الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٠٠
الحديث رقم ٦٠٠٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب جعل الله الرحمة مائة جزء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَتْلِ الْوَلَدِ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ
٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ أَتَظُنُّونَ؟
قَوْلُهُ: (قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أَيْ لَا تَطْرَحُهُ طَائِعَةً أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَلَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ لَامُ تَأْكِيدٍ، وَصَرَّحَ بِالْقَسَمِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِعِبَادِهِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادِ هُنَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَصَبِيٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوطَأَ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِي ابْنَهَا فِي النَّارِ، فَقَالَ: وَلَا اللَّهِ بِطَارِحٍ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ فَالتَّعْبِيرُ بِحَبِيبِهِ يُخْرِجُ الْكَافِرَ. وَكَذَا مَنْ شَاءَ إِدْخَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَفْظُ الْعَبادِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَهِيَ عَامَّةٌ مِنْ جِهَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَخَاصَّةٌ بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ لِمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِنْ أَيِّ الْعِبَادِ كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْعَلَ تَعَلُّقَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحْمَةً مَا حَتَّى يُقْصَدَ لِأَجْلِهَا فَاللَّهُ ﷾ أَرْحَمُ مِنْهُ، فَلْيَقْصِدِ الْعَاقِلُ لِحَاجَتِهِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ لَهُ رَحْمَةً، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمَسْبِيَّاتِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي إِذْنَهُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا.
وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ لِمَا لَا يُدْرَكُ بِهَا لِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ لَا يُحَاطُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَرَّبَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّامِعِينَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ الْمَرْأَةَ عَنْ إِرْضَاعِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ أَرْضَعَتْهُمْ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكْبُرَ بَعْضُهُمْ فَيَتَزَوَّجُ بَعْضَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْإِرْضَاعِ نَاجِزَةً، وَمَا يُخْشَى مِنَ الْمَحْرَمِيَّةِ مُتَوَهَّمٌ اغْتُفِرَ. قُلْتُ: وَلَفْظُ الصَّبِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فِي الْخَبَرِ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانَ بِهِمْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْإِرْضَاعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَا تَرَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ تُرْضِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَقْوَى فَلِأَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى إِرْضَاعِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَبَيَّنَ الضَّرُورَةَ اهـ. مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
١٩ - بَاب جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةَ جُزْءٍ
٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.
[الحديث ٦٠٠٠ - طرفه في: ٦٤٦٩]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) هَكَذَا تُرْجِمَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (الْبَهْرَانِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ
يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى بَهْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، نَزَلَ أَكْثَرُهُمْ حِمْصَ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ كَانَ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِ الظَّرْفِ فَلَعَلَّ فِي زَائِدَةٌ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَفِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ إِذْ جَعَلَهَا مَظْرُوفًا لَهَا مَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷾ لَمَّا مَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ جَعَلَهَا فِي مِائَةِ وِعَاءٍ فَأَهْبَطَ مِنْهَا وَاحِدًا لِلْأَرْضِ. قُلْتُ: خَلَتْ أَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنِ الظرف كَرِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَلَقَ اخْتَرَعَ وَأَوْجَدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، وَقَدْ وَرَدَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَهُ لِذَلِكَ يَوْمَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: كُلُّ رَحْمَةٍ تَسَعُ طِبَاقَ الْأَرْضِ الْمُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّكْثِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّعْظِيمُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَأَخَّرَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّحْمَةَ يُرَادُ بِهَا مُتَعَلِّقُ الْإِرَادَةِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّعَمِ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ فَبهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِيهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الْفَرَسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانِ الْمَأْلُوفِ الَّذِي يُعَايِنُ الْمُخَاطَبُونَ حَرَكَتَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَلِمَا فِي الْفَرَسِ مِنَ الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ فِي التَّنَقُّلِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَتَجَنَّبُ أَنْ يَصِلَ الضَّرَرُ مِنْهَا إِلَى وَالَدِهَا.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْيمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مِائَةً وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْخَلْقِ تَكُونُ فِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسِهِمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ التَّبَعَاتِ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ فِيهِمْ فَيَرْحَمَهُمْ بِهَا سِوَى رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمُهُمْ بِهَا زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَةِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لَهُمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمُ الرَّحْمَةَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ رَحْمَتَانِ، رَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ وَهِيَ لَا تَتَعَدَّدُ، وَرَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هُنَا. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ بَلِ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَن يُكْمِلُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةً بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ أَنْوَاعَ النِّعَمِ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ مِائَةُ نَوْعٍ، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ انْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحُهُمْ وَحَصَلَتْ بِهِ مَرَافِقُهُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَّلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَكُلُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَإِنَّ رَحِيمًا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أَتُرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ. قُلْنَا: لَا) تطرحهُ (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أي: لا تطرحهُ مكرهة أبدًا (فَقَالَ) ﷺ: (لَلَّهُ) بفتح اللَّام للتَّأكيد، وللإسماعيليِّ: «واللهِ لَلَّه» (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) المؤمنين (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) هذا وحكى الشَّيخ ابنُ أبي جمرة احتمال تعميمهِ حتَّى في الحيوانات.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزءٍ».
٦٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «أبو اليمان الحكم» (بْنُ نَافِعٍ البَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قُضاعة ينتهي نسبُهم إلى بهر بنِ عَمرو بن الحَافِ بن قُضَاعة، وهذه اللَّفظة ثابتة في رواية أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشدَّدة، ابن حَزْنٍ الإمام، أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) وفي حديث سلمان -عند مسلم-: «إنَّ الله خلقَ مئةَ رحمةٍ يومَ خلقَ السَّموات والأرضَ كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماء والأرض … » الحديث. وخلق، أي: اخترع وأوجد، والمراد بقوله: «كلُّ رحمةٍ طباق … » إلى آخره التَّعظيم والتَّكثير، ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزء» بزيادة: «في». قال في «الكواكب»: هي ظرفيَّة يتمُّ المعنى بدونها، أو متعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوعُ مبالغةٍ حيث جعلها مظروفًا لها؛ يعني بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ، ورحمةُ الله غيرُ متناهيةٍ لا مئة ولا مئتان، لكنَّها عبارة عن القدرةِ المتعلِّقة بإيصالِ
الخير، والقدرةُ صفةٌ واحدة، والتَّعلُّق غير متناهٍ، فحصره في مئة على سبيل التَّمثيل تسهيلًا للفَهم، وتقليلًا لِمَا عندنا، وتكثيرًا لِمَا عنده ﷾، وهل المراد بالمئة التَّكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتملُ أن تكون (١) مناسبةً لعَدَدِ دَرَجِ الجنَّة، والجنَّة هي محلُّ الرَّحمة فكانت كلُّ رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلَّا برحمةِ الله، فمن نالته منها رحمةٌ واحدةٌ كان أدنى (٢) أهل الجنَّةِ منزلةً، وأعلاهم من حصلتْ له جميعُ الأنواع من الرَّحمة (فَأَمْسَكَ) تعالى (عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) ولمسلمٍ من رواية عطاء، عن أبي هريرة: «وأخَّر عندهُ تسعةً وتسعين رحمةً» (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) القياس وأنزلَ إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ، أو فيه تضمين فعل، والغرضُ منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدةً منتشرةً في جميع الأرض، وفي رواية عطاء: «أنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنَّ والإنسِ والبهائم» (فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ (٣) الخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة (حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظِّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) أي: خشيةَ الإصابة، وفي رواية عطاء: «فيها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحشُ على ولدِهِ»، وفي حديث سلمان: «فبها (٤) تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطَّير بعضها على بعضٍ»، وزاد أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مئة رحمة بالرَّحمة الَّتي في الدُّنيا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
(٢٠) (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ) أي: قتل الرَّجل ولده (خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «أيُّ الذَّنب أعظم».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ أَتَظُنُّونَ؟
قَوْلُهُ: (قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أَيْ لَا تَطْرَحُهُ طَائِعَةً أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَلَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ لَامُ تَأْكِيدٍ، وَصَرَّحَ بِالْقَسَمِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِعِبَادِهِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادِ هُنَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَصَبِيٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوطَأَ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِي ابْنَهَا فِي النَّارِ، فَقَالَ: وَلَا اللَّهِ بِطَارِحٍ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ فَالتَّعْبِيرُ بِحَبِيبِهِ يُخْرِجُ الْكَافِرَ. وَكَذَا مَنْ شَاءَ إِدْخَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَفْظُ الْعَبادِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَهِيَ عَامَّةٌ مِنْ جِهَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَخَاصَّةٌ بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ لِمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِنْ أَيِّ الْعِبَادِ كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْعَلَ تَعَلُّقَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحْمَةً مَا حَتَّى يُقْصَدَ لِأَجْلِهَا فَاللَّهُ ﷾ أَرْحَمُ مِنْهُ، فَلْيَقْصِدِ الْعَاقِلُ لِحَاجَتِهِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ لَهُ رَحْمَةً، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمَسْبِيَّاتِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي إِذْنَهُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا.
وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ لِمَا لَا يُدْرَكُ بِهَا لِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ لَا يُحَاطُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَرَّبَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّامِعِينَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ الْمَرْأَةَ عَنْ إِرْضَاعِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ أَرْضَعَتْهُمْ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكْبُرَ بَعْضُهُمْ فَيَتَزَوَّجُ بَعْضَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْإِرْضَاعِ نَاجِزَةً، وَمَا يُخْشَى مِنَ الْمَحْرَمِيَّةِ مُتَوَهَّمٌ اغْتُفِرَ. قُلْتُ: وَلَفْظُ الصَّبِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فِي الْخَبَرِ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانَ بِهِمْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْإِرْضَاعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَا تَرَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ تُرْضِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَقْوَى فَلِأَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى إِرْضَاعِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَبَيَّنَ الضَّرُورَةَ اهـ. مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
١٩ - بَاب جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةَ جُزْءٍ
٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.
[الحديث ٦٠٠٠ - طرفه في: ٦٤٦٩]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) هَكَذَا تُرْجِمَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (الْبَهْرَانِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ
يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى بَهْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، نَزَلَ أَكْثَرُهُمْ حِمْصَ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ كَانَ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِ الظَّرْفِ فَلَعَلَّ فِي زَائِدَةٌ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَفِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ إِذْ جَعَلَهَا مَظْرُوفًا لَهَا مَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷾ لَمَّا مَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ جَعَلَهَا فِي مِائَةِ وِعَاءٍ فَأَهْبَطَ مِنْهَا وَاحِدًا لِلْأَرْضِ. قُلْتُ: خَلَتْ أَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنِ الظرف كَرِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَلَقَ اخْتَرَعَ وَأَوْجَدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، وَقَدْ وَرَدَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَهُ لِذَلِكَ يَوْمَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: كُلُّ رَحْمَةٍ تَسَعُ طِبَاقَ الْأَرْضِ الْمُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّكْثِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّعْظِيمُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَأَخَّرَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّحْمَةَ يُرَادُ بِهَا مُتَعَلِّقُ الْإِرَادَةِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّعَمِ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ فَبهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِيهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الْفَرَسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانِ الْمَأْلُوفِ الَّذِي يُعَايِنُ الْمُخَاطَبُونَ حَرَكَتَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَلِمَا فِي الْفَرَسِ مِنَ الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ فِي التَّنَقُّلِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَتَجَنَّبُ أَنْ يَصِلَ الضَّرَرُ مِنْهَا إِلَى وَالَدِهَا.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْيمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مِائَةً وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْخَلْقِ تَكُونُ فِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسِهِمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ التَّبَعَاتِ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ فِيهِمْ فَيَرْحَمَهُمْ بِهَا سِوَى رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمُهُمْ بِهَا زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَةِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لَهُمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمُ الرَّحْمَةَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ رَحْمَتَانِ، رَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ وَهِيَ لَا تَتَعَدَّدُ، وَرَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هُنَا. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ بَلِ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَن يُكْمِلُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةً بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ أَنْوَاعَ النِّعَمِ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ مِائَةُ نَوْعٍ، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ انْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحُهُمْ وَحَصَلَتْ بِهِ مَرَافِقُهُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَّلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَكُلُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَإِنَّ رَحِيمًا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أَتُرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ. قُلْنَا: لَا) تطرحهُ (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أي: لا تطرحهُ مكرهة أبدًا (فَقَالَ) ﷺ: (لَلَّهُ) بفتح اللَّام للتَّأكيد، وللإسماعيليِّ: «واللهِ لَلَّه» (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) المؤمنين (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) هذا وحكى الشَّيخ ابنُ أبي جمرة احتمال تعميمهِ حتَّى في الحيوانات.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزءٍ».
٦٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «أبو اليمان الحكم» (بْنُ نَافِعٍ البَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قُضاعة ينتهي نسبُهم إلى بهر بنِ عَمرو بن الحَافِ بن قُضَاعة، وهذه اللَّفظة ثابتة في رواية أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشدَّدة، ابن حَزْنٍ الإمام، أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) وفي حديث سلمان -عند مسلم-: «إنَّ الله خلقَ مئةَ رحمةٍ يومَ خلقَ السَّموات والأرضَ كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماء والأرض … » الحديث. وخلق، أي: اخترع وأوجد، والمراد بقوله: «كلُّ رحمةٍ طباق … » إلى آخره التَّعظيم والتَّكثير، ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزء» بزيادة: «في». قال في «الكواكب»: هي ظرفيَّة يتمُّ المعنى بدونها، أو متعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوعُ مبالغةٍ حيث جعلها مظروفًا لها؛ يعني بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ، ورحمةُ الله غيرُ متناهيةٍ لا مئة ولا مئتان، لكنَّها عبارة عن القدرةِ المتعلِّقة بإيصالِ
الخير، والقدرةُ صفةٌ واحدة، والتَّعلُّق غير متناهٍ، فحصره في مئة على سبيل التَّمثيل تسهيلًا للفَهم، وتقليلًا لِمَا عندنا، وتكثيرًا لِمَا عنده ﷾، وهل المراد بالمئة التَّكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتملُ أن تكون (١) مناسبةً لعَدَدِ دَرَجِ الجنَّة، والجنَّة هي محلُّ الرَّحمة فكانت كلُّ رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلَّا برحمةِ الله، فمن نالته منها رحمةٌ واحدةٌ كان أدنى (٢) أهل الجنَّةِ منزلةً، وأعلاهم من حصلتْ له جميعُ الأنواع من الرَّحمة (فَأَمْسَكَ) تعالى (عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) ولمسلمٍ من رواية عطاء، عن أبي هريرة: «وأخَّر عندهُ تسعةً وتسعين رحمةً» (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) القياس وأنزلَ إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ، أو فيه تضمين فعل، والغرضُ منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدةً منتشرةً في جميع الأرض، وفي رواية عطاء: «أنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنَّ والإنسِ والبهائم» (فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ (٣) الخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة (حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظِّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) أي: خشيةَ الإصابة، وفي رواية عطاء: «فيها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحشُ على ولدِهِ»، وفي حديث سلمان: «فبها (٤) تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطَّير بعضها على بعضٍ»، وزاد أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مئة رحمة بالرَّحمة الَّتي في الدُّنيا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
(٢٠) (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ) أي: قتل الرَّجل ولده (خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «أيُّ الذَّنب أعظم».