«خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَسَمِعَ صَوْتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٥٥

الحديث رقم ٦٠٥٥ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النميمة من الكبائر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٠٥٥ في صحيح البخاري

«خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ؛ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.»

بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ وَقَوْلِهِ ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ يَعِيبُ

إسناد حديث رقم ٦٠٥٥ من صحيح البخاري

٦٠٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ: أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٠٥٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الْمُجَاهِرَ بِالْفِسْقِ وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ مَا يُذْكَرُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ مِنَ الْغِيبَةِ الْمَذْمُومَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُبَاحُ الْغِيبَةُ فِي كُلِّ غَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعًا؛ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِهَا: كَالتَّظَلُّمِ، وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَالِاسْتِفْتَاءِ، وَالْمُحَاكَمَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَجْرِيحُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَإِعْلَامُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ بِسِيرَةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَجَوَابُ الِاسْتِشَارَةِ فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ، وَكَذَا مَنْ رَأَى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ وَيُخَافُ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَمِمَّنْ تَجُوزُ غِيبَتُهُمْ مَنْ يَتَجَاهَرُ بِالْفِسْقِ أَوِ الظُّلْمِ أَوِ الْبِدْعَةِ.

وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي ضَابِطِ الْغِيبَةِ وَلَيْسَ بِغِيبَةٍ مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ فَيُسْتَثْنَى أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٩ - بَاب النَّمِيمَةُ مِنْ الْكَبَائِرِ

٦٠٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبِيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرة، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، والْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّمِيمَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ) سَقَطَ لَفْظُ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ.

ذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْقَبْرَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ، لِقَوْلِهِ فِي سِيَاقِهِ: وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ.

(لَطِيفَةٌ): أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مُنَاسَبَةً، وَهِيَ أَنَّ الْبَرْزَخَ مُقَدِّمَةٌ للْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الصَّلَاةُ وَمِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الدِّمَاءُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ التَّطَهُّرُ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَمِفْتَاحُ الدِّمَاءِ الْغِيبَةُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ بِنَشْرِ الْفِتَنِ الَّتِي يُسْفَكُ بِسَبَبِهَا الدِّمَاءُ.

٥٠ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّمِيمَةِ وَقَوْلِهِ تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ

٦٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ؛ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلِ الْمَنْقُولِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْمَقُولُ فِيهِ كَافِرًا مَثَلًا، كَمَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ وَنَقْلُ مَا يَضُرُّهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ: هَمْزُ الْإِنْسَانِ اغْتِيَابُهُ، وَالنَّمُّ إِظْهَارُ الْحَدِيثِ بِالْوِشَايَةِ، وَأَصْلُ النَّمِيمَةِ الْهَمْسُ وَالْحَرَكَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَغْتَابُ بِعيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا، وَالْهُمَزَةُ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الْهَمْزُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نميمةٌ فعليه أن لا يصدِّقه (١) لفسقهِ بها، ثمَّ ينهاهُ عنها وينصحُه ثمَّ يُبغضُه في الله ما لم يتبْ، ولا يظنُّ بأخيهِ الغائب سوءًا، ويحرم بحثُه عنها وحكاية ما نُقِل إليه كي لا (٢) ينتشرَ التَّباغض ولا ينُمُّ على النَّمام فيصير نمَّامًا. قال النَّوويُّ: وهذا إذا لم يكنْ في النَّقل مصلحةٌ شرعيَّةٌ، وإلَّا فهو مستحبٌّ أو واجبٌ، كمن اطَّلع من شخصٍ أنَّه يريد أن يُؤذي شخصًا ظُلْمًا فحذَّره منه.

٦٠٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني (٣)» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) محمَّد قال: (أَخْبَرَنَا عَبِيْدَةُ ابْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين وكسر الموحدة، وحُميد -بالتصغير- ابن صهيب (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ المَدِينَةِ) أي: بساتينها (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (فَقَالَ) : (يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ) بالتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «في كبيرٍ» بالتَّذكير، أي: لا يعذَّبان في أمرٍ يكبر ويشقُّ عليهما الاحتراز عنه (٤)، ولم يرد أنَّ الأمر فيهما هيِّن في أمر الدِّين، ولذا قال: (وَإِنَّه لَكَبِيرٌ). قال في «النِّهاية»: وكيف لا يكون كبيرًا وهما يعذَّبان فيه (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ) أي لا يتنزَّه (٥) منه، أو من الاستتارِ على ظاهره، أي: لا يحترزُ من كشفِ عورته، والأوَّل أوجهُ، وإن كان مجازًا، كما مرَّ [خ¦٦٠٥٢] (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) ليفسدَ بين النَّاس (ثُمَّ دَعَا) (بِجَرِيدَةٍ) من جرائدِ (٦) النَّخل وهي السَّعفة الَّتي جُرِّد عنها الخُوص،

أي: قُشِر (فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف في الثَّانية (أَوْ ثِنْتَيْنِ (١)، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً) بكسر الكاف فيهما (فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) قال النَّوويُّ رحمه الله تعالى: قال العلماءُ: هو محمولٌ على أنَّه سأل الشَّفاعة لهما. فأُجيب بالتَّخفيف عنهما إلى أن يَيْبَسا، أو لكونِ الجريدِ يسبِّح ما دامَ رطبًا وليس لليابس تسبيحٌ. قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه وإن من شيءٍ حيٍّ إلَّا (٢) يسبِّح، وحياةُ كلِّ شيءٍ بحسبه، فحياةُ الخشبِ ما لم ييبسْ، والحجرِ ما لم يقطعْ، وذهب المحقِّقون إلى أنَّه على عمومهِ، ثمَّ اختلفوا هل يسبِّح حقيقةً أم فيه دَلالةٌ على الصَّانع فيكون مسبِّحًا منزِّهًا بلسان حالهِ (٣)؟ والمحقِّقون على أنَّه يسبِّح حقيقةً. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وإذا (٤) كان العقلُ لا يحيلُ التَّمييز فيها (٥) وجاء النَّصُّ به، وجب المصيرُ إليه.

والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٠٥٢].

(٥٠) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ) قال في «فتح الباري»: كأنَّه أشار إلى أنَّ بعضَ القول المنقولِ على جهةِ الإفساد يجوزُ إذا كان المقولُ فيه كافرًا مثلًا، كما يجوز التَّجسُّس في بلادِ الكفَّار، ونقل ما يضرُّهم (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] و) قولهِ تعالى: (﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]) قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ) أي: (يَعِيبُ) بالعين المهملة، فجعل معناهما واحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويغتاب» بالغين المعجمة والفوقية بعدها ألف. قال في «الفتح»: وأظنُّه تصحيفًا. ولأبي الوقتِ: «يهمزُ ويلمزُ ويعيبُ واحدٌ». وقال ابن عبَّاس: ﴿هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ طعَّان مُغتاب. وقال الرَّبيع بنُ أنس: الهُمَزة يهمزه (٦) في وجهه، واللُّمزة من خلفهِ. وقال قتادةُ: يهمزهُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الْمُجَاهِرَ بِالْفِسْقِ وَالشَّرِّ لَا يَكُونُ مَا يُذْكَرُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَرَائِهِ مِنَ الْغِيبَةِ الْمَذْمُومَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُبَاحُ الْغِيبَةُ فِي كُلِّ غَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعًا؛ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِهَا: كَالتَّظَلُّمِ، وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَالِاسْتِفْتَاءِ، وَالْمُحَاكَمَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَجْرِيحُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَإِعْلَامُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ بِسِيرَةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَجَوَابُ الِاسْتِشَارَةِ فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ، وَكَذَا مَنْ رَأَى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ فَاسِقٍ وَيُخَافُ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَمِمَّنْ تَجُوزُ غِيبَتُهُمْ مَنْ يَتَجَاهَرُ بِالْفِسْقِ أَوِ الظُّلْمِ أَوِ الْبِدْعَةِ.

وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي ضَابِطِ الْغِيبَةِ وَلَيْسَ بِغِيبَةٍ مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ فَيُسْتَثْنَى أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٩ - بَاب النَّمِيمَةُ مِنْ الْكَبَائِرِ

٦٠٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبِيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرة، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، والْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّمِيمَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ) سَقَطَ لَفْظُ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ.

ذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْقَبْرَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ، لِقَوْلِهِ فِي سِيَاقِهِ: وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ.

(لَطِيفَةٌ): أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ مُنَاسَبَةً، وَهِيَ أَنَّ الْبَرْزَخَ مُقَدِّمَةٌ للْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الصَّلَاةُ وَمِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الدِّمَاءُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ التَّطَهُّرُ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَمِفْتَاحُ الدِّمَاءِ الْغِيبَةُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ بِنَشْرِ الْفِتَنِ الَّتِي يُسْفَكُ بِسَبَبِهَا الدِّمَاءُ.

٥٠ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّمِيمَةِ وَقَوْلِهِ تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ

٦٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ؛ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلِ الْمَنْقُولِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْمَقُولُ فِيهِ كَافِرًا مَثَلًا، كَمَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ وَنَقْلُ مَا يَضُرُّهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ: هَمْزُ الْإِنْسَانِ اغْتِيَابُهُ، وَالنَّمُّ إِظْهَارُ الْحَدِيثِ بِالْوِشَايَةِ، وَأَصْلُ النَّمِيمَةِ الْهَمْسُ وَالْحَرَكَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَغْتَابُ بِعيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا، وَالْهُمَزَةُ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الْهَمْزُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نميمةٌ فعليه أن لا يصدِّقه (١) لفسقهِ بها، ثمَّ ينهاهُ عنها وينصحُه ثمَّ يُبغضُه في الله ما لم يتبْ، ولا يظنُّ بأخيهِ الغائب سوءًا، ويحرم بحثُه عنها وحكاية ما نُقِل إليه كي لا (٢) ينتشرَ التَّباغض ولا ينُمُّ على النَّمام فيصير نمَّامًا. قال النَّوويُّ: وهذا إذا لم يكنْ في النَّقل مصلحةٌ شرعيَّةٌ، وإلَّا فهو مستحبٌّ أو واجبٌ، كمن اطَّلع من شخصٍ أنَّه يريد أن يُؤذي شخصًا ظُلْمًا فحذَّره منه.

٦٠٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني (٣)» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) محمَّد قال: (أَخْبَرَنَا عَبِيْدَةُ ابْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين وكسر الموحدة، وحُميد -بالتصغير- ابن صهيب (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ المَدِينَةِ) أي: بساتينها (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (فَقَالَ) : (يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ) بالتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «في كبيرٍ» بالتَّذكير، أي: لا يعذَّبان في أمرٍ يكبر ويشقُّ عليهما الاحتراز عنه (٤)، ولم يرد أنَّ الأمر فيهما هيِّن في أمر الدِّين، ولذا قال: (وَإِنَّه لَكَبِيرٌ). قال في «النِّهاية»: وكيف لا يكون كبيرًا وهما يعذَّبان فيه (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ) أي لا يتنزَّه (٥) منه، أو من الاستتارِ على ظاهره، أي: لا يحترزُ من كشفِ عورته، والأوَّل أوجهُ، وإن كان مجازًا، كما مرَّ [خ¦٦٠٥٢] (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) ليفسدَ بين النَّاس (ثُمَّ دَعَا) (بِجَرِيدَةٍ) من جرائدِ (٦) النَّخل وهي السَّعفة الَّتي جُرِّد عنها الخُوص،

أي: قُشِر (فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف في الثَّانية (أَوْ ثِنْتَيْنِ (١)، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً) بكسر الكاف فيهما (فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) قال النَّوويُّ رحمه الله تعالى: قال العلماءُ: هو محمولٌ على أنَّه سأل الشَّفاعة لهما. فأُجيب بالتَّخفيف عنهما إلى أن يَيْبَسا، أو لكونِ الجريدِ يسبِّح ما دامَ رطبًا وليس لليابس تسبيحٌ. قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه وإن من شيءٍ حيٍّ إلَّا (٢) يسبِّح، وحياةُ كلِّ شيءٍ بحسبه، فحياةُ الخشبِ ما لم ييبسْ، والحجرِ ما لم يقطعْ، وذهب المحقِّقون إلى أنَّه على عمومهِ، ثمَّ اختلفوا هل يسبِّح حقيقةً أم فيه دَلالةٌ على الصَّانع فيكون مسبِّحًا منزِّهًا بلسان حالهِ (٣)؟ والمحقِّقون على أنَّه يسبِّح حقيقةً. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وإذا (٤) كان العقلُ لا يحيلُ التَّمييز فيها (٥) وجاء النَّصُّ به، وجب المصيرُ إليه.

والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٠٥٢].

(٥٠) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ) قال في «فتح الباري»: كأنَّه أشار إلى أنَّ بعضَ القول المنقولِ على جهةِ الإفساد يجوزُ إذا كان المقولُ فيه كافرًا مثلًا، كما يجوز التَّجسُّس في بلادِ الكفَّار، ونقل ما يضرُّهم (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] و) قولهِ تعالى: (﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]) قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ) أي: (يَعِيبُ) بالعين المهملة، فجعل معناهما واحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويغتاب» بالغين المعجمة والفوقية بعدها ألف. قال في «الفتح»: وأظنُّه تصحيفًا. ولأبي الوقتِ: «يهمزُ ويلمزُ ويعيبُ واحدٌ». وقال ابن عبَّاس: ﴿هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ طعَّان مُغتاب. وقال الرَّبيع بنُ أنس: الهُمَزة يهمزه (٦) في وجهه، واللُّمزة من خلفهِ. وقال قتادةُ: يهمزهُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله