الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٧٠
الحديث رقم ٦٠٧٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ستر المؤمن على نفسه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَإِنَّ مِنَ المَجَانَةِ) بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون مخفَّفة، أي: عدمُ المبالاةِ بالقولِ والفعلِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من المجاهرة» بدل المجانة، وقد ضبَّب على المجانةِ في الفرع. وقال القاضي عياض: إنَّها تصحيفٌ، وإن كان معناها لا يبعدُ هنا لأنَّ الماجنَ (١) هو الَّذي يستهترُ (٢) في أمورهِ (٣)، وهو الَّذي لا يُبالي بما قال وما قيلَ له. وتعقَّبه في «فتح الباري» فقال: الَّذي يظهرُ رُجحان هذه الرواية (٤)؛ لأنَّ الكلام المذكور بعدهُ لا يرتاب أحدٌ أنَّه من المجاهرةِ، فليس في إعادةِ ذكرهِ كبيرُ فائدةٍ، وأمَّا الرِّواية بلفظ المجانة، فيفيدُ معنًى زائدًا وهو أنَّ الَّذي يجاهرُ بالمعصيةِ يكون من جملةِ المُجَّانِ (٥)، والمجانَةُ مذمومةٌ شرعًا وعرفًا، فيكون الَّذي يُظهرُ المعصية قد ارتكبَ محذورين إظهار المعصيةِ وتلبُّسه بفعل المُجَّانِ (أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا) أي: معصيةً (ثُمَّ يُصْبِحَ) يدخل في الصَّباح (وَقَدْ) أي: والحال أنَّه قد (سَتَرَهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقد سترهُ اللهُ عليه» (فَيَقُولَ) لغيره: (يَا فُلَانُ عَمِلْتُ) بضم التاء (البَارِحَةَ) هي أقربُ ليلةٍ مضت من وقت القولِ، وأصلها من برحَ إذا زال (كَذَا وَكَذَا) من المعصيةِ (وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ).
وفي حديث ابنِ عمر مرفوعًا عند الحاكم: «اجتنبُوا هذهِ القاذوراتِ الَّتي نهى الله عنها، فمَن ألمَّ بشيءٍ منها فليستترْ بسترِ الله».
٦٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشْكُريُّ (عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم وسكون المهملة بعدها راء مكسورة فزاي، المازنيِّ البصريِّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يسمَّ. نعم، في الطَّبرانيِّ أنَّ سعيدَ بن جبير قال: قلت لابنِ عمر: حَدِّثني … فذكر الحديث، فيحتملُ أن يكون هو الرَّجل المبهم (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) ﵁ (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) بالنون والجيم، وهي المُسارَّة الَّتي تقعُ بين الله ﷿ وبين عبدهِ المؤمن يوم القيامةِ، وأصلُ ذلك أن يخلوَ في نجوةٍ من الأرضِ. أو مِن النَّجاة، وهو أن تنجوَ بسرِّك من أن يطَّلع عليه أحدٌ، وأصله المصدر، وقد يُوصف به، فيقال: هو نجوى، وهم نجوى (قَالَ) ﷺ: (يَدْنُو) أي: يَقْرُبُ (أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) قربَ كرامةٍ، وعلوِّ منزلةٍ (١) (حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ) بفتح الكاف والنون والفاء، أي: سترهُ (عَلَيْهِ، فَيَقُولُ) ﷿ له: (عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية هَمَّام السَّابقة في «المظالم» [خ¦٢٤٤١] «فيقول: أتعرفُ ذنب كذا وكذا؟» (فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ) ﷿ له: (عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ) بذنوبهِ، وفي رواية سعيد بنِ جبير المذكور «فيلتفتُ يُمنةً ويُسرة، فيقولُ: لا بأسَ عليكَ إنَّك في سِتري، لا يطَّلعُ على ذنوبِكَ غيرِي» (ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ) سيئاتك (فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأنا» (أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ) زاد هَمَّام وسعيد وهشامٌ «فيُعطى كتابَ حسناتهِ» [خ¦٢٤٤١] والمراد هنا الذُّنوب الَّتي بين الله وبين عبدهِ دون مَظالم العباد. وسيكون لنا عودةٌ إلى مبحثِ ذلك مُستوفًى -إن شاء الله تعالى بعون الله- في موضعهِ. واستُشكل إيرادُ هذا الحديث هنا بعدمِ (٢) المطابقة لأنَّ التَّرجمة لسترِ المؤمن على نفسهِ، والَّذي في الحديث سترُ الله على المؤمنِ. وأُجيب بأنَّ سترَ الله مستلزمٌ لسترِ المؤمنِ على نفسهِ.
والحديث سبقَ في «المظالم» [خ¦٢٤٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيدِ» [خ¦٧٥١٤] بعون الله وقوته.
(٦١) (بابُ) ذمِّ (الكِبْرِ) بكسر الكاف وسكون الموحدة، وهو ثمرةُ العُجْب، وقد هلكَ بهما كثيرٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكون جَوَازه من الظَّن، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلأبي ذَر عَن الْكشميهني: بَاب مَا يجوز من الظَّن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والجرجاني: بَاب مَا يكره من الظَّن، وَرِوَايَة أبي ذَر أنسب لسياق الحَدِيث.
٦٠٦٧ - حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلَاناً يَعْرفانِ مِنْ ديننَا شَيْئاً. قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧ طرفه فِي: ٦٠٦٨) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن فِي التَّرْجَمَة إِثْبَات الظَّن وَفِي الحَدِيث نفي الظَّن. وَأجِيب بِأَن النَّفْي فِي الحَدِيث لظن النَّفْي لَا لنفي الظَّن فلاتنا فِي بَينهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعرف فِي قَول الْقَائِل: مَا أَظن زيدا فِي الدَّار، أَظُنهُ لَيْسَ فِي الدَّار. قلت: هُوَ حَاصِل الْجَواب الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد قد تكَرر مرَارًا عديدة خُصُوصا رِجَاله فَردا فَردا.
والْحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ اللَّيْث) هن ابْن سعد رَاوِي الحَدِيث، قَالَ الدَّاودِيّ: تَأْوِيل اللَّيْث بعيد وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرف جَمِيع الْمُنَافِقين، قَالَ الله تَعَالَى: { (٨) لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} (الْأَنْفَال: ٦٠) وَفِي التَّوْضِيح: الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْيَقِين لِأَنَّهُ كَانَ يعرف الْمُنَافِقين بإعلام الله لَهُ بهم فِي سُورَة بَرَاءَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كُنَّا نسمي سُورَة بَرَاءَة الفاضحة غير أَن الله لم يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِم وَنحن لَا نعلم بِالظَّنِّ مثل مَا علمه لأجل نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَلم يجب لنا الْقطع على الظَّن، غير أَنه من ظهر مِنْهُ فعل مُنكر فقد عرض نَفسه لسوء الظَّن والتهمة فِي دينه فَلَا حرج على من أَسَاءَ الظَّن بِهِ، وَقد قَالَ ابْن عمر: كُنَّا إِذا فَقدنَا الرجل فِي صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح أسأنا بِهِ الظَّن.
٦٠٦٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ بِهاذَا، وقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْماً وَقَالَ: يَا عائِشَةُ {مَا أظُنُّ فُلَاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ دِينَنا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أبي زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وَالنَّبِيّ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: دخل، وَيَوْما نصب على الظّرْف.
٦٠ - (بابُ سَتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْمُؤمن على نَفسه إِذا صدر مِنْهُ مَا يعاب.
٦٠٦٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: كلُّ أمَّتِي مُعافًى إلَاّ المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المَجانَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ} عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ.
قيل لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث لِأَن التَّرْجَمَة عقدت لستر الْمُؤمن على نَفسه، وَفِي الحَدِيث: ستر الله على الْمُؤمن، وَأجِيب بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستر الْمُؤمن على نَفسه، فَمن قصد إِظْهَار الْمعْصِيَة والمجاهرة فقد أغضب الله تَعَالَى فَلم يستره، وَمن قصد التستر بهَا حَيَاء، من ربه وَمن النَّاس من الله عَلَيْهِ بستره إِيَّاه.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهنا روى عَن الزُّهْرِيّ بِوَاسِطَة وَهُوَ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم يروي عَن عَمه عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي آخر الْكتاب: عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن حَاتِم وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد كِلَاهُمَا عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (معافى) بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء مَقْصُورا إسم مفعول من الْعَافِيَة الَّتِي وضعت مَوضِع الْمصدر، يُقَال: عافاه عَافِيَة والعافية دفاع الله عَن العَبْد، وَالْمعْنَى هُنَا: عَفا الله عَنهُ. قَوْله: (إِلَّا المجاهرين)
كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِلَّا المجاهرون، بِالرَّفْع على قَول الْكُوفِيّين لِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَتَكون: إلَاّ بِمَعْنى. . لَكِن، وَالْمعْنَى: لَكِن المجاهرون وبالمعاصي لَا يعافون، فالمجاهرون مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَوجه النصب هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ البصريون من أَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مَنْصُوبًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَقه النصب على الِاسْتِثْنَاء إلَاّ أَن يكون الْعَفو بِمَعْنى التّرْك وَهُوَ نوع من النَّفْي، والمجاهر هُوَ الَّذِي جاهر بمعصيته وأظهرها، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد من أمتِي يُعْفَى عَن ذَنبه وَلَا يُؤَاخذ بِهِ إلَاّ الْفَاسِق الْمُعْلن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن من جاهر بِفِسْقِهِ أَو بدعته جَازَ ذكره بِمَا جاهر بِهِ دون من لم يُجَاهر بِهِ. فَإِن قلت: المجاهر من بَاب المفاعلة يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك. قلت: معنى جاهر بِهِ جهر بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} أَي: أَسْرعُوا، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون على ظَاهر المفاعلة، وَالْمرَاد الَّذين يُجَاهر بَعضهم بَعْضًا بالتحدث بِالْمَعَاصِي. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَإِن من المجانة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَهُوَ عدم المبالاة بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني: وَإِن من المجاهرة، وَوَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد: وَإِن من الإجهار، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: الهجار، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِلَّا هجار، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَإِن من الجهار، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للعذري والسجزي فِي مُسلم: الإجهار وللفارسي: إِلَّا هجار والأهجار والمجاهرة، كُله صَوَاب بِمَعْنى الظُّهُور والإظهار، وَأما الإهجار فَهُوَ الْفُحْش والخنى وَكَثْرَة الْكَلَام وَهُوَ قريب من معنى المجانة، وَأما لَفْظَة: الهجار، فبعيد لفظا وَمعنى لِأَن الهجار الْحَبل أَو الْوتر يشد بِهِ يَد الْبَعِير، أَو الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا الطعْن، وَلَا يَصح لَهُ هُنَا معنى، وَقَالَ بَعضهم: بل لَهُ معنى صَحِيح أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: هجر إِذا أفحش فِي كَلَامه فَهُوَ مثل: جهر أَو جهر، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يلْزم من اسْتِعْمَال الهجار بِمَعْنى الْحَبل أَو غَيره أَن لَا يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا، أما أَولا: فَفِيهِ إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ. وَأما ثَانِيًا: فَقَوله: يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء، غير صَحِيح لِأَن الهجر بِالضَّمِّ الإسم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي الْمنطق والخنى، وَكَيف يُؤْخَذ الْمصدر من الإسم والمصدر أَيْضا مَأْخُوذ مِنْهُ غير مَأْخُوذ؟ فَافْهَم. قَوْله: (عملا) أَي: مَعْصِيّة. قَوْله: (ثمَّ يصبح) . أَي: يدْخل فِي الصَّباح. قَوْله: (وَقد ستره الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عملت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، البارحة: هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت من وَقت القَوْل. قَوْله: (يكْشف) ، جملَة حَالية.
٦٠٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أَن رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمُ وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا فَأَنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِي ستر الْمُؤمن والْحَدِيث فِي ستر الله عز وَجل. وَأجِيب: بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستره، وَقيل: هُوَ ستره إِذا فعال العَبْد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَصَفوَان ابْن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي فِي آخِره الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي بَدْء الْخلق عَنهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَقد ذكرهمَا فِي عدَّة مَوَاضِع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي النَّجْوَى) هِيَ المسارة الَّتِي تقع بَين الله عز وَجل وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (يدنو) من الدنو وَهُوَ الْقرب الربي لَا الْقرب المكاني قَوْله: (كنفه) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعدهمَا فَاء وَهُوَ السَّاتِر أَي: حَتَّى يُحِيط بِهِ عنايته التَّامَّة، وَقد صحفه بَعضهم تصحيفاً شنيعاً فَقَالَ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون. قَوْله: (عملت) بِلَفْظ الْخطاب كَذَا وَكَذَا، مرَّتَيْنِ مُتَعَلق بالْقَوْل لَا بِالْعَمَلِ. قَوْله: (فيقرره) أَي: يَجعله مقرا بذلك. والْحَدِيث من المتشابهات فَحكمه التَّفْوِيض أَو التَّأْوِيل بِمَا يَلِيق بِهِ.
٦١ - (بابُ الكِبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ الْكبر، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ ثَمَرَة الْعجب، وَقد هلك بهَا كثير من الْعلمَاء والعباد والزهاد، وَالْكبر والتكبر والاستكبار مُتَقَارب، والتكبر هُوَ الْحَالة الَّتِي يتخصص بهَا الْإِنْسَان من إعجابه بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ أَن يرى نَفسه أكبر من غَيره وَأعظم، ذَلِك أَن يتكبر على ربه بِأَن يمْتَنع من قبُول الْحق والإذعان لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: {ثَانِي عطفه} (الْحَج: ٩) (مستكبر فِي نَفسه عطفه رقبته) ، وَمن طَرِيق السدى: {ثَانِي عطفه} أَي: معرض من العظمة. وَعَن مُجَاهِد: أَنَّهَا نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث.
٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيانُ حَدثنَا مَعْبَدُ بنُ خالِد القَيْسِيُّ عَنْ حارِثَةَ بنِ وَهْب الخُزَاعِيِّ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعِفٍ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، ألَا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٨٨ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد الجدلي الْقَيْسِي الْكُوفِي القَاضِي، مَاتَ فِي نسة ثَمَان عشرَة وَمِائَة فِي ولَايَة خَالِد بن عبد الله، وحارثة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن وهب الْخُزَاعِيّ نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة وَهِي حييّ من الأزد.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة نون، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (كل ضَعِيف) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ كل ضَعِيف متضاعف، المُرَاد بالضعيف ضَعِيف الْحَال لَا ضَعِيف الْبدن، والمتضاعف بِمَعْنى المتواضع، ويروى: متضعف ومستضعف أَيْضا، وَالْكل يرجع إِلَى معنى وَاحِد هُوَ الَّذِي يستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا أَو متواضع متذلل خامل الذّكر وَلَو أقسم يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله بإبراره ولأبره، وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (عتل) هُوَ الغليظ الشَّديد العنف. والجواظ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو وبالظاء الْمُعْجَمَة: المنوع أَو المختال فِي مشيته، وَالْمرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وأغلب أهل النَّار، وَلَيْسَ المُرَاد الإستيعاب فِي الطَّرفَيْنِ.
٦٠٧٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى: حَدثنَا هُشَيْمٌ أخبرنَا حُمَيْدٌ الطوِيلُ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.
مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ نزل أُذُنه بِفَتْح الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة وَالنُّون، وَهِي بَلْدَة بِالْقربِ من طرسوس، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يحفظ نَحْو أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. قلت: قَالَ الَّذِي جمع (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي آخر الْحَج وَالْأَدب، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا يشبه أَن يكون البُخَارِيّ أَخذه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن عِيسَى مذاكرة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن حمدَان النَّيْسَابُورِي: كل مَا قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، وَقَالَ بعض المغاربة: يَقُول البُخَارِيّ: قَالَ لي، وَقَالَ لنا: مَا علم لَهُ إِسْنَاد لم يذكرهُ للاحتجاج بِهِ، وَإِنَّمَا ذكره للاستشهاد بِهِ، وَكَثِيرًا مَا يعبر المحدثون بِهَذَا اللَّفْظ مِمَّا جرى بَينهم فِي المذاكرات والمناظرات، وَأَحَادِيث المذاكرة قَلما
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَإِنَّ مِنَ المَجَانَةِ) بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون مخفَّفة، أي: عدمُ المبالاةِ بالقولِ والفعلِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من المجاهرة» بدل المجانة، وقد ضبَّب على المجانةِ في الفرع. وقال القاضي عياض: إنَّها تصحيفٌ، وإن كان معناها لا يبعدُ هنا لأنَّ الماجنَ (١) هو الَّذي يستهترُ (٢) في أمورهِ (٣)، وهو الَّذي لا يُبالي بما قال وما قيلَ له. وتعقَّبه في «فتح الباري» فقال: الَّذي يظهرُ رُجحان هذه الرواية (٤)؛ لأنَّ الكلام المذكور بعدهُ لا يرتاب أحدٌ أنَّه من المجاهرةِ، فليس في إعادةِ ذكرهِ كبيرُ فائدةٍ، وأمَّا الرِّواية بلفظ المجانة، فيفيدُ معنًى زائدًا وهو أنَّ الَّذي يجاهرُ بالمعصيةِ يكون من جملةِ المُجَّانِ (٥)، والمجانَةُ مذمومةٌ شرعًا وعرفًا، فيكون الَّذي يُظهرُ المعصية قد ارتكبَ محذورين إظهار المعصيةِ وتلبُّسه بفعل المُجَّانِ (أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا) أي: معصيةً (ثُمَّ يُصْبِحَ) يدخل في الصَّباح (وَقَدْ) أي: والحال أنَّه قد (سَتَرَهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقد سترهُ اللهُ عليه» (فَيَقُولَ) لغيره: (يَا فُلَانُ عَمِلْتُ) بضم التاء (البَارِحَةَ) هي أقربُ ليلةٍ مضت من وقت القولِ، وأصلها من برحَ إذا زال (كَذَا وَكَذَا) من المعصيةِ (وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ).
وفي حديث ابنِ عمر مرفوعًا عند الحاكم: «اجتنبُوا هذهِ القاذوراتِ الَّتي نهى الله عنها، فمَن ألمَّ بشيءٍ منها فليستترْ بسترِ الله».
٦٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشْكُريُّ (عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم وسكون المهملة بعدها راء مكسورة فزاي، المازنيِّ البصريِّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يسمَّ. نعم، في الطَّبرانيِّ أنَّ سعيدَ بن جبير قال: قلت لابنِ عمر: حَدِّثني … فذكر الحديث، فيحتملُ أن يكون هو الرَّجل المبهم (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) ﵁ (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) بالنون والجيم، وهي المُسارَّة الَّتي تقعُ بين الله ﷿ وبين عبدهِ المؤمن يوم القيامةِ، وأصلُ ذلك أن يخلوَ في نجوةٍ من الأرضِ. أو مِن النَّجاة، وهو أن تنجوَ بسرِّك من أن يطَّلع عليه أحدٌ، وأصله المصدر، وقد يُوصف به، فيقال: هو نجوى، وهم نجوى (قَالَ) ﷺ: (يَدْنُو) أي: يَقْرُبُ (أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) قربَ كرامةٍ، وعلوِّ منزلةٍ (١) (حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ) بفتح الكاف والنون والفاء، أي: سترهُ (عَلَيْهِ، فَيَقُولُ) ﷿ له: (عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية هَمَّام السَّابقة في «المظالم» [خ¦٢٤٤١] «فيقول: أتعرفُ ذنب كذا وكذا؟» (فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ) ﷿ له: (عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ) بذنوبهِ، وفي رواية سعيد بنِ جبير المذكور «فيلتفتُ يُمنةً ويُسرة، فيقولُ: لا بأسَ عليكَ إنَّك في سِتري، لا يطَّلعُ على ذنوبِكَ غيرِي» (ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ) سيئاتك (فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأنا» (أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ) زاد هَمَّام وسعيد وهشامٌ «فيُعطى كتابَ حسناتهِ» [خ¦٢٤٤١] والمراد هنا الذُّنوب الَّتي بين الله وبين عبدهِ دون مَظالم العباد. وسيكون لنا عودةٌ إلى مبحثِ ذلك مُستوفًى -إن شاء الله تعالى بعون الله- في موضعهِ. واستُشكل إيرادُ هذا الحديث هنا بعدمِ (٢) المطابقة لأنَّ التَّرجمة لسترِ المؤمن على نفسهِ، والَّذي في الحديث سترُ الله على المؤمنِ. وأُجيب بأنَّ سترَ الله مستلزمٌ لسترِ المؤمنِ على نفسهِ.
والحديث سبقَ في «المظالم» [خ¦٢٤٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيدِ» [خ¦٧٥١٤] بعون الله وقوته.
(٦١) (بابُ) ذمِّ (الكِبْرِ) بكسر الكاف وسكون الموحدة، وهو ثمرةُ العُجْب، وقد هلكَ بهما كثيرٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكون جَوَازه من الظَّن، هَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلأبي ذَر عَن الْكشميهني: بَاب مَا يجوز من الظَّن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والجرجاني: بَاب مَا يكره من الظَّن، وَرِوَايَة أبي ذَر أنسب لسياق الحَدِيث.
٦٠٦٧ - حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلَاناً يَعْرفانِ مِنْ ديننَا شَيْئاً. قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧ طرفه فِي: ٦٠٦٨) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن فِي التَّرْجَمَة إِثْبَات الظَّن وَفِي الحَدِيث نفي الظَّن. وَأجِيب بِأَن النَّفْي فِي الحَدِيث لظن النَّفْي لَا لنفي الظَّن فلاتنا فِي بَينهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعرف فِي قَول الْقَائِل: مَا أَظن زيدا فِي الدَّار، أَظُنهُ لَيْسَ فِي الدَّار. قلت: هُوَ حَاصِل الْجَواب الْمَذْكُور، وَهَذَا السَّنَد قد تكَرر مرَارًا عديدة خُصُوصا رِجَاله فَردا فَردا.
والْحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ اللَّيْث) هن ابْن سعد رَاوِي الحَدِيث، قَالَ الدَّاودِيّ: تَأْوِيل اللَّيْث بعيد وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرف جَمِيع الْمُنَافِقين، قَالَ الله تَعَالَى: { (٨) لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} (الْأَنْفَال: ٦٠) وَفِي التَّوْضِيح: الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْيَقِين لِأَنَّهُ كَانَ يعرف الْمُنَافِقين بإعلام الله لَهُ بهم فِي سُورَة بَرَاءَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كُنَّا نسمي سُورَة بَرَاءَة الفاضحة غير أَن الله لم يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِم وَنحن لَا نعلم بِالظَّنِّ مثل مَا علمه لأجل نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَلم يجب لنا الْقطع على الظَّن، غير أَنه من ظهر مِنْهُ فعل مُنكر فقد عرض نَفسه لسوء الظَّن والتهمة فِي دينه فَلَا حرج على من أَسَاءَ الظَّن بِهِ، وَقد قَالَ ابْن عمر: كُنَّا إِذا فَقدنَا الرجل فِي صَلَاة الْعشَاء وَالصُّبْح أسأنا بِهِ الظَّن.
٦٠٦٨ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ بِهاذَا، وقالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْماً وَقَالَ: يَا عائِشَةُ {مَا أظُنُّ فُلَاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ دِينَنا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٦٧) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة أبي زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد بِهَذَا أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة (دخل عَليّ) بتَشْديد الْيَاء وَالنَّبِيّ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: دخل، وَيَوْما نصب على الظّرْف.
٦٠ - (بابُ سَتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نَفْسِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْمُؤمن على نَفسه إِذا صدر مِنْهُ مَا يعاب.
٦٠٦٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: كلُّ أمَّتِي مُعافًى إلَاّ المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المَجانَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ} عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ.
قيل لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث لِأَن التَّرْجَمَة عقدت لستر الْمُؤمن على نَفسه، وَفِي الحَدِيث: ستر الله على الْمُؤمن، وَأجِيب بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستر الْمُؤمن على نَفسه، فَمن قصد إِظْهَار الْمعْصِيَة والمجاهرة فقد أغضب الله تَعَالَى فَلم يستره، وَمن قصد التستر بهَا حَيَاء، من ربه وَمن النَّاس من الله عَلَيْهِ بستره إِيَّاه.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهنا روى عَن الزُّهْرِيّ بِوَاسِطَة وَهُوَ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم يروي عَن عَمه عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي آخر الْكتاب: عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن حَاتِم وَعبد بن حميد ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد كِلَاهُمَا عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (معافى) بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء مَقْصُورا إسم مفعول من الْعَافِيَة الَّتِي وضعت مَوضِع الْمصدر، يُقَال: عافاه عَافِيَة والعافية دفاع الله عَن العَبْد، وَالْمعْنَى هُنَا: عَفا الله عَنهُ. قَوْله: (إِلَّا المجاهرين)
كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِلَّا المجاهرون، بِالرَّفْع على قَول الْكُوفِيّين لِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَتَكون: إلَاّ بِمَعْنى. . لَكِن، وَالْمعْنَى: لَكِن المجاهرون وبالمعاصي لَا يعافون، فالمجاهرون مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَوجه النصب هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ البصريون من أَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مَنْصُوبًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حَقه النصب على الِاسْتِثْنَاء إلَاّ أَن يكون الْعَفو بِمَعْنى التّرْك وَهُوَ نوع من النَّفْي، والمجاهر هُوَ الَّذِي جاهر بمعصيته وأظهرها، وَالْمعْنَى: كل وَاحِد من أمتِي يُعْفَى عَن ذَنبه وَلَا يُؤَاخذ بِهِ إلَاّ الْفَاسِق الْمُعْلن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن من جاهر بِفِسْقِهِ أَو بدعته جَازَ ذكره بِمَا جاهر بِهِ دون من لم يُجَاهر بِهِ. فَإِن قلت: المجاهر من بَاب المفاعلة يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك. قلت: معنى جاهر بِهِ جهر بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} أَي: أَسْرعُوا، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون على ظَاهر المفاعلة، وَالْمرَاد الَّذين يُجَاهر بَعضهم بَعْضًا بالتحدث بِالْمَعَاصِي. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَإِن من المجانة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَهُوَ عدم المبالاة بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن والكشميهني: وَإِن من المجاهرة، وَوَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد: وَإِن من الإجهار، وَكَذَا عِنْد مُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: الهجار، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِلَّا هجار، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : وَإِن من الجهار، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للعذري والسجزي فِي مُسلم: الإجهار وللفارسي: إِلَّا هجار والأهجار والمجاهرة، كُله صَوَاب بِمَعْنى الظُّهُور والإظهار، وَأما الإهجار فَهُوَ الْفُحْش والخنى وَكَثْرَة الْكَلَام وَهُوَ قريب من معنى المجانة، وَأما لَفْظَة: الهجار، فبعيد لفظا وَمعنى لِأَن الهجار الْحَبل أَو الْوتر يشد بِهِ يَد الْبَعِير، أَو الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا الطعْن، وَلَا يَصح لَهُ هُنَا معنى، وَقَالَ بَعضهم: بل لَهُ معنى صَحِيح أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: هجر إِذا أفحش فِي كَلَامه فَهُوَ مثل: جهر أَو جهر، فَمَا صَحَّ فِي هَذَا صَحَّ فِي هَذَا، وَلَا يلْزم من اسْتِعْمَال الهجار بِمَعْنى الْحَبل أَو غَيره أَن لَا يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا، أما أَولا: فَفِيهِ إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ. وَأما ثَانِيًا: فَقَوله: يسْتَعْمل مصدرا من الهجر بِضَم الْهَاء، غير صَحِيح لِأَن الهجر بِالضَّمِّ الإسم من الإهجار وَهُوَ الإفحاش فِي الْمنطق والخنى، وَكَيف يُؤْخَذ الْمصدر من الإسم والمصدر أَيْضا مَأْخُوذ مِنْهُ غير مَأْخُوذ؟ فَافْهَم. قَوْله: (عملا) أَي: مَعْصِيّة. قَوْله: (ثمَّ يصبح) . أَي: يدْخل فِي الصَّباح. قَوْله: (وَقد ستره الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عملت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، البارحة: هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت من وَقت القَوْل. قَوْله: (يكْشف) ، جملَة حَالية.
٦٠٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أَن رَجُلاً سَأَلَ ابنَ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمُ وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذا وَكَذا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا فَأَنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن التَّرْجَمَة فِي ستر الْمُؤمن والْحَدِيث فِي ستر الله عز وَجل. وَأجِيب: بِأَن ستر الله مُسْتَلْزم لستره، وَقيل: هُوَ ستره إِذا فعال العَبْد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَصَفوَان ابْن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي فِي آخِره الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي بَدْء الْخلق عَنهُ عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَقد ذكرهمَا فِي عدَّة مَوَاضِع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي النَّجْوَى) هِيَ المسارة الَّتِي تقع بَين الله عز وَجل وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (يدنو) من الدنو وَهُوَ الْقرب الربي لَا الْقرب المكاني قَوْله: (كنفه) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعدهمَا فَاء وَهُوَ السَّاتِر أَي: حَتَّى يُحِيط بِهِ عنايته التَّامَّة، وَقد صحفه بَعضهم تصحيفاً شنيعاً فَقَالَ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل النُّون. قَوْله: (عملت) بِلَفْظ الْخطاب كَذَا وَكَذَا، مرَّتَيْنِ مُتَعَلق بالْقَوْل لَا بِالْعَمَلِ. قَوْله: (فيقرره) أَي: يَجعله مقرا بذلك. والْحَدِيث من المتشابهات فَحكمه التَّفْوِيض أَو التَّأْوِيل بِمَا يَلِيق بِهِ.
٦١ - (بابُ الكِبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ الْكبر، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ ثَمَرَة الْعجب، وَقد هلك بهَا كثير من الْعلمَاء والعباد والزهاد، وَالْكبر والتكبر والاستكبار مُتَقَارب، والتكبر هُوَ الْحَالة الَّتِي يتخصص بهَا الْإِنْسَان من إعجابه بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ أَن يرى نَفسه أكبر من غَيره وَأعظم، ذَلِك أَن يتكبر على ربه بِأَن يمْتَنع من قبُول الْحق والإذعان لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: {ثَانِي عطفه} (الْحَج: ٩) (مستكبر فِي نَفسه عطفه رقبته) ، وَمن طَرِيق السدى: {ثَانِي عطفه} أَي: معرض من العظمة. وَعَن مُجَاهِد: أَنَّهَا نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث.
٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيانُ حَدثنَا مَعْبَدُ بنُ خالِد القَيْسِيُّ عَنْ حارِثَةَ بنِ وَهْب الخُزَاعِيِّ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعِفٍ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، ألَا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٨٨ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد الجدلي الْقَيْسِي الْكُوفِي القَاضِي، مَاتَ فِي نسة ثَمَان عشرَة وَمِائَة فِي ولَايَة خَالِد بن عبد الله، وحارثة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن وهب الْخُزَاعِيّ نِسْبَة إِلَى خُزَاعَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة وَهِي حييّ من الأزد.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة نون، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (كل ضَعِيف) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ كل ضَعِيف متضاعف، المُرَاد بالضعيف ضَعِيف الْحَال لَا ضَعِيف الْبدن، والمتضاعف بِمَعْنى المتواضع، ويروى: متضعف ومستضعف أَيْضا، وَالْكل يرجع إِلَى معنى وَاحِد هُوَ الَّذِي يستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا أَو متواضع متذلل خامل الذّكر وَلَو أقسم يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله بإبراره ولأبره، وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (عتل) هُوَ الغليظ الشَّديد العنف. والجواظ، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو وبالظاء الْمُعْجَمَة: المنوع أَو المختال فِي مشيته، وَالْمرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وأغلب أهل النَّار، وَلَيْسَ المُرَاد الإستيعاب فِي الطَّرفَيْنِ.
٦٠٧٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى: حَدثنَا هُشَيْمٌ أخبرنَا حُمَيْدٌ الطوِيلُ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.
مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ نزل أُذُنه بِفَتْح الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة وَالنُّون، وَهِي بَلْدَة بِالْقربِ من طرسوس، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يحفظ نَحْو أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. قلت: قَالَ الَّذِي جمع (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي آخر الْحَج وَالْأَدب، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا يشبه أَن يكون البُخَارِيّ أَخذه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن عِيسَى مذاكرة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن حمدَان النَّيْسَابُورِي: كل مَا قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ لي فلَان، فَهُوَ عرض ومناولة، وَقَالَ بعض المغاربة: يَقُول البُخَارِيّ: قَالَ لي، وَقَالَ لنا: مَا علم لَهُ إِسْنَاد لم يذكرهُ للاحتجاج بِهِ، وَإِنَّمَا ذكره للاستشهاد بِهِ، وَكَثِيرًا مَا يعبر المحدثون بِهَذَا اللَّفْظ مِمَّا جرى بَينهم فِي المذاكرات والمناظرات، وَأَحَادِيث المذاكرة قَلما