«قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللهِ مَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٥٩

الحديث رقم ٦٠٥٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار…

«قَسَمَ رَسُولُ اللهِ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَحِمَ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ.»

سند حديث: ٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ…

٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «قسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ بِلَفْظِ: مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا شَرُّ النَّاسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا مِنْ شَرِّ النَّاسِ، وَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَرَّ النَّاسِ أَوْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مُبَالَغَةٌ فِي ذَلِكَ، وَرِوَايَةُ أَشَرِّ النَّاسِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ لُغَةٌ فِي شَرٍّ يُقَالُ: خَيْرٌ وَأَخْيَرُ وَشَرٌّ وَأَشَرُّ بِمَعْنًى، وَلَكِنِ الَّذِي بِالْأَلِفِ أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ خَاصَّةً، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمَا مُجَانِبَةٌ لِلْأُخْرَى ظَاهِرًا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهَا إِلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنْ خِدَاعِهِ الْفَرِيقَيْنِ لِيَطَّلِعَ عَلَى أَسْرَارِهِمْ فَهُوَ شَرُّهُمْ كُلُّهُمْ.

وَالْأَوْلَى حَمْلُ النَّاسِ عَلَى عُمُومِهِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: مِنْ شَرِّ خَلْقِ اللَّهِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاسِ؛ لِأَنَّ حَالَهُ حَالُ الْمُنَافِقِ، إِذْ هُوَ مُتَمَلِّقٌ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ، مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا، فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا، وَصَنِيعُة نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٌ وَتَحَيُّلٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَهُوَ مَحْمُودٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَذْمُومَ مَنْ يُزَيِّنُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَمَلَهَا وَيُقَبِّحُهُ عِنْدَ الْأُخْرَى وَيَذُمُّ كُلَّ طَائِفَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى، وَالْمَحْمُودُ أَنْ يَأْتِيَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ بِكَلَامٍ فِيهِ صَلَاحُ الْأُخْرَى وَيَعْتَذِرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَنِ الْأُخْرَى، وَيَنْقُلُ إِلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْجَمِيلِ وَيَسْتُرُ الْقَبِيحَ.

وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَوْلَى، وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ؛ فَيُرِي النَّاسَ خُشُوعًا وَاسْتِكَانَةً وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ حَتَّى يُكْرِمُوهُ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لَوِ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَدْرِهِ؛ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُطْلَقِ ذِي الْوَجْهَيْنِ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ: يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، قُلْتُ: وَقَدِ اقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ، لَكِنْ دَلَّتْ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ، فَإِنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَقَدْ ثَبَتَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ بِتَمَامِهِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ نُمَيْرٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي تَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ صَرِيحًا، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ؛ فَإِنَّهُ فَسَّرَ مَنْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٣ - بَاب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ

٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ) قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنْ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ مَنْ يَقْصِدُ الْإِفْسَادَ، وَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المتضادَّتين خاصَّةً، وللإسماعيليِّ من طريق أبي (١) شهابٍ، عن الأعمش بلفظ: «من شرِّ خلقِ الله» (يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ (٢) ذَا الوَجْهَيْنِ) بنصب «ذا» مفعول «تجد» (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ) ويُظْهر عند كلٍّ أنَّه منهم ومخالفٌ للآخرين مُبغضٌ لهم. وعند الإسماعيليِّ من طريق ابنِ نُمير عن الأعمش: «الَّذي يأتي هؤلاءِ بحديثِ هؤلاءِ، وهؤلاء بحديثِ هؤلاء» وإنَّما كان شرَّ النَّاس لأنَّ حاله حالُ المنافق (٣)؛ إذ هو يتملَّق بالباطلِ ويُدخِلُ الفسادَ بين النَّاس. نعم، لو أتى كلَّ قومٍ بكلامٍ فيه صلاحٌ واعتذرَ عن كلِّ قومٍ للآخرين، ونقل ما أمكنَه من الجميلِ وستر القبيحِ كان محمودًا.

والحديثُ أخرجهُ في «الأحكام» [خ¦٧١٧٩].

(٥٣) (بابُ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ) للنَّصيحة مع تحرِّي الصِّدق، وتجنُّب الأذى.

٦٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبدِ الله () أنَّه (قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ) يوم حُنين (قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) اسمهُ -كما قال الواقديُّ- مُعَتِّب بن قُشَير المنافق: (وَاللهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا) القسم الَّذي قسمهُ (وَجْهَ اللهِ) وكان قد أَعطى الأقرعَ بن حابس مئةً من الإبل، وأعطى عُيينة بن حصن مثلَ ذلك، وأَعطى أُنَاسًا من أشرافِ العرب، فآثرهم يومئذٍ في القسمة. قال ابنُ مسعود: (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

والتصنيف. وَالثَّانِي: مَا نقل كَلَامه مثل مَا نقلته، بل خبط فِيهِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ: أَي الْكرْمَانِي قَوْله: (أفهمني) أَي: كنت نسيت هَذَا الْإِسْنَاد فذكرني بِهِ رجل أَو أَرَادَ رجل آخر عَظِيم لما يدل عَلَيْهِ التنكير وَالْغَرَض مدح شَيْخه أَو آخر ... انْتهى، هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل وَنسبه إِلَى الْكرْمَانِي، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَين الْكَلَامَيْنِ، فالناظر الَّذِي يتَأَمَّل فِيهِ يعرف أَن التخبيط جَاءَ من أَيْن. وَالثَّالِث: أَنه فهم من قَوْله أَو رجل آخر أَنه يمدح شَيْخه، وَلَيْسَ كَذَلِك بل غَرَضه أَنه يمدح شَيْخه أَو رجلا آخر غَيره، أفهمهُ كَمَا صرح.

٥٢ - (بابُ مَا قيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي حق ذِي الْوَجْهَيْنِ، وَذُو الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه، كَمَا يَجِيء عَن قريب فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه هِيَ المداهنة الْمُحرمَة، وَسمي ذُو الْوَجْهَيْنِ مداهناً لِأَنَّهُ يظْهر لأهل الْمُنكر أَنه عَنْهُم راضٍ فيلقاهم بِوَجْه سمح بالترحيب والبشر وَكَذَلِكَ يظْهر لأهل الْحق مَا أظهره لأهل الْمُنكر فيخلطه لكلتا الطَّائِفَتَيْنِ، وإظهاره الرضى بفعلهم اسْتحق إسم المداهنة وَاسْتحق الْوَعيد الشَّديد أَيْضا، رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يكون عِنْد الله وجيهاً) ، وَرُوِيَ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ، أَنه روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من كَانَ ذَا لسانين فِي الدُّنْيَا جعل الله لَهُ لسانين من نَار يَوْم الْقِيَامَة) .

٨٦ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يأتِي هاؤُلاءِ بِوَجْهٍ وهاؤُلَاءِ بِوَجْهٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٩٤ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن حَفْص يروي عَن أبي حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان الزيات.

قَوْله: (تَجِد من شَرّ النَّاس) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شرار النَّاس، بِصِيغَة الْجمع، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِن من شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تَجِدُونَ شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: تَجِدُونَ من شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ: من شَرّ خلق الله ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه الْأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَالرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: شَرّ النَّاس، مَحْمُولَة على الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: من شَرّ النَّاس، مُبَالغَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: أشر النَّاس، بِلَفْظ أفعل وَهُوَ لُغَة فصيحة، وَإِنَّمَا كَانَ أشر لِأَنَّهُ يشبه النِّفَاق. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالنَّاسِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من ذكر من الطَّائِفَتَيْنِ خَاصَّة فَهُوَ شرهم كلهم، وَالْأولَى أَن يحمل على عُمُومه فَهُوَ أبلغ بالذم. قَوْله: ذَا الْوَجْهَيْنِ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول. قَوْله: تَجِد قَوْله: (يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَي: يَأْتِي كل طَائِفَة وَيظْهر عِنْدهم أَنه مِنْهُم ومخالف للآخرين مبغض لَهُم، إِذْ لَو أَتَى كل طَائِفَة بالإصلاح وَنَحْوه لَكَانَ مَحْمُودًا.

٥٣ - (بابُ مَنْ أخْبَرَ صاحِبَهُ بِما يُقال فِيهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إِخْبَار الرجل صَاحبه بِمَا سمع مِمَّا يُقَال فِيهِ، أَي: فِي حَقه، وَلَكِن بِشَرْط أَن يقْصد النَّصِيحَة ويتحرى الصدْق ويجتنب الْأَذَى، أَلا يُرى أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، حِين أخبر الشَّارِع بقول الْأنْصَارِيّ فِيهِ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، لم يقل لَهُ: أتيت بِمَا لَا يجوز، بل رَضِي بذلك وجاوبه بقوله: يرحم الله مُوسَى لقد أَو ذِي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر، وَلم يكن هَذَا من النميمة.

٦٠٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي وائِلٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَسَمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قِسْمَةً فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وَالله مَا أرَادَ مُحَمَّدٌ بِهاذَا وَجْهَ الله. فأتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَحِمَ

الله مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكثَرَ مِنْ هاذا فَصَبَرَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح مَا أبهم فِيهَا، وَقد بَيناهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث مضى فِي: الْجِهَاد فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (قسم) أَي: يَوْم حنين، وَقد أعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس مائَة من الْإِبِل. قَوْله: (فتمعر) تفعل مَاض من التمعر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: تغير لَونه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فتمغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: صَار لَونه لون الْمغرَة، وَصَاحب (التَّوْضِيح) نسب هَذِه الرِّوَايَة لأبي ذَر.

وَفِيه من الْفِقْه: أَن أهل الْفضل وَالْخَبَر قد يعز عَلَيْهِم مَا يُقَال فيهم من الْبَاطِل وَيكبر عَلَيْهِم، فَإِن ذَلِك جبلة فِي الْبشر فطرهم الله عَلَيْهَا إلَاّ أَن أهل الْفضل يتلقون ذَلِك بِالصبرِ الْجَمِيل اقْتِدَاء بِمن تقدمهم من الْمُؤمنِينَ، أَلا يُرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اقْتدى فِي ذَلِك بصبر مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، وَمن صبره أَنهم قَالُوا لَهُ: هُوَ آدر، فَمر يغْتَسل عُريَانا فَوضع ثَوْبه على الْحجر فَتَبِعَهُ ففر الْحجر فَجَاز على بني إِسْرَائِيل فبرأه مِمَّا قَالُوا، وَمِنْه: أَن قَارون قَالَ لامْرَأَة ذَات حمال وَحسب: هَل لَك أَن أشركك فِي أَهلِي وَمَالِي إِذا جِئْت فِي مَلأ بني إِسْرَائِيل تَقُولِينَ: إِن مُوسَى أرادني على نَفسِي، فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِم بدل الله تَعَالَى قَلبهَا، فَقَالَت: إِن قَارون قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَبلغ الْخَبَر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ شَدِيد الْغَضَب يخرج شعره من ثَوْبه إِذا غضب، فَدَعَا الله تَعَالَى وَهُوَ يبكي فَأوحى الله إِلَيْهِ: قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا بِمَا شِئْت، فَأقبل إِلَى قَارون فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، قَالَ: يَا أَرض خذيه، فساخت بِهِ الأَرْض وَبِدَارِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، فَقَالَ: خذيه فساخت بِهِ وَبِدَارِهِ فَهُوَ يتجلجل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمثل هَذِه كَثِيرَة.

٥٤ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التمادُحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التمادح بَين النَّاس الَّذِي فِيهِ الإطراء ومجاوزة الْحَد، وَهُوَ المُرَاد من التَّرْجَمَة، لِأَن الحَدِيث يدل على هَذَا. قَالَ بَعضهم: هُوَ مدح كل من الشخصين الآخر. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، هَذَا الَّذِي قَالَه بَاب المفاعلة، وَهَذَا من بَاب التفاعل لمشاركة الْقَوْم وَمن لَهُ أدنى مسكة من الصّرْف يعرف هَذَا.

٦٠٦٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ زَكرِيَّاءَ حدّثنا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجُلاً يُثْني عَلَى رَجُلٍ ويُطْرِيه فِي المِدْحَةِ، فَقَالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهُوَ أَن يفرط فِي مدح الرجل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فيدخله من ذَلِك الْإِعْجَاب ويظن أَنه فِي الْحَقِيقَة بِتِلْكَ الْمنزلَة، فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قطعْتُمْ ظهر الرجل حِين وصفتموه بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرُبمَا حمله ذَلِك على الْعجب وَالْكبر وعَلى تَضْييع الْعَمَل وَترك الإزدياد وَالْفضل، وَمن ذَلِك تَأَول الْعلمَاء فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين) ، أَن المُرَاد بهم المداحون النَّاس فِي وُجُوههم بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فيهم، وَلم يرد بهم من مدح رجلا بِمَا فِيهِ فقد مدح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَشْعَار والخطب والمخاطبة وَلم يحث فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب، وَلَا أَمر بذلك، وَقد قَالَ أَبُو طَالب فِيهِ:

(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)

ومدحه حسان فِي كثير من شعره، وَكَعب بن زُهَيْر وَغير ذَلِك.

وَمُحَمّد بن صباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَيُقَال: فِيهِ الصَّباح بِالْألف وَاللَّام الْبَغْدَادِيّ، فَالْأول رِوَايَة أبي ذَر وَالثَّانِي لغيره، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء مَقْصُور أَو مَمْدُود الْأَسدي، وَبُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه عَامر، قيل: الْحَارِث يرْوى عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة عَن أبي مُوسَى.

والْحَدِيث قد مر فِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ بِلَفْظِ: مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا شَرُّ النَّاسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا مِنْ شَرِّ النَّاسِ، وَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَرَّ النَّاسِ أَوْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مُبَالَغَةٌ فِي ذَلِكَ، وَرِوَايَةُ أَشَرِّ النَّاسِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ لُغَةٌ فِي شَرٍّ يُقَالُ: خَيْرٌ وَأَخْيَرُ وَشَرٌّ وَأَشَرُّ بِمَعْنًى، وَلَكِنِ الَّذِي بِالْأَلِفِ أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ خَاصَّةً، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمَا مُجَانِبَةٌ لِلْأُخْرَى ظَاهِرًا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهَا إِلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنْ خِدَاعِهِ الْفَرِيقَيْنِ لِيَطَّلِعَ عَلَى أَسْرَارِهِمْ فَهُوَ شَرُّهُمْ كُلُّهُمْ.

وَالْأَوْلَى حَمْلُ النَّاسِ عَلَى عُمُومِهِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: مِنْ شَرِّ خَلْقِ اللَّهِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاسِ؛ لِأَنَّ حَالَهُ حَالُ الْمُنَافِقِ، إِذْ هُوَ مُتَمَلِّقٌ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ، مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا، فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا، وَصَنِيعُة نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٌ وَتَحَيُّلٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَهُوَ مَحْمُودٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَذْمُومَ مَنْ يُزَيِّنُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَمَلَهَا وَيُقَبِّحُهُ عِنْدَ الْأُخْرَى وَيَذُمُّ كُلَّ طَائِفَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى، وَالْمَحْمُودُ أَنْ يَأْتِيَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ بِكَلَامٍ فِيهِ صَلَاحُ الْأُخْرَى وَيَعْتَذِرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَنِ الْأُخْرَى، وَيَنْقُلُ إِلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْجَمِيلِ وَيَسْتُرُ الْقَبِيحَ.

وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَوْلَى، وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ؛ فَيُرِي النَّاسَ خُشُوعًا وَاسْتِكَانَةً وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ حَتَّى يُكْرِمُوهُ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لَوِ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَدْرِهِ؛ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُطْلَقِ ذِي الْوَجْهَيْنِ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ: يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، قُلْتُ: وَقَدِ اقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ، لَكِنْ دَلَّتْ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ، فَإِنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَقَدْ ثَبَتَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ بِتَمَامِهِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ نُمَيْرٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي تَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ صَرِيحًا، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ؛ فَإِنَّهُ فَسَّرَ مَنْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٣ - بَاب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ

٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ) قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنْ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ مَنْ يَقْصِدُ الْإِفْسَادَ، وَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المتضادَّتين خاصَّةً، وللإسماعيليِّ من طريق أبي (١) شهابٍ، عن الأعمش بلفظ: «من شرِّ خلقِ الله» (يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ (٢) ذَا الوَجْهَيْنِ) بنصب «ذا» مفعول «تجد» (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ) ويُظْهر عند كلٍّ أنَّه منهم ومخالفٌ للآخرين مُبغضٌ لهم. وعند الإسماعيليِّ من طريق ابنِ نُمير عن الأعمش: «الَّذي يأتي هؤلاءِ بحديثِ هؤلاءِ، وهؤلاء بحديثِ هؤلاء» وإنَّما كان شرَّ النَّاس لأنَّ حاله حالُ المنافق (٣)؛ إذ هو يتملَّق بالباطلِ ويُدخِلُ الفسادَ بين النَّاس. نعم، لو أتى كلَّ قومٍ بكلامٍ فيه صلاحٌ واعتذرَ عن كلِّ قومٍ للآخرين، ونقل ما أمكنَه من الجميلِ وستر القبيحِ كان محمودًا.

والحديثُ أخرجهُ في «الأحكام» [خ¦٧١٧٩].

(٥٣) (بابُ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ) للنَّصيحة مع تحرِّي الصِّدق، وتجنُّب الأذى.

٦٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبدِ الله () أنَّه (قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ) يوم حُنين (قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) اسمهُ -كما قال الواقديُّ- مُعَتِّب بن قُشَير المنافق: (وَاللهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا) القسم الَّذي قسمهُ (وَجْهَ اللهِ) وكان قد أَعطى الأقرعَ بن حابس مئةً من الإبل، وأعطى عُيينة بن حصن مثلَ ذلك، وأَعطى أُنَاسًا من أشرافِ العرب، فآثرهم يومئذٍ في القسمة. قال ابنُ مسعود: (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

والتصنيف. وَالثَّانِي: مَا نقل كَلَامه مثل مَا نقلته، بل خبط فِيهِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ: أَي الْكرْمَانِي قَوْله: (أفهمني) أَي: كنت نسيت هَذَا الْإِسْنَاد فذكرني بِهِ رجل أَو أَرَادَ رجل آخر عَظِيم لما يدل عَلَيْهِ التنكير وَالْغَرَض مدح شَيْخه أَو آخر ... انْتهى، هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل وَنسبه إِلَى الْكرْمَانِي، فَانْظُر إِلَى التَّفَاوُت بَين الْكَلَامَيْنِ، فالناظر الَّذِي يتَأَمَّل فِيهِ يعرف أَن التخبيط جَاءَ من أَيْن. وَالثَّالِث: أَنه فهم من قَوْله أَو رجل آخر أَنه يمدح شَيْخه، وَلَيْسَ كَذَلِك بل غَرَضه أَنه يمدح شَيْخه أَو رجلا آخر غَيره، أفهمهُ كَمَا صرح.

٥٢ - (بابُ مَا قيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي حق ذِي الْوَجْهَيْنِ، وَذُو الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه، كَمَا يَجِيء عَن قريب فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه هِيَ المداهنة الْمُحرمَة، وَسمي ذُو الْوَجْهَيْنِ مداهناً لِأَنَّهُ يظْهر لأهل الْمُنكر أَنه عَنْهُم راضٍ فيلقاهم بِوَجْه سمح بالترحيب والبشر وَكَذَلِكَ يظْهر لأهل الْحق مَا أظهره لأهل الْمُنكر فيخلطه لكلتا الطَّائِفَتَيْنِ، وإظهاره الرضى بفعلهم اسْتحق إسم المداهنة وَاسْتحق الْوَعيد الشَّديد أَيْضا، رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يكون عِنْد الله وجيهاً) ، وَرُوِيَ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ، أَنه روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (من كَانَ ذَا لسانين فِي الدُّنْيَا جعل الله لَهُ لسانين من نَار يَوْم الْقِيَامَة) .

٨٦ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يأتِي هاؤُلاءِ بِوَجْهٍ وهاؤُلَاءِ بِوَجْهٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٩٤ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن حَفْص يروي عَن أبي حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان الزيات.

قَوْله: (تَجِد من شَرّ النَّاس) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شرار النَّاس، بِصِيغَة الْجمع، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِن من شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تَجِدُونَ شَرّ النَّاس، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: تَجِدُونَ من شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ: من شَرّ خلق الله ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهَذِه الْأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَالرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: شَرّ النَّاس، مَحْمُولَة على الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا: من شَرّ النَّاس، مُبَالغَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: أشر النَّاس، بِلَفْظ أفعل وَهُوَ لُغَة فصيحة، وَإِنَّمَا كَانَ أشر لِأَنَّهُ يشبه النِّفَاق. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِالنَّاسِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من ذكر من الطَّائِفَتَيْنِ خَاصَّة فَهُوَ شرهم كلهم، وَالْأولَى أَن يحمل على عُمُومه فَهُوَ أبلغ بالذم. قَوْله: ذَا الْوَجْهَيْنِ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول. قَوْله: تَجِد قَوْله: (يَأْتِي هَؤُلَاءِ) أَي: يَأْتِي كل طَائِفَة وَيظْهر عِنْدهم أَنه مِنْهُم ومخالف للآخرين مبغض لَهُم، إِذْ لَو أَتَى كل طَائِفَة بالإصلاح وَنَحْوه لَكَانَ مَحْمُودًا.

٥٣ - (بابُ مَنْ أخْبَرَ صاحِبَهُ بِما يُقال فِيهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إِخْبَار الرجل صَاحبه بِمَا سمع مِمَّا يُقَال فِيهِ، أَي: فِي حَقه، وَلَكِن بِشَرْط أَن يقْصد النَّصِيحَة ويتحرى الصدْق ويجتنب الْأَذَى، أَلا يُرى أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، حِين أخبر الشَّارِع بقول الْأنْصَارِيّ فِيهِ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، لم يقل لَهُ: أتيت بِمَا لَا يجوز، بل رَضِي بذلك وجاوبه بقوله: يرحم الله مُوسَى لقد أَو ذِي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر، وَلم يكن هَذَا من النميمة.

٦٠٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي وائِلٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَسَمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قِسْمَةً فَقَالَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: وَالله مَا أرَادَ مُحَمَّدٌ بِهاذَا وَجْهَ الله. فأتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَحِمَ

الله مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بأكثَرَ مِنْ هاذا فَصَبَرَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح مَا أبهم فِيهَا، وَقد بَيناهُ. وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث مضى فِي: الْجِهَاد فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (قسم) أَي: يَوْم حنين، وَقد أعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس مائَة من الْإِبِل. قَوْله: (فتمعر) تفعل مَاض من التمعر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: تغير لَونه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فتمغر) ، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: صَار لَونه لون الْمغرَة، وَصَاحب (التَّوْضِيح) نسب هَذِه الرِّوَايَة لأبي ذَر.

وَفِيه من الْفِقْه: أَن أهل الْفضل وَالْخَبَر قد يعز عَلَيْهِم مَا يُقَال فيهم من الْبَاطِل وَيكبر عَلَيْهِم، فَإِن ذَلِك جبلة فِي الْبشر فطرهم الله عَلَيْهَا إلَاّ أَن أهل الْفضل يتلقون ذَلِك بِالصبرِ الْجَمِيل اقْتِدَاء بِمن تقدمهم من الْمُؤمنِينَ، أَلا يُرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اقْتدى فِي ذَلِك بصبر مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، وَمن صبره أَنهم قَالُوا لَهُ: هُوَ آدر، فَمر يغْتَسل عُريَانا فَوضع ثَوْبه على الْحجر فَتَبِعَهُ ففر الْحجر فَجَاز على بني إِسْرَائِيل فبرأه مِمَّا قَالُوا، وَمِنْه: أَن قَارون قَالَ لامْرَأَة ذَات حمال وَحسب: هَل لَك أَن أشركك فِي أَهلِي وَمَالِي إِذا جِئْت فِي مَلأ بني إِسْرَائِيل تَقُولِينَ: إِن مُوسَى أرادني على نَفسِي، فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِم بدل الله تَعَالَى قَلبهَا، فَقَالَت: إِن قَارون قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَبلغ الْخَبَر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ شَدِيد الْغَضَب يخرج شعره من ثَوْبه إِذا غضب، فَدَعَا الله تَعَالَى وَهُوَ يبكي فَأوحى الله إِلَيْهِ: قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا بِمَا شِئْت، فَأقبل إِلَى قَارون فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، قَالَ: يَا أَرض خذيه، فساخت بِهِ الأَرْض وَبِدَارِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، فَقَالَ: خذيه فساخت بِهِ وَبِدَارِهِ فَهُوَ يتجلجل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَمثل هَذِه كَثِيرَة.

٥٤ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التمادُحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التمادح بَين النَّاس الَّذِي فِيهِ الإطراء ومجاوزة الْحَد، وَهُوَ المُرَاد من التَّرْجَمَة، لِأَن الحَدِيث يدل على هَذَا. قَالَ بَعضهم: هُوَ مدح كل من الشخصين الآخر. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، هَذَا الَّذِي قَالَه بَاب المفاعلة، وَهَذَا من بَاب التفاعل لمشاركة الْقَوْم وَمن لَهُ أدنى مسكة من الصّرْف يعرف هَذَا.

٦٠٦٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ زَكرِيَّاءَ حدّثنا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَجُلاً يُثْني عَلَى رَجُلٍ ويُطْرِيه فِي المِدْحَةِ، فَقَالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهُوَ أَن يفرط فِي مدح الرجل بِمَا لَيْسَ فِيهِ فيدخله من ذَلِك الْإِعْجَاب ويظن أَنه فِي الْحَقِيقَة بِتِلْكَ الْمنزلَة، فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قطعْتُمْ ظهر الرجل حِين وصفتموه بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرُبمَا حمله ذَلِك على الْعجب وَالْكبر وعَلى تَضْييع الْعَمَل وَترك الإزدياد وَالْفضل، وَمن ذَلِك تَأَول الْعلمَاء فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين) ، أَن المُرَاد بهم المداحون النَّاس فِي وُجُوههم بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فيهم، وَلم يرد بهم من مدح رجلا بِمَا فِيهِ فقد مدح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَشْعَار والخطب والمخاطبة وَلم يحث فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب، وَلَا أَمر بذلك، وَقد قَالَ أَبُو طَالب فِيهِ:

(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)

ومدحه حسان فِي كثير من شعره، وَكَعب بن زُهَيْر وَغير ذَلِك.

وَمُحَمّد بن صباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَيُقَال: فِيهِ الصَّباح بِالْألف وَاللَّام الْبَغْدَادِيّ، فَالْأول رِوَايَة أبي ذَر وَالثَّانِي لغيره، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء مَقْصُور أَو مَمْدُود الْأَسدي، وَبُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْمُوَحدَة، وَأَبُو بردة اسْمه عَامر، قيل: الْحَارِث يرْوى عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة عَن أبي مُوسَى.

والْحَدِيث قد مر فِي

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله