«أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١١٦

الحديث رقم ٦١١٦ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحذر من الغضب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا قال للنبي ﷺ: أوصني، قال: لا تغضب…

«أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَوْصِنِي، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ.»

سند حديث: ٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ…

٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن رجلا قال للنبي ﷺ: أوصني، قال: لا تغضب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ؟ قَالَ إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ".

٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ "أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَاراً قَالَ لَا تَغْضَبْ".

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُحْسِنِينَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ فَعِنْدَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْغَضَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ مَنْ يَكْظِمُ غَيْظَهُ إِلَى مَنْ يَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَةٍ وَضُحْكَةٍ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَوَّلُهُ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) خَالَفَهُ الْأَعْمَشُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَةُ الْأَعْمَشِ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا) هُوَ جَارِيَةُ بِالْجِيمِ ابْنُ قُدَامَةَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ وَأَقْلِلْ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، وَلَكَ الْجَنَّةُ وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ.

قَوْلُهُ: (أَوْصِنِي) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَا يُبَاعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوُهُ.

قَوْلُهُ: (فَرَدَّدَ مِرَارًا) أَيْ رَدَّدَ السُّؤَالَ يَلْتَمِسُ أَنْفَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أبلغ، أَوْ أَعَمَّ، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا تَغْضَبْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: كُلُّ ذَلِكَ

يَقُولُ لَا تَغْضَبْ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: لَا تَغْضَبْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِيهَا بَيَانُ عَدَدِ الْمِرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبِ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ. وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَزُولُ مِنَ الْجِبِلَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّبْعِ الْحَيَوَانِيِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَبُ بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَغْضَبْ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْشَأُ عَنه الْغَضَبِ الْكِبْرُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ، فَالَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ الْغَضَبُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمَ النَّاسِ قُوَّةً.

وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ النَّبِيُّ يَأْمُرُ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: جَمَعَ فِي قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَيُنْتَقَصُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَتِهِ وَمِنْ غَضَبِهِ، وَكَانَتْ شَهْوَةُ السَّائِلِ مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْقَبَائِحِ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ حُصُولِهِ كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ، وَالْغَضَبُ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبَهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَةِ كَانَ لِقَهْرِ نَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: أَرَادَ لَا تَعْمَلْ بَعْدَ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَلَقَ اللَّهُ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَةً فِي الْإِنْسَانِ، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ، وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِنَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ حُزْنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَةِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَكَانَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَقُبْحُهُ أَشَدُّ مِنَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْحِقْدَ فِي الْقَلْبِ وَالْحَسَدَ وَإِضْمَارَ السُّوءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، بَلْ أَوْلَى شَيْءٍ يَقْبُحُ مِنْهُ بَاطِنُهُ، وَتَغَيُّرُ ظَاهِرِهِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ بَاطِنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ، وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْغَضَبِ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَ نفسه وَيَلْطِمُ خَدَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا، وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٌ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ اللَّطِيفَةُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا تَغْضَبْ مِنَ الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَةِ فِي دَرْءِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفيه: أنَّ الاستعاذة تُعين على تركِ الغضب، وكذا استحضار ما في كظمِ الغيظ من الفضلِ، وما في عاقبة الغضب من الوعيدِ، وأن يستحضرَ أن لا فاعل إلَّا الله، وكلُّ فاعلٍ غيره فهو آلةٌ له، فمن توجَّه إليه مكروهٌ من غيره واستحضرَ أن لو شاء الله لم يمكن ذلك الغير منه اندفعَ غضبه؛ لأنَّه لو غضبَ والحالة هذه كان غضبُه على ربِّه وهو خلافُ العبوديَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أمر الَّذي غضب بالاستعاذة لأنَّه إذا توجَّه إلى ربِّه حينئذٍ بالاستعاذة أمكنَهُ استحضارُ ما ذكر، والله الموفِّق.

٦١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) الزِّمِّيُّ -بكسر الزاي والميم المشددة-، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية المشددة والشين المعجمة، راوي عاصم أحد القرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عُثمان بن عاصم الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا) اسمه جَارية -بالجيم- ابن قُدامة، كما عند أحمد وابن حبَّان (قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَوْصِنِي. قَالَ) له (١): (لَا تَغْضَبْ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث سفيان (٢) بن عبد الله الثَّقفيِّ: «ولك الجنَّة». (فَرَدَّد) (مِرَارًا، قَالَ (٣): لَا تَغْضَبْ (٤)) زاد في رواية: «ثلاثًا». قال الخطابيُّ: أي اجتنبْ أسبابَ الغضبِ، ولا تتعرَّض لِمَا يجلبه لأنَّ نفس الغضبِ مطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجهُ من جبلَّته. وقال ابن حبَّان: أراد لا تعملْ بعد الغضبِ شيئًا ممَّا نُهيت عنه لا أنَّه نهاهُ عن شيءٍ جبلَ عليه، ولا حيلةَ له في دفعه، وقد اشتملتْ هذه الكلمة اللَّطيفة من الحكم واستجلابِ المصالح

والنِّعم ودرءِ المفاسد والنِّقم على ما لا يحصَى بالعَدِّ، وقد بيَّن ذلك ما نقلَه في «الفتح» وأشارَ إليه في «قوت الأحياء» مع زيادة وهو أنَّ الله خلق الغضب من النَّار، وجعله غريزةً في الإنسان، فمهما قصدَ (١) أو نُوزع في غرضٍ ما اشتعلتْ نار الغضبِ وثارتْ حتَّى يحمرَّ الوجه والعينان من الدَّم؛ لأنَّ البشرةَ تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونهُ واستشعرَ القدرةَ عليه، وإن كان ممن (٢) فوقه تولَّد منه انقباض الدَّم من ظاهر الجلدِ إلى جوفِ القلب فيصفرُّ اللَّون حزنًا، وإن كان على النَّظير تردَّد الدَّم بين انقباضٍ وانبساطٍ فيحمرُّ ويصفرُّ، ويترتَّب على الغضبِ تغيُّر الظَّاهر والباطن كتغيُّر اللَّون والرِّعدة في الأطرافِ، وخروجِ الأفعال على غير ترتيبٍ واستحالةِ الخلقة حتَّى لو تراءى الغضبانُ نفسه في حال (٣) غضبه؛ لسكن غضبُه حياءً من قبحِ صورتهِ واستحالةِ خلقتهِ، هذا كلُّه في الظَّاهر، وأمَّا الباطن فقبحُه أشدُّ من الظَّاهر لأنَّه يولِّد الحقدَ في القلبِ، والحسدَ، وإضمارَ السُّوء، ويزيدُ (٤) الشَّماتةَ وهجرَ المسلم ومصارمتَه والإعراضَ عنه والاستهزاءَ والسُّخريةَ ومنعَ الحقوق، بل أوَّل شيءٍ يقبُحُ منه باطنُه، وتغيُّر ظاهرِهِ ثمرةُ تغيِّر باطنهِ، وهذا كلُّه أثرهُ في الجسد، وأمَّا أثرهُ في اللِّسان فانطلاقُه بالشَّتم والفُحش الَّذي يستحِي منه العاقلُ، ويندَمُ قائلُه عند سكونِ الغضب، ويظهرُ أثرُ الغضبِ أيضًا في الفعل بالضَّرب والقتلِ، وإن فاتَ بهربِ المغضوبِ عليه رجعَ إلى نفسهِ، فيمزِّق ثوبَ نفسهِ ويلْطِمُ خدَّه، وربما سقط صريعًا، وربَّما أغمِي عليه، وربَّما كسر الآنيةَ، وضربَ من ليس له في ذلك جريمةٌ، وبالاعتدالِ تتمُّ المصالح، وشفاء كلِّ علَّةٍ ضدُّها بلا إسرافٍ، فاقمعْ أسباب الغضبِ من الكِبْر والفَخْرِ والهزل والمزحِ والتَّعييرِ والمماراةِ والغدرِ والحرصِ على فضول المالِ أو (٥) الجاه، فإذا أُغْضِبتَ تثبَّتْ ثمَّ تفكَّر فضلَ كظمِ الغيظِ ونحوه، وأحسنْ تَفُزْ بما أخبرَ به تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أو اعْفُ، ولا تقابلْ فتُقابل، وأطعِ الله فيمن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعضهم وَأبْعد من قَالَ صلوا فِي مَسْجده بِغَيْر إِذْنه قلت غمز بِهِ على الْكرْمَانِي وَلَا بعد فِيهِ أصلا بل الْأَقْرَب هَذَا على مَا لَا يخفى قَوْله " مازال بكم " أَي ملتبسا بكم صنيعكم أَي مصنوعكم وَالْمرَاد بِهِ صلَاتهم قَوْله حَتَّى ظَنَنْت أَي حَتَّى خفت من الظَّن بِمَعْنى الْخَوْف هُنَا قَوْله " سيكتب عَلَيْكُم " أَي سيفرض عَلَيْكُم فَلَا تقوموا بِحقِّهِ فتعاقبوا عَلَيْهِ قَوْله " إِلَّا الْمَكْتُوبَة " أَي الْفَرِيضَة وَفِيه أَن أفضل النَّافِلَة مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبيُوت وَعند السّتْر عَن أعين النَّاس إِلَّا مَا كَانَ من شعار الشَّرِيعَة كالعيد وَحكى ابْن التِّين عَن قوم أَنه يسْتَحبّ أَن يَجْعَل فِي بَيته من فَرِيضَة والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ فَإِن قلت ورد قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا قلت هُوَ مَحْمُول على النَّافِلَة

٧٦ - (بابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحذر من أجل الْغَضَب، وَهُوَ غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام.

لِقَوْلِ الله تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: ٣٧) وَقَوله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمرَان: ١٣٤) [/ ح.

احْتج للحذر من الْغَضَب بالآيتين الكريمتين، كَذَا سوق الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق إِلَى قَوْله: {والكاظمين الغيظ} ثمَّ قَالَ: الْآيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دلَالَة على التحذر من الْغَضَب إلَاّ أَنه لما ضم من يَكْظِم غيظه إِلَى من يجْتَنب الْفَوَاحِش كَانَ فِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل فِي كل مِنْهُمَا دلَالَة على التحذر من الْغَضَب أما الْآيَة الأولى فَفِي مدح الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الشّرك وَالْفَوَاحِش، قَالَ السّديّ: يَعْنِي الزِّنَا. وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي مُوجبَات الْحُدُود {وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون} بِمَعْنى: يتجاوزون ويحلمون، وَقد قيل: إِن هَذِه وَمَا قبلهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ، فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِيهَا مدحاً يكون ضِدّه أَن لَا يتَجَاوَز الشَّخْص إِذا غضب، فَدلَّ ذَلِك بِالضَّرُورَةِ على التحذر من الْغَضَب المذموم، وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي مدح الْمُتَّقِينَ الَّذين وَصفهم الله بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، فَيدل ضد هَذِه الْأَوْصَاف على الذَّم، وَمن الذَّم: عدم كظم الغيظ، وَعدم الْعَفو عَن النَّاس، وَعدم كظم الغيظ هُوَ عين الْغَضَب، فَدلَّ ذَلِك أَيْضا على التحذر من الْغَضَب، فَافْهَم، وَالله أعلم.

٦١١٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؟ إنَّما الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الإغراء على الحذر من الْغَضَب.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الْحَارِث بن مِسْكين.

قَوْله: (بالصرعة) بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الَّذِي يصرع الرِّجَال مكثراً فِيهِ وَهُوَ بِنَاء الْمُبَالغَة كالحفظة بِمَعْنى كثيرا الْحِفْظ، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه بِفَتْح الرَّاء وقرأه بَعضهم بسكونها وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، قَالَ: وَضبط أَيْضا فِي بعض الْكتب بِفَتْح الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، لِأَن الصرعة بِسُكُون الرَّاء: من يصرعه غَيره كثيرا، وَهَذَا غير مَقْصُود هَهُنَا.

٦١١٥ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ عَديِّ بنِ ثابِت حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجلانِ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وأحَدُهُما يَسُبُّ صاحِبَهُ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطان الرَّجِيمِ، فقالُوا لِلرَّجُلِ: ألَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: إنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد) فَإِن من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لحذر عَن الْغَضَب

وَسكن غَضَبه.

وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان.

والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، وَفِي: بَاب السباب واللعن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (إِنِّي لست بمجنون) أما هَذَا فَكَانَ منافقاً أَو أنف من كَلَام أَصْحَابه دون كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٦١١٦ - حدَّثني يَحْياى بنُ يُوسُفَ أخبرنَا أبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاش عَنْ أبي حَصِين عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِراراً قَالَ: لَا تَغْضَبْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حذره من الْغَضَب بقوله: (لَا تغْضب) .

وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ عَن أبي بكر بن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمات.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أبي كريب بأتم مِنْهُ.

قَوْله: (أَن رجلا) قيل: إِنَّه جَارِيَة بِالْجِيم ابْن قدامَة، أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيثه مُبْهما ومفسراً وَيحْتَمل غَيره. قَوْله: (لَا تغْضب) إِنَّمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تغْضب، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مكاشفاً بأوضاع الْخلق فيأمرهم بِمَا هُوَ الأولى بهم، وَلَعَلَّ الرجل كَانَ غضوباً فوصاه بِتَرْكِهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَعَلَّه لما رأى أَن جَمِيع الْمَفَاسِد الَّتِي تعرض للْإنْسَان إِنَّمَا هِيَ من شَهْوَته وغضبه، والشهوة مَكْسُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْغَضَب، فَلَمَّا سَأَلَهُ الرجل الْإِرْشَاد إِلَى مَا يتوسل بِهِ إِلَى التَّحَرُّز عَن القبائح وَعَن الْغَضَب الَّذِي هُوَ أعظم ضَرَرا وَأكْثر وزراً، وَأَنه إِذا ملكهَا كَانَ قهر أقوى أعدائه أمره بهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى: لَا تغْضب، لَا تتعرض لأسباب الْغَضَب وللأمور الَّتِي تجلب الْغَضَب إِذْ نفس الْغَضَب مطبوع فِي الْإِنْسَان لَا يُمكن إِخْرَاجه من جبلته، أَو مَعْنَاهُ: لَا تفعل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب ويخملك عَلَيْهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال.

٧٧ - (بابُ الحَياءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحيَاء، وَهُوَ بِالْمدِّ فسروه بِأَنَّهُ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم.

٦١١٧ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبي السَّوَّارِ العدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَان بنَ حُصَيْنِ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الحَياءُ لَا يَأْتِي إلَاّ بِخَيْرٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو السوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء حسان بن حُرَيْث مصغر الْحَرْث الزَّرْع على الصَّحِيح، وَقيل: حُجَيْر بن الرّبيع، وَقيل غير ذَلِك.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة.

قَوْله: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إلَاّ بِخَير) مَعْنَاهُ أَن من اسْتَحى من النَّاس أَن يروه يَأْتِي بِالْفُجُورِ وارتكاب الْمَحَارِم فَذَلِك داعيه إِلَى أَن يكون أَشد حَيَاء من الله تَعَالَى، وَمن اسْتَحى من ربه فَإِن حياءه زاجر لَهُ عَن تَضْييع فَرَائِضه وركوب مَعَاصيه، وَالْحيَاء يمْنَع من الْفَوَاحِش وَيحمل على الْبر وَالْخَيْر كَمَا يمْنَع الْإِيمَان صَاحبه من الْفُجُور ويبعده عَن الْمعاصِي ويحمله على الطَّاعَات، فَصَارَ الْحيَاء كالإيمان لمساواته لَهُ فِي ذَلِك، وَإِن كَانَ الْحيَاء غريزة وَالْإِيمَان فعل الْمُؤمن، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْحيَاء من الْإِيمَان أَي: من أَسبَابه وأخلاق أَهله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ من يعظمه أَو يحملهُ الْحيَاء على الْإِخْلَال بِبَعْض الْحُقُوق، ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا عجز، وروى أَحْمد من رِوَايَة خَالِد بن رَبَاح عَن أبي السوار عَن عمرَان بن حُصَيْن: الْحيَاء خير كُله، وروى الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة قُرَّة بن إِيَاس، قيل: يَا رَسُول الله! الْحيَاء من الدّين؟ قَالَ: بل هُوَ الدّين كُله.

فَقَالَ بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقاراً، وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِلرَّجُلِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ؟ قَالَ إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ".

٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ "أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَاراً قَالَ لَا تَغْضَبْ".

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُحْسِنِينَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ فَعِنْدَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْغَضَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ مَنْ يَكْظِمُ غَيْظَهُ إِلَى مَنْ يَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَةٍ وَضُحْكَةٍ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَوَّلُهُ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) خَالَفَهُ الْأَعْمَشُ فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَةُ الْأَعْمَشِ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا) هُوَ جَارِيَةُ بِالْجِيمِ ابْنُ قُدَامَةَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ وَأَقْلِلْ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ، وَلَكَ الْجَنَّةُ وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ.

قَوْلُهُ: (أَوْصِنِي) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَا يُبَاعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوُهُ.

قَوْلُهُ: (فَرَدَّدَ مِرَارًا) أَيْ رَدَّدَ السُّؤَالَ يَلْتَمِسُ أَنْفَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أبلغ، أَوْ أَعَمَّ، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا تَغْضَبْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: كُلُّ ذَلِكَ

يَقُولُ لَا تَغْضَبْ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: لَا تَغْضَبْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِيهَا بَيَانُ عَدَدِ الْمِرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبِ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ. وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَزُولُ مِنَ الْجِبِلَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّبْعِ الْحَيَوَانِيِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَبُ بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَغْضَبْ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْشَأُ عَنه الْغَضَبِ الْكِبْرُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ، فَالَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ الْغَضَبُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمَ النَّاسِ قُوَّةً.

وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ النَّبِيُّ يَأْمُرُ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: جَمَعَ فِي قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَيُنْتَقَصُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَتِهِ وَمِنْ غَضَبِهِ، وَكَانَتْ شَهْوَةُ السَّائِلِ مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْقَبَائِحِ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ حُصُولِهِ كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ، وَالْغَضَبُ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبَهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَةِ كَانَ لِقَهْرِ نَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: أَرَادَ لَا تَعْمَلْ بَعْدَ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَلَقَ اللَّهُ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَةً فِي الْإِنْسَانِ، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ، وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِنَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ حُزْنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَةِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَكَانَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَقُبْحُهُ أَشَدُّ مِنَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْحِقْدَ فِي الْقَلْبِ وَالْحَسَدَ وَإِضْمَارَ السُّوءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، بَلْ أَوْلَى شَيْءٍ يَقْبُحُ مِنْهُ بَاطِنُهُ، وَتَغَيُّرُ ظَاهِرِهِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ بَاطِنِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ، وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْغَضَبِ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَ نفسه وَيَلْطِمُ خَدَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا، وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٌ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ اللَّطِيفَةُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا تَغْضَبْ مِنَ الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَةِ فِي دَرْءِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفيه: أنَّ الاستعاذة تُعين على تركِ الغضب، وكذا استحضار ما في كظمِ الغيظ من الفضلِ، وما في عاقبة الغضب من الوعيدِ، وأن يستحضرَ أن لا فاعل إلَّا الله، وكلُّ فاعلٍ غيره فهو آلةٌ له، فمن توجَّه إليه مكروهٌ من غيره واستحضرَ أن لو شاء الله لم يمكن ذلك الغير منه اندفعَ غضبه؛ لأنَّه لو غضبَ والحالة هذه كان غضبُه على ربِّه وهو خلافُ العبوديَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أمر الَّذي غضب بالاستعاذة لأنَّه إذا توجَّه إلى ربِّه حينئذٍ بالاستعاذة أمكنَهُ استحضارُ ما ذكر، والله الموفِّق.

٦١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) الزِّمِّيُّ -بكسر الزاي والميم المشددة-، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية المشددة والشين المعجمة، راوي عاصم أحد القرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عُثمان بن عاصم الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا) اسمه جَارية -بالجيم- ابن قُدامة، كما عند أحمد وابن حبَّان (قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَوْصِنِي. قَالَ) له (١): (لَا تَغْضَبْ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث سفيان (٢) بن عبد الله الثَّقفيِّ: «ولك الجنَّة». (فَرَدَّد) (مِرَارًا، قَالَ (٣): لَا تَغْضَبْ (٤)) زاد في رواية: «ثلاثًا». قال الخطابيُّ: أي اجتنبْ أسبابَ الغضبِ، ولا تتعرَّض لِمَا يجلبه لأنَّ نفس الغضبِ مطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجهُ من جبلَّته. وقال ابن حبَّان: أراد لا تعملْ بعد الغضبِ شيئًا ممَّا نُهيت عنه لا أنَّه نهاهُ عن شيءٍ جبلَ عليه، ولا حيلةَ له في دفعه، وقد اشتملتْ هذه الكلمة اللَّطيفة من الحكم واستجلابِ المصالح

والنِّعم ودرءِ المفاسد والنِّقم على ما لا يحصَى بالعَدِّ، وقد بيَّن ذلك ما نقلَه في «الفتح» وأشارَ إليه في «قوت الأحياء» مع زيادة وهو أنَّ الله خلق الغضب من النَّار، وجعله غريزةً في الإنسان، فمهما قصدَ (١) أو نُوزع في غرضٍ ما اشتعلتْ نار الغضبِ وثارتْ حتَّى يحمرَّ الوجه والعينان من الدَّم؛ لأنَّ البشرةَ تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونهُ واستشعرَ القدرةَ عليه، وإن كان ممن (٢) فوقه تولَّد منه انقباض الدَّم من ظاهر الجلدِ إلى جوفِ القلب فيصفرُّ اللَّون حزنًا، وإن كان على النَّظير تردَّد الدَّم بين انقباضٍ وانبساطٍ فيحمرُّ ويصفرُّ، ويترتَّب على الغضبِ تغيُّر الظَّاهر والباطن كتغيُّر اللَّون والرِّعدة في الأطرافِ، وخروجِ الأفعال على غير ترتيبٍ واستحالةِ الخلقة حتَّى لو تراءى الغضبانُ نفسه في حال (٣) غضبه؛ لسكن غضبُه حياءً من قبحِ صورتهِ واستحالةِ خلقتهِ، هذا كلُّه في الظَّاهر، وأمَّا الباطن فقبحُه أشدُّ من الظَّاهر لأنَّه يولِّد الحقدَ في القلبِ، والحسدَ، وإضمارَ السُّوء، ويزيدُ (٤) الشَّماتةَ وهجرَ المسلم ومصارمتَه والإعراضَ عنه والاستهزاءَ والسُّخريةَ ومنعَ الحقوق، بل أوَّل شيءٍ يقبُحُ منه باطنُه، وتغيُّر ظاهرِهِ ثمرةُ تغيِّر باطنهِ، وهذا كلُّه أثرهُ في الجسد، وأمَّا أثرهُ في اللِّسان فانطلاقُه بالشَّتم والفُحش الَّذي يستحِي منه العاقلُ، ويندَمُ قائلُه عند سكونِ الغضب، ويظهرُ أثرُ الغضبِ أيضًا في الفعل بالضَّرب والقتلِ، وإن فاتَ بهربِ المغضوبِ عليه رجعَ إلى نفسهِ، فيمزِّق ثوبَ نفسهِ ويلْطِمُ خدَّه، وربما سقط صريعًا، وربَّما أغمِي عليه، وربَّما كسر الآنيةَ، وضربَ من ليس له في ذلك جريمةٌ، وبالاعتدالِ تتمُّ المصالح، وشفاء كلِّ علَّةٍ ضدُّها بلا إسرافٍ، فاقمعْ أسباب الغضبِ من الكِبْر والفَخْرِ والهزل والمزحِ والتَّعييرِ والمماراةِ والغدرِ والحرصِ على فضول المالِ أو (٥) الجاه، فإذا أُغْضِبتَ تثبَّتْ ثمَّ تفكَّر فضلَ كظمِ الغيظِ ونحوه، وأحسنْ تَفُزْ بما أخبرَ به تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أو اعْفُ، ولا تقابلْ فتُقابل، وأطعِ الله فيمن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعضهم وَأبْعد من قَالَ صلوا فِي مَسْجده بِغَيْر إِذْنه قلت غمز بِهِ على الْكرْمَانِي وَلَا بعد فِيهِ أصلا بل الْأَقْرَب هَذَا على مَا لَا يخفى قَوْله " مازال بكم " أَي ملتبسا بكم صنيعكم أَي مصنوعكم وَالْمرَاد بِهِ صلَاتهم قَوْله حَتَّى ظَنَنْت أَي حَتَّى خفت من الظَّن بِمَعْنى الْخَوْف هُنَا قَوْله " سيكتب عَلَيْكُم " أَي سيفرض عَلَيْكُم فَلَا تقوموا بِحقِّهِ فتعاقبوا عَلَيْهِ قَوْله " إِلَّا الْمَكْتُوبَة " أَي الْفَرِيضَة وَفِيه أَن أفضل النَّافِلَة مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْبيُوت وَعند السّتْر عَن أعين النَّاس إِلَّا مَا كَانَ من شعار الشَّرِيعَة كالعيد وَحكى ابْن التِّين عَن قوم أَنه يسْتَحبّ أَن يَجْعَل فِي بَيته من فَرِيضَة والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ فَإِن قلت ورد قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبورا قلت هُوَ مَحْمُول على النَّافِلَة

٧٦ - (بابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحذر من أجل الْغَضَب، وَهُوَ غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام.

لِقَوْلِ الله تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: ٣٧) وَقَوله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمرَان: ١٣٤) [/ ح.

احْتج للحذر من الْغَضَب بالآيتين الكريمتين، كَذَا سوق الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق إِلَى قَوْله: {والكاظمين الغيظ} ثمَّ قَالَ: الْآيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دلَالَة على التحذر من الْغَضَب إلَاّ أَنه لما ضم من يَكْظِم غيظه إِلَى من يجْتَنب الْفَوَاحِش كَانَ فِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَقْصُود. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل فِي كل مِنْهُمَا دلَالَة على التحذر من الْغَضَب أما الْآيَة الأولى فَفِي مدح الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الشّرك وَالْفَوَاحِش، قَالَ السّديّ: يَعْنِي الزِّنَا. وَقَالَ مقَاتل: يَعْنِي مُوجبَات الْحُدُود {وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون} بِمَعْنى: يتجاوزون ويحلمون، وَقد قيل: إِن هَذِه وَمَا قبلهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ، فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِيهَا مدحاً يكون ضِدّه أَن لَا يتَجَاوَز الشَّخْص إِذا غضب، فَدلَّ ذَلِك بِالضَّرُورَةِ على التحذر من الْغَضَب المذموم، وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي مدح الْمُتَّقِينَ الَّذين وَصفهم الله بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، فَيدل ضد هَذِه الْأَوْصَاف على الذَّم، وَمن الذَّم: عدم كظم الغيظ، وَعدم الْعَفو عَن النَّاس، وَعدم كظم الغيظ هُوَ عين الْغَضَب، فَدلَّ ذَلِك أَيْضا على التحذر من الْغَضَب، فَافْهَم، وَالله أعلم.

٦١١٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؟ إنَّما الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الإغراء على الحذر من الْغَضَب.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن الْحَارِث بن مِسْكين.

قَوْله: (بالصرعة) بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الَّذِي يصرع الرِّجَال مكثراً فِيهِ وَهُوَ بِنَاء الْمُبَالغَة كالحفظة بِمَعْنى كثيرا الْحِفْظ، وَقَالَ ابْن التِّين: ضبطناه بِفَتْح الرَّاء وقرأه بَعضهم بسكونها وَلَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، قَالَ: وَضبط أَيْضا فِي بعض الْكتب بِفَتْح الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ عكس الْمَطْلُوب، لِأَن الصرعة بِسُكُون الرَّاء: من يصرعه غَيره كثيرا، وَهَذَا غير مَقْصُود هَهُنَا.

٦١١٥ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ عَديِّ بنِ ثابِت حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجلانِ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وأحَدُهُما يَسُبُّ صاحِبَهُ مُغْضَباً قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطان الرَّجِيمِ، فقالُوا لِلرَّجُلِ: ألَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: إنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٨٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد) فَإِن من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لحذر عَن الْغَضَب

وَسكن غَضَبه.

وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان.

والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، وَفِي: بَاب السباب واللعن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (إِنِّي لست بمجنون) أما هَذَا فَكَانَ منافقاً أَو أنف من كَلَام أَصْحَابه دون كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٦١١٦ - حدَّثني يَحْياى بنُ يُوسُفَ أخبرنَا أبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاش عَنْ أبي حَصِين عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِراراً قَالَ: لَا تَغْضَبْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حذره من الْغَضَب بقوله: (لَا تغْضب) .

وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ عَن أبي بكر بن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة الْقَارِي الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمات.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أبي كريب بأتم مِنْهُ.

قَوْله: (أَن رجلا) قيل: إِنَّه جَارِيَة بِالْجِيم ابْن قدامَة، أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيثه مُبْهما ومفسراً وَيحْتَمل غَيره. قَوْله: (لَا تغْضب) إِنَّمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تغْضب، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مكاشفاً بأوضاع الْخلق فيأمرهم بِمَا هُوَ الأولى بهم، وَلَعَلَّ الرجل كَانَ غضوباً فوصاه بِتَرْكِهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَعَلَّه لما رأى أَن جَمِيع الْمَفَاسِد الَّتِي تعرض للْإنْسَان إِنَّمَا هِيَ من شَهْوَته وغضبه، والشهوة مَكْسُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْغَضَب، فَلَمَّا سَأَلَهُ الرجل الْإِرْشَاد إِلَى مَا يتوسل بِهِ إِلَى التَّحَرُّز عَن القبائح وَعَن الْغَضَب الَّذِي هُوَ أعظم ضَرَرا وَأكْثر وزراً، وَأَنه إِذا ملكهَا كَانَ قهر أقوى أعدائه أمره بهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى: لَا تغْضب، لَا تتعرض لأسباب الْغَضَب وللأمور الَّتِي تجلب الْغَضَب إِذْ نفس الْغَضَب مطبوع فِي الْإِنْسَان لَا يُمكن إِخْرَاجه من جبلته، أَو مَعْنَاهُ: لَا تفعل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب ويخملك عَلَيْهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال.

٧٧ - (بابُ الحَياءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْحيَاء، وَهُوَ بِالْمدِّ فسروه بِأَنَّهُ تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم.

٦١١٧ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبي السَّوَّارِ العدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَان بنَ حُصَيْنِ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الحَياءُ لَا يَأْتِي إلَاّ بِخَيْرٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو السوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء حسان بن حُرَيْث مصغر الْحَرْث الزَّرْع على الصَّحِيح، وَقيل: حُجَيْر بن الرّبيع، وَقيل غير ذَلِك.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة.

قَوْله: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إلَاّ بِخَير) مَعْنَاهُ أَن من اسْتَحى من النَّاس أَن يروه يَأْتِي بِالْفُجُورِ وارتكاب الْمَحَارِم فَذَلِك داعيه إِلَى أَن يكون أَشد حَيَاء من الله تَعَالَى، وَمن اسْتَحى من ربه فَإِن حياءه زاجر لَهُ عَن تَضْييع فَرَائِضه وركوب مَعَاصيه، وَالْحيَاء يمْنَع من الْفَوَاحِش وَيحمل على الْبر وَالْخَيْر كَمَا يمْنَع الْإِيمَان صَاحبه من الْفُجُور ويبعده عَن الْمعاصِي ويحمله على الطَّاعَات، فَصَارَ الْحيَاء كالإيمان لمساواته لَهُ فِي ذَلِك، وَإِن كَانَ الْحيَاء غريزة وَالْإِيمَان فعل الْمُؤمن، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْحيَاء من الْإِيمَان أَي: من أَسبَابه وأخلاق أَهله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ من يعظمه أَو يحملهُ الْحيَاء على الْإِخْلَال بِبَعْض الْحُقُوق، ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا عجز، وروى أَحْمد من رِوَايَة خَالِد بن رَبَاح عَن أبي السوار عَن عمرَان بن حُصَيْن: الْحيَاء خير كُله، وروى الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة قُرَّة بن إِيَاس، قيل: يَا رَسُول الله! الْحيَاء من الدّين؟ قَالَ: بل هُوَ الدّين كُله.

فَقَالَ بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقاراً، وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله