلَّقَهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي، فَقَالَ: قَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَهُوَ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ: أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ، أَيِ الْأَلَمَ النَّاشِئَ عَنْ ذَلِكَ الْأَكْلِ، لَا أَنَّ الطَّعَامَ نَفْسَهُ بَقِيَ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ بِخَيْبَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَفِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (أُهْدِيَتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتِ الشَّاةَ الْمَذْكُورَةَ امْرَأَةٌ، وَقَدَّمْتُ فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلَامِ بْنِ مِشْكَمٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَأَوْرَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا أَكْثَرَتِ السُّمَّ فِي الْكَتِفِ وَالذِّرَاعِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحَبَّ أَعْضَاءِ الشَّاةِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ: فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْكَتِفَ فَنَهَشَ مِنْهَا، وَفِيهِ: فَلَمَّا ازْدَرَدَ لَقُمْتَهُ قَالَ: إِنَّ الشَّاةَ تُخْبِرُنِي، يَعْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ هَلْ قَتَلَهَا النَّبِيُّ أَوْ تَرَكَهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ: فَقِيلَ: أَلَا تَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ. وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَتَلَهَا.

قَوْلُهُ: (اجْمَعُوا لِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْمَأْمُورِ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقُونِي عَنْهُ)؟ كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: صَادِقِيِّ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِغَيْرِ نُونٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ: صَادِقُونِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّةٍ سَبَقَ الْأَوَّلُ بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمُ؟ انْتَهَى. وَإِنْكَارُهُ الرِّوَايَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ وَجَّهَهَا غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ تَصْحَبَ نُونُ الْوِقَايَةِ اسْمَ الْفَاعِلِ وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ وَالْأَسْمَاءَ الْمُعْرَبَةَ الْمُضَافَةَ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لِتَقِيَهَا خَفَاءَ الْإِعْرَابِ، فَلَمَّا مَنَعَتْ ذَلِكَ كَانَتْ كَأَصْلٍ مَتْرُوكٍ، فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْفِعْلِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيَرْتَدَّ خَائِبًا … فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلَا

وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَخْوَفُ مُخَوِّفَاتِي عَلَيْكُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ إِلَى الْيَاءِ وَأُقِيمَتْ هِيَ مَقَامَهُ، فَاتَّصَلَ: أَخْوَفُ بِهَا مَقْرُونَةً بِالنُّونِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ شَبِيهٌ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ النُّونَ الْبَاقِيَةَ هِيَ نُونُ الْوِقَايَةِ، وَنُونُ الْجَمْعِ حُذِفَتْ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِلَفْظِ: صَادِقِيَّ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ النُّونَ الْبَاقِيَةَ هِيَ نُونُ الْجَمْعِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النُّحَاةِ أَجَازَ فِي الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ أَنْ يُعْرَبَ بِالْحَرَكَاتِ عَلَى النُّونِ مَعَ الْوَاوِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ فِي مَحَلِّ نَصْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْعُولَ اسْمِ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ ضَمِيرًا بَارِزًا مُتَّصِلًا بِهِ كَانَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَتَكُونُ النُّونُ عَلَى هَذَا أَيْضًا نُونَ الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. فَقَالُوا صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَهُوَ مِنَ الْبِرِّ

قَوْلُهُ: (نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تُخْلُفُونَنَا فِيهَا) بِضَمِّ اللَّامِ مُخَفَّفًا أَيْ تَدْخُلُونَ فَتُقِيمُونَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ. وَضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: خَاصَمَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فَقَالُوا: لَنْ نَدْخُلَ النَّارَ إِلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ; وَسَيَخْلُفُنَا إِلَيْهَا قَوْمٌ آخَرُونَ - يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ عَلَى رُءُوسِهِمْ: بَلْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ لَا يَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الْآيَةَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا فِي النَّارِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فَنَزَلَتْ وَهَذَا سَنَدٌ حَسَنٌ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: اجْتَمَعَتْ يَهُودٌ تُخَاصِمُ النَّبِيَّ فَقَالُوا: لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فَقَالَ النَّبِيُّ : كَذَبْتُمْ، بَلْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ، لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. فَنَزَلَ الْقُرْآنُ تَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، حَدَّثَنِي أَبِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِيَهُودٍ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ مَنْ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْنَا غَضْبَةً فَنَمْكُثُ فِي النَّارِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَخْرُجُ فَتَخْلُفُونَنَا فِيهَا. فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ تَصْدِيقًا لَهُ وَهَذَانِ خَبَرَانِ مُرْسَلَانِ يقوى أَحَدُهُمَا على الْآخَرَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُمَا تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَيَّامًا يَسِيرَةً وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ حِكْمَةَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ - أَنَّهَا الْمُدَّةُ الَّتِي عَبَدُوا فِيهَا الْعِجْلَ.

قَوْلُهُ: (اخْسَئُوا فِيهَا) هُوَ زَجْرٌ لَهُمْ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ، أَوْ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) أَيْ لَا تَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا نُقِيمُ بَعْدَكُمْ فِيهَا، لِأَنَّ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يَخْلُفُ غَيْرُهُ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: (أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) يَعْنِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ مِنَ السُّمِّ الْمَذْكُورِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فَقَالَتْ أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكَ عَلَى ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَسَيُطْلِعُكَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَأُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مَوْصُولًا عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَنَّهَا قَالَتْ: قَتَلْتُ أَبِي وَزَوْجِي وَعَمِّي وَأَخِي وَنِلْتُ مِنْ قَوْمِي مَا نِلْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبِرُهُ الذِّرَاعُ، وَإِنْ كَانَ مَلَكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ عَنِ الْغَيْبِ، وَتَكْلِيمِ الْجَمَادِ لَهُ، وَمُعَانِدَةُ الْيَهُودِ لِاعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اسْمِ أَبِيهِمْ وَبِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ دَسِيسَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأوَّل؟» «إنَّ الله خلقَ كلَّ نفسٍ وكتب حالها ومُصابها ورزقها … » الحديث. فأخبر أنَّ ذلك كلَّه بقضاء الله وقدره، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ الاية [الحديد: ٢٢] وأمَّا النَّهي عن إيراد الممرضِ فمن باب اجتناب الأسباب الَّتي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمورٌ باتِّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، وفي حديثٍ مرسل عند أبي داود (١): أنَّ النَّبيَّ مرَّ بحائطٍ مائلٍ فقال: «أخافُ موتَ الفَوات».

٥٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا عَدْوَى) نهيٌ لما (٢) يعتقده أهلُ الجاهلية من أنَّ هذه الأمراض تُعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك (وَلَا طِيَرَةَ) وهي من أعمال أهل الشِّرك والكفر، فقد حكاهُ الله تعالى عن قوم فرعون، وقوم صالح، وأصحاب القرية الَّتي جاءها المرسلون، وورد: «مَن ردَّته الطِّيرة عن أمرٍ يريدُه فقد قارفَ الشِّرك» وفي حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا «الطِّيرة من الشِّرك وما منَّا إلَّا من تطيَّر (٣) ولكنَّ الله يذهبُه بالتَّوكل» والمشروعُ اجتناب ما ظهرَ منها واتِّقاؤه بقدر ما وردتْ به الشَّريعة كاتِّقاء المجذوم، وأمَّا ما خفيَ منها فلا يشرعُ اتِّقاؤه واجتنابه، فإنَّه من الطِّيرة المنهيِّ عنها. وفي حديثٍ مرسل عند أبي داود أنَّ النَّبيَّ قال: «ليسَ عبد إلا سيدخل (٤) قلبَه طِيرة، فإذا أحسَّ بذلك فليقلْ: أنا عبدُ الله، ما شاءَ الله، لا قوَّة إلَّا

بالله، لا يأتي بالحسناتِ إلَّا الله، ولا يذهبُ بالسَّيئات إلَّا الله، أشهدُ أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير ثمَّ يمضي لوجههِ».

(وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ) بهمزةٍ ساكنة كاللَّاحقة (قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ) يا رسول الله؟ (قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) يسمعُها أحدُكم إذا خرجَ لحاجته كـ «يا نَجيح» وما أشبه ذلك.

وهذا الحديث قد سبق قريبًا في «باب الفأل» [خ¦٥٧٥٦].

(٥٥) (باب مَا يُذْكَرُ فِي سَمِّ النَّبِيِّ ) قال في «القاموس»: السُّمُّ القاتلُ المعروفُ ويثلَّث، الجمع: سُمُوم وسِمَام. انتهى. وهو هنا من إضافةِ المصدرِ لمفعوله (١)، وقولُ الكِرمانيِّ: سم -بالحركات الثَّلاث- تعقَّبه العينيُّ بأنَّه مصدرٌ فلا تكون فيه السين (٢) إلَّا (٣) مفتوحة جزمًا، والحركات الثَّلاث إنَّما تكون في كونهِ اسمًا (رَوَاهُ) أي: سَمُّ النَّبيِّ (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وصله البزَّار وغيره، وساقه المؤلِّف معلَّقًا أيضًا في «الوفاة النَّبويَّة» بلفظ قال عروةُ: قالت عائشة: كان النَّبيُّ يقول في مرضهِ الَّذي مات فيه: «يا عائشة (٤) ما أزالُ أجدُ ألم الطَّعام الَّذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوانُ انقطاعِ أبهرِي من ذلك السُّمِّ» [خ¦٤٤٢٨].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٧٧٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا عَدْوَى) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الأول: قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (وَحَمْزَةُ) هُوَ أَخُو سَالِمٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) قَالَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي تَصْرِيحِ الزُّهْرِيِّ بِالْإِخْبَارِ فِيهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ انْقِطَاعِهِ بِسَبَبِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَسَالِمٍ رَجُلًا، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ ابْنِ قُنْفُذٍ، وَيُحْمَلُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ سَالِمٍ.

قَوْلُهُ: (لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ. الْحَدِيثَ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الشُّؤْمِ فِي ثَلَاثٍ؛ فِي النِّكَاحِ، وَجَمْعُ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْمُرَادِ بِالشُّؤْمِ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِلَّا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ بِدُونِهَا. فَكَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالزِّيَادَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا عَدْوَى) قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُورِدُوا الْمُمْرِضَ عَلَى الْمُصِحِّ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا عَدْوَى، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ) فَذَكَرَ الْقِصَّةَ الْمَاضِيَةَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِالْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَلَفْظُهُ: لَا عَدْوَى، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ، قَالَهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَوْرَدَ أَيْضًا رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ بِالْقِصَّةِ، وَأَحَالَ بِسِيَاقِهِ عَلَى رِوَايَةِ يُونُسَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهَا كُلَّهَا مَوْصُولَةٌ. وَسِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ، وَاسْمُ أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَلَهُ آخَرُ عَنْ جَابِرٍ قَرَنَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ بِلَفْظِ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، وَفِيهِ تَفْسِيرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

٥٥ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي سُمِّ النَّبِيِّ

رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ

٥٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ الْيَهُودِ، فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صادقوني عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا

الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ، فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ. فَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صادقوني عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ أَنْتُمْ صادقوني عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ،

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي سُمِّ النَّبِيِّ ) الْإِضَافَةُ فِيهِ إِلَى الْمَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا عَلَّقَهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي، فَقَالَ: قَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَهُوَ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ: أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ، أَيِ الْأَلَمَ النَّاشِئَ عَنْ ذَلِكَ الْأَكْلِ، لَا أَنَّ الطَّعَامَ نَفْسَهُ بَقِيَ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ بِخَيْبَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَفِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (أُهْدِيَتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتِ الشَّاةَ الْمَذْكُورَةَ امْرَأَةٌ، وَقَدَّمْتُ فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلَامِ بْنِ مِشْكَمٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ. وَأَوْرَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا أَكْثَرَتِ السُّمَّ فِي الْكَتِفِ وَالذِّرَاعِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحَبَّ أَعْضَاءِ الشَّاةِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ: فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْكَتِفَ فَنَهَشَ مِنْهَا، وَفِيهِ: فَلَمَّا ازْدَرَدَ لَقُمْتَهُ قَالَ: إِنَّ الشَّاةَ تُخْبِرُنِي، يَعْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ هَلْ قَتَلَهَا النَّبِيُّ أَوْ تَرَكَهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ: فَقِيلَ: أَلَا تَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ. وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَتَلَهَا.

قَوْلُهُ: (اجْمَعُوا لِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْمَأْمُورِ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقُونِي عَنْهُ)؟ كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: صَادِقِيِّ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِغَيْرِ نُونٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ: صَادِقُونِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّةٍ سَبَقَ الْأَوَّلُ بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمُ؟ انْتَهَى. وَإِنْكَارُهُ الرِّوَايَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ وَجَّهَهَا غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ تَصْحَبَ نُونُ الْوِقَايَةِ اسْمَ الْفَاعِلِ وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ وَالْأَسْمَاءَ الْمُعْرَبَةَ الْمُضَافَةَ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لِتَقِيَهَا خَفَاءَ الْإِعْرَابِ، فَلَمَّا مَنَعَتْ ذَلِكَ كَانَتْ كَأَصْلٍ مَتْرُوكٍ، فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْفِعْلِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيَرْتَدَّ خَائِبًا … فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلَا

وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَخْوَفُ مُخَوِّفَاتِي عَلَيْكُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ إِلَى الْيَاءِ وَأُقِيمَتْ هِيَ مَقَامَهُ، فَاتَّصَلَ: أَخْوَفُ بِهَا مَقْرُونَةً بِالنُّونِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ شَبِيهٌ بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ النُّونَ الْبَاقِيَةَ هِيَ نُونُ الْوِقَايَةِ، وَنُونُ الْجَمْعِ حُذِفَتْ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِلَفْظِ: صَادِقِيَّ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ النُّونَ الْبَاقِيَةَ هِيَ نُونُ الْجَمْعِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النُّحَاةِ أَجَازَ فِي الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ أَنْ يُعْرَبَ بِالْحَرَكَاتِ عَلَى النُّونِ مَعَ الْوَاوِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ فِي مَحَلِّ نَصْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْعُولَ اسْمِ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ ضَمِيرًا بَارِزًا مُتَّصِلًا بِهِ كَانَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَتَكُونُ النُّونُ عَلَى هَذَا أَيْضًا نُونَ الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. فَقَالُوا صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَهُوَ مِنَ الْبِرِّ

قَوْلُهُ: (نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تُخْلُفُونَنَا فِيهَا) بِضَمِّ اللَّامِ مُخَفَّفًا أَيْ تَدْخُلُونَ فَتُقِيمُونَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ. وَضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: خَاصَمَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فَقَالُوا: لَنْ نَدْخُلَ النَّارَ إِلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ; وَسَيَخْلُفُنَا إِلَيْهَا قَوْمٌ آخَرُونَ - يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ عَلَى رُءُوسِهِمْ: بَلْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ لَا يَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الْآيَةَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا فِي النَّارِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فَنَزَلَتْ وَهَذَا سَنَدٌ حَسَنٌ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: اجْتَمَعَتْ يَهُودٌ تُخَاصِمُ النَّبِيَّ فَقَالُوا: لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فَقَالَ النَّبِيُّ : كَذَبْتُمْ، بَلْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ، لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. فَنَزَلَ الْقُرْآنُ تَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، حَدَّثَنِي أَبِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِيَهُودٍ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ مَنْ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْنَا غَضْبَةً فَنَمْكُثُ فِي النَّارِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَخْرُجُ فَتَخْلُفُونَنَا فِيهَا. فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ تَصْدِيقًا لَهُ وَهَذَانِ خَبَرَانِ مُرْسَلَانِ يقوى أَحَدُهُمَا على الْآخَرَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُمَا تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَيَّامًا يَسِيرَةً وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ حِكْمَةَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ - أَنَّهَا الْمُدَّةُ الَّتِي عَبَدُوا فِيهَا الْعِجْلَ.

قَوْلُهُ: (اخْسَئُوا فِيهَا) هُوَ زَجْرٌ لَهُمْ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ، أَوْ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) أَيْ لَا تَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا نُقِيمُ بَعْدَكُمْ فِيهَا، لِأَنَّ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يَخْلُفُ غَيْرُهُ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: (أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) يَعْنِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ مِنَ السُّمِّ الْمَذْكُورِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فَقَالَتْ أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكَ عَلَى ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَسَيُطْلِعُكَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَأُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مَوْصُولًا عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَنَّهَا قَالَتْ: قَتَلْتُ أَبِي وَزَوْجِي وَعَمِّي وَأَخِي وَنِلْتُ مِنْ قَوْمِي مَا نِلْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبِرُهُ الذِّرَاعُ، وَإِنْ كَانَ مَلَكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ عَنِ الْغَيْبِ، وَتَكْلِيمِ الْجَمَادِ لَهُ، وَمُعَانِدَةُ الْيَهُودِ لِاعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اسْمِ أَبِيهِمْ وَبِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ دَسِيسَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأوَّل؟» «إنَّ الله خلقَ كلَّ نفسٍ وكتب حالها ومُصابها ورزقها … » الحديث. فأخبر أنَّ ذلك كلَّه بقضاء الله وقدره، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ الاية [الحديد: ٢٢] وأمَّا النَّهي عن إيراد الممرضِ فمن باب اجتناب الأسباب الَّتي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمورٌ باتِّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، وفي حديثٍ مرسل عند أبي داود (١): أنَّ النَّبيَّ مرَّ بحائطٍ مائلٍ فقال: «أخافُ موتَ الفَوات».

٥٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا عَدْوَى) نهيٌ لما (٢) يعتقده أهلُ الجاهلية من أنَّ هذه الأمراض تُعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك (وَلَا طِيَرَةَ) وهي من أعمال أهل الشِّرك والكفر، فقد حكاهُ الله تعالى عن قوم فرعون، وقوم صالح، وأصحاب القرية الَّتي جاءها المرسلون، وورد: «مَن ردَّته الطِّيرة عن أمرٍ يريدُه فقد قارفَ الشِّرك» وفي حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا «الطِّيرة من الشِّرك وما منَّا إلَّا من تطيَّر (٣) ولكنَّ الله يذهبُه بالتَّوكل» والمشروعُ اجتناب ما ظهرَ منها واتِّقاؤه بقدر ما وردتْ به الشَّريعة كاتِّقاء المجذوم، وأمَّا ما خفيَ منها فلا يشرعُ اتِّقاؤه واجتنابه، فإنَّه من الطِّيرة المنهيِّ عنها. وفي حديثٍ مرسل عند أبي داود أنَّ النَّبيَّ قال: «ليسَ عبد إلا سيدخل (٤) قلبَه طِيرة، فإذا أحسَّ بذلك فليقلْ: أنا عبدُ الله، ما شاءَ الله، لا قوَّة إلَّا

بالله، لا يأتي بالحسناتِ إلَّا الله، ولا يذهبُ بالسَّيئات إلَّا الله، أشهدُ أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير ثمَّ يمضي لوجههِ».

(وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ) بهمزةٍ ساكنة كاللَّاحقة (قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ) يا رسول الله؟ (قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) يسمعُها أحدُكم إذا خرجَ لحاجته كـ «يا نَجيح» وما أشبه ذلك.

وهذا الحديث قد سبق قريبًا في «باب الفأل» [خ¦٥٧٥٦].

(٥٥) (باب مَا يُذْكَرُ فِي سَمِّ النَّبِيِّ ) قال في «القاموس»: السُّمُّ القاتلُ المعروفُ ويثلَّث، الجمع: سُمُوم وسِمَام. انتهى. وهو هنا من إضافةِ المصدرِ لمفعوله (١)، وقولُ الكِرمانيِّ: سم -بالحركات الثَّلاث- تعقَّبه العينيُّ بأنَّه مصدرٌ فلا تكون فيه السين (٢) إلَّا (٣) مفتوحة جزمًا، والحركات الثَّلاث إنَّما تكون في كونهِ اسمًا (رَوَاهُ) أي: سَمُّ النَّبيِّ (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وصله البزَّار وغيره، وساقه المؤلِّف معلَّقًا أيضًا في «الوفاة النَّبويَّة» بلفظ قال عروةُ: قالت عائشة: كان النَّبيُّ يقول في مرضهِ الَّذي مات فيه: «يا عائشة (٤) ما أزالُ أجدُ ألم الطَّعام الَّذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوانُ انقطاعِ أبهرِي من ذلك السُّمِّ» [خ¦٤٤٢٨].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر