الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١١٦
الحديث رقم ٦١١٦ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحذر من الغضب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْحَيَاءِ
٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ".
٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ "أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَاراً قَالَ لَا تَغْضَبْ".
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُحْسِنِينَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ فَعِنْدَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْغَضَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ مَنْ يَكْظِمُ غَيْظَهُ إِلَى مَنْ يَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَةٍ وَضُحْكَةٍ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَوَّلُهُ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) خَالَفَهُ الْأَعْمَشُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَةُ الْأَعْمَشِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا) هُوَ جَارِيَةُ بِالْجِيمِ ابْنُ قُدَامَةَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ وَأَقْلِلْ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، وَلَكَ الْجَنَّةُ وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْصِنِي) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَا يُبَاعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (فَرَدَّدَ مِرَارًا) أَيْ رَدَّدَ السُّؤَالَ يَلْتَمِسُ أَنْفَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أبلغ، أَوْ أَعَمَّ، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا تَغْضَبْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: كُلُّ ذَلِكَ
يَقُولُ لَا تَغْضَبْ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: لَا تَغْضَبْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِيهَا بَيَانُ عَدَدِ الْمِرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبِ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ. وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَزُولُ مِنَ الْجِبِلَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّبْعِ الْحَيَوَانِيِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَبُ بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَغْضَبْ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْشَأُ عَنه الْغَضَبِ الْكِبْرُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ، فَالَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ الْغَضَبُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ ; لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمَ النَّاسِ قُوَّةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: جَمَعَ ﷺ فِي قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَيُنْتَقَصُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَتِهِ وَمِنْ غَضَبِهِ، وَكَانَتْ شَهْوَةُ السَّائِلِ مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْقَبَائِحِ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ حُصُولِهِ كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ، وَالْغَضَبُ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبَهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَةِ كَانَ لِقَهْرِ نَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: أَرَادَ لَا تَعْمَلْ بَعْدَ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَلَقَ اللَّهُ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَةً فِي الْإِنْسَانِ، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ، وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِنَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ حُزْنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَةِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَكَانَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَقُبْحُهُ أَشَدُّ مِنَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْحِقْدَ فِي الْقَلْبِ وَالْحَسَدَ وَإِضْمَارَ السُّوءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، بَلْ أَوْلَى شَيْءٍ يَقْبُحُ مِنْهُ بَاطِنُهُ، وَتَغَيُّرُ ظَاهِرِهِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ بَاطِنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ، وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْغَضَبِ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَ نفسه وَيَلْطِمُ خَدَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا، وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٌ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ اللَّطِيفَةُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَغْضَبْ مِنَ الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَةِ فِي دَرْءِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفيه: أنَّ الاستعاذة تُعين على تركِ الغضب، وكذا استحضار ما في كظمِ الغيظ من الفضلِ، وما في عاقبة الغضب من الوعيدِ، وأن يستحضرَ أن لا فاعل إلَّا الله، وكلُّ فاعلٍ غيره فهو آلةٌ له، فمن توجَّه إليه مكروهٌ من غيره واستحضرَ أن لو شاء الله لم يمكن ذلك الغير منه اندفعَ غضبه؛ لأنَّه لو غضبَ والحالة هذه كان غضبُه على ربِّه وهو خلافُ العبوديَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أمر الَّذي غضب بالاستعاذة لأنَّه إذا توجَّه إلى ربِّه حينئذٍ بالاستعاذة أمكنَهُ استحضارُ ما ذكر، والله الموفِّق.
٦١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) الزِّمِّيُّ -بكسر الزاي والميم المشددة-، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية المشددة والشين المعجمة، راوي عاصم أحد القرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عُثمان بن عاصم الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) اسمه جَارية -بالجيم- ابن قُدامة، كما عند أحمد وابن حبَّان (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي. قَالَ) ﷺ له (١): (لَا تَغْضَبْ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث سفيان (٢) بن عبد الله الثَّقفيِّ: «ولك الجنَّة». (فَرَدَّد) ﷺ (مِرَارًا، قَالَ (٣): لَا تَغْضَبْ (٤)) زاد في رواية: «ثلاثًا». قال الخطابيُّ: أي اجتنبْ أسبابَ الغضبِ، ولا تتعرَّض لِمَا يجلبه لأنَّ نفس الغضبِ مطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجهُ من جبلَّته. وقال ابن حبَّان: أراد لا تعملْ بعد الغضبِ شيئًا ممَّا نُهيت عنه لا أنَّه نهاهُ عن شيءٍ جبلَ عليه، ولا حيلةَ له في دفعه، وقد اشتملتْ هذه الكلمة اللَّطيفة من الحكم واستجلابِ المصالح
والنِّعم ودرءِ المفاسد والنِّقم على ما لا يحصَى بالعَدِّ، وقد بيَّن ذلك ما نقلَه في «الفتح» وأشارَ إليه في «قوت الأحياء» مع زيادة وهو أنَّ الله خلق الغضب من النَّار، وجعله غريزةً في الإنسان، فمهما قصدَ (١) أو نُوزع في غرضٍ ما اشتعلتْ نار الغضبِ وثارتْ حتَّى يحمرَّ الوجه والعينان من الدَّم؛ لأنَّ البشرةَ تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونهُ واستشعرَ القدرةَ عليه، وإن كان ممن (٢) فوقه تولَّد منه انقباض الدَّم من ظاهر الجلدِ إلى جوفِ القلب فيصفرُّ اللَّون حزنًا، وإن كان على النَّظير تردَّد الدَّم بين انقباضٍ وانبساطٍ فيحمرُّ ويصفرُّ، ويترتَّب على الغضبِ تغيُّر الظَّاهر والباطن كتغيُّر اللَّون والرِّعدة في الأطرافِ، وخروجِ الأفعال على غير ترتيبٍ واستحالةِ الخلقة حتَّى لو تراءى الغضبانُ نفسه في حال (٣) غضبه؛ لسكن غضبُه حياءً من قبحِ صورتهِ واستحالةِ خلقتهِ، هذا كلُّه في الظَّاهر، وأمَّا الباطن فقبحُه أشدُّ من الظَّاهر لأنَّه يولِّد الحقدَ في القلبِ، والحسدَ، وإضمارَ السُّوء، ويزيدُ (٤) الشَّماتةَ وهجرَ المسلم ومصارمتَه والإعراضَ عنه والاستهزاءَ والسُّخريةَ ومنعَ الحقوق، بل أوَّل شيءٍ يقبُحُ منه باطنُه، وتغيُّر ظاهرِهِ ثمرةُ تغيِّر باطنهِ، وهذا كلُّه أثرهُ في الجسد، وأمَّا أثرهُ في اللِّسان فانطلاقُه بالشَّتم والفُحش الَّذي يستحِي منه العاقلُ، ويندَمُ قائلُه عند سكونِ الغضب، ويظهرُ أثرُ الغضبِ أيضًا في الفعل بالضَّرب والقتلِ، وإن فاتَ بهربِ المغضوبِ عليه رجعَ إلى نفسهِ، فيمزِّق ثوبَ نفسهِ ويلْطِمُ خدَّه، وربما سقط صريعًا، وربَّما أغمِي عليه، وربَّما كسر الآنيةَ، وضربَ من ليس له في ذلك جريمةٌ، وبالاعتدالِ تتمُّ المصالح، وشفاء كلِّ علَّةٍ ضدُّها بلا إسرافٍ، فاقمعْ أسباب الغضبِ من الكِبْر والفَخْرِ والهزل والمزحِ والتَّعييرِ والمماراةِ والغدرِ والحرصِ على فضول المالِ أو (٥) الجاه، فإذا أُغْضِبتَ تثبَّتْ ثمَّ تفكَّر فضلَ كظمِ الغيظِ ونحوه، وأحسنْ تَفُزْ بما أخبرَ به تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أو اعْفُ، ولا تقابلْ فتُقابل، وأطعِ الله فيمن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ".
٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ "أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَاراً قَالَ لَا تَغْضَبْ".
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُحْسِنِينَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ فَعِنْدَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْغَضَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ مَنْ يَكْظِمُ غَيْظَهُ إِلَى مَنْ يَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَةٍ وَضُحْكَةٍ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَوَّلُهُ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) خَالَفَهُ الْأَعْمَشُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَةُ الْأَعْمَشِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا) هُوَ جَارِيَةُ بِالْجِيمِ ابْنُ قُدَامَةَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ وَأَقْلِلْ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، وَلَكَ الْجَنَّةُ وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْصِنِي) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَا يُبَاعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (فَرَدَّدَ مِرَارًا) أَيْ رَدَّدَ السُّؤَالَ يَلْتَمِسُ أَنْفَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أبلغ، أَوْ أَعَمَّ، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا تَغْضَبْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: كُلُّ ذَلِكَ
يَقُولُ لَا تَغْضَبْ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: لَا تَغْضَبْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِيهَا بَيَانُ عَدَدِ الْمِرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبِ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ. وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَزُولُ مِنَ الْجِبِلَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّبْعِ الْحَيَوَانِيِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَبُ بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَغْضَبْ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْشَأُ عَنه الْغَضَبِ الْكِبْرُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ، فَالَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ الْغَضَبُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ ; لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمَ النَّاسِ قُوَّةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: جَمَعَ ﷺ فِي قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَيُنْتَقَصُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَتِهِ وَمِنْ غَضَبِهِ، وَكَانَتْ شَهْوَةُ السَّائِلِ مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْقَبَائِحِ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ حُصُولِهِ كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ، وَالْغَضَبُ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبَهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَةِ كَانَ لِقَهْرِ نَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: أَرَادَ لَا تَعْمَلْ بَعْدَ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَلَقَ اللَّهُ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَةً فِي الْإِنْسَانِ، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ، وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِنَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ حُزْنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَةِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَكَانَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَقُبْحُهُ أَشَدُّ مِنَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْحِقْدَ فِي الْقَلْبِ وَالْحَسَدَ وَإِضْمَارَ السُّوءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، بَلْ أَوْلَى شَيْءٍ يَقْبُحُ مِنْهُ بَاطِنُهُ، وَتَغَيُّرُ ظَاهِرِهِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ بَاطِنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ، وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْغَضَبِ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَ نفسه وَيَلْطِمُ خَدَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا، وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٌ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ اللَّطِيفَةُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَغْضَبْ مِنَ الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَةِ فِي دَرْءِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفيه: أنَّ الاستعاذة تُعين على تركِ الغضب، وكذا استحضار ما في كظمِ الغيظ من الفضلِ، وما في عاقبة الغضب من الوعيدِ، وأن يستحضرَ أن لا فاعل إلَّا الله، وكلُّ فاعلٍ غيره فهو آلةٌ له، فمن توجَّه إليه مكروهٌ من غيره واستحضرَ أن لو شاء الله لم يمكن ذلك الغير منه اندفعَ غضبه؛ لأنَّه لو غضبَ والحالة هذه كان غضبُه على ربِّه وهو خلافُ العبوديَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أمر الَّذي غضب بالاستعاذة لأنَّه إذا توجَّه إلى ربِّه حينئذٍ بالاستعاذة أمكنَهُ استحضارُ ما ذكر، والله الموفِّق.
٦١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) الزِّمِّيُّ -بكسر الزاي والميم المشددة-، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية المشددة والشين المعجمة، راوي عاصم أحد القرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عُثمان بن عاصم الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) اسمه جَارية -بالجيم- ابن قُدامة، كما عند أحمد وابن حبَّان (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي. قَالَ) ﷺ له (١): (لَا تَغْضَبْ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث سفيان (٢) بن عبد الله الثَّقفيِّ: «ولك الجنَّة». (فَرَدَّد) ﷺ (مِرَارًا، قَالَ (٣): لَا تَغْضَبْ (٤)) زاد في رواية: «ثلاثًا». قال الخطابيُّ: أي اجتنبْ أسبابَ الغضبِ، ولا تتعرَّض لِمَا يجلبه لأنَّ نفس الغضبِ مطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجهُ من جبلَّته. وقال ابن حبَّان: أراد لا تعملْ بعد الغضبِ شيئًا ممَّا نُهيت عنه لا أنَّه نهاهُ عن شيءٍ جبلَ عليه، ولا حيلةَ له في دفعه، وقد اشتملتْ هذه الكلمة اللَّطيفة من الحكم واستجلابِ المصالح
والنِّعم ودرءِ المفاسد والنِّقم على ما لا يحصَى بالعَدِّ، وقد بيَّن ذلك ما نقلَه في «الفتح» وأشارَ إليه في «قوت الأحياء» مع زيادة وهو أنَّ الله خلق الغضب من النَّار، وجعله غريزةً في الإنسان، فمهما قصدَ (١) أو نُوزع في غرضٍ ما اشتعلتْ نار الغضبِ وثارتْ حتَّى يحمرَّ الوجه والعينان من الدَّم؛ لأنَّ البشرةَ تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونهُ واستشعرَ القدرةَ عليه، وإن كان ممن (٢) فوقه تولَّد منه انقباض الدَّم من ظاهر الجلدِ إلى جوفِ القلب فيصفرُّ اللَّون حزنًا، وإن كان على النَّظير تردَّد الدَّم بين انقباضٍ وانبساطٍ فيحمرُّ ويصفرُّ، ويترتَّب على الغضبِ تغيُّر الظَّاهر والباطن كتغيُّر اللَّون والرِّعدة في الأطرافِ، وخروجِ الأفعال على غير ترتيبٍ واستحالةِ الخلقة حتَّى لو تراءى الغضبانُ نفسه في حال (٣) غضبه؛ لسكن غضبُه حياءً من قبحِ صورتهِ واستحالةِ خلقتهِ، هذا كلُّه في الظَّاهر، وأمَّا الباطن فقبحُه أشدُّ من الظَّاهر لأنَّه يولِّد الحقدَ في القلبِ، والحسدَ، وإضمارَ السُّوء، ويزيدُ (٤) الشَّماتةَ وهجرَ المسلم ومصارمتَه والإعراضَ عنه والاستهزاءَ والسُّخريةَ ومنعَ الحقوق، بل أوَّل شيءٍ يقبُحُ منه باطنُه، وتغيُّر ظاهرِهِ ثمرةُ تغيِّر باطنهِ، وهذا كلُّه أثرهُ في الجسد، وأمَّا أثرهُ في اللِّسان فانطلاقُه بالشَّتم والفُحش الَّذي يستحِي منه العاقلُ، ويندَمُ قائلُه عند سكونِ الغضب، ويظهرُ أثرُ الغضبِ أيضًا في الفعل بالضَّرب والقتلِ، وإن فاتَ بهربِ المغضوبِ عليه رجعَ إلى نفسهِ، فيمزِّق ثوبَ نفسهِ ويلْطِمُ خدَّه، وربما سقط صريعًا، وربَّما أغمِي عليه، وربَّما كسر الآنيةَ، وضربَ من ليس له في ذلك جريمةٌ، وبالاعتدالِ تتمُّ المصالح، وشفاء كلِّ علَّةٍ ضدُّها بلا إسرافٍ، فاقمعْ أسباب الغضبِ من الكِبْر والفَخْرِ والهزل والمزحِ والتَّعييرِ والمماراةِ والغدرِ والحرصِ على فضول المالِ أو (٥) الجاه، فإذا أُغْضِبتَ تثبَّتْ ثمَّ تفكَّر فضلَ كظمِ الغيظِ ونحوه، وأحسنْ تَفُزْ بما أخبرَ به تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أو اعْفُ، ولا تقابلْ فتُقابل، وأطعِ الله فيمن