الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٨٤٧
الحديث رقم ٥٨٤٧ من كتاب «كتاب اللباس» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الثوب المزعفر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ
٥٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَاغْسِلْ عَنْكَ هَذَا.
٣٤ - بَاب الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ
٥٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ.
قَوْلُهُ (بَابُ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ) ذكر فيه حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ
كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَدْ أُخِذَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالْمُحْرِمِ جَوَازُ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ لِلْحَلَالِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجَازَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ لِبَاسَ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ لِلْحَلَالِ وَقَالُوا: إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ لِلْمُحْرِمِ خَاصَّةً، وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي بَابِ النِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مَصْبُوغَانِ بِالزَّعْفَرَانِ وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَبَغَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ بِزَعْفَرَانٍ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ، وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبِ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَرِدْ فِي الثَّوْبِ الْأَصْفَرِ حَدِيثٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ كَمَا تَرَى، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الصُّفْرَةُ أَبْهَجُ الْأَلْوَانِ إِلَى النَّفْسِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَرَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا.
٣٥ - بَاب الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ
٥٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ (سَمِعَ الْبَرَاءَ) هُوَ ابْنُ عَازِبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَخَالَفَهُم أَشْعَثُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ صَحِيحَانِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَرِيبًا، وَيَأْتِي وَفِيهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ أَيْضًا. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِمِنًى عَلَى بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ: بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَصْفَرِ، فَإِنَّ غَالِبَ مَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ يَكُونُ أَحْمَرَ.
وَقَدْ تَلَخَّصَ لَنَا مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَأَبِي وَائِلٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُفَدَّمِ وَهُوَ بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ الْمُشْبَعُ بِالْعُصْفُرِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى عَلَى الرّجالِ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا جَذَبَهُ وَقَالَ: دَعُوا هَذَا
لِلنِّسَاءِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ الْحُمْرَةُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، وَصَلَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَدِيٍّ، وَمَنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ، وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَدْخَلَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَرَافِعٍ رَجُلًا، فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَبَالَغَ الْجَوْزَقَانِيُّ فَقَالَ إِنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ الْجَوْزَقَانِيِّ الْمَذْكُورِ وَتَرْجَمَهُ بِالْأَبَاطِيلِ وَهُوَ بِخَطِّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أَكْثَرِ كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ فَأَصَابَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَزَّارُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ فَقَالَ: أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ غَلَبَتْكُمْ، قَالَ فَقُمْنَا سِرَاعًا فَنَزَعْنَاهَا حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلنَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ زَيْنَبَ أُمِّ
الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ، إِذْ طَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ غَسَلَتْ ثِيَابَهَا وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، فَجَاءَ فَدَخَلَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشْبَعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَكَأَنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ قَرِيبًا فِي الْمُفَدَّمِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ، وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ، جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحُلَّةَ الْوَارِدَةَ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي لُبْسِهِ ﷺ الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ إِحْدَى حُلَلِ الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ الْبُرْدُ الْأَحْمَرُ، وَبُرُودُ الْيَمَنِ يُصْبَغُ غَزْلُهَا ثُمَّ يُنْسَجُ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْمُعَصْفَرِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ مَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَصْبَاغِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمُتَقَدِّمُ.
الْقَوْلُ السَّابِعُ: تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ؛ وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَحْمَرِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ فَإِنَّ الْحُلَلَ الْيَمَانِيَّةَ غَالِبًا تَكُونُ ذَاتَ خُطُوطٍ حُمْرٍ وَغَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَلْبَسُ ثَوْبًا مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتْبَعُ السُّنَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَالْبُرْدُ لَا يُصْبَغُ أَحْمَرَ صِرْفًا. كَذَا قَالَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ غَالِبَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: الَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ بِكُلِّ لَوْنٍ، إِلَّا أَنِّي لَا أُحِبُّ لُبْسَ مَا كَانَ مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ وَلَا لُبْسَ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا ظَاهِرًا فَوْقَ الثِّيَابِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ مُرَاعَاةَ زِيِّ الزَّمَانِ مِنَ الْمُرُوءَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَفِي مُخَالَفَةِ الزِّيِّ ضَرْبٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُلَخَّصَ مِنْهُ قَوْلٌ ثَامِنٌ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لُبْسُ الْكُفَّارِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ فَيُمْنَعُ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَقْوَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَحَافِلِ وَالْبُيُوتِ.
٣٦ - بَاب الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَاغْسِلْ عَنْكَ هَذَا.
٣٤ - بَاب الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ
٥٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ بِزَعْفَرَانٍ.
قَوْلُهُ (بَابُ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ) ذكر فيه حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ
كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَدْ أُخِذَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالْمُحْرِمِ جَوَازُ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ لِلْحَلَالِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجَازَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ لِبَاسَ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ لِلْحَلَالِ وَقَالُوا: إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ لِلْمُحْرِمِ خَاصَّةً، وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي بَابِ النِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مَصْبُوغَانِ بِالزَّعْفَرَانِ وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَبَغَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ بِزَعْفَرَانٍ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ، وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبِ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَرِدْ فِي الثَّوْبِ الْأَصْفَرِ حَدِيثٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ كَمَا تَرَى، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الصُّفْرَةُ أَبْهَجُ الْأَلْوَانِ إِلَى النَّفْسِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَرَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا.
٣٥ - بَاب الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ
٥٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ (سَمِعَ الْبَرَاءَ) هُوَ ابْنُ عَازِبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَخَالَفَهُم أَشْعَثُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ صَحِيحَانِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَرِيبًا، وَيَأْتِي وَفِيهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ أَيْضًا. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِمِنًى عَلَى بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ: بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَصْفَرِ، فَإِنَّ غَالِبَ مَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ يَكُونُ أَحْمَرَ.
وَقَدْ تَلَخَّصَ لَنَا مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَأَبِي وَائِلٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُفَدَّمِ وَهُوَ بِالْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ الْمُشْبَعُ بِالْعُصْفُرِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى عَلَى الرّجالِ ثَوْبًا مُعَصْفَرًا جَذَبَهُ وَقَالَ: دَعُوا هَذَا
لِلنِّسَاءِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ الْحُمْرَةُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، وَصَلَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَدِيٍّ، وَمَنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ، وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَدْخَلَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَرَافِعٍ رَجُلًا، فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَبَالَغَ الْجَوْزَقَانِيُّ فَقَالَ إِنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ الْجَوْزَقَانِيِّ الْمَذْكُورِ وَتَرْجَمَهُ بِالْأَبَاطِيلِ وَهُوَ بِخَطِّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي أَكْثَرِ كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ فَأَصَابَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَزَّارُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُطُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ فَقَالَ: أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ غَلَبَتْكُمْ، قَالَ فَقُمْنَا سِرَاعًا فَنَزَعْنَاهَا حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلنَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ زَيْنَبَ أُمِّ
الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ، إِذْ طَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ غَسَلَتْ ثِيَابَهَا وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، فَجَاءَ فَدَخَلَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشْبَعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَكَأَنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ قَرِيبًا فِي الْمُفَدَّمِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ، جَاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ، وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ، جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحُلَّةَ الْوَارِدَةَ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي لُبْسِهِ ﷺ الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ إِحْدَى حُلَلِ الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ الْبُرْدُ الْأَحْمَرُ، وَبُرُودُ الْيَمَنِ يُصْبَغُ غَزْلُهَا ثُمَّ يُنْسَجُ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْمُعَصْفَرِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ مَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَصْبَاغِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمُتَقَدِّمُ.
الْقَوْلُ السَّابِعُ: تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ؛ وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَحْمَرِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ فَإِنَّ الْحُلَلَ الْيَمَانِيَّةَ غَالِبًا تَكُونُ ذَاتَ خُطُوطٍ حُمْرٍ وَغَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَلْبَسُ ثَوْبًا مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتْبَعُ السُّنَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَالْبُرْدُ لَا يُصْبَغُ أَحْمَرَ صِرْفًا. كَذَا قَالَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ غَالِبَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: الَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ بِكُلِّ لَوْنٍ، إِلَّا أَنِّي لَا أُحِبُّ لُبْسَ مَا كَانَ مُشْبَعًا بِالْحُمْرَةِ وَلَا لُبْسَ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا ظَاهِرًا فَوْقَ الثِّيَابِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ مُرَاعَاةَ زِيِّ الزَّمَانِ مِنَ الْمُرُوءَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَفِي مُخَالَفَةِ الزِّيِّ ضَرْبٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُلَخَّصَ مِنْهُ قَوْلٌ ثَامِنٌ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لُبْسُ الْكُفَّارِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ فَيُمْنَعُ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَقْوَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَحَافِلِ وَالْبُيُوتِ.
٣٦ - بَاب الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ