الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٧٩
الحديث رقم ٦٠٧٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشيا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٢٢⦘
أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ.»
٦٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ : أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ:
قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعرف أبواي أبا بكر وأم رومان إلا وهما يدينان بدين الإسلام، وُلدتُ وهما مسلمان، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا جاءنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار وآخره، فلما ابُتلي المؤمنون بأذى المشركين وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة خرج أبو بكر ليهاجر إلى الحبشة، فلما وصل موضعًا اسمه بَرْك الغِماد التقى به ابن الدَّغِنَة، وهو سيد قبيلة القارة، فسأله: إلى أين ستذهب يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: تسبب قومي في إخراجي، فأريد أن أسير في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن من مثلك يا أبا بكر لا يُخرَج من أرضه ولا يَخرج ويَتركها؛ لأنك تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وتصل القرابة، وتُكرم الضيف، وتساعد على حوادث الحق، وخروج مثلك خسارة لقومك، فأنا مجيرٌ لك مؤمِّنُكَ ممن أخافك منهم، فارجع واعبد ربك ببلدك، فدار ابن الدغنة في سادات قريش، فقال لهم: إن أبا بكر مثله لا يُخرج ولا يخرج، وذكر لهم الأسباب التي قالها.
فلم تنكر قريش إجارة وحماية ابن الدغنة، واشترطوا عليه، فقالوا له: اجعل أبا بكر يعبد ربَّه في بيته، فليصلِّ فيه ويقرأ ما يريد، ولا يؤذينا بذلك ولا يجهر به، فإننا نخاف أن يُخرِجَ نساءنا وأبناءنا من دينهم إلى دينه، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فمكث أبو بكر يعبد ربه في بيته، ولا يجهر بصوته، ولا يقرأ في مكانٍ آخر غير بيته، ثم ظهر لأبي بكر رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله، فبنى مسجدًا في امتداد بيته أمامه، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فجعل نساء المشركين وأبناؤهم يزدحمون عليه، وهم معجبون به وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا كثير البكاء، لا يملك دمع عينيه إذا قرأ القرآن من رقة قلبه، فأخاف ذلك أسيادَ قريش من المشركين، لما يعلمون من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا لدين الإسلام، فطلبوا ابن الدغنة فجاء إليهم، فقالوا: إنا قد أمّنا أبا بكر بجوارك، بشرط أن يعبد ربه في بيته، ولقد تعّدى ذلك، فبنى مسجدًا بفناء داره، وجهر بالصلاة والقراءة فيه، وقد خِفْنا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فيدخلوا في دينه، فاجعله ينتهي عن فعل هذا، فإذا أحب أن يعبد ربه في بيته فقط فليفعل، وإذا امتنع وأراد أن يجهر بذلك فسأله أن يُرجع إليك عهدك له، فإنا لا نحب أن ننقض عهدك، ولن نترك الإنكار على أبي بكر في الجهر بالعبادة؛ خوف نسائنا وأبنائنا، قالت عائشة: فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال له: لقد علمت الشرط الذي عاهدتك عليه من عدم الإجهار، فإما أن تبقى على الشرط الذي شرطوه، وإما أن تُرجع لي عهدي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني غُدِرت رجلًا عقدت له عقدًا، فقال أبو بكر: فأنا أردّ لك أمانك لي، وأرضى بأمان الله وحمايته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقتها بمكة، فقال النبي للمسلمين: لقد رأيت مكان هجرتكم، وفيها نخل وهي بين أرضين بهما حجارة سوداء، فهاجر من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وعاد أغلب من كان في الحبشة إلى المدينة، واستعد أبو بكر طالبًا للهجرة من مكة إلى المدينة، فقاله له النبي عليه الصلاة والسلام: على مهلك، فإني آمل أن يؤذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك أفديك بأبي؟ قال: نعم، فامتنع أبو بكر عن الهجرة ليصحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأطعم أبو بكر راحلتين من الإبل كانتا عنده من ورق السمر، وهو ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، فبات يطعمهما منه لمدة أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن في يوم جالسين في بيت أبي بكر في أول الزوال عند شدة الحر، قال شخص لأبي بكر: هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء مغطيًّا رأسه، جاء في وقت لم يكن يأتينا فيه، فقال أبو بكر: أفديه بأبي وأمي، والله لم يأتِ به في هذا الوقت إلا أمر حدث، لأن عادته أن يأتي إليهم في أول النهار وآخره، لا في وسطه، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاء عليه الصلاة والسلام فاستأذن في الدخول، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: أخرج الذين معك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يقصد عائشة وأمها وأختها، أفديك بأبي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فإني قد أذن الله لي في الخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: هل تسمح أن أصاحبك بأبي أنت يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال عليه الصلاة والسلام: لا آخذها إلا بعد دفع ثمنها، قالت عائشة: فجهزنا الراحلتين أسرع تجهيز وصنعنا لهما زادًا في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من ملابسها التي تشد به وسطها، فربطت به على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين.
قالت عائشة رضي الله عنها: ثم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر إلى غار في جبل ثور، فجلسا فيه ثلاث ليال، يبيت في الغار معهما عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب حاذق سريع الفهم، فيخرج من عندهما وقت السحر، فيصبح وهو في قريش بمكة، وكأنه بات فيها لشدة رجوعه في الخفاء، فلا يسمع خبرًا من قريش فيه المكروه لهما إلا حفظه، فيأتيهم بذلك الخبر حين يأتي الظلام، ويحفظ لهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر شاة من غنم، فيتركها تذهب لهما في ساعة من العِشاء كل ليلة، فيحلبان ويشربان، فيبيتان في رسل، وهو اللبن الموضوع فيه الحجارة المحماة لتذهب وخامته وثقله، حتى يسمعان صوت عامر بن فهيرة، وهو يزجر الغنم في ظلام آخر الليل، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث التي أقاما فيها بالغار، واستأجر النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي، يهديهما إلى الطريق وكان ماهرًا بالهداية، وقد كان حليفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو كافر فائتمناه فأعطوه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صباح اليوم الثالث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط، فقادهم إلى المدينة من طريق السواحل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِيَاضٌ: إِنَّمَا اغْتُفِرَتْ مُغَاضَبَةُ عَائِشَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَرَجِ - لِأَنَّ الْغَضَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ - لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَةُ الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ لَا تَنْشَأُ إِلَّا عَنْ فَرْطِ الْمَحَبَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَضَبُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبُغْضَ اغْتُفِرَ ; لِأَنَّ الْبُغْضَ هُوَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهَا: لَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ عَلَى أَنَّ قَلْبَهَا مَمْلُوءٌ بِمَحَبَّتِهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (أَجَلْ) بِوَزْنِ نَعَمْ وَمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِلَّا أَنَّ نَعَمْ أَحْسَنُ مِنْ أَجَلْ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، أَجَلْ أَحْسَنُ مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيقِ. قُلْتُ: وَهِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وَفْقِ مَا قَالَ.
٦٤ - بَاب هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا؟
٦٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا؛ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَ: إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قِيلَ: الْعَشِيُّ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْعَتَمَةِ وَقِيلَ إِلَى الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ الطَّعَامُ، وَبِالْكَسْرِ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْعَتَمَةِ، وَالْعَشِيُّ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْفَجْرِ.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ) وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ وَهَذَا التَّعْلِيقُ سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَوْصُولًا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) كَأَنَّ هَذَا سِيَاقَ مَعْمَرٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ كَلَامٌ آخَرُ فَعَطَفَ هَذَا عَلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عروة كَذَا رَأَيْتُهُ فِيهِ بِالْوَاوِ، أَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَلَفْظُهُ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ إِلَخْ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ أَبِي بَكْرٍ كَانَ يُحْوِجُ النَّبِيَّ ﷺ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّفَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِيءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ، بَلْ لِمَا يَتَزَايَدُ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي هَذَا الْجَوَابُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَمْنَعُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَجِيءُ إِلَيْهِ ﷺ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ يَأْمَنُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُ أَبو بَكْرٍ كَانَ بَيْنَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ الْمَسْجِدُ، وَكَانَ يَشْهَدُهُ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى بِطُولِهِ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى تَوْهِينِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا.
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ أَكْثَرُهَا غَرَائِبُ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ، وَقَدْ جَمَعَ طُرُقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ: عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَحَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَأَقْوَى طُرُقِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ، وَالْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (هَلْ يَزُورُ) الشَّخص (صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ) يزورهُ (بُكْرَةً) من طلوع الشَّمس إلى زوالها (وَعَشِيًّا؟) من الزَّوال إلى العتمةِ، وقد قيل: إلى الفجرِ، وسقطَتِ الهمزة من قولهِ: «أو» لأبي ذرٍّ، فالواو مفتوحةٌ وهذا لا يعارضُ حديث: «زُرْ غبًّا تزدَدْ حبًّا» المرويُّ عند الحاكم في «تاريخ نيسابور» والخطيبِ في «تاريخ بغداد» وغيرهما من طرق لأنَّ عمومه يقبل التَّخصيص، فيحملُ على من ليستْ له خصوصيَّة ومودَّةٌ ثابتةٌ، فلا تنقص (١) كثرةُ زيارتهِ من منزلتهِ، كالصَّديق (٢) الملاطفِ، كما قال ابنُ بطَّال: لا تزيدهُ كثرةُ الزِّيارة إلَّا محبَّةً بخلافِ غيره.
٦٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (٣) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوْسَى) الفرَّاء أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير، وسقط قوله: «ابن موسى» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ يوسف (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (ح) لتحويل السَّند (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا سبق موصولًا في «باب الهجرة إلى المدينة» [خ¦٣٩٠٥] وسقطَت «حاء» التَّحويل من الفرع (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليُّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي (٤)) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ) سقط قوله: «زوج … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، أنَّها (قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) بكسر القاف (أَبَوَيَّ) أبا بكر وأمَّ رومان (إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدال المهملة (٥)، دين الإسلام (وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا) على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد.
والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي: بَاب هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى ابْن بكير، نَا اللَّيْث عَن عقيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، ثمَّ تحول إِلَى إِسْنَاد آخر بقوله: وَقَالَ اللَّيْث ... إِلَى آخِره، وَوَصله فِي: بَاب الْهِجْرَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث كَمَا ذَكرْنَاهُ.
قَوْله: (يدينان الدّين) أَي: كَانَا مُؤمنين متدينين بدين الْإِسْلَام. قَوْله: (وَلم يمر يَوْم إلاّ يأتينا فِيهِ) فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (زرغبا تَزْدَدْ حبا) قلت: لَا مُعَارضَة لِأَن لكل مِنْهُمَا معنى، فَحَدِيث الْبَاب جَوَاز زِيَارَة الصّديق الملاطف لصديقه كل يَوْم على قدر حَاجته إِلَيْهِ وَالِانْتِفَاع بمشاركته لَهُ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيمَن لَيست لَهُ خُصُوصِيَّة وَلَا مَوَدَّة ثَابِتَة، فالإكثار من الزِّيَارَة رُبمَا أدَّت إِلَى الْبغضَاء فَيكون سَببا للقطيعة، فعلى الْمَعْنى الأول قَالَ الْقَائِل.
(إِذا حققت من شخص وداداً ... فزره وَلَا تخف مِنْهُ ملالاً)
(وَكن كَالشَّمْسِ تطلع كل يَوْم ... ولاتك فِي زيارته هلالاً)
وعَلى الْمَعْنى الثَّانِي قَالَ الْقَائِل:
(لَا تزر من تحب فِي كل شهر ... غير يَوْم وَلَا تزِدْه عَلَيْهِ)
(فاجتلاء الْهلَال فِي الشَّهْر يَوْمًا ... ثمَّ لَا تنظر الْعُيُون إِلَيْهِ)
قَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ رمز بالترجمة إِلَى توهين الحَدِيث الْمَشْهُور زرغباً تَزْدَدْ حبا، قلت: هَذَا تخمين فِي حق البُخَارِيّ لِأَنَّهُ حَدِيث مَشْهُور رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وهم: عَليّ وَأَبُو ذَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن عمر وَأَبُو بَرزَة وَأنس وَجَابِر وحبِيب بن مسلمة وَمُعَاوِيَة بن حيدة، وَقد جمع أَبُو نعيم وَغَيره طرقه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) والخطيب فِي (تَارِيخ بَغْدَاد) بطرِيق قوي: فَإِن قلت: كَانَ الصّديق أولى بالزيارة لدفع مشقة التّكْرَار عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: لم يكن يَجِيء إِلَى أبي بكر لمُجَرّد الزِّيَارَة بل لما يتزايد عِنْده من علم الله، وَقيل: كَانَ سَبَب ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَ إِلَى بَيت أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، يَأْمَن من أَذَى الْمُشْركين، بِخِلَاف مَا لَو جَاءَ أَبُو بكر إِلَيْهِ، وَقيل: يحْتَمل أَن أَبَا بكر كَانَ يَجِيء إِلَيْهِ فِي النَّهَار وَاللَّيْل أَكثر من مرَّتَيْنِ. قَوْله: (فَبَيْنَمَا) قد قُلْنَا غير مرّة إِن أصل بَيْنَمَا: بَين، فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا وزيدت عَلَيْهِ: مَا، ويضاف ... إِلَى جملَة. قَوْله: (جُلُوس) أَي: جالسون. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) الظهيرة الهاجرة ونحرها أَولهَا. قَالَ الْجَوْهَرِي: نحر النَّهَار النَّهَار أَوله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نحر الظهيرة أول الظّهْر، يُرِيد بِهِ شدَّة الْحر. قَوْله: (أذن لي بِالْخرُوجِ) يَعْنِي: من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.
٦٥ - (بابُ الزِّيارَةِ. ومنْ زارَ قَوْماً فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الزِّيَارَة، وَفِي بَيَان من زار قوما فَطَعِمَ، أكل عِنْدهم شَيْئا، وَمن تَمام الزِّيَارَة أَن تقدم للزائر مَا حضر، وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ مِمَّا يثبت الْمَوَدَّة وَيزِيد فِي الْمحبَّة، وَقد ورد فِي ذَلِك حَدِيث أخرجه أَحْمد وَأَبُو يعلى من طَرِيق عبيد الله بن عبد بن عُمَيْر قَالَ. دخل على جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ، نفر من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقدم إِلَيْهِم خبْزًا وخلاً، فَقَالَ: كلوا، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: نعم الإدام الْخلّ، إِن هَلَاك الرجل أَن يدْخل إِلَيْهِ نفر من إخوانه فيحتقر مَا فِي بَيته أَن يقدمهُ إِلَيْهِم، وهلاك الْقَوْم أَن يحتقر وَأما قدم إِلَيْهِم.
وزارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْداءِ رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكَلَ عِنَدُ
أَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر مصغفر عَامر الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من حَدِيث لأبي جُحَيْفَة تقدم فِي كتاب الصّيام.
٦٠٨٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخبَرنا عَبْدُ الوَهَّابِ عَنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ أنسِ بنِ سِيرِينَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِيَاضٌ: إِنَّمَا اغْتُفِرَتْ مُغَاضَبَةُ عَائِشَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَرَجِ - لِأَنَّ الْغَضَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ - لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَةُ الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ لَا تَنْشَأُ إِلَّا عَنْ فَرْطِ الْمَحَبَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَضَبُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبُغْضَ اغْتُفِرَ ; لِأَنَّ الْبُغْضَ هُوَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهَا: لَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ عَلَى أَنَّ قَلْبَهَا مَمْلُوءٌ بِمَحَبَّتِهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (أَجَلْ) بِوَزْنِ نَعَمْ وَمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِلَّا أَنَّ نَعَمْ أَحْسَنُ مِنْ أَجَلْ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، أَجَلْ أَحْسَنُ مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيقِ. قُلْتُ: وَهِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وَفْقِ مَا قَالَ.
٦٤ - بَاب هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا؟
٦٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا؛ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَ: إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قِيلَ: الْعَشِيُّ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْعَتَمَةِ وَقِيلَ إِلَى الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ الطَّعَامُ، وَبِالْكَسْرِ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْعَتَمَةِ، وَالْعَشِيُّ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْفَجْرِ.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ) وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ وَهَذَا التَّعْلِيقُ سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَوْصُولًا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) كَأَنَّ هَذَا سِيَاقَ مَعْمَرٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ كَلَامٌ آخَرُ فَعَطَفَ هَذَا عَلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عروة كَذَا رَأَيْتُهُ فِيهِ بِالْوَاوِ، أَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَلَفْظُهُ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ إِلَخْ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ أَبِي بَكْرٍ كَانَ يُحْوِجُ النَّبِيَّ ﷺ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّفَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِيءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ، بَلْ لِمَا يَتَزَايَدُ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي هَذَا الْجَوَابُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَمْنَعُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَجِيءُ إِلَيْهِ ﷺ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ يَأْمَنُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُ أَبو بَكْرٍ كَانَ بَيْنَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ الْمَسْجِدُ، وَكَانَ يَشْهَدُهُ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى بِطُولِهِ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى تَوْهِينِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا.
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ أَكْثَرُهَا غَرَائِبُ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ، وَقَدْ جَمَعَ طُرُقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ: عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَحَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَأَقْوَى طُرُقِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ، وَالْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (هَلْ يَزُورُ) الشَّخص (صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ) يزورهُ (بُكْرَةً) من طلوع الشَّمس إلى زوالها (وَعَشِيًّا؟) من الزَّوال إلى العتمةِ، وقد قيل: إلى الفجرِ، وسقطَتِ الهمزة من قولهِ: «أو» لأبي ذرٍّ، فالواو مفتوحةٌ وهذا لا يعارضُ حديث: «زُرْ غبًّا تزدَدْ حبًّا» المرويُّ عند الحاكم في «تاريخ نيسابور» والخطيبِ في «تاريخ بغداد» وغيرهما من طرق لأنَّ عمومه يقبل التَّخصيص، فيحملُ على من ليستْ له خصوصيَّة ومودَّةٌ ثابتةٌ، فلا تنقص (١) كثرةُ زيارتهِ من منزلتهِ، كالصَّديق (٢) الملاطفِ، كما قال ابنُ بطَّال: لا تزيدهُ كثرةُ الزِّيارة إلَّا محبَّةً بخلافِ غيره.
٦٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (٣) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوْسَى) الفرَّاء أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير، وسقط قوله: «ابن موسى» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ يوسف (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (ح) لتحويل السَّند (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا سبق موصولًا في «باب الهجرة إلى المدينة» [خ¦٣٩٠٥] وسقطَت «حاء» التَّحويل من الفرع (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليُّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي (٤)) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ) سقط قوله: «زوج … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، أنَّها (قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) بكسر القاف (أَبَوَيَّ) أبا بكر وأمَّ رومان (إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدال المهملة (٥)، دين الإسلام (وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا) على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد.
والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي: بَاب هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى ابْن بكير، نَا اللَّيْث عَن عقيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، ثمَّ تحول إِلَى إِسْنَاد آخر بقوله: وَقَالَ اللَّيْث ... إِلَى آخِره، وَوَصله فِي: بَاب الْهِجْرَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث كَمَا ذَكرْنَاهُ.
قَوْله: (يدينان الدّين) أَي: كَانَا مُؤمنين متدينين بدين الْإِسْلَام. قَوْله: (وَلم يمر يَوْم إلاّ يأتينا فِيهِ) فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (زرغبا تَزْدَدْ حبا) قلت: لَا مُعَارضَة لِأَن لكل مِنْهُمَا معنى، فَحَدِيث الْبَاب جَوَاز زِيَارَة الصّديق الملاطف لصديقه كل يَوْم على قدر حَاجته إِلَيْهِ وَالِانْتِفَاع بمشاركته لَهُ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيمَن لَيست لَهُ خُصُوصِيَّة وَلَا مَوَدَّة ثَابِتَة، فالإكثار من الزِّيَارَة رُبمَا أدَّت إِلَى الْبغضَاء فَيكون سَببا للقطيعة، فعلى الْمَعْنى الأول قَالَ الْقَائِل.
(إِذا حققت من شخص وداداً ... فزره وَلَا تخف مِنْهُ ملالاً)
(وَكن كَالشَّمْسِ تطلع كل يَوْم ... ولاتك فِي زيارته هلالاً)
وعَلى الْمَعْنى الثَّانِي قَالَ الْقَائِل:
(لَا تزر من تحب فِي كل شهر ... غير يَوْم وَلَا تزِدْه عَلَيْهِ)
(فاجتلاء الْهلَال فِي الشَّهْر يَوْمًا ... ثمَّ لَا تنظر الْعُيُون إِلَيْهِ)
قَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ رمز بالترجمة إِلَى توهين الحَدِيث الْمَشْهُور زرغباً تَزْدَدْ حبا، قلت: هَذَا تخمين فِي حق البُخَارِيّ لِأَنَّهُ حَدِيث مَشْهُور رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وهم: عَليّ وَأَبُو ذَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن عمر وَأَبُو بَرزَة وَأنس وَجَابِر وحبِيب بن مسلمة وَمُعَاوِيَة بن حيدة، وَقد جمع أَبُو نعيم وَغَيره طرقه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) والخطيب فِي (تَارِيخ بَغْدَاد) بطرِيق قوي: فَإِن قلت: كَانَ الصّديق أولى بالزيارة لدفع مشقة التّكْرَار عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: لم يكن يَجِيء إِلَى أبي بكر لمُجَرّد الزِّيَارَة بل لما يتزايد عِنْده من علم الله، وَقيل: كَانَ سَبَب ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَ إِلَى بَيت أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، يَأْمَن من أَذَى الْمُشْركين، بِخِلَاف مَا لَو جَاءَ أَبُو بكر إِلَيْهِ، وَقيل: يحْتَمل أَن أَبَا بكر كَانَ يَجِيء إِلَيْهِ فِي النَّهَار وَاللَّيْل أَكثر من مرَّتَيْنِ. قَوْله: (فَبَيْنَمَا) قد قُلْنَا غير مرّة إِن أصل بَيْنَمَا: بَين، فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا وزيدت عَلَيْهِ: مَا، ويضاف ... إِلَى جملَة. قَوْله: (جُلُوس) أَي: جالسون. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) الظهيرة الهاجرة ونحرها أَولهَا. قَالَ الْجَوْهَرِي: نحر النَّهَار النَّهَار أَوله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نحر الظهيرة أول الظّهْر، يُرِيد بِهِ شدَّة الْحر. قَوْله: (أذن لي بِالْخرُوجِ) يَعْنِي: من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.
٦٥ - (بابُ الزِّيارَةِ. ومنْ زارَ قَوْماً فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الزِّيَارَة، وَفِي بَيَان من زار قوما فَطَعِمَ، أكل عِنْدهم شَيْئا، وَمن تَمام الزِّيَارَة أَن تقدم للزائر مَا حضر، وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ مِمَّا يثبت الْمَوَدَّة وَيزِيد فِي الْمحبَّة، وَقد ورد فِي ذَلِك حَدِيث أخرجه أَحْمد وَأَبُو يعلى من طَرِيق عبيد الله بن عبد بن عُمَيْر قَالَ. دخل على جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ، نفر من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقدم إِلَيْهِم خبْزًا وخلاً، فَقَالَ: كلوا، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: نعم الإدام الْخلّ، إِن هَلَاك الرجل أَن يدْخل إِلَيْهِ نفر من إخوانه فيحتقر مَا فِي بَيته أَن يقدمهُ إِلَيْهِم، وهلاك الْقَوْم أَن يحتقر وَأما قدم إِلَيْهِم.
وزارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْداءِ رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكَلَ عِنَدُ
أَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر مصغفر عَامر الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من حَدِيث لأبي جُحَيْفَة تقدم فِي كتاب الصّيام.
٦٠٨٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخبَرنا عَبْدُ الوَهَّابِ عَنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ أنسِ بنِ سِيرِينَ