الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٥٨
الحديث رقم ٦٠٥٨ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما قيل في ذي الوجهين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ
٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجدون الناس معادن، أي كالمعادن ووجه التشبيه اشتمال المعادن على جواهر مختلفة من نفيس وخسيس، كذلك الناس من كان شريفًا في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شرفًا، فإن تفقه وصل إلى غاية الشرف، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام يعني: كانوا قبل إسلامهم عندهم شجاعة وإكرام للضيف فهم أخيار، ويعملون الأعمال الخيرة، فلما أسلموا استمروا على تلك الصفات الحميدة فصاروا خيارًا، وكانت لهم أصول في الجاهلية يستنكفون عن كثير من الفواحش، إذا فَقُهوا يعني: إذا فهموا أمور الدين، والفقه في الأصل الفهم، وقد جعله العرف خاصا بعلم الشريعة أو بعلم الفروع منهما، وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أي: في الخلافة أو في الإمارة أكرههم له، أي للخلافة أو الإمارة، قبل أن يقع فيه: فيه قولان أحدهما: أنهم إذا وقعوا فيها عن رغبة وحرص زالت عنهم محاسن الأخيار، أي: صفة الخيرية، والآخر: إذا وقعوا فيها فعليهم أن يجتهدوا في القيام بحقها فعل الراغب فيها غير كاره لها، والكراهة بسبب علمه بصعوبة العدل فيها، والمطالبة في الآخرة، وهذا في الذي ينال الخلافة أو الإمارة من غير مسألة، فإذا نالها بمسألة فأمره أعظم؛ لأنه يُوكَل إليها، ولا يعان عليها، وهذا القسم أكثر في هذا الزمان، وتجدون من شِرَار الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، هو المنافق وهو الذي يمشي بين الطائفتين بوجهين يأتي لإحداهما بوجه ويأتي للأخرى بخلاف ذلك، وقال الله تعالى عنهم: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} (النساء: 341).
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَقَوْلُهُ هُنَا فِي آخِرِهِ: قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ يُونُسَ الْمَذْكُورُ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ إِسْنَادَهُ مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ فَأَفْهَمَهُ إِيَّاهُ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ خَالَفَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ؛ فَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ هَذَا، لَكِنْ قَالَ فِي آخَرَه: قَالَ أَحْمَدُ: فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَفْهَمَنِي الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أَرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَهَذَا عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَتِهِ أَنَّ الْمَتْنَ فَهِمَهُ أَحْمَدُ مِنْ شَيْخِهِ وَلَمْ يَفْهَمِ الْإِسْنَادَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَخَبَطَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا؛ فَقَالَ: قَالَ: أَفْهَمَنِي؛ أَيْ كُنْتُ نَسِيتُ هَذَا الْإِسْنَادَ فَذَكَّرَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ، وَوَجْهُ الْخَبْطِ نِسْبَتُهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ نِسْيَانُ الْإِسْنَادِ وَأَنَّ التَّذْكِيرَ وَقَعَ لَهُ مِنَ الرَّجُلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَفِيَ عَنْهُ بَعْضُ لَفْظِهِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَمِنَ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ فَمِنَ الْمَتْنِ، وَكَانَ الرَّجُلُ بِجَنْبِهِ فَكَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَفْهَمَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَصَدَّى لِلتَّحْدِيثِ بِهِ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يُسْنِدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِغَيْرِ بَيَانٍ. وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَعَقَدَ الْخَطِيبُ لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أَيْ إِلَى جَنْبِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَأَرَادَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَالتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْغَرَضُ مَدْحُ شَيْخِهِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَوْ رَجُلٍ آخَرَ غَيْرِهِ أَفْهَمَنِي اهـ. وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْهَمَهُ مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِ رَجُلٌ، بَلِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسِيَ اسْمَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِرَجُلٍ أَوْ كَنَّى عَنِ اسْمِهِ عَمْدًا، وَأَمَّا مَدْحُ شَيْخِهِ فَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِيهِ.
قُلْتُ: وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ الْمُغِيرَةُ، وَطَالُوتُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ ابْنِ أَخِيهِ الْمَذْكُورِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ أَبِيهِ أَيِّهِمَا هُوَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اغْتَابَ فِي صَوْمِهِ فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى خِلَافِهِ، لَكِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ إِثْمَهَا لَا يَفِي لَهُ بِأَجْرِ صَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُفْطِرِ. قُلْتُ: وَفِي كَلَامِهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَا ذِكْرَ لِلْغِيبَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ قَوْلُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَالْجَهْلُ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ وَالتَّأْوِيلَ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ هُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ الصَّوْمِ.
٥٢ - بَاب مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ
٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَجِدُ مِنْ شَرار النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النَّمَّامِ.
قَوْلُهُ: (تَجِدُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شِرَارٌ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ من طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِلَفْظِ: تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صاحبُه الطَّعام والشَّراب» وهو من الاستعارةِ التَّمثيليَّة، شبَّه حالتَه ﷿ مع تلك المبالاة والاحتفال بالصَّوم بحالةِ (١) من افتقرَ إلى أمرٍ لا غنى له عنهُ (٢) ولا يتقوَّم إلَّا به، ثمَّ أدخل المشبَّه به واستعملَ في المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من لفظ الحاجةِ مبالغةً لكمالِ الاعتناء والاهتمام.
(قَالَ أَحْمَدُ) ابنُ يونس المذكور: لمَّا حدَّثني ابنُ أبي ذئب لم أتيقَّن إسنادهُ من لفظه حتَّى (أَفْهَمَنِي رَجُلٌ) كان معِي في المجلس (إِسْنَادَهُ) وعند أبي داود: قال أحمدُ: فهمتُ إسنادَه من ابنِ أبي ذئب، فأفهمنِي الحديثَ رجلٌ إلى جنبهِ أُراه ابنَ أخيه، فمقتضى رواية البخاريِّ أنَّ المتن فهمَهُ أحمدُ من شيخهِ ولم يفهمِ الإسناد منه، بخلافِ رواية أبي داود فمقتضاها أنَّه فهمَ متن الحديثِ من ابن أبي ذئبٍ وإسناده من الرَّجل.
والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٠٣].
(٥٢) (بابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ).
٦٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «من أشرِّ» بزيادة الهمزة، بلفظ أفعل، وهي لغةٌ فصيحةٌ، وله عن الكُشميهنيِّ (٤): «من شرارِ» بالجمع من غير همزٍ، وحملُ النَّاس على العموم أبلغُ في الذَّمِّ من حملهِ على من ذكر من الطَّائفتين
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والتصنيف. وَالثَّانِي: مَا نقل كَلَامه مثل مَا نقلته، بل خبط فِيهِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ: أَي الْكرْمَانِي قَوْله: (أفهمني) أَي: كنت نسيت هَذَا الْإِسْنَاد فذكرني بِهِ رجل أَو أَرَادَ رجل آخر عَظِيم لما يدل عَلَيْهِ التنكير وَالْغَرَض مدح شَيْخه أَو آخر ... انْتهى، هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل وَنسبه إِلَى الْكرْمَانِي، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَين الْكَلَامَيْنِ، فالناظر الَّذِي يتَأَمَّل فِيهِ يعرف أَن التخبيط جَاءَ من أَيْن. وَالثَّالِث: أَنه فهم من قَوْله أَو رجل آخر أَنه يمدح شَيْخه، وَلَيْسَ كَذَلِك بل غَرَضه أَنه يمدح شَيْخه أَو رجلا آخر غَيره، أفهمهُ كَمَا صرح.
٥٢ - (بابُ مَا قيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي حق ذِي الْوَجْهَيْنِ، وَذُو الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه، كَمَا يَجِيء عَن قريب فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه هِيَ المداهنة الْمُحرمَة، وَسمي ذُو الْوَجْهَيْنِ مداهناً لِأَنَّهُ يظْهر لأهل الْمُنكر أَنه عَنْهُم راضٍ فيلقاهم بِوَجْه سمح بالترحيب والبشر وَكَذَلِكَ يظْهر لأهل الْحق مَا أظهره لأهل الْمُنكر فيخلطه لكلتا الطَّائِفَتَيْنِ، وإظهاره الرضى بفعلهم اسْتحق إسم المداهنة وَاسْتحق الْوَعيد الشَّديد أَيْضا، رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يكون عِنْد الله وجيهاً) ، وَرُوِيَ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ، أَنه روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من كَانَ ذَا لسانين فِي الدُّنْيَا جعل الله لَهُ لسانين من نَار يَوْم الْقِيَامَة) .
٨٦ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يأتِي هاؤُلاءِ بِوَجْهٍ وهاؤُلَاءِ بِوَجْهٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن حَفْص يروي عَن أبي حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
قَوْله: (تَجِد من شَرّ النَّاس) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شرار النَّاس، بِصِيغَة الْجمع، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِن من شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تَجِدُونَ شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: تَجِدُونَ من شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ: من شَرّ خلق الله ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه الْأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَالرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: شَرّ النَّاس، مَحْمُولَة على الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: من شَرّ النَّاس، مُبَالغَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: أشر النَّاس، بِلَفْظ أفعل وَهُوَ لُغَة فصيحة، وَإِنَّمَا كَانَ أشر لِأَنَّهُ يشبه النِّفَاق. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالنَّاسِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من ذكر من الطَّائِفَتَيْنِ خَاصَّة فَهُوَ شرهم كلهم، وَالْأولَى أَن يحمل على عُمُومه فَهُوَ أبلغ بالذم. قَوْله: ذَا الْوَجْهَيْنِ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول. قَوْله: تَجِد قَوْله: (يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَي: يَأْتِي كل طَائِفَة وَيظْهر عِنْدهم أَنه مِنْهُم ومخالف للآخرين مبغض لَهُم، إِذْ لَو أَتَى كل طَائِفَة بالإصلاح وَنَحْوه لَكَانَ مَحْمُودًا.
٥٣ - (بابُ مَنْ أخْبَرَ صاحِبَهُ بِما يُقال فِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إِخْبَار الرجل صَاحبه بِمَا سمع مِمَّا يُقَال فِيهِ، أَي: فِي حَقه، وَلَكِن بِشَرْط أَن يقْصد النَّصِيحَة ويتحرى الصدْق ويجتنب الْأَذَى، أَلا يُرى أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، حِين أخبر الشَّارِع بقول الْأنْصَارِيّ فِيهِ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، لم يقل لَهُ: أتيت بِمَا لَا يجوز، بل رَضِي بذلك وجاوبه بقوله: يرحم الله مُوسَى لقد أَو ذِي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر، وَلم يكن هَذَا من النميمة.
٦٠٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي وائِلٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَسَمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قِسْمَةً فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وَالله مَا أرَادَ مُحَمَّدٌ بِهاذَا وَجْهَ الله. فأتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَحِمَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَقَوْلُهُ هُنَا فِي آخِرِهِ: قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ يُونُسَ الْمَذْكُورُ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ إِسْنَادَهُ مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ فَأَفْهَمَهُ إِيَّاهُ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ خَالَفَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ؛ فَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ هَذَا، لَكِنْ قَالَ فِي آخَرَه: قَالَ أَحْمَدُ: فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَفْهَمَنِي الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أَرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَهَذَا عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَتِهِ أَنَّ الْمَتْنَ فَهِمَهُ أَحْمَدُ مِنْ شَيْخِهِ وَلَمْ يَفْهَمِ الْإِسْنَادَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَخَبَطَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا؛ فَقَالَ: قَالَ: أَفْهَمَنِي؛ أَيْ كُنْتُ نَسِيتُ هَذَا الْإِسْنَادَ فَذَكَّرَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ، وَوَجْهُ الْخَبْطِ نِسْبَتُهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ نِسْيَانُ الْإِسْنَادِ وَأَنَّ التَّذْكِيرَ وَقَعَ لَهُ مِنَ الرَّجُلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَفِيَ عَنْهُ بَعْضُ لَفْظِهِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَمِنَ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ فَمِنَ الْمَتْنِ، وَكَانَ الرَّجُلُ بِجَنْبِهِ فَكَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَفْهَمَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَصَدَّى لِلتَّحْدِيثِ بِهِ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يُسْنِدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِغَيْرِ بَيَانٍ. وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَعَقَدَ الْخَطِيبُ لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أَيْ إِلَى جَنْبِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَأَرَادَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَالتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْغَرَضُ مَدْحُ شَيْخِهِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَوْ رَجُلٍ آخَرَ غَيْرِهِ أَفْهَمَنِي اهـ. وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْهَمَهُ مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِ رَجُلٌ، بَلِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسِيَ اسْمَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِرَجُلٍ أَوْ كَنَّى عَنِ اسْمِهِ عَمْدًا، وَأَمَّا مَدْحُ شَيْخِهِ فَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِيهِ.
قُلْتُ: وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ الْمُغِيرَةُ، وَطَالُوتُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ ابْنِ أَخِيهِ الْمَذْكُورِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ أَبِيهِ أَيِّهِمَا هُوَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اغْتَابَ فِي صَوْمِهِ فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى خِلَافِهِ، لَكِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ إِثْمَهَا لَا يَفِي لَهُ بِأَجْرِ صَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُفْطِرِ. قُلْتُ: وَفِي كَلَامِهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَا ذِكْرَ لِلْغِيبَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ قَوْلُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَالْجَهْلُ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ وَالتَّأْوِيلَ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ هُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ الصَّوْمِ.
٥٢ - بَاب مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ
٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَجِدُ مِنْ شَرار النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النَّمَّامِ.
قَوْلُهُ: (تَجِدُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شِرَارٌ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ من طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِلَفْظِ: تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صاحبُه الطَّعام والشَّراب» وهو من الاستعارةِ التَّمثيليَّة، شبَّه حالتَه ﷿ مع تلك المبالاة والاحتفال بالصَّوم بحالةِ (١) من افتقرَ إلى أمرٍ لا غنى له عنهُ (٢) ولا يتقوَّم إلَّا به، ثمَّ أدخل المشبَّه به واستعملَ في المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من لفظ الحاجةِ مبالغةً لكمالِ الاعتناء والاهتمام.
(قَالَ أَحْمَدُ) ابنُ يونس المذكور: لمَّا حدَّثني ابنُ أبي ذئب لم أتيقَّن إسنادهُ من لفظه حتَّى (أَفْهَمَنِي رَجُلٌ) كان معِي في المجلس (إِسْنَادَهُ) وعند أبي داود: قال أحمدُ: فهمتُ إسنادَه من ابنِ أبي ذئب، فأفهمنِي الحديثَ رجلٌ إلى جنبهِ أُراه ابنَ أخيه، فمقتضى رواية البخاريِّ أنَّ المتن فهمَهُ أحمدُ من شيخهِ ولم يفهمِ الإسناد منه، بخلافِ رواية أبي داود فمقتضاها أنَّه فهمَ متن الحديثِ من ابن أبي ذئبٍ وإسناده من الرَّجل.
والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٠٣].
(٥٢) (بابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ).
٦٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «من أشرِّ» بزيادة الهمزة، بلفظ أفعل، وهي لغةٌ فصيحةٌ، وله عن الكُشميهنيِّ (٤): «من شرارِ» بالجمع من غير همزٍ، وحملُ النَّاس على العموم أبلغُ في الذَّمِّ من حملهِ على من ذكر من الطَّائفتين
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والتصنيف. وَالثَّانِي: مَا نقل كَلَامه مثل مَا نقلته، بل خبط فِيهِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ: أَي الْكرْمَانِي قَوْله: (أفهمني) أَي: كنت نسيت هَذَا الْإِسْنَاد فذكرني بِهِ رجل أَو أَرَادَ رجل آخر عَظِيم لما يدل عَلَيْهِ التنكير وَالْغَرَض مدح شَيْخه أَو آخر ... انْتهى، هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل وَنسبه إِلَى الْكرْمَانِي، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَين الْكَلَامَيْنِ، فالناظر الَّذِي يتَأَمَّل فِيهِ يعرف أَن التخبيط جَاءَ من أَيْن. وَالثَّالِث: أَنه فهم من قَوْله أَو رجل آخر أَنه يمدح شَيْخه، وَلَيْسَ كَذَلِك بل غَرَضه أَنه يمدح شَيْخه أَو رجلا آخر غَيره، أفهمهُ كَمَا صرح.
٥٢ - (بابُ مَا قيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي حق ذِي الْوَجْهَيْنِ، وَذُو الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه، كَمَا يَجِيء عَن قريب فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه هِيَ المداهنة الْمُحرمَة، وَسمي ذُو الْوَجْهَيْنِ مداهناً لِأَنَّهُ يظْهر لأهل الْمُنكر أَنه عَنْهُم راضٍ فيلقاهم بِوَجْه سمح بالترحيب والبشر وَكَذَلِكَ يظْهر لأهل الْحق مَا أظهره لأهل الْمُنكر فيخلطه لكلتا الطَّائِفَتَيْنِ، وإظهاره الرضى بفعلهم اسْتحق إسم المداهنة وَاسْتحق الْوَعيد الشَّديد أَيْضا، رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يكون عِنْد الله وجيهاً) ، وَرُوِيَ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ، أَنه روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من كَانَ ذَا لسانين فِي الدُّنْيَا جعل الله لَهُ لسانين من نَار يَوْم الْقِيَامَة) .
٨٦ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يأتِي هاؤُلاءِ بِوَجْهٍ وهاؤُلَاءِ بِوَجْهٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٩٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن حَفْص يروي عَن أبي حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان الزيات.
قَوْله: (تَجِد من شَرّ النَّاس) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شرار النَّاس، بِصِيغَة الْجمع، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِن من شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تَجِدُونَ شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: تَجِدُونَ من شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ: من شَرّ خلق الله ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه الْأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَالرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: شَرّ النَّاس، مَحْمُولَة على الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: من شَرّ النَّاس، مُبَالغَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: أشر النَّاس، بِلَفْظ أفعل وَهُوَ لُغَة فصيحة، وَإِنَّمَا كَانَ أشر لِأَنَّهُ يشبه النِّفَاق. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالنَّاسِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من ذكر من الطَّائِفَتَيْنِ خَاصَّة فَهُوَ شرهم كلهم، وَالْأولَى أَن يحمل على عُمُومه فَهُوَ أبلغ بالذم. قَوْله: ذَا الْوَجْهَيْنِ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول. قَوْله: تَجِد قَوْله: (يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَي: يَأْتِي كل طَائِفَة وَيظْهر عِنْدهم أَنه مِنْهُم ومخالف للآخرين مبغض لَهُم، إِذْ لَو أَتَى كل طَائِفَة بالإصلاح وَنَحْوه لَكَانَ مَحْمُودًا.
٥٣ - (بابُ مَنْ أخْبَرَ صاحِبَهُ بِما يُقال فِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إِخْبَار الرجل صَاحبه بِمَا سمع مِمَّا يُقَال فِيهِ، أَي: فِي حَقه، وَلَكِن بِشَرْط أَن يقْصد النَّصِيحَة ويتحرى الصدْق ويجتنب الْأَذَى، أَلا يُرى أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، حِين أخبر الشَّارِع بقول الْأنْصَارِيّ فِيهِ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، لم يقل لَهُ: أتيت بِمَا لَا يجوز، بل رَضِي بذلك وجاوبه بقوله: يرحم الله مُوسَى لقد أَو ذِي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر، وَلم يكن هَذَا من النميمة.
٦٠٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي وائِلٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَسَمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قِسْمَةً فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وَالله مَا أرَادَ مُحَمَّدٌ بِهاذَا وَجْهَ الله. فأتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَحِمَ