الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٣٣
الحديث رقم ٦٠٣٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ عُيَيْنَةَ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: ذَكَرَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَ يَدَعْ وَمَاضِيهِ، وَالنَّبِيُّ أَفْصَحُ الْعَرَبِ، وَقَدْ نَطَقَ بِالْمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، وَبِمَاضِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ أَمَاتُوهُ أَيْ تَرَكُوا اسْتِعْمَالَهُ إِلَّا نَادِرًا، قَالَ: وَلَفْظُ أَمَاتُوهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ شَكِّ الرَّاوِيِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، مَعَ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ تَرَكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ النُّحَاةِ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (اتِّقَاءَ شَرِّهِ) أَيْ قُبْحِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَ خُتِمَ لَهُ بِسُوءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّقَى فُحْشَهُ وَشَرَّهُ، أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ يَكُونُ شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْعُمُومِ فَمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَشَرْطُ ذَلِكَ لك أَنْ يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ عُيَيْنَةَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ؟ وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ يَحْتَمِلُ لِأَنْ يُقَيَّدَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا ذَلِكَ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ تَابَ وَأَنَابَ؟ وَقَدْ كَانَ عُيَيْنَةُ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَحَارَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَضَرَ بَعْضَ الْفُتُوحِ فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَلَهُ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ، وَيَأْتِي شَرْحُهَا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى جَفَائِهِ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ أَحْمَقُ مُطَاعٌ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: جَاءَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. أَلَا أَنْزِلُ لَكَ عَنْ أَجْمَلَ مِنْهَا. فَغَضِبَتْ عَائِشَةُ، وَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَحْمَقُ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِيهِ: اخْرُجْ فَاسْتَأْذِنْ، قَالَ: إِنَّهَا يَمِينٌ عَلَيَّ أَنْ لَا أَسْتَأْذِنَ عَلَى مُضَرِيٍّ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَسْلَمَ لَهُ ذَلِكَ، وَلِلْقَاضِي قَبْلَهُ فِي عُيَيْنَةَ لَا يَسْلَمُ لَهُ ذَلِكَ فِي مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُدَارَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُهَمِ هُنَا بِمَخْرَمَةَ هُوَ الرَّاجِحُ.
٣٩ - بَاب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الْبُخْلِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَم تُرَاعُوا لَم تُرَاعُوا، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ.
٦٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِراً ﵁ يَقُولُ: "مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا".
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ) أي: أجودُ أكوانه ﷺ حاصل (فِي رَمَضَانَ) لمجموعِ ما في بقيَّة الحديث من نزولِ القرآنِ، والنَّازل به وهو جبريلُ، والمذاكرةُ وهي مدارسةُ القرآن مع الوقت وهو شهرُ رمضان (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وكان» (أَبُو ذرٍّ) جندب الغفاريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف بطوله في «المبعث النَّبويِّ» [خ¦٣٨٦١]: (لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ) أُنَيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الوَادِي) وادي مكَّة (فَاسْمَعْ مِنْ قولهِ) ﷺ، فأتى أنيسٌ النَّبيَّ ﷺ وسمع منه (فَرَجَعَ) أي: ثمَّ رجع، فالفاء فصيحة (فَقَالَ) لأخيه أبي ذرٍّ: (رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ) جمع: مكرُمة -بضم الراء- وهي (١) الكرم، أي: الفضائل والمحاسن.
٦٠٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُو: ابنُ زَيْدٍ-) أي: ابنُ درهم، الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ) خَلْقًا وخُلُقًا (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) أي: أكثرهُم إعطاء (٢) لِمَا يقدرُ عليه (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) أي: أكثرهم إقدامًا إلى العدوِّ في الجهادِ مع عدم الفرارِ، وحسن الصُّورة تابع لاعتدالِ المزاج، وهو مُستتبعٌ لصفاءِ النَّفس الَّذي به جودةُ القَرِيحة ونحوها، وهذه الثَّلاث هي أمَّهات الأخلاق (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزاي؛ أي (٣): خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ) لمَّا سمعوا صوتًا في اللَّيل أن يَهْجِم عليهم عدوٌّ (ذَاتَ لَيْلَةٍ) لفظ «ذات» مقحمة (فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ) أي: جهتهِ (فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ) واستكشفَ الخبرَ فلم يجدْ ما يخاف منه فرجعَ (وَهْوَ يَقُولُ) لهم تأنيسًا وتسكينًا لروعهم: (لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا) مرَّتين،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ عُيَيْنَةَ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: ذَكَرَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَ يَدَعْ وَمَاضِيهِ، وَالنَّبِيُّ أَفْصَحُ الْعَرَبِ، وَقَدْ نَطَقَ بِالْمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، وَبِمَاضِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ أَمَاتُوهُ أَيْ تَرَكُوا اسْتِعْمَالَهُ إِلَّا نَادِرًا، قَالَ: وَلَفْظُ أَمَاتُوهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ شَكِّ الرَّاوِيِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، مَعَ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ تَرَكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ النُّحَاةِ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (اتِّقَاءَ شَرِّهِ) أَيْ قُبْحِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَ خُتِمَ لَهُ بِسُوءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّقَى فُحْشَهُ وَشَرَّهُ، أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ يَكُونُ شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْعُمُومِ فَمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَشَرْطُ ذَلِكَ لك أَنْ يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ عُيَيْنَةَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ؟ وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ يَحْتَمِلُ لِأَنْ يُقَيَّدَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا ذَلِكَ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ تَابَ وَأَنَابَ؟ وَقَدْ كَانَ عُيَيْنَةُ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَحَارَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَضَرَ بَعْضَ الْفُتُوحِ فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَلَهُ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ، وَيَأْتِي شَرْحُهَا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى جَفَائِهِ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ أَحْمَقُ مُطَاعٌ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: جَاءَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. أَلَا أَنْزِلُ لَكَ عَنْ أَجْمَلَ مِنْهَا. فَغَضِبَتْ عَائِشَةُ، وَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَحْمَقُ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِيهِ: اخْرُجْ فَاسْتَأْذِنْ، قَالَ: إِنَّهَا يَمِينٌ عَلَيَّ أَنْ لَا أَسْتَأْذِنَ عَلَى مُضَرِيٍّ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَسْلَمَ لَهُ ذَلِكَ، وَلِلْقَاضِي قَبْلَهُ فِي عُيَيْنَةَ لَا يَسْلَمُ لَهُ ذَلِكَ فِي مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُدَارَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُهَمِ هُنَا بِمَخْرَمَةَ هُوَ الرَّاجِحُ.
٣٩ - بَاب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الْبُخْلِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَم تُرَاعُوا لَم تُرَاعُوا، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ.
٦٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِراً ﵁ يَقُولُ: "مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا".
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ) أي: أجودُ أكوانه ﷺ حاصل (فِي رَمَضَانَ) لمجموعِ ما في بقيَّة الحديث من نزولِ القرآنِ، والنَّازل به وهو جبريلُ، والمذاكرةُ وهي مدارسةُ القرآن مع الوقت وهو شهرُ رمضان (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وكان» (أَبُو ذرٍّ) جندب الغفاريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف بطوله في «المبعث النَّبويِّ» [خ¦٣٨٦١]: (لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ) أُنَيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الوَادِي) وادي مكَّة (فَاسْمَعْ مِنْ قولهِ) ﷺ، فأتى أنيسٌ النَّبيَّ ﷺ وسمع منه (فَرَجَعَ) أي: ثمَّ رجع، فالفاء فصيحة (فَقَالَ) لأخيه أبي ذرٍّ: (رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ) جمع: مكرُمة -بضم الراء- وهي (١) الكرم، أي: الفضائل والمحاسن.
٦٠٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُو: ابنُ زَيْدٍ-) أي: ابنُ درهم، الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ) خَلْقًا وخُلُقًا (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) أي: أكثرهُم إعطاء (٢) لِمَا يقدرُ عليه (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) أي: أكثرهم إقدامًا إلى العدوِّ في الجهادِ مع عدم الفرارِ، وحسن الصُّورة تابع لاعتدالِ المزاج، وهو مُستتبعٌ لصفاءِ النَّفس الَّذي به جودةُ القَرِيحة ونحوها، وهذه الثَّلاث هي أمَّهات الأخلاق (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزاي؛ أي (٣): خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ) لمَّا سمعوا صوتًا في اللَّيل أن يَهْجِم عليهم عدوٌّ (ذَاتَ لَيْلَةٍ) لفظ «ذات» مقحمة (فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ) أي: جهتهِ (فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ) واستكشفَ الخبرَ فلم يجدْ ما يخاف منه فرجعَ (وَهْوَ يَقُولُ) لهم تأنيسًا وتسكينًا لروعهم: (لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا) مرَّتين،