«جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٠٠

الحديث رقم ٦٠٠٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب جعل الله الرحمة مائة جزء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة…

«جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.»

سند حديث: ٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ…

٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة…

جعل الله -تبارك وتعالى- الرحمة مائة جزء، فأنزل رحمة في الدنيا وأمسك تسعة وتسعين ليوم القيامة، فمن هذه الرحمة الواحدة يتراحم الخلائق جميعهم من الإنس والجن والبهائم والهوام؛ حتى إن الفرس المعروفة بالخفة والتنقل تتجنب أن يصل الضرر إلى ولدها، فترفع حافرها مخافة أن تصيبه، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله -تبارك وتعالى- تسعة وتسعين رحمة ليرحم بها عباده يوم القيامة.
الحديث الثاني:
إن الله -تبارك وتعالى- يوم خلق السموات والأرض خلق مائة رحمة، كل رحمة تملأ ما بين السماء والأرض، فجعل في الدنيا واحدة، تعطف بها الوالدة على ولدها، ويتعاطف بها الحيوانات والطير بعضها على بعض، ثم في يوم القيامة يكملها الله رب العالمين بالتسعة والتسعين، فإذا كان ما يحصل للإنسان من عظيم نعم الله عز وجل عليه في هذه الدار المبنية على الأكدار بسبب رحمة واحدة، فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة دار القرار والجزاء.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده هي من خلقه، والخير الذي أنزله لهم هو من فضله، وكل هذا جزء مما ادخره الله لعباده المؤمنين يوم القيامة.
  • عظم الرجاء والبشارة للمؤمنين، فإذا كان يحصل لهم برحمة واحدة خلقها لهم في هذه الدنيا كل هذا التعاطف بينهم، وكل هذا الخير لهم، فكيف بمائة رحمة يوم القيامة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ أَتَظُنُّونَ؟

قَوْلُهُ: (قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أَيْ لَا تَطْرَحُهُ طَائِعَةً أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (لَلَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ لَامُ تَأْكِيدٍ، وَصَرَّحَ بِالْقَسَمِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (بِعِبَادِهِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادِ هُنَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَصَبِيٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوطَأَ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِي ابْنَهَا فِي النَّارِ، فَقَالَ: وَلَا اللَّهِ بِطَارِحٍ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ فَالتَّعْبِيرُ بِحَبِيبِهِ يُخْرِجُ الْكَافِرَ. وَكَذَا مَنْ شَاءَ إِدْخَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَفْظُ الْعَبادِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَهِيَ عَامَّةٌ مِنْ جِهَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَخَاصَّةٌ بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ لِمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِنْ أَيِّ الْعِبَادِ كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْعَلَ تَعَلُّقَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحْمَةً مَا حَتَّى يُقْصَدَ لِأَجْلِهَا فَاللَّهُ أَرْحَمُ مِنْهُ، فَلْيَقْصِدِ الْعَاقِلُ لِحَاجَتِهِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ لَهُ رَحْمَةً، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمَسْبِيَّاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي إِذْنَهُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا.

وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ لِمَا لَا يُدْرَكُ بِهَا لِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ لَا يُحَاطُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَرَّبَهَا النَّبِيُّ لِلسَّامِعِينَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ الْمَرْأَةَ عَنْ إِرْضَاعِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ أَرْضَعَتْهُمْ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكْبُرَ بَعْضُهُمْ فَيَتَزَوَّجُ بَعْضَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْإِرْضَاعِ نَاجِزَةً، وَمَا يُخْشَى مِنَ الْمَحْرَمِيَّةِ مُتَوَهَّمٌ اغْتُفِرَ. قُلْتُ: وَلَفْظُ الصَّبِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فِي الْخَبَرِ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانَ بِهِمْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْإِرْضَاعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَا تَرَكَهَا النَّبِيُّ تُرْضِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَقْوَى فَلِأَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى إِرْضَاعِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَبَيَّنَ الضَّرُورَةَ اهـ. مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

١٩ - بَاب جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةَ جُزْءٍ

٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.

[الحديث ٦٠٠٠ - طرفه في: ٦٤٦٩]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) هَكَذَا تُرْجِمَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (الْبَهْرَانِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ

يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى بَهْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، نَزَلَ أَكْثَرُهُمْ حِمْصَ فِي الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ كَانَ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِ الظَّرْفِ فَلَعَلَّ فِي زَائِدَةٌ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَفِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ إِذْ جَعَلَهَا مَظْرُوفًا لَهَا مَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا مَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ جَعَلَهَا فِي مِائَةِ وِعَاءٍ فَأَهْبَطَ مِنْهَا وَاحِدًا لِلْأَرْضِ. قُلْتُ: خَلَتْ أَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنِ الظرف كَرِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَلَقَ اخْتَرَعَ وَأَوْجَدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، وَقَدْ وَرَدَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَهُ لِذَلِكَ يَوْمَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: كُلُّ رَحْمَةٍ تَسَعُ طِبَاقَ الْأَرْضِ الْمُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّكْثِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّعْظِيمُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَأَخَّرَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً.

قَوْلُهُ: (وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّحْمَةَ يُرَادُ بِهَا مُتَعَلِّقُ الْإِرَادَةِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّعَمِ.

قَوْلُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ فَبهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِيهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الْفَرَسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانِ الْمَأْلُوفِ الَّذِي يُعَايِنُ الْمُخَاطَبُونَ حَرَكَتَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَلِمَا فِي الْفَرَسِ مِنَ الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ فِي التَّنَقُّلِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَتَجَنَّبُ أَنْ يَصِلَ الضَّرَرُ مِنْهَا إِلَى وَالَدِهَا.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْيمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مِائَةً وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْخَلْقِ تَكُونُ فِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسِهِمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ التَّبَعَاتِ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ فِيهِمْ فَيَرْحَمَهُمْ بِهَا سِوَى رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمُهُمْ بِهَا زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَةِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لَهُمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمُ الرَّحْمَةَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ رَحْمَتَانِ، رَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ وَهِيَ لَا تَتَعَدَّدُ، وَرَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هُنَا. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ بَلِ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَن يُكْمِلُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةً بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ أَنْوَاعَ النِّعَمِ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ مِائَةُ نَوْعٍ، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ انْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحُهُمْ وَحَصَلَتْ بِهِ مَرَافِقُهُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَّلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَكُلُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَإِنَّ رَحِيمًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَتُرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ. قُلْنَا: لَا) تطرحهُ (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أي: لا تطرحهُ مكرهة أبدًا (فَقَالَ) : (لَلَّهُ) بفتح اللَّام للتَّأكيد، وللإسماعيليِّ: «واللهِ لَلَّه» (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) المؤمنين (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) هذا وحكى الشَّيخ ابنُ أبي جمرة احتمال تعميمهِ حتَّى في الحيوانات.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزءٍ».

٦٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «أبو اليمان الحكم» (بْنُ نَافِعٍ البَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قُضاعة ينتهي نسبُهم إلى بهر بنِ عَمرو بن الحَافِ بن قُضَاعة، وهذه اللَّفظة ثابتة في رواية أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشدَّدة، ابن حَزْنٍ الإمام، أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) وفي حديث سلمان -عند مسلم-: «إنَّ الله خلقَ مئةَ رحمةٍ يومَ خلقَ السَّموات والأرضَ كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماء والأرض … » الحديث. وخلق، أي: اخترع وأوجد، والمراد بقوله: «كلُّ رحمةٍ طباق … » إلى آخره التَّعظيم والتَّكثير، ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزء» بزيادة: «في». قال في «الكواكب»: هي ظرفيَّة يتمُّ المعنى بدونها، أو متعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوعُ مبالغةٍ حيث جعلها مظروفًا لها؛ يعني بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ، ورحمةُ الله غيرُ متناهيةٍ لا مئة ولا مئتان، لكنَّها عبارة عن القدرةِ المتعلِّقة بإيصالِ

الخير، والقدرةُ صفةٌ واحدة، والتَّعلُّق غير متناهٍ، فحصره في مئة على سبيل التَّمثيل تسهيلًا للفَهم، وتقليلًا لِمَا عندنا، وتكثيرًا لِمَا عنده ، وهل المراد بالمئة التَّكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتملُ أن تكون (١) مناسبةً لعَدَدِ دَرَجِ الجنَّة، والجنَّة هي محلُّ الرَّحمة فكانت كلُّ رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلَّا برحمةِ الله، فمن نالته منها رحمةٌ واحدةٌ كان أدنى (٢) أهل الجنَّةِ منزلةً، وأعلاهم من حصلتْ له جميعُ الأنواع من الرَّحمة (فَأَمْسَكَ) تعالى (عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) ولمسلمٍ من رواية عطاء، عن أبي هريرة: «وأخَّر عندهُ تسعةً وتسعين رحمةً» (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) القياس وأنزلَ إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ، أو فيه تضمين فعل، والغرضُ منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدةً منتشرةً في جميع الأرض، وفي رواية عطاء: «أنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنَّ والإنسِ والبهائم» (فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ (٣) الخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة (حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظِّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) أي: خشيةَ الإصابة، وفي رواية عطاء: «فيها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحشُ على ولدِهِ»، وفي حديث سلمان: «فبها (٤) تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطَّير بعضها على بعضٍ»، وزاد أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مئة رحمة بالرَّحمة الَّتي في الدُّنيا.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.

(٢٠) (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ) أي: قتل الرَّجل ولده (خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «أيُّ الذَّنب أعظم».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ساعية وطالبة لولدها قَوْله إِذْ وجدت صَبيا كلمة إِذْ ظرف وَيجوز أَن يكون بدل اشْتِمَال من امْرَأَة وَفِي بعض النّسخ إِذا وجدت صَبيا إِلَى قَوْله فَقَالَ لنا مَعْنَاهُ إِذا وجدت صَبيا أَخَذته فأرضعته فَوجدت صَبيا فَأَخَذته فألزمته بَطنهَا وَعلم من هَذَا أَنَّهَا كَانَت فقدت صَبيا وَكَانَت إِذا وجدت صَبيا أَرْضَعَتْه ليخف عَنْهَا اللَّبن فَلَمَّا وجدت صبيها بِعَيْنِه أَخَذته فالتزمته وألصقته بِبَطْنِهَا من فرحها بوجدانه قَوْله أَتَرَوْنَ بِضَم التَّاء أَي أتظنون قَوْله وَهِي تقدر على أَن لَا تطرحه أَي طائقة ذَلِك قَوْله " لله " اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَصرح بالقسم فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ وَالله أرْحم إِلَى آخِره قَوْله بعباده قيل لفظ الْعباد عَام وَمَعْنَاهُ خَاص بِالْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى {ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ} فَهِيَ عَامَّة من جِهَة الصلاحية وخاصة بِمن كتبت لَهُ وَالظَّاهِر أَنَّهَا على الْعُمُوم لمن سبق لَهُ مِنْهَا نصيب من أَي الْعباد كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَات على مَا يَجِيء فِي حَدِيث الْبَاب الْآتِي حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَأنزل فِي الأَرْض جُزْءا وَاحِدًا فَمن ذَلِك الْجُزْء يتراحم الْخلق الحَدِيث -

١٩ - (بابٌ جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: جعل الله الرَّحْمَة مائَة جُزْء، والترجمة بِبَعْض الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب من الرَّحْمَة وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: بَاب، بِالتَّنْوِينِ قلت: تكَرر هَذَا القَوْل مِنْهُ عِنْد ذكر الْأَبْوَاب الْمُجَرَّدَة، وَلَا يَصح هَذَا إلَاّ بمقدر، لِأَن الْإِعْرَاب يَقْتَضِي التَّرْكِيب.

٦٠٠٠ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِع ألْبَهْرَانِيُّ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أخبرنَا سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتسْعِينَ جُزْءاً وأنْزَلَ فِي الأرْضِ جُزْءاً واحِداً، فَمِنْ ذالِكَ الجُزْءِ يَتَرعًّحَمُ الخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عَنْ وَلَدِها خَشيةَ أنْ تُصِيبَهُ.

(انْظُر الحَدِيث ٦٠٠٠ طرفه فِي: ٦٤٦٩) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن نَافِع هُوَ أَبُو الْيَمَان، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة بكنيته وَهَهُنَا ذكره باسمه وَلم يذكر باسمه إِلَى هَهُنَا إلَاّ فِي هَذَا الْموضع وَذَلِكَ على قدر سَمَاعه، وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال تكَرر جدا.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: أَن الله مائَة رَحْمَة، وَله من حَدِيث سلمَان: أَن الله خلق مائَة رَحْمَة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، كل رَحْمَة طباق مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يجوز أَن يكون معنى: خلق اخترع وأوجد، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى: قدر، قد ورد خلق بِمَعْنى قدر فِي لُغَة الْعَرَب، فَيكون الْمَعْنى: أَن الله أظهر تَقْدِيره لذَلِك يَوْم أظهر تَقْدِير السَّمَوَات وَالْأَرْض.

قَوْله: (مائَة جُزْء) ويروى: فِي مائَة جُزْء، وَكلمَة: فِي هَذِه الرِّوَايَة زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله:

(وَفِي الرَّحْمَن للضعفاء كافٍ)

أَي: الرَّحْمَن لَهُم كَاف. قَوْله: (فَأمْسك عِنْده) وَفِي رِوَايَة عَطاء: وأخَّر عِنْده تِسْعَة وَتِسْعين رَحْمَة، قيل: رَحْمَة الله غير متناهية لَا مائَة وَلَا مِائَتَان. وَأجِيب: بِأَن الرَّحْمَة عبارَة عَن الْقُدْرَة الْمُتَعَلّقَة بإيصال الْخَيْر، وَالْقُدْرَة صفة وَاحِدَة والتعلق غير متناه فحصره فِي مائَة على سَبِيل التَّمْثِيل تسهيلاً للفهم وتقليلاً لما عندنَا وتكثيراً لما عِنْده. قَوْله: (وَأنزل فِي الأَرْض) ، كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إِلَى الأَرْض، وَلَكِن حُرُوف الْجَرّ يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَفِيه تضمين، وَالْغَرَض مِنْهُ الْمُبَالغَة، يَعْنِي: أنزلهَا منتشرة فِي جَمِيع الأَرْض. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْمِائَة من بَين الْأَعْدَاد وَلم تجر عَادَة الْعَرَب إلَاّ فِي السّبْعين؟ قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ أطلق هَذَا الْعدَد الْخَاص لإِرَادَة التكثير وَالْمُبَالغَة، وَالسَّبْعُونَ من أَجزَاء الْمِائَة، وَقيل: ثَبت أَن نَار الْآخِرَة تفضل نَار الدُّنْيَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا، فَإِذا قوبل كل جُزْء برحمة زَادَت الرحمات ثَلَاثِينَ جُزْءا فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرَّحْمَة فِي الْآخِرَة أَكثر من النقمَة فِيهَا، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: غلبت رَحْمَتي غَضَبي. قَوْله: (يتراحم الْخلق) بالراء من التفاعل الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْجَمَاعَة. قَوْله: (حَتَّى ترفع الْفرس حافرها) . الْحَافِر للْفرس كالظلف للشاة، وَخص الْفرس بِالذكر لِأَنَّهَا أَشد الْحَيَوَان المألوف الَّذِي يعاين المخاطبون حركتها مَعَ وَلَدهَا، وَلما فِي الْفرس من الخفة والسرعة فِي التنقل، وَمَعَ ذَلِك تتجنب أَن يصل الضَّرَر مِنْهَا إِلَى وَلَدهَا، وَفِي رِوَايَة عَطاء: فِيهَا يتعاطفون وَبهَا

يتراحمون وَبِهَذَا يعْطف الْوَحْش وَالطير بَعْضهَا على بعض. قَوْله: (أَن تصيبه) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: خشيَة الْإِصَابَة.

٢٠ - (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ خَشْيَّةَ أنْ يأكُلَ مَعَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قتل الرجل وَلَده لأجل خشيَة أكله مَعَه، وَالضَّمِير فِي: مَعَه، يرجع إِلَى الْمُقدر لِأَن قتل الْوَلَد مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وَذكر الْفَاعِل مطوي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: بَاب أَي الذَّنب أعظم.

٦٠٠١ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخبرنَا سُفْيانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَمْرو بنِ شُرْحَبيلٍ عَن عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، وأنْزَلَ الله تَعَالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {الَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر} (الْفرْقَان: ٦٨) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن المعتر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف أَبُو ميسرَة الْهَمدَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفرْقَان عَن مُسَدّد وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (ندا) بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ مثل الشَّيْء الَّذِي يضاده فِي أُمُوره ويناده أَي يُخَالِفهُ وَيجمع على أنداد. قَوْله: (وَهُوَ خلقك) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (خشيَة أَن يَأْكُل) قَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُومه أَنه إِن لم يكن للخشية لم يكن كَذَلِك ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا الْمَفْهُوم لَا اعْتِبَار لَهُ وَهُوَ خَارج مخرج الْأَغْلَب، وَكَانَت عَادَتهم ذَلِك، وَأَيْضًا لَا شكّ أَن الْقَتْل لهَذِهِ الْعلَّة أعظم من الْقَتْل لغَيْرهَا. قَوْله: (حَلِيلَة جَارك) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة أَي: زَوجته، سميت حَلِيلَة وَالزَّوْج حليلاً لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحل عِنْد صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: تقدم أَن أكبر الْكَبَائِر قَول الزُّور، ثمَّ قَالَ: لَا خلاف أَن أكبر الْكل الْإِشْرَاك بِاللَّه، ثمَّ اعْتبر فِي كل مقَام مَا يَقْتَضِي حَال السامعين زجرا لما كَانُوا يسهلون الْأَمر فِيهِ أَو: قَول الزُّور أكبر الْمعاصِي القولية، وَالْقَتْل أكبر الْمعاصِي الفعلية الَّتِي تتَعَلَّق بِحَق النَّاس، وَالزِّنَا بحليله الْحَار أكبر أَنْوَاع الزِّنَا. قَوْله: (وَأنزل الله)

إِلَى آخِره، وَجه تَصْدِيق الْآيَة لذَلِك حَيْثُ أَدخل الْقَتْل وَالزِّنَا فِي سلك الْإِشْرَاك علم أَنَّهَا أكبر الذُّنُوب.

٢١ - (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ فِي الحَجْر)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الصَّبِي فِي الْحجر شَفَقَة وتعطفاً. وَفِيه الْإِشْعَار بتواضع وَاضعه وحلمه وَلَو بَال عَلَيْهِ.

٦٠٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشامٍ قَالَ: أخبرَنِي أبي عَنْ عائِشَةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَضَعَ صَبِيًّا فِي حِجْرِهِ يُحَنِّكُهُ فَبالَ عَلَيْهِ، فدَعا بِماء فأتْبَعَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.

والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب بَوْل الصّبيان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (فِي حجره) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (يحنكه) جملَة حَالية من التحنيك وَهُوَ دلك الثَّمر الممضوغ وَنَحْوه على حنك الصَّبِي. قَوْله: (فَأتبعهُ) أَي: أتبع الْبَوْل بِالْمَاءِ.

٢٢ - (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الفَخْذِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الصَّبِي على الْفَخْذ.

٦٠٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عارِمٌ حدّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ يُحَدِّثُ عَنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ يُحَدِّثُهُ أبُو عُثْمانَ عَنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله عَنْهُمَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ أَتَظُنُّونَ؟

قَوْلُهُ: (قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أَيْ لَا تَطْرَحُهُ طَائِعَةً أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (لَلَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ لَامُ تَأْكِيدٍ، وَصَرَّحَ بِالْقَسَمِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (بِعِبَادِهِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادِ هُنَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَصَبِيٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوطَأَ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِي ابْنَهَا فِي النَّارِ، فَقَالَ: وَلَا اللَّهِ بِطَارِحٍ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ فَالتَّعْبِيرُ بِحَبِيبِهِ يُخْرِجُ الْكَافِرَ. وَكَذَا مَنْ شَاءَ إِدْخَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَفْظُ الْعَبادِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَهِيَ عَامَّةٌ مِنْ جِهَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَخَاصَّةٌ بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ لِمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِنْ أَيِّ الْعِبَادِ كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْعَلَ تَعَلُّقَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحْمَةً مَا حَتَّى يُقْصَدَ لِأَجْلِهَا فَاللَّهُ أَرْحَمُ مِنْهُ، فَلْيَقْصِدِ الْعَاقِلُ لِحَاجَتِهِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ لَهُ رَحْمَةً، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمَسْبِيَّاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي إِذْنَهُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا.

وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ لِمَا لَا يُدْرَكُ بِهَا لِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ لَا يُحَاطُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَرَّبَهَا النَّبِيُّ لِلسَّامِعِينَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ الْمَرْأَةَ عَنْ إِرْضَاعِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ أَرْضَعَتْهُمْ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكْبُرَ بَعْضُهُمْ فَيَتَزَوَّجُ بَعْضَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْإِرْضَاعِ نَاجِزَةً، وَمَا يُخْشَى مِنَ الْمَحْرَمِيَّةِ مُتَوَهَّمٌ اغْتُفِرَ. قُلْتُ: وَلَفْظُ الصَّبِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فِي الْخَبَرِ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانَ بِهِمْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْإِرْضَاعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَا تَرَكَهَا النَّبِيُّ تُرْضِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَقْوَى فَلِأَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى إِرْضَاعِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَبَيَّنَ الضَّرُورَةَ اهـ. مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

١٩ - بَاب جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةَ جُزْءٍ

٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.

[الحديث ٦٠٠٠ - طرفه في: ٦٤٦٩]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) هَكَذَا تُرْجِمَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (الْبَهْرَانِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ

يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى بَهْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، نَزَلَ أَكْثَرُهُمْ حِمْصَ فِي الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ كَانَ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِ الظَّرْفِ فَلَعَلَّ فِي زَائِدَةٌ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَفِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ إِذْ جَعَلَهَا مَظْرُوفًا لَهَا مَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا مَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ جَعَلَهَا فِي مِائَةِ وِعَاءٍ فَأَهْبَطَ مِنْهَا وَاحِدًا لِلْأَرْضِ. قُلْتُ: خَلَتْ أَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنِ الظرف كَرِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَلَقَ اخْتَرَعَ وَأَوْجَدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، وَقَدْ وَرَدَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَهُ لِذَلِكَ يَوْمَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: كُلُّ رَحْمَةٍ تَسَعُ طِبَاقَ الْأَرْضِ الْمُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّكْثِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّعْظِيمُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَأَخَّرَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً.

قَوْلُهُ: (وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّحْمَةَ يُرَادُ بِهَا مُتَعَلِّقُ الْإِرَادَةِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّعَمِ.

قَوْلُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ فَبهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِيهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الْفَرَسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانِ الْمَأْلُوفِ الَّذِي يُعَايِنُ الْمُخَاطَبُونَ حَرَكَتَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَلِمَا فِي الْفَرَسِ مِنَ الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ فِي التَّنَقُّلِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَتَجَنَّبُ أَنْ يَصِلَ الضَّرَرُ مِنْهَا إِلَى وَالَدِهَا.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْيمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مِائَةً وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْخَلْقِ تَكُونُ فِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسِهِمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ التَّبَعَاتِ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ فِيهِمْ فَيَرْحَمَهُمْ بِهَا سِوَى رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمُهُمْ بِهَا زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَةِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لَهُمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمُ الرَّحْمَةَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ رَحْمَتَانِ، رَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ وَهِيَ لَا تَتَعَدَّدُ، وَرَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هُنَا. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ بَلِ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَن يُكْمِلُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةً بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ أَنْوَاعَ النِّعَمِ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ مِائَةُ نَوْعٍ، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ انْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحُهُمْ وَحَصَلَتْ بِهِ مَرَافِقُهُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَّلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَكُلُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَإِنَّ رَحِيمًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَتُرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ. قُلْنَا: لَا) تطرحهُ (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أي: لا تطرحهُ مكرهة أبدًا (فَقَالَ) : (لَلَّهُ) بفتح اللَّام للتَّأكيد، وللإسماعيليِّ: «واللهِ لَلَّه» (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) المؤمنين (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) هذا وحكى الشَّيخ ابنُ أبي جمرة احتمال تعميمهِ حتَّى في الحيوانات.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزءٍ».

٦٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «أبو اليمان الحكم» (بْنُ نَافِعٍ البَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قُضاعة ينتهي نسبُهم إلى بهر بنِ عَمرو بن الحَافِ بن قُضَاعة، وهذه اللَّفظة ثابتة في رواية أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشدَّدة، ابن حَزْنٍ الإمام، أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) وفي حديث سلمان -عند مسلم-: «إنَّ الله خلقَ مئةَ رحمةٍ يومَ خلقَ السَّموات والأرضَ كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماء والأرض … » الحديث. وخلق، أي: اخترع وأوجد، والمراد بقوله: «كلُّ رحمةٍ طباق … » إلى آخره التَّعظيم والتَّكثير، ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزء» بزيادة: «في». قال في «الكواكب»: هي ظرفيَّة يتمُّ المعنى بدونها، أو متعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوعُ مبالغةٍ حيث جعلها مظروفًا لها؛ يعني بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ، ورحمةُ الله غيرُ متناهيةٍ لا مئة ولا مئتان، لكنَّها عبارة عن القدرةِ المتعلِّقة بإيصالِ

الخير، والقدرةُ صفةٌ واحدة، والتَّعلُّق غير متناهٍ، فحصره في مئة على سبيل التَّمثيل تسهيلًا للفَهم، وتقليلًا لِمَا عندنا، وتكثيرًا لِمَا عنده ، وهل المراد بالمئة التَّكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتملُ أن تكون (١) مناسبةً لعَدَدِ دَرَجِ الجنَّة، والجنَّة هي محلُّ الرَّحمة فكانت كلُّ رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلَّا برحمةِ الله، فمن نالته منها رحمةٌ واحدةٌ كان أدنى (٢) أهل الجنَّةِ منزلةً، وأعلاهم من حصلتْ له جميعُ الأنواع من الرَّحمة (فَأَمْسَكَ) تعالى (عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) ولمسلمٍ من رواية عطاء، عن أبي هريرة: «وأخَّر عندهُ تسعةً وتسعين رحمةً» (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) القياس وأنزلَ إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ، أو فيه تضمين فعل، والغرضُ منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدةً منتشرةً في جميع الأرض، وفي رواية عطاء: «أنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنَّ والإنسِ والبهائم» (فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ (٣) الخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة (حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظِّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) أي: خشيةَ الإصابة، وفي رواية عطاء: «فيها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحشُ على ولدِهِ»، وفي حديث سلمان: «فبها (٤) تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطَّير بعضها على بعضٍ»، وزاد أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مئة رحمة بالرَّحمة الَّتي في الدُّنيا.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.

(٢٠) (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ) أي: قتل الرَّجل ولده (خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «أيُّ الذَّنب أعظم».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ساعية وطالبة لولدها قَوْله إِذْ وجدت صَبيا كلمة إِذْ ظرف وَيجوز أَن يكون بدل اشْتِمَال من امْرَأَة وَفِي بعض النّسخ إِذا وجدت صَبيا إِلَى قَوْله فَقَالَ لنا مَعْنَاهُ إِذا وجدت صَبيا أَخَذته فأرضعته فَوجدت صَبيا فَأَخَذته فألزمته بَطنهَا وَعلم من هَذَا أَنَّهَا كَانَت فقدت صَبيا وَكَانَت إِذا وجدت صَبيا أَرْضَعَتْه ليخف عَنْهَا اللَّبن فَلَمَّا وجدت صبيها بِعَيْنِه أَخَذته فالتزمته وألصقته بِبَطْنِهَا من فرحها بوجدانه قَوْله أَتَرَوْنَ بِضَم التَّاء أَي أتظنون قَوْله وَهِي تقدر على أَن لَا تطرحه أَي طائقة ذَلِك قَوْله " لله " اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَصرح بالقسم فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ وَالله أرْحم إِلَى آخِره قَوْله بعباده قيل لفظ الْعباد عَام وَمَعْنَاهُ خَاص بِالْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى {ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ} فَهِيَ عَامَّة من جِهَة الصلاحية وخاصة بِمن كتبت لَهُ وَالظَّاهِر أَنَّهَا على الْعُمُوم لمن سبق لَهُ مِنْهَا نصيب من أَي الْعباد كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَات على مَا يَجِيء فِي حَدِيث الْبَاب الْآتِي حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَأنزل فِي الأَرْض جُزْءا وَاحِدًا فَمن ذَلِك الْجُزْء يتراحم الْخلق الحَدِيث -

١٩ - (بابٌ جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: جعل الله الرَّحْمَة مائَة جُزْء، والترجمة بِبَعْض الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب من الرَّحْمَة وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: بَاب، بِالتَّنْوِينِ قلت: تكَرر هَذَا القَوْل مِنْهُ عِنْد ذكر الْأَبْوَاب الْمُجَرَّدَة، وَلَا يَصح هَذَا إلَاّ بمقدر، لِأَن الْإِعْرَاب يَقْتَضِي التَّرْكِيب.

٦٠٠٠ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِع ألْبَهْرَانِيُّ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أخبرنَا سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتسْعِينَ جُزْءاً وأنْزَلَ فِي الأرْضِ جُزْءاً واحِداً، فَمِنْ ذالِكَ الجُزْءِ يَتَرعًّحَمُ الخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عَنْ وَلَدِها خَشيةَ أنْ تُصِيبَهُ.

(انْظُر الحَدِيث ٦٠٠٠ طرفه فِي: ٦٤٦٩) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن نَافِع هُوَ أَبُو الْيَمَان، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة بكنيته وَهَهُنَا ذكره باسمه وَلم يذكر باسمه إِلَى هَهُنَا إلَاّ فِي هَذَا الْموضع وَذَلِكَ على قدر سَمَاعه، وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال تكَرر جدا.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: أَن الله مائَة رَحْمَة، وَله من حَدِيث سلمَان: أَن الله خلق مائَة رَحْمَة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، كل رَحْمَة طباق مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يجوز أَن يكون معنى: خلق اخترع وأوجد، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى: قدر، قد ورد خلق بِمَعْنى قدر فِي لُغَة الْعَرَب، فَيكون الْمَعْنى: أَن الله أظهر تَقْدِيره لذَلِك يَوْم أظهر تَقْدِير السَّمَوَات وَالْأَرْض.

قَوْله: (مائَة جُزْء) ويروى: فِي مائَة جُزْء، وَكلمَة: فِي هَذِه الرِّوَايَة زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله:

(وَفِي الرَّحْمَن للضعفاء كافٍ)

أَي: الرَّحْمَن لَهُم كَاف. قَوْله: (فَأمْسك عِنْده) وَفِي رِوَايَة عَطاء: وأخَّر عِنْده تِسْعَة وَتِسْعين رَحْمَة، قيل: رَحْمَة الله غير متناهية لَا مائَة وَلَا مِائَتَان. وَأجِيب: بِأَن الرَّحْمَة عبارَة عَن الْقُدْرَة الْمُتَعَلّقَة بإيصال الْخَيْر، وَالْقُدْرَة صفة وَاحِدَة والتعلق غير متناه فحصره فِي مائَة على سَبِيل التَّمْثِيل تسهيلاً للفهم وتقليلاً لما عندنَا وتكثيراً لما عِنْده. قَوْله: (وَأنزل فِي الأَرْض) ، كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إِلَى الأَرْض، وَلَكِن حُرُوف الْجَرّ يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَفِيه تضمين، وَالْغَرَض مِنْهُ الْمُبَالغَة، يَعْنِي: أنزلهَا منتشرة فِي جَمِيع الأَرْض. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْمِائَة من بَين الْأَعْدَاد وَلم تجر عَادَة الْعَرَب إلَاّ فِي السّبْعين؟ قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ أطلق هَذَا الْعدَد الْخَاص لإِرَادَة التكثير وَالْمُبَالغَة، وَالسَّبْعُونَ من أَجزَاء الْمِائَة، وَقيل: ثَبت أَن نَار الْآخِرَة تفضل نَار الدُّنْيَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا، فَإِذا قوبل كل جُزْء برحمة زَادَت الرحمات ثَلَاثِينَ جُزْءا فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرَّحْمَة فِي الْآخِرَة أَكثر من النقمَة فِيهَا، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: غلبت رَحْمَتي غَضَبي. قَوْله: (يتراحم الْخلق) بالراء من التفاعل الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْجَمَاعَة. قَوْله: (حَتَّى ترفع الْفرس حافرها) . الْحَافِر للْفرس كالظلف للشاة، وَخص الْفرس بِالذكر لِأَنَّهَا أَشد الْحَيَوَان المألوف الَّذِي يعاين المخاطبون حركتها مَعَ وَلَدهَا، وَلما فِي الْفرس من الخفة والسرعة فِي التنقل، وَمَعَ ذَلِك تتجنب أَن يصل الضَّرَر مِنْهَا إِلَى وَلَدهَا، وَفِي رِوَايَة عَطاء: فِيهَا يتعاطفون وَبهَا

يتراحمون وَبِهَذَا يعْطف الْوَحْش وَالطير بَعْضهَا على بعض. قَوْله: (أَن تصيبه) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: خشيَة الْإِصَابَة.

٢٠ - (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ خَشْيَّةَ أنْ يأكُلَ مَعَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قتل الرجل وَلَده لأجل خشيَة أكله مَعَه، وَالضَّمِير فِي: مَعَه، يرجع إِلَى الْمُقدر لِأَن قتل الْوَلَد مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وَذكر الْفَاعِل مطوي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: بَاب أَي الذَّنب أعظم.

٦٠٠١ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخبرنَا سُفْيانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَمْرو بنِ شُرْحَبيلٍ عَن عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، وأنْزَلَ الله تَعَالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {الَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر} (الْفرْقَان: ٦٨) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن المعتر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف أَبُو ميسرَة الْهَمدَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفرْقَان عَن مُسَدّد وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (ندا) بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ مثل الشَّيْء الَّذِي يضاده فِي أُمُوره ويناده أَي يُخَالِفهُ وَيجمع على أنداد. قَوْله: (وَهُوَ خلقك) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (خشيَة أَن يَأْكُل) قَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُومه أَنه إِن لم يكن للخشية لم يكن كَذَلِك ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا الْمَفْهُوم لَا اعْتِبَار لَهُ وَهُوَ خَارج مخرج الْأَغْلَب، وَكَانَت عَادَتهم ذَلِك، وَأَيْضًا لَا شكّ أَن الْقَتْل لهَذِهِ الْعلَّة أعظم من الْقَتْل لغَيْرهَا. قَوْله: (حَلِيلَة جَارك) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة أَي: زَوجته، سميت حَلِيلَة وَالزَّوْج حليلاً لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحل عِنْد صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: تقدم أَن أكبر الْكَبَائِر قَول الزُّور، ثمَّ قَالَ: لَا خلاف أَن أكبر الْكل الْإِشْرَاك بِاللَّه، ثمَّ اعْتبر فِي كل مقَام مَا يَقْتَضِي حَال السامعين زجرا لما كَانُوا يسهلون الْأَمر فِيهِ أَو: قَول الزُّور أكبر الْمعاصِي القولية، وَالْقَتْل أكبر الْمعاصِي الفعلية الَّتِي تتَعَلَّق بِحَق النَّاس، وَالزِّنَا بحليله الْحَار أكبر أَنْوَاع الزِّنَا. قَوْله: (وَأنزل الله)

إِلَى آخِره، وَجه تَصْدِيق الْآيَة لذَلِك حَيْثُ أَدخل الْقَتْل وَالزِّنَا فِي سلك الْإِشْرَاك علم أَنَّهَا أكبر الذُّنُوب.

٢١ - (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ فِي الحَجْر)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الصَّبِي فِي الْحجر شَفَقَة وتعطفاً. وَفِيه الْإِشْعَار بتواضع وَاضعه وحلمه وَلَو بَال عَلَيْهِ.

٦٠٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشامٍ قَالَ: أخبرَنِي أبي عَنْ عائِشَةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَضَعَ صَبِيًّا فِي حِجْرِهِ يُحَنِّكُهُ فَبالَ عَلَيْهِ، فدَعا بِماء فأتْبَعَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.

والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب بَوْل الصّبيان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (فِي حجره) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (يحنكه) جملَة حَالية من التحنيك وَهُوَ دلك الثَّمر الممضوغ وَنَحْوه على حنك الصَّبِي. قَوْله: (فَأتبعهُ) أَي: أتبع الْبَوْل بِالْمَاءِ.

٢٢ - (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الفَخْذِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الصَّبِي على الْفَخْذ.

٦٠٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عارِمٌ حدّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ يُحَدِّثُ عَنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ يُحَدِّثُهُ أبُو عُثْمانَ عَنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله عَنْهُمَا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل