الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٦٩
الحديث رقم ٦٠٦٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ستر المؤمن على نفسه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ مِنْ مِثْلِ مَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ الرَّجُلَيْنِ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الظَّنِّ السُّوءِ بِالْمُسْلِمِ السَّالِمِ فِي دِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّا كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي عِشَاءِ الْآخِرَةِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَغِيبُ إِلَّا لِأَمْرٍ سَيِّئٍ إِمَّا فِي بَدَنِهِ وَإِمَّا فِي دِينِهِ.
٦٠ - بَاب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ
٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ.
٦٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا؛ فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُعَابُ فَيُشْرَعُ لَهُ وَيُنْدَبُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأُوَسِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ الْكَبِيرِ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً مِثْلُ هَذَا.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى) بِفَتْحِ الْفَاءِ مَقْصُورٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْعَافِيَةِ، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنَى عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَإِمَّا سَلَّمَهُ اللَّهُ وَسَلِمَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَمُسْتَخْرِجِي الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ بِالنَّصْبِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ بِالرَّفْعِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ، وَابْنِ التِّينِ، وَقَالَ: وكَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بِالنَّصْبِ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ الرَّفْعَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، كَذَا قَالَ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إِلَّا عَلَى هَذَا بِمَعْنَى لَكِنْ، وَعَلَيْهَا خَرَّجُوا قِرَاءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ﴾؛ أَيْ لَكِنِ امْرَأَتكَ، ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ وَكَذَلِكَ هُنَا الْمَعْنَى. لَكِنِ الْمُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي لَا يُعَافُونَ، فَالْمُجَاهِرُونَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: حَقُّ الْكَلَامِ النَّصْبُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْعَفْوُ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ النَّفْيِ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ يُعْفَى عَنْ ذَنْبِهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقَ الْمُعْلِنَ اهـ.
وَاخْتَصَرَهُ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: كَتَبَ فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ الْمُجَاهِرُونَ بِالرَّفْعِ وَحَقُّهُ النَّصْبُ، وَأَجَابَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ مُعَافًى وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ كُلُّ أُمَّتِي لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: والْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى
كُلُّ أُمَّتِي يُتْرَكُونَ فِي الْغِيبَةِ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَالْعَفْوُ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وَالْمُجَاهِرُ الَّذِي أَظْهَرَ مَعْصِيَتَهُ وَكَشَفَ مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ مَنْ جَاهَرَ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ جَازَ ذِكْرُهُ بِمَا جَاهَرَ بِهِ دُونَ مَا لَمْ يُجَاهِرْ بِهِ اهـ. وَالْمُجَاهِرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ جَاهَرَ بِكَذَا بِمَعْنَى جَهَرَ بِهِ. وَالنُّكْتَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِفَاعَلَ إِرَادَةُ الْمُبَالَغَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُفَاعَلَةِ، وَالْمُرَادُ الَّذِي يُجَاهِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّحَدُّثِ بِالْمَعَاصِي، وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تُؤَكِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ) كَذَا لِابْنِ السَّكَنِ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ، وَلِلْبَاقِينَ الْمَجَانَةُ بَدَلَ الْمُجَاهَرَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَاز كَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ الْجِهَارُ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْإِهْجَارُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَإِنْ مِنَ الْهِجَارِ، فَتَحَصَّلْنَا عَلَى أَرْبَعَةٍ أَشْهَرُهَا الْجِهَارُ ثُمَّ تَقْدِيمُ الْهَاءِ وَبِزِيَادَةِ أَلِفٍ قَبْلَ كُلِّ مِنْهُمَا، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ، يَعْنِي إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْعَذَرِيِّ، وَالسِّجْزِيِّ فِي مُسْلِمٍ الْإِجْهَارُ وَلِلْفَارِسِيِّ الْإِهْجَارُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَقَالَ زُهَيْرٌ الْجِهَارُ، هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سُفْيَانَ، وَابْنِ أَبِي مَاهَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ، وَفِي أُخْرَى عَنِ ابْنِ سُفْيَانَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الْهِجَارُ، قَالَ عِيَاضٌ: الْجِهَارُ وَالْإِجْهَارُ وَالْمُجَاهَرَةُ كُلُّهُ صَوَابٌ بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَالْإِظْهَارِ، يُقَالُ جَهَرَ وَأَجْهَرَ بِقَوْلِهِ وَقِرَاءَتِهِ إِذَا أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَوَّلًا إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، قَالَ: وَأَمَّا الْمَجَانَةُ فَتَصْحِيفٌ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا لَا يَبْعُدُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَاجِنَ هُوَ الَّذِي يَسْتَهْتِرُ فِي أُمُورِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ.
قُلْتُ: بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ أَنَّهُ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ فَلَيْسَ فِي إِعَادَةِ ذِكْرِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ الْمَجَانَةِ فَتُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُجَاهِرُ بِالْمَعْصِيَةِ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُجَّانِ، وَالْمَجَانَةُ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا وَعُرْفًا، فَيَكُونُ الَّذِي يُظْهِرُ الْمَعْصِيَةَ قَدِ ارْتَكَبَ مَحْذُورَيْنِ: إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَتَلَبُّسَهُ بِفِعْلِ الْمُجَّانِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَأَمَّا الْإِهْجَارُ فَهُوَ الْفُحْشُ وَالْخَنَاءُ وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْمَجَانَةِ، يُقَالُ أَهْجَرَ فِي كَلَامِهِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا تَصْحِيفٌ مِنَ الْجِهَارِ أَوِ الْإِجْهَارِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى لَا يَبْعُدُ أَيْضًا هُنَا، وَأَمَّا لَفْظُ الْهِجَارِ فَبَعِيدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْهِجَارَ الْحَبْلُ أَوِ الْوِتْرُ تُشَدُّ بِهِ يَدُ الْبَعِيرِ أَوِ الْحَلْقَةُ الَّتِي يُتَعَلَّمُ فِيهَا الطَّعْنُ وَلَا يَصِحُّ لَهُ هُنَا مَعْنًى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: بَلْ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقَالُ هَجَرَ وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ فِي كَلَامِهِ فَهُوَ مِثْلُ جَهَرَ وَأَجْهَرَ، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْهِجَارِ بِمَعْنَى الْحَبْلِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ مَصْدَرًا مِنَ الْهُجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْبَارِحَةُ) هِيَ أَقْرَبُ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ وَقْتِ الْقَوْلِ، تَقُولُ لَقِيتُهُ بالْبَارِحَةِ، وَأَصْلُهَا مِنْ بَرِحَ إِذَا زَالَ. وَوَرَدَ فِي الْأَمْرِ بِالسِّتْرِ حَدِيثُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ.
الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْجَهْرِ بِالْمَعْصِيَةِ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الْعِنَادِ لَهُمْ، وَفِي السِّتْرِ بِهَا السَّلَامَةُ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ، لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ تُذِلُّ أَهْلَهَا، وَمِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ حَدٌّ وَمِنَ التَّعْزِيرِ إِنْ لَمْ يُوجِبْ حَدًّا، وَإِذَا تَمَحَّضَ حَقُّ اللَّهِ فَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَرَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَلِذَلِكَ إِذَا سَتَرَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَفْضَحْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالَّذِي يُجَاهِرُ يَفُوتُهُ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ مَوْقِعُ إِيرَادِ حَدِيثِ النَّجْوَى عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَتْ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ لِسَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ سَتْرُ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِذَمِّ مَنْ جَاهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَسْتَلْزِمُ
مَدْحَ مَنْ يَسْتَتِرُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سِتْرَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمٌ لِسِتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ قَصَدَ إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُجَاهَرَةَ بِهَا أَغْضَبَ رَبَّهُ فَلَمْ يَسْتُرْهُ، وَمَنْ قَصَدَ التَّسَتُّرَ بِهَا حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِسَتْرِهِ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ [يُشِيرُ] بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَقْوِيَةِ مَذْهَبِهِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ، وَصَفْوَانُ مَازِنِيٌّ بَصْرِيٌّ وَأَبُوهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ الزَّاي مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ آخُذُ بِيَدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي تَفْسِيرِ هُودٍ: بَيْنَمَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: حَدِّثْنِي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (كَيْفَ سَمِعْتَ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ ارَّحْمَنِ؛ وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) هِيَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَرْءُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ، أَوْ يُسْمِعُ غَيْرَهُ سِرًّا دُونَ مَنْ يَلِيهِ، قَالَ الرَّاغِبُ: نَاجَيْتَهُ إِذَا سَارَرْتَهُ، وَأَصْلُهُ أَنْ تَخْلُوَ فِي نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَقِيلَ أَصْلُهُ مِنَ النَّجَاةِ، وَهِيَ أَنْ تَنْجُوَ بِسِرِّكَ مِنْ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَالنَّجْوَى أَصْلُهُ الْمَصْدَرُ، وَقَدْ يُوصَفُ بِهَا فَيُقَالُ هُوَ نَجْوَى وَهُمْ نَجْوَى، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمُنَاجَاةُ الَّتِي تَقَعُ مِنَ الرَّبِّ ﷾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّجْوَى لِمُقَابَلَةِ مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ؛ أَيْ يَقْرَبُ مِنْهُ قُرْبَ كَرَامَةٍ وَعُلُوِّ مَنْزِلَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ أَيْ جَانِبَهُ، وَالْكَنَفُ أَيْضًا السَّتْرُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْأَوَّلُ مَجَازٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي كَنَفِ فُلَانٍ أَيْ فِي حِمَايَتِهِ وَكِلَاءَتِهِ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّفَهُ تَصْحِيفًا شَنِيعًا؛ فَقَالَ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ النُّونِ، وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظٍ يَجْعَلُهُ فِي حِجَابِهِ. زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَسِتْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ: عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ؛ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَيَقُولُ لَهُ: اقْرَأْ صَحِيفَتَكَ فَيَقْرَأُ، وَيُقَرِّرُهُ بِذَنْبٍ ذَنْبٍ، وَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ أَتَعْرِفُ؟
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ نَعَمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ أَيْ رَبِّ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ فَيَقُولُ: أَعْرِفُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَيَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً؛ فَيَقُولُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، إِنَّكَ فِي سِتْرِي، لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي. زَادَ هَمَّامٌ، وَسَعِيدٌ، وَهِشَامٌ فِي رِوَايَتِهِمْ: فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ فَيُطْوَى وَهُوَ خَطَأٌ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ: وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُنَافِقُ، وَلِبَعْضِهِمُ: الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ هُودٍ أَنَّ الْأَشْهَادَ جَمْعُ شَاهِدٍ مِثْلُ أَصْحَابٍ وَصَاحِبٍ، وَهُوَ أَيْضًا جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ تَفَضُّلُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِسِتْرِهِ لِذُنُوبِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ أَنْفَذَ الْوَعِيدَ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّنْ يَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَسِتْرَهُ أَحَدًا إِلَّا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ؛ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦٠) (بابُ سَتْرِ المُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) إذا صدرَ منه ما يُعاب.
٦٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن عبد الله بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بنِ الخطَّاب، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي) المسلمون (مُعَافًى) بضم الميم وفتح الفاء مقصورًا، اسم مفعول من العافيةِ، أي: يُعفى عن ذَنْبهم (١) ولا يُؤاخذون به (إِلَّا المُجَاهِرونَ) بكسر الهاء، إلَّا المُعْلِنون بالفسقِ؛ لاستخفافِهم بحقِّ الله تعالى ورسولهِ وصالحِي (٢) المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم. وقوله: «المجاهرون» بالرَّفع وصحَّح عليه بالفرع، وهو رواية النَّسفيِّ، وشرحَ عليها ابنُ بطَّال والسَّفاقِسيُّ، وأجازهُ الكوفيُّون في الاستثناءِ المنقطعِ. وقال ابنُ مالكٍ: «إلَّا» على هذَا بمعنى لكنْ المجاهرون بالمعاصي لا يُعافَون، فالمجاهرون مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ. قال في «المصابيح»: هذا الباب الَّذي فتحَه ابن مالكٍ يؤدِّي إلى جواز الرَّفع في كلِّ مُستثنى من كلامٍ تامٍّ مُوجب، مثل: قام القوم إلَّا زيد؛ إذ يكون الواقع بعد إلَّا مرفوعًا بالابتداءِ والخبر محذوفٌ، وهو مقدَّر بنفي الحكم السَّابق، وينقلبُ كلُّ استثناءٍ متَّصل منقطعًا بهذا الاعتبار، ومثلُه غيرُ مستقيمٍ على ما لا يخفى. انتهى. وفي نسخة: «إلَّا المجاهرين» بالنَّصب، وعزاها الحافظُ ابن حجرٍ لأكثر رواة البخاريِّ و «مُسْتَخرَجي الإسماعيليِّ وأبي نُعيم» ومسلمٍ، وهو الصَّواب عند البصريِّين. والمجاهر الَّذي يُظهر معصيتهُ ويكشفُ ما سترَ الله عليه فيحدِّث به.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ مِنْ مِثْلِ مَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ الرَّجُلَيْنِ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الظَّنِّ السُّوءِ بِالْمُسْلِمِ السَّالِمِ فِي دِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّا كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي عِشَاءِ الْآخِرَةِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَغِيبُ إِلَّا لِأَمْرٍ سَيِّئٍ إِمَّا فِي بَدَنِهِ وَإِمَّا فِي دِينِهِ.
٦٠ - بَاب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ
٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ.
٦٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا؛ فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُعَابُ فَيُشْرَعُ لَهُ وَيُنْدَبُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأُوَسِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ الْكَبِيرِ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً مِثْلُ هَذَا.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى) بِفَتْحِ الْفَاءِ مَقْصُورٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْعَافِيَةِ، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنَى عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَإِمَّا سَلَّمَهُ اللَّهُ وَسَلِمَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَمُسْتَخْرِجِي الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ بِالنَّصْبِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ بِالرَّفْعِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ، وَابْنِ التِّينِ، وَقَالَ: وكَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بِالنَّصْبِ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ الرَّفْعَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، كَذَا قَالَ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إِلَّا عَلَى هَذَا بِمَعْنَى لَكِنْ، وَعَلَيْهَا خَرَّجُوا قِرَاءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ﴾؛ أَيْ لَكِنِ امْرَأَتكَ، ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ وَكَذَلِكَ هُنَا الْمَعْنَى. لَكِنِ الْمُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي لَا يُعَافُونَ، فَالْمُجَاهِرُونَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: حَقُّ الْكَلَامِ النَّصْبُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْعَفْوُ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ النَّفْيِ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ يُعْفَى عَنْ ذَنْبِهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقَ الْمُعْلِنَ اهـ.
وَاخْتَصَرَهُ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: كَتَبَ فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ الْمُجَاهِرُونَ بِالرَّفْعِ وَحَقُّهُ النَّصْبُ، وَأَجَابَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ مُعَافًى وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ كُلُّ أُمَّتِي لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: والْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى
كُلُّ أُمَّتِي يُتْرَكُونَ فِي الْغِيبَةِ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَالْعَفْوُ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وَالْمُجَاهِرُ الَّذِي أَظْهَرَ مَعْصِيَتَهُ وَكَشَفَ مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ مَنْ جَاهَرَ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ جَازَ ذِكْرُهُ بِمَا جَاهَرَ بِهِ دُونَ مَا لَمْ يُجَاهِرْ بِهِ اهـ. وَالْمُجَاهِرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ جَاهَرَ بِكَذَا بِمَعْنَى جَهَرَ بِهِ. وَالنُّكْتَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِفَاعَلَ إِرَادَةُ الْمُبَالَغَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُفَاعَلَةِ، وَالْمُرَادُ الَّذِي يُجَاهِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّحَدُّثِ بِالْمَعَاصِي، وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تُؤَكِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ) كَذَا لِابْنِ السَّكَنِ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ، وَلِلْبَاقِينَ الْمَجَانَةُ بَدَلَ الْمُجَاهَرَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَاز كَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ الْجِهَارُ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْإِهْجَارُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَإِنْ مِنَ الْهِجَارِ، فَتَحَصَّلْنَا عَلَى أَرْبَعَةٍ أَشْهَرُهَا الْجِهَارُ ثُمَّ تَقْدِيمُ الْهَاءِ وَبِزِيَادَةِ أَلِفٍ قَبْلَ كُلِّ مِنْهُمَا، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ، يَعْنِي إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْعَذَرِيِّ، وَالسِّجْزِيِّ فِي مُسْلِمٍ الْإِجْهَارُ وَلِلْفَارِسِيِّ الْإِهْجَارُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَقَالَ زُهَيْرٌ الْجِهَارُ، هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سُفْيَانَ، وَابْنِ أَبِي مَاهَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ، وَفِي أُخْرَى عَنِ ابْنِ سُفْيَانَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الْهِجَارُ، قَالَ عِيَاضٌ: الْجِهَارُ وَالْإِجْهَارُ وَالْمُجَاهَرَةُ كُلُّهُ صَوَابٌ بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَالْإِظْهَارِ، يُقَالُ جَهَرَ وَأَجْهَرَ بِقَوْلِهِ وَقِرَاءَتِهِ إِذَا أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَوَّلًا إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، قَالَ: وَأَمَّا الْمَجَانَةُ فَتَصْحِيفٌ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا لَا يَبْعُدُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَاجِنَ هُوَ الَّذِي يَسْتَهْتِرُ فِي أُمُورِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ.
قُلْتُ: بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ أَنَّهُ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ فَلَيْسَ فِي إِعَادَةِ ذِكْرِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ الْمَجَانَةِ فَتُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُجَاهِرُ بِالْمَعْصِيَةِ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُجَّانِ، وَالْمَجَانَةُ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا وَعُرْفًا، فَيَكُونُ الَّذِي يُظْهِرُ الْمَعْصِيَةَ قَدِ ارْتَكَبَ مَحْذُورَيْنِ: إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَتَلَبُّسَهُ بِفِعْلِ الْمُجَّانِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَأَمَّا الْإِهْجَارُ فَهُوَ الْفُحْشُ وَالْخَنَاءُ وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْمَجَانَةِ، يُقَالُ أَهْجَرَ فِي كَلَامِهِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا تَصْحِيفٌ مِنَ الْجِهَارِ أَوِ الْإِجْهَارِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى لَا يَبْعُدُ أَيْضًا هُنَا، وَأَمَّا لَفْظُ الْهِجَارِ فَبَعِيدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْهِجَارَ الْحَبْلُ أَوِ الْوِتْرُ تُشَدُّ بِهِ يَدُ الْبَعِيرِ أَوِ الْحَلْقَةُ الَّتِي يُتَعَلَّمُ فِيهَا الطَّعْنُ وَلَا يَصِحُّ لَهُ هُنَا مَعْنًى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: بَلْ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقَالُ هَجَرَ وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ فِي كَلَامِهِ فَهُوَ مِثْلُ جَهَرَ وَأَجْهَرَ، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْهِجَارِ بِمَعْنَى الْحَبْلِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ مَصْدَرًا مِنَ الْهُجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْبَارِحَةُ) هِيَ أَقْرَبُ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ وَقْتِ الْقَوْلِ، تَقُولُ لَقِيتُهُ بالْبَارِحَةِ، وَأَصْلُهَا مِنْ بَرِحَ إِذَا زَالَ. وَوَرَدَ فِي الْأَمْرِ بِالسِّتْرِ حَدِيثُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ.
الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْجَهْرِ بِالْمَعْصِيَةِ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الْعِنَادِ لَهُمْ، وَفِي السِّتْرِ بِهَا السَّلَامَةُ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ، لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ تُذِلُّ أَهْلَهَا، وَمِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ حَدٌّ وَمِنَ التَّعْزِيرِ إِنْ لَمْ يُوجِبْ حَدًّا، وَإِذَا تَمَحَّضَ حَقُّ اللَّهِ فَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَرَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَلِذَلِكَ إِذَا سَتَرَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَفْضَحْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالَّذِي يُجَاهِرُ يَفُوتُهُ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ مَوْقِعُ إِيرَادِ حَدِيثِ النَّجْوَى عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَتْ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ لِسَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ سَتْرُ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِذَمِّ مَنْ جَاهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَسْتَلْزِمُ
مَدْحَ مَنْ يَسْتَتِرُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سِتْرَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمٌ لِسِتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ قَصَدَ إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُجَاهَرَةَ بِهَا أَغْضَبَ رَبَّهُ فَلَمْ يَسْتُرْهُ، وَمَنْ قَصَدَ التَّسَتُّرَ بِهَا حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِسَتْرِهِ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ [يُشِيرُ] بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَقْوِيَةِ مَذْهَبِهِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ، وَصَفْوَانُ مَازِنِيٌّ بَصْرِيٌّ وَأَبُوهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ الزَّاي مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ آخُذُ بِيَدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي تَفْسِيرِ هُودٍ: بَيْنَمَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: حَدِّثْنِي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (كَيْفَ سَمِعْتَ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ ارَّحْمَنِ؛ وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) هِيَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَرْءُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ، أَوْ يُسْمِعُ غَيْرَهُ سِرًّا دُونَ مَنْ يَلِيهِ، قَالَ الرَّاغِبُ: نَاجَيْتَهُ إِذَا سَارَرْتَهُ، وَأَصْلُهُ أَنْ تَخْلُوَ فِي نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَقِيلَ أَصْلُهُ مِنَ النَّجَاةِ، وَهِيَ أَنْ تَنْجُوَ بِسِرِّكَ مِنْ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَالنَّجْوَى أَصْلُهُ الْمَصْدَرُ، وَقَدْ يُوصَفُ بِهَا فَيُقَالُ هُوَ نَجْوَى وَهُمْ نَجْوَى، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمُنَاجَاةُ الَّتِي تَقَعُ مِنَ الرَّبِّ ﷾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّجْوَى لِمُقَابَلَةِ مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ؛ أَيْ يَقْرَبُ مِنْهُ قُرْبَ كَرَامَةٍ وَعُلُوِّ مَنْزِلَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ أَيْ جَانِبَهُ، وَالْكَنَفُ أَيْضًا السَّتْرُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْأَوَّلُ مَجَازٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي كَنَفِ فُلَانٍ أَيْ فِي حِمَايَتِهِ وَكِلَاءَتِهِ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّفَهُ تَصْحِيفًا شَنِيعًا؛ فَقَالَ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ النُّونِ، وَيُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظٍ يَجْعَلُهُ فِي حِجَابِهِ. زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَسِتْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ: عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ؛ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَيَقُولُ لَهُ: اقْرَأْ صَحِيفَتَكَ فَيَقْرَأُ، وَيُقَرِّرُهُ بِذَنْبٍ ذَنْبٍ، وَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ أَتَعْرِفُ؟
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ نَعَمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ أَيْ رَبِّ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ فَيَقُولُ: أَعْرِفُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَيَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً؛ فَيَقُولُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، إِنَّكَ فِي سِتْرِي، لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذُنُوبِكَ غَيْرِي. زَادَ هَمَّامٌ، وَسَعِيدٌ، وَهِشَامٌ فِي رِوَايَتِهِمْ: فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ فَيُطْوَى وَهُوَ خَطَأٌ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ: وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُنَافِقُ، وَلِبَعْضِهِمُ: الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ هُودٍ أَنَّ الْأَشْهَادَ جَمْعُ شَاهِدٍ مِثْلُ أَصْحَابٍ وَصَاحِبٍ، وَهُوَ أَيْضًا جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ تَفَضُّلُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِسِتْرِهِ لِذُنُوبِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ أَنْفَذَ الْوَعِيدَ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّنْ يَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَسِتْرَهُ أَحَدًا إِلَّا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ؛ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦٠) (بابُ سَتْرِ المُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) إذا صدرَ منه ما يُعاب.
٦٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن عبد الله بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بنِ الخطَّاب، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي) المسلمون (مُعَافًى) بضم الميم وفتح الفاء مقصورًا، اسم مفعول من العافيةِ، أي: يُعفى عن ذَنْبهم (١) ولا يُؤاخذون به (إِلَّا المُجَاهِرونَ) بكسر الهاء، إلَّا المُعْلِنون بالفسقِ؛ لاستخفافِهم بحقِّ الله تعالى ورسولهِ وصالحِي (٢) المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم. وقوله: «المجاهرون» بالرَّفع وصحَّح عليه بالفرع، وهو رواية النَّسفيِّ، وشرحَ عليها ابنُ بطَّال والسَّفاقِسيُّ، وأجازهُ الكوفيُّون في الاستثناءِ المنقطعِ. وقال ابنُ مالكٍ: «إلَّا» على هذَا بمعنى لكنْ المجاهرون بالمعاصي لا يُعافَون، فالمجاهرون مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ. قال في «المصابيح»: هذا الباب الَّذي فتحَه ابن مالكٍ يؤدِّي إلى جواز الرَّفع في كلِّ مُستثنى من كلامٍ تامٍّ مُوجب، مثل: قام القوم إلَّا زيد؛ إذ يكون الواقع بعد إلَّا مرفوعًا بالابتداءِ والخبر محذوفٌ، وهو مقدَّر بنفي الحكم السَّابق، وينقلبُ كلُّ استثناءٍ متَّصل منقطعًا بهذا الاعتبار، ومثلُه غيرُ مستقيمٍ على ما لا يخفى. انتهى. وفي نسخة: «إلَّا المجاهرين» بالنَّصب، وعزاها الحافظُ ابن حجرٍ لأكثر رواة البخاريِّ و «مُسْتَخرَجي الإسماعيليِّ وأبي نُعيم» ومسلمٍ، وهو الصَّواب عند البصريِّين. والمجاهر الَّذي يُظهر معصيتهُ ويكشفُ ما سترَ الله عليه فيحدِّث به.