الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٥٥
الحديث رقم ٥٩٥٥ من كتاب «كتاب اللباس» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما وطئ من التصاوير.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ كَرِهَ الْقُعُودَ عَلَى الصُّورَةِ
٥٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ، وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.
٥٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ، فَنَزَعْتُهُ.
٥٩٥٦ - وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا وُطِئَ مِنَ التَّصَاوِيرِ) أَيْ هَلْ يُرَخَّصُ فِيهِ؟ وَوُطِئَ بِضَمِّ الْوَاوِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ صَارَ يُدَاسُ عَلَيْهِ وَيُمْتَهَنُ.
قَوْلُهُ: (الْقَاسِمُ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ سَفَرٍ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ عَلَى الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (بِقِرَامٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: هُوَ سِتْرٌ فِيهِ رَقْمٌ وَنَقْشٌ، وَقِيلَ: ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ مُلَوَّنٍ يُفْرَشُ فِي الْهَوْدَجِ أَوْ يُغَطَّى بِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَهْوَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ هِيَ صِفَةٌ مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: الْكُوَّةُ، وَقِيلَ: الرَّفُّ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ يُعَارَضُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ يُوضَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَقِيلَ: أنْ يُبْنَى مِنْ حَائِطِ الْبَيْتِ حَائِطٌ صَغِيرٌ وَيُجْعَلُ السَّقْفُ عَلَى الْجَمِيعِ فَمَا كَانَ وَسَطَ الْبَيْتِ فَهُوَ السَّهْوَةُ وَمَا كَانَ دَاخِلَهُ فَهُوَ الْمِخْدَعُ، وَقِيلَ: دُخْلَةٌ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: بَيْتٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْمِخْدَعَ، وَقِيلَ: بَيْتٌ صَغِيرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الْأَرْضِ وَسُمْكُهُ مُرْتَفِعٌ مِنَ الْأَرْضِ كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ، وَرَجَّحَ هَذَا الْأَخِيرَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى بَابِهَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّهْوَةَ بَيْتٌ صَغِيرٌ عَلَّقَتِ السِّتْرَ عَلَى بَابِهِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ تَمَاثِيلُ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ جَمْعُ تِمْثَالٍ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُصَوَّرُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاخِصًا أَوْ يَكُونَ نَقْشًا أَوْ دِهَانًا أَوْ نَسْجًا فِي ثَوْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ.
قَوْلُهُ: (هَتَكَهُ) أَيْ نَزَعَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ.
قَوْلُهُ: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ) أَيْ يُشَبِّهُونَ مَا يَصْنَعُونَ بِمَا يَصْنَعُهُ اللَّهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنِ: الْقَاسِمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: أَشَدُّ قَبْلُ بِبَابٍ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهَذَا السَّنَدِ، قَالَتْ: فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ فَأَخَذَتْهُ فَجَعَلَتْهُ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ وَالنُّمْرُقَةُ يَأْتِي ضَبْطُهَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فَقَطَعَتْهُ وِسَادَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ: أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ - يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ - يَذْكُرُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ: لَا. قَالَ: لَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ) هُوَ الْخُرَيْبِيُّ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (دُرْنُوكًا) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَلَى بَابِي وَالدُّرْنُوكُ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ كَافٌ وَيُقَالُ فِيهِ دُرْمُوكٌ بِالْمِيمِ بَدَلَ النُّونِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ ثَوْبٌ غَلِيظٌ لَهُ خَمْلٌ إِذَا فُرِشَ فَهُوَ بِسَاطٌ، وَإِذَا عُلِّقَ
فَهُوَ سِتْرٌ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ تَمَاثِيلُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ إِذَا كَانَتْ لَا ظِلَّ لَهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يُوطَأُ وَيُدَاسُ أَوْ يُمْتَهَنُ بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْمَخَادِّ وَالْوَسَائِدِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ مَلْبُوسًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَامٌ. قُلْتُ: وَفِيمَا نَقَلَهُ مُؤَاخَذَاتٌ: مِنْهَا أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ نَقَلَ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا كَانَ لَهَا ظِلٌّ حَرُمَ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُمْتَهَنُ أَو لَا، وَهَذَا الْإِجْمَاعُ مَحَلُّهُ غَيْرِ لُعَبِ الْبَنَاتِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي لَا تُتَّخَذُ لِلْإِبْقَاءِ كَالْفَخَّارِ قَوْلَيْنِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ. قُلْتُ: وَهَلْ يَلْتَحِقُ مَا يُصْنَعُ مِنَ الْحَلْوَى بِالْفَخَّارِ، أَوْ بِلُعَبِ الْبَنَاتِ؟ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ. وَصَحَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي لَا ظِلَّ لَهَا إِذَا بَقِيَتْ عَلَى هَيْئَتِهَا حَرُمَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُمْتَهَنُ أَمْ لَا، وَإِنْ قَطَعَ رَأْسَهَا أَوْ فُرِّقَتْ هَيْئَتُهَا جَازَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَنْقُولٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ النُّمْرُقَةِ - يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ - وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ وَجْهًا أَنَّ الَّذِي يُرَخَّصُ فِيهِ مِمَّا لَا ظِلَّ لَهُ مَا كَانَ عَلَى سِتْرٍ أَوْ وِسَادَةٍ، وَأَمَّا مَا عَلَى الْجِدَارِ وَالسَّقْفِ فَيُمْنَعُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ مُرْتَفِعًا فَيَخْرُجُ عَنْ هَيْئَةِ الِامْتِهَانِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُمْتَهَنَ، وَتُسَاعِدُهُ عِبَارَةُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ صُورَةٌ ذَاتُ رُوحٍ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا ارْتَفَعَ الْمَانِعُ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ لَا فَرْقَ. وَمِنْهَا أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ الصُّورَةِ فِي الثَّوْبِ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى مَا فِي خَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ، لَكِنْ إِنْ سُتِرَ بِهِ الْجِدَارُ مُنِعَ عِنْدَهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْمَمْنُوعَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَأَمَّا مَا لَا ظِلَّ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِاتِّخَاذِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ بِلَا ظِلٍّ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِنَزْعِهِ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ الْمَذْكُورُ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْقَاسِمِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فِي بَيْتِهِ، فَرَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ حَجَلَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ الْقُنْدُسِ وَالْعَنْقَاءِ فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ إِنْكَارَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ تَعْلِيقَ السِّتْرِ الْمَذْكُورِ مُرَكَّبًا مِنْ كَوْنِهِ مُصَوَّرًا وَمِنْ كَوْنِهِ سَاتِرًا لِلْجِدَارِ، يُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ. دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ لَكِنْ قَالَ: فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ. قَالَ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ الْحَدِيثَ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ سَتْرَ الْجِدَارِ بِالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ، فَلَا يُسَاوِيهِ الثَّوْبُ الْمُمْتَهَنُ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي لَا يُسْتَرُ بِهِ الْجِدَارُ. وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ الرُّخْصَةَ فِي مِثْلِ الْحَجَلَةِ مَا اسْتَجَازَ اسْتِعْمَالَهَا ; لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ، لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّصَاوِيرِ فِي الْبُسُطِ وَالْوَسَائِدِ الَّتِي تُوطَأُ ذُلٌّ لَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَرَّقَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْسَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
باب (سَهْوَةٍ لِي (١)) بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو، صفةٌ في جانب البيت، أو كوَّة، أو بيت صغير منحدرٌ في الأرض كالخزانة الصَّغيرة يكون فيها المتاع (فِيهَا) قطعة (تَمَاثِيلُ) أي: تصاوير (فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَتَكَهُ) أي: نزعه (وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ) يشابهون (بِخَلْقِ اللهِ. قَالَتْ) عائشة: (فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ) أي: مخدَّة أو مخدَّتين، وسبق في «المظالم»: «فاتَّخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيتِ نجلسُ عليهما» [خ¦٢٤٧٩] ولمسلمٍ من طريق بُكير ابن الأشجِّ: «فقطعتُه وسادتين، فقال رجلٌ في المجلس يُقال له ربيعةُ بن عطاء: أنا سمعت أبا محمد -يريد القاسم بن محمد- يذكرُ أنَّ عائشة قالت: فكان رسول الله ﷺ يرتفقُ عليهما. قال ابنُ القاسم -يعني: عبد الرَّحمن-: لا، قال: لكنِّي سمعته» (٢).
٥٩٥٥ - ٥٩٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) الجَرْمِيُّ الهمدانيُّ الكوفيُّ ثمَّ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا) بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم النون وبعد الواو كاف، سترًا له خَمْلٌ (فِيهِ تَمَاثِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ) لأنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتًا فيه صورة (فَنَزَعْتُهُ) قال النَّوويُّ: تصوير صورةِ الحيوان حرامٌ شديد التَّحريم، وأمَّا اتِّخاذه فإن كان معلَّقًا على حائطٍ سواء كان له ظلٌّ أم لا، أو ثوبًا (٣) ملبوسًا، أو عمامة، أو نحو ذلك فهو حرامٌ، وأمَّا الوسادة ونحوها ممَّا يمتهنُ فليس بحرامٍ، لكن هل يمنعُ دخول الملائكة أم لا؟ وقد سبقَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ، وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.
٥٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ، فَنَزَعْتُهُ.
٥٩٥٦ - وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا وُطِئَ مِنَ التَّصَاوِيرِ) أَيْ هَلْ يُرَخَّصُ فِيهِ؟ وَوُطِئَ بِضَمِّ الْوَاوِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ صَارَ يُدَاسُ عَلَيْهِ وَيُمْتَهَنُ.
قَوْلُهُ: (الْقَاسِمُ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ سَفَرٍ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ عَلَى الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (بِقِرَامٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: هُوَ سِتْرٌ فِيهِ رَقْمٌ وَنَقْشٌ، وَقِيلَ: ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ مُلَوَّنٍ يُفْرَشُ فِي الْهَوْدَجِ أَوْ يُغَطَّى بِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَهْوَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ هِيَ صِفَةٌ مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: الْكُوَّةُ، وَقِيلَ: الرَّفُّ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ يُعَارَضُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ يُوضَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَقِيلَ: أنْ يُبْنَى مِنْ حَائِطِ الْبَيْتِ حَائِطٌ صَغِيرٌ وَيُجْعَلُ السَّقْفُ عَلَى الْجَمِيعِ فَمَا كَانَ وَسَطَ الْبَيْتِ فَهُوَ السَّهْوَةُ وَمَا كَانَ دَاخِلَهُ فَهُوَ الْمِخْدَعُ، وَقِيلَ: دُخْلَةٌ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: بَيْتٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْمِخْدَعَ، وَقِيلَ: بَيْتٌ صَغِيرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الْأَرْضِ وَسُمْكُهُ مُرْتَفِعٌ مِنَ الْأَرْضِ كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ، وَرَجَّحَ هَذَا الْأَخِيرَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى بَابِهَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّهْوَةَ بَيْتٌ صَغِيرٌ عَلَّقَتِ السِّتْرَ عَلَى بَابِهِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ تَمَاثِيلُ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ جَمْعُ تِمْثَالٍ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُصَوَّرُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاخِصًا أَوْ يَكُونَ نَقْشًا أَوْ دِهَانًا أَوْ نَسْجًا فِي ثَوْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ.
قَوْلُهُ: (هَتَكَهُ) أَيْ نَزَعَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ.
قَوْلُهُ: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ) أَيْ يُشَبِّهُونَ مَا يَصْنَعُونَ بِمَا يَصْنَعُهُ اللَّهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنِ: الْقَاسِمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: أَشَدُّ قَبْلُ بِبَابٍ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهَذَا السَّنَدِ، قَالَتْ: فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ فَأَخَذَتْهُ فَجَعَلَتْهُ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ وَالنُّمْرُقَةُ يَأْتِي ضَبْطُهَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فَقَطَعَتْهُ وِسَادَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ: أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ - يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ - يَذْكُرُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ: لَا. قَالَ: لَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ) هُوَ الْخُرَيْبِيُّ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (دُرْنُوكًا) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَلَى بَابِي وَالدُّرْنُوكُ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ كَافٌ وَيُقَالُ فِيهِ دُرْمُوكٌ بِالْمِيمِ بَدَلَ النُّونِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ ثَوْبٌ غَلِيظٌ لَهُ خَمْلٌ إِذَا فُرِشَ فَهُوَ بِسَاطٌ، وَإِذَا عُلِّقَ
فَهُوَ سِتْرٌ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ تَمَاثِيلُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ إِذَا كَانَتْ لَا ظِلَّ لَهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يُوطَأُ وَيُدَاسُ أَوْ يُمْتَهَنُ بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْمَخَادِّ وَالْوَسَائِدِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ مَلْبُوسًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَامٌ. قُلْتُ: وَفِيمَا نَقَلَهُ مُؤَاخَذَاتٌ: مِنْهَا أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ نَقَلَ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا كَانَ لَهَا ظِلٌّ حَرُمَ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُمْتَهَنُ أَو لَا، وَهَذَا الْإِجْمَاعُ مَحَلُّهُ غَيْرِ لُعَبِ الْبَنَاتِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي لَا تُتَّخَذُ لِلْإِبْقَاءِ كَالْفَخَّارِ قَوْلَيْنِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ. قُلْتُ: وَهَلْ يَلْتَحِقُ مَا يُصْنَعُ مِنَ الْحَلْوَى بِالْفَخَّارِ، أَوْ بِلُعَبِ الْبَنَاتِ؟ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ. وَصَحَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي لَا ظِلَّ لَهَا إِذَا بَقِيَتْ عَلَى هَيْئَتِهَا حَرُمَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُمْتَهَنُ أَمْ لَا، وَإِنْ قَطَعَ رَأْسَهَا أَوْ فُرِّقَتْ هَيْئَتُهَا جَازَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَنْقُولٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ النُّمْرُقَةِ - يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ - وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ وَجْهًا أَنَّ الَّذِي يُرَخَّصُ فِيهِ مِمَّا لَا ظِلَّ لَهُ مَا كَانَ عَلَى سِتْرٍ أَوْ وِسَادَةٍ، وَأَمَّا مَا عَلَى الْجِدَارِ وَالسَّقْفِ فَيُمْنَعُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ مُرْتَفِعًا فَيَخْرُجُ عَنْ هَيْئَةِ الِامْتِهَانِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُمْتَهَنَ، وَتُسَاعِدُهُ عِبَارَةُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ صُورَةٌ ذَاتُ رُوحٍ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا ارْتَفَعَ الْمَانِعُ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ لَا فَرْقَ. وَمِنْهَا أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ الصُّورَةِ فِي الثَّوْبِ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى مَا فِي خَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ، لَكِنْ إِنْ سُتِرَ بِهِ الْجِدَارُ مُنِعَ عِنْدَهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْمَمْنُوعَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَأَمَّا مَا لَا ظِلَّ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِاتِّخَاذِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ بِلَا ظِلٍّ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِنَزْعِهِ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ الْمَذْكُورُ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْقَاسِمِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فِي بَيْتِهِ، فَرَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ حَجَلَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ الْقُنْدُسِ وَالْعَنْقَاءِ فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ إِنْكَارَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ تَعْلِيقَ السِّتْرِ الْمَذْكُورِ مُرَكَّبًا مِنْ كَوْنِهِ مُصَوَّرًا وَمِنْ كَوْنِهِ سَاتِرًا لِلْجِدَارِ، يُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ. دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ لَكِنْ قَالَ: فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ. قَالَ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ الْحَدِيثَ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ سَتْرَ الْجِدَارِ بِالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ، فَلَا يُسَاوِيهِ الثَّوْبُ الْمُمْتَهَنُ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي لَا يُسْتَرُ بِهِ الْجِدَارُ. وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ الرُّخْصَةَ فِي مِثْلِ الْحَجَلَةِ مَا اسْتَجَازَ اسْتِعْمَالَهَا ; لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ، لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّصَاوِيرِ فِي الْبُسُطِ وَالْوَسَائِدِ الَّتِي تُوطَأُ ذُلٌّ لَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَرَّقَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْسَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
باب (سَهْوَةٍ لِي (١)) بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو، صفةٌ في جانب البيت، أو كوَّة، أو بيت صغير منحدرٌ في الأرض كالخزانة الصَّغيرة يكون فيها المتاع (فِيهَا) قطعة (تَمَاثِيلُ) أي: تصاوير (فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَتَكَهُ) أي: نزعه (وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ) يشابهون (بِخَلْقِ اللهِ. قَالَتْ) عائشة: (فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ) أي: مخدَّة أو مخدَّتين، وسبق في «المظالم»: «فاتَّخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيتِ نجلسُ عليهما» [خ¦٢٤٧٩] ولمسلمٍ من طريق بُكير ابن الأشجِّ: «فقطعتُه وسادتين، فقال رجلٌ في المجلس يُقال له ربيعةُ بن عطاء: أنا سمعت أبا محمد -يريد القاسم بن محمد- يذكرُ أنَّ عائشة قالت: فكان رسول الله ﷺ يرتفقُ عليهما. قال ابنُ القاسم -يعني: عبد الرَّحمن-: لا، قال: لكنِّي سمعته» (٢).
٥٩٥٥ - ٥٩٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) الجَرْمِيُّ الهمدانيُّ الكوفيُّ ثمَّ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا) بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم النون وبعد الواو كاف، سترًا له خَمْلٌ (فِيهِ تَمَاثِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ) لأنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتًا فيه صورة (فَنَزَعْتُهُ) قال النَّوويُّ: تصوير صورةِ الحيوان حرامٌ شديد التَّحريم، وأمَّا اتِّخاذه فإن كان معلَّقًا على حائطٍ سواء كان له ظلٌّ أم لا، أو ثوبًا (٣) ملبوسًا، أو عمامة، أو نحو ذلك فهو حرامٌ، وأمَّا الوسادة ونحوها ممَّا يمتهنُ فليس بحرامٍ، لكن هل يمنعُ دخول الملائكة أم لا؟ وقد سبقَ