«لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٥٤

الحديث رقم ٦١٥٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ…

«لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.»

سند حديث: ٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ…

٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ

⦗٣٧⦘

النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٩٢ - بَاب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرُ

حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ

٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.

٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حتى يَرِيهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرَ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ) هُوَ فِي هَذَا الْحَمْلِ مُتَابِعٌ لِأَبِي عُبَيْدٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الذَّمَّ إذا كَانَ لِلِامْتِلَاءِ وَهُوَ الَّذِي لَا بَقِيَّةَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُهُ الذَّمُّ.

ثم ذكر فيه حَدِيثُ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى يَرِيَهُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ هُنَا، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَنَسَبَهَا بَعْضُهُمْ لِلْأَصِيلِيِّ، وَلِسَائِرِ رُوَاةِ الصَّحِيحِ قَيْحًا يَرِيهِ بِإِسْقَاطِ حَتَّى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي أَكْثَرِهَا حَتَّى يَرِيَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ حَتَّى يَرِيَهُ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى يَرِيَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِإِسْقَاطِ حَتَّى فَعَلَى ثُبُوتِهَا يُقْرَأُ يَرِيَهِ بِالنَّصْبِ، وَعَلَى حَذْفِهَا بِالرَّفْعِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ يَقْرَءُونَهَا حَتَّى جَرْيًا عَلَى الْمَأْلُوفِ، وَهُوَ غَلَطٌ، إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَنْصِبُ. وَذُكِرَ أَنَّ ابْنَ الْخَشَّابِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. وَوَجَّهَ بَعْضَهُمُ النَّصْبَ عَلَى بَدَلِ الْفِعْلِ مِنَ الْفِعْلِ، وَإِجْرَاءِ إِعْرَابٍ يَمْتَلِئُ عَلَى يَرِيَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ قَيْحًا يَتَخَضْخَضُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ وَلَفْظُهُ بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْعَرَجِ إِذْ عَرَضَ لَنَا شَاعِرٌ يُنْشِدُ فَقَالَ: أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ ; لَأَنْ يَمْتَلِئَ فَذَكَرَهُ. وَيَرِيَهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ - آخِرُ الْحُرُوفِ - بَعْدَهَا رَاءٌ ثُمَّ يَاءٌ أُخْرَى، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ مِنَ الْوَرْيِ بِوَزْنِ الرَّمْيِ يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ مَوْرَى غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ أَنْ يُورَى جَوْفُهُ وَأَنْشَدَ:

قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحَا

تَدْعُو عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْوَرْيُ هُوَ أَنْ يَأْكُلَ الْقَيْحُ جَوْفَهُ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِيهِ الْفَتْحَ بِوَزْنِ الْفَرْيِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ بِالسُّكُونِ الْمَصْدَرُ، وَبِالْفَتْحِ الِاسْمُ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى يَرِيَهُ أَيْ يُصِيبَ رِئَتَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرِّئَةَ مَهْمُوزَةٌ، فَإِذَا بَنَيْتَ مِنْهُ فِعْلًا قُلْتَ: رَأَهُ يَرْأَهُ فَهُوَ مَرْئِيٌّ انْتَهَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَصْلِهَا مَهْمُوزًا أَنْ لَا تُسْتَعْمَلَ مُسَهَّلَةً، وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّئَةَ إِذَا امْتَلَأَتْ قَيْحًا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ جَوْفُ أَحَدِكُمْ فَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ يَحْتَمِلُ ظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَوْفَهُ كُلَّهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَلْبَ خَاصَّةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطِّبِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَيْحَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَمُوتُ لَا مَحَالَةَ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْقَلْبِ مِمَّا فِي

الْجَوْفِ مِنَ الْكَبِدِ وَالرِّئَةِ.

قُلْتُ: وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ وَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِلثَّانِي لِأَنَّ مُقَابِلَهُ - وَهُوَ الشِّعْرُ - مَحَلُّهُ الْقَلْبُ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنِ الْفِكْرِ، وَأَشَارَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ فِي امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنَ الشِّعْرِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُهُ أَوْ يَتَعَانَى حِفْظَهُ مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ قَيْحًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ؛ الْمُدَّةُ لَا يُخَالِطُهَا دَمٌ، وَقَوْلُهُ شِعْرًا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ شِعْرٍ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا حَقًّا كَمَدْحِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ الْمَوَاعِظِ مِمَّا لَا إِفْرَاطَ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا يَعْنِي الشِّعْرَ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ لَوْ كَانَ شَطْرَ بَيْتٍ لَكَانَ كُفْرًا، فَكَأَنَّهُ إِذَا حَمَلَ وَجْهَ الْحَدِيثِ عَلَى امْتِلَاءِ الْقَلْبِ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ، وَلَكِنْ وَجْهَهُ عِنْدِي أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ مِنَ الشِّعْرِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَيْنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ جَوْفُهُ مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ.

قُلْتُ: وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ .

وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَيْحًا أَوْ دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتَ بِهِ وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَا يُعْرَفُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الْحَدِيثِ، وَأَبُو صَالِحٍ شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ السَّمَّانُ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ هَذَا آخَرُ ضَعِيفٌ يُقَالُ لَهُ بَاذَانِ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ.

وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ أَبِي عُبَيْدٍ مَا أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْفَتْحَ وَغَيْرَهَا وَكَانَ شَاعِرًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي الشِّعْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْسَحْ عَلَى رَأْسِي، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي فَمَا قُلْتُ: بَيْتَ شَعْرٍ بَعْدُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى كَبِدِي وَبَطْنِي وَزَادَ الْبَغَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَاشْبِبْ بِامْرَأَتِكَ وَامْدَحْ رَاحِلَتَكَ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِامْتِلَاءُ مِنَ الشِّعْرِ لَمَا أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. بَلْ دَلَّتِ الزِّيَادَةُ الْأَخِيرَةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْمُبَاحِ مِنْهُ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ عَنْ جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ تَأَوَّلَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ، وَأَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الشِّعْرِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا عَيْبُ امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنْهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ رِوَايَةُ الْيَسِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، وَلَا الِاسْتِشْهَادُ بِهِ فِي اللُّغَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِشْكَالَ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ: عَائِشَةُ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَرْوِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ لَا يَكْفُرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمُّوا بِهِ النَّبِيَّ .

وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ صَنِيعِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي إِيرَادِهِ بَعْضَ أَشْعَارِ الْكَفَرَةِ فِي هَجْوِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِتَأْوِيلِ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ ثَابِتٌ بِاللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْكَثِيرِ مِنَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَالْكَثِيرِ فَخُصَّ الذَّمُّ بِالْكَثِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِامْتِلَاءُ دُونَ الْقَلِيلِ مِنْهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ بَنَى هَذَا التَّأْوِيلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ فَلَا يَكُونُ نَاقِلًا لِلُّغَةِ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَسَّرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ فِي كِتَابِهِ عَلَى مَا تَلَقَّفَهُ مِنْ لِسَانِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦١٥٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْب حَدثنَا شُعْبَةُ عَن عُدَيِّ بنِ ثابِتٍ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عَنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ل حَسَّانَ: أهْجُهُمْ أوْ قَالَ: هاجِهِمْ وجِبْرِيلُ مَعَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن حَفْص بن عمر وَفِي الْمَغَازِي عَن حجاج بن منهال وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أوهاجهم) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَجِبْرِيل مَعَك) أَي: بالتأييد والمعاونة، وَقَالَ ابْن بطال: هجو الْكفَّار من أفضل الْأَعْمَال وَكفى بقوله: أللهم أيده فضلا وشرفاً للْعَمَل وَالْعَامِل بِهِ، وَهَذَا إِذا كَانَ جَوَابا عَن سبهم للْمُسلمين بِقَرِينَة مَا قَالَ: أجب.

٩٢ - (بابُ مَا يُكْرَهُ أنْ يَكُونَ الغالِبَ عَلَى الإنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ الله والعِلْمِ والقُرْآنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة كَون الْغَالِب على الْإِنْسَان الشّعْر حَتَّى يصده أَي: يمنعهُ عَن ذكر الله ومذاكرة الْعلم وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْغَالِب بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: أما الرّفْع فعلى أَن يكون إسم: كَانَ وَخَبره قَوْله: الشّعْر، وَأما النصب فعلى الْعَكْس، وَهُوَ أَن يكون الشّعْر هُوَ اسْمه وَالْغَالِب خَبره.

٦١٥٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى أخبرنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أحدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ مِنْ أنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن امتلاء الْجوف بالشعر كِنَايَة عَن كَثْرَة الِاشْتِغَال بِهِ حَتَّى يكون وقته مُسْتَغْرقا بِهِ فَلَا يتفرغ لذكر الله، عز وَجل، وَلَا لقِرَاءَة الْقُرْآن وَتَحْصِيل الْعلم، وَهَذَا هُوَ المذموم. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن ذكر الله تَعَالَى وَقِرَاءَة الْقُرْآن والاشتغال بِالْعلمِ إِذا كَانَت غالبة عَلَيْهِ فَلَا يدْخل تَحت هَذَا الذَّم.

وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وحَنْظَلَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وباللام ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة وَاسم أبي سُفْيَان الْأسود، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب قَالَ: سَمِعت حَنْظَلَة قَالَ: سَمِعت سَالم بن عبد الله يَقُول: سَمِعت عبد الله بن عمر يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مثله، وَهَذَا السَّنَد أقوى من سَنَد البُخَارِيّ على مَا لَا يخفى، وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى الصَّدَفِي الْمصْرِيّ شيخ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.

قَوْله: (لِأَن يمتلىء) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَأَن مَصْدَرِيَّة وَهُوَ فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره هُوَ قَوْله: (خير لَهُ) . قَوْله: (قَيْحا) نصب على التَّمْيِيز وَهُوَ الصديد الَّذِي يسيل من الدمل وَالْجرْح، وَيُقَال: هُوَ الْمدَّة الَّتِي لَا يخالطها الدَّم، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه الْبَزَّار ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن إِسْمَاعِيل عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر رَضِي الله عَنهُ مَوْقُوفا، وَلَا نعلم أحدا أسْندهُ إلَاّ خَلاد عَن سُفْيَان، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا مَوْقُوفا، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه، خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة على مَا نذكرهُ عَن قريب، وروى أَيْضا من حَدِيث عَوْف بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم من عانته إِلَى لهاته قَيْحا يتخضخض، خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَأبي الدَّرْدَاء. قلت: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه مُسلم قَالَ: بَيْنَمَا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعرج إِذْ عرض علينا شَاعِر ينشد، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احْذَرُوا الشَّيْطَان أَو أَمْسكُوا الشَّيْطَان لِأَن يمتلىء جَوف رجل قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث خَالِد بن معدان عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ:

قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) . وَلما أخرج الطَّحَاوِيّ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة قَالَ: فكره قوم رِوَايَة الشّعْر وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَار. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ مسروقاً وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن شُعَيْب فَإِنَّهُم قَالُوا: يكره رِوَايَة الشّعْر وإنشاده، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَا قذع فِيهِ. قلت: أَرَادَ بالآخرين: الشّعبِيّ وعامر بن سعد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم والقوري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا حنيفَة ومالكاً وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا يُوسُف ومحمداً وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبا ثَوْر وَأَبا عبيد، فأنهم قَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ هجاء وَلَا نكت عرض أحد من الْمُسلمين وَلَا فحش، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب والبراء بن عَازِب وَأنس بن مَالك وَعبد الله بن عَبَّاس وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الزبير وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعمْرَان بن الْحصين وَالْأسود بن سريع وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (لَا قذع فِيهِ) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبعين مُهْملَة وَهُوَ الْفُحْش والخنى، ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِمَا ملخصه، قيل لعَائِشَة: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) ، فَقَالَت عَائِشَة: يرْجم الله أَبَا هُرَيْرَة، حفظ أول الحَدِيث وَلم يحفظ آخِره: (إِن الْمُشْركين كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا من مهاجاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَوله: (جَوف أحدكُم) ظَاهره الْجوف مُطلقًا بِمَا فِيهِ من الْقلب وَغَيره وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْقلب خَاصَّة، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر لِأَن الْقلب إِذا وصل إِلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَإِن كَانَ يَسِيرا فَإِنَّهُ يَمُوت لَا محَالة بِخِلَاف غير الْقلب. وَقَوله: (شعرًا) ظَاهره الْعُمُوم لكنه مَخْصُوص بِمَا لم يكن مدحاً لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا يشْتَمل على الذّكر والزهد وَسَائِر المواعظ مِمَّا لَا إفراط فِيهِ.

٦١٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً حَتَّى يَرِيَه خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الطِّبّ. وَابْن مَاجَه فِي الْأَدَب جَمِيعًا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (حَتَّى يرِيه) ، زَاد هَذِه اللَّفْظَة أَبُو ذَر فِي رِوَايَته عَن الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَنسبه بَعضهم إِلَى الْأصيلِيّ أَيْضا، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد: حَتَّى يرِيه، ولسائر رُوَاة الصَّحِيح: قَيْحا يرِيه، بِإِسْقَاط حق. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان من طرق عَن الْأَعْمَش فِي أَكْثَرهَا حَتَّى يرِيه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقع فِي حَدِيث سعد عِنْد مُسلم حَتَّى يرِيه، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ بِإِسْقَاط حَتَّى، فعلى ثُبُوتهَا يقْرَأ: يرِيه، بِالنّصب وعَلى حذفهَا بِالرَّفْع ويريه بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء من الوري وَهُوَ الدَّاء يُقَال: ورى يري فَهُوَ موري إِذا أصَاب جَوْفه الدَّاء، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الوري مثل الرَّمْي دَاء بداخل الْجوف، يُقَال: رجل موري بِغَيْر همز، وَقَالَ الْفراء: هُوَ الوري بِفَتْح الرَّاء، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ بِالسُّكُونِ مصدر، وبالفتح إسم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ورى الْقَيْح جَوْفه يرِيه ورياً: أكله. وَقَالَ قوم: حَتَّى يُصِيب رئته، وَأنْكرهُ غَيرهم لِأَن الرئة مَهْمُوزَة وَإِذا بنيت فعلا قلت: رأه يرآه، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِن الرئة أَصْلهَا من ورى وَهِي محذوفة، مِنْهُ تَقول: وريت الرجل فَهُوَ موري إِذا أصبت رئته، وَالْمَشْهُور فِي الرئة الْهَمْز.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٩٢ - بَاب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرُ

حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ

٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.

٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حتى يَرِيهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرَ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ) هُوَ فِي هَذَا الْحَمْلِ مُتَابِعٌ لِأَبِي عُبَيْدٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الذَّمَّ إذا كَانَ لِلِامْتِلَاءِ وَهُوَ الَّذِي لَا بَقِيَّةَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُهُ الذَّمُّ.

ثم ذكر فيه حَدِيثُ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى يَرِيَهُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ هُنَا، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَنَسَبَهَا بَعْضُهُمْ لِلْأَصِيلِيِّ، وَلِسَائِرِ رُوَاةِ الصَّحِيحِ قَيْحًا يَرِيهِ بِإِسْقَاطِ حَتَّى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي أَكْثَرِهَا حَتَّى يَرِيَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ حَتَّى يَرِيَهُ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى يَرِيَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِإِسْقَاطِ حَتَّى فَعَلَى ثُبُوتِهَا يُقْرَأُ يَرِيَهِ بِالنَّصْبِ، وَعَلَى حَذْفِهَا بِالرَّفْعِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ يَقْرَءُونَهَا حَتَّى جَرْيًا عَلَى الْمَأْلُوفِ، وَهُوَ غَلَطٌ، إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَنْصِبُ. وَذُكِرَ أَنَّ ابْنَ الْخَشَّابِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. وَوَجَّهَ بَعْضَهُمُ النَّصْبَ عَلَى بَدَلِ الْفِعْلِ مِنَ الْفِعْلِ، وَإِجْرَاءِ إِعْرَابٍ يَمْتَلِئُ عَلَى يَرِيَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ قَيْحًا يَتَخَضْخَضُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ وَلَفْظُهُ بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْعَرَجِ إِذْ عَرَضَ لَنَا شَاعِرٌ يُنْشِدُ فَقَالَ: أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ ; لَأَنْ يَمْتَلِئَ فَذَكَرَهُ. وَيَرِيَهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ - آخِرُ الْحُرُوفِ - بَعْدَهَا رَاءٌ ثُمَّ يَاءٌ أُخْرَى، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ مِنَ الْوَرْيِ بِوَزْنِ الرَّمْيِ يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ مَوْرَى غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ أَنْ يُورَى جَوْفُهُ وَأَنْشَدَ:

قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحَا

تَدْعُو عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْوَرْيُ هُوَ أَنْ يَأْكُلَ الْقَيْحُ جَوْفَهُ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِيهِ الْفَتْحَ بِوَزْنِ الْفَرْيِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ بِالسُّكُونِ الْمَصْدَرُ، وَبِالْفَتْحِ الِاسْمُ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى يَرِيَهُ أَيْ يُصِيبَ رِئَتَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرِّئَةَ مَهْمُوزَةٌ، فَإِذَا بَنَيْتَ مِنْهُ فِعْلًا قُلْتَ: رَأَهُ يَرْأَهُ فَهُوَ مَرْئِيٌّ انْتَهَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَصْلِهَا مَهْمُوزًا أَنْ لَا تُسْتَعْمَلَ مُسَهَّلَةً، وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّئَةَ إِذَا امْتَلَأَتْ قَيْحًا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ جَوْفُ أَحَدِكُمْ فَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ يَحْتَمِلُ ظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَوْفَهُ كُلَّهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَلْبَ خَاصَّةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطِّبِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَيْحَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَمُوتُ لَا مَحَالَةَ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْقَلْبِ مِمَّا فِي

الْجَوْفِ مِنَ الْكَبِدِ وَالرِّئَةِ.

قُلْتُ: وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ وَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِلثَّانِي لِأَنَّ مُقَابِلَهُ - وَهُوَ الشِّعْرُ - مَحَلُّهُ الْقَلْبُ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنِ الْفِكْرِ، وَأَشَارَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ فِي امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنَ الشِّعْرِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُهُ أَوْ يَتَعَانَى حِفْظَهُ مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ قَيْحًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ؛ الْمُدَّةُ لَا يُخَالِطُهَا دَمٌ، وَقَوْلُهُ شِعْرًا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ شِعْرٍ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا حَقًّا كَمَدْحِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ الْمَوَاعِظِ مِمَّا لَا إِفْرَاطَ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا يَعْنِي الشِّعْرَ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ لَوْ كَانَ شَطْرَ بَيْتٍ لَكَانَ كُفْرًا، فَكَأَنَّهُ إِذَا حَمَلَ وَجْهَ الْحَدِيثِ عَلَى امْتِلَاءِ الْقَلْبِ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ، وَلَكِنْ وَجْهَهُ عِنْدِي أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ مِنَ الشِّعْرِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَيْنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ جَوْفُهُ مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ.

قُلْتُ: وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ .

وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَيْحًا أَوْ دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتَ بِهِ وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَا يُعْرَفُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الْحَدِيثِ، وَأَبُو صَالِحٍ شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ السَّمَّانُ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ هَذَا آخَرُ ضَعِيفٌ يُقَالُ لَهُ بَاذَانِ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ.

وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ أَبِي عُبَيْدٍ مَا أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الْفَتْحَ وَغَيْرَهَا وَكَانَ شَاعِرًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي الشِّعْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْسَحْ عَلَى رَأْسِي، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي فَمَا قُلْتُ: بَيْتَ شَعْرٍ بَعْدُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى كَبِدِي وَبَطْنِي وَزَادَ الْبَغَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَاشْبِبْ بِامْرَأَتِكَ وَامْدَحْ رَاحِلَتَكَ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِامْتِلَاءُ مِنَ الشِّعْرِ لَمَا أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. بَلْ دَلَّتِ الزِّيَادَةُ الْأَخِيرَةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْمُبَاحِ مِنْهُ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ عَنْ جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ تَأَوَّلَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ، وَأَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الشِّعْرِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا عَيْبُ امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنْهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ رِوَايَةُ الْيَسِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، وَلَا الِاسْتِشْهَادُ بِهِ فِي اللُّغَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِشْكَالَ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ: عَائِشَةُ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَرْوِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ لَا يَكْفُرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمُّوا بِهِ النَّبِيَّ .

وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ صَنِيعِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي إِيرَادِهِ بَعْضَ أَشْعَارِ الْكَفَرَةِ فِي هَجْوِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِتَأْوِيلِ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ ثَابِتٌ بِاللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْكَثِيرِ مِنَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَالْكَثِيرِ فَخُصَّ الذَّمُّ بِالْكَثِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِامْتِلَاءُ دُونَ الْقَلِيلِ مِنْهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ بَنَى هَذَا التَّأْوِيلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ فَلَا يَكُونُ نَاقِلًا لِلُّغَةِ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَسَّرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ فِي كِتَابِهِ عَلَى مَا تَلَقَّفَهُ مِنْ لِسَانِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦١٥٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْب حَدثنَا شُعْبَةُ عَن عُدَيِّ بنِ ثابِتٍ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عَنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ل حَسَّانَ: أهْجُهُمْ أوْ قَالَ: هاجِهِمْ وجِبْرِيلُ مَعَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق عَن حَفْص بن عمر وَفِي الْمَغَازِي عَن حجاج بن منهال وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أوهاجهم) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَجِبْرِيل مَعَك) أَي: بالتأييد والمعاونة، وَقَالَ ابْن بطال: هجو الْكفَّار من أفضل الْأَعْمَال وَكفى بقوله: أللهم أيده فضلا وشرفاً للْعَمَل وَالْعَامِل بِهِ، وَهَذَا إِذا كَانَ جَوَابا عَن سبهم للْمُسلمين بِقَرِينَة مَا قَالَ: أجب.

٩٢ - (بابُ مَا يُكْرَهُ أنْ يَكُونَ الغالِبَ عَلَى الإنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ الله والعِلْمِ والقُرْآنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة كَون الْغَالِب على الْإِنْسَان الشّعْر حَتَّى يصده أَي: يمنعهُ عَن ذكر الله ومذاكرة الْعلم وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْغَالِب بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: أما الرّفْع فعلى أَن يكون إسم: كَانَ وَخَبره قَوْله: الشّعْر، وَأما النصب فعلى الْعَكْس، وَهُوَ أَن يكون الشّعْر هُوَ اسْمه وَالْغَالِب خَبره.

٦١٥٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى أخبرنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أحدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ مِنْ أنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن امتلاء الْجوف بالشعر كِنَايَة عَن كَثْرَة الِاشْتِغَال بِهِ حَتَّى يكون وقته مُسْتَغْرقا بِهِ فَلَا يتفرغ لذكر الله، عز وَجل، وَلَا لقِرَاءَة الْقُرْآن وَتَحْصِيل الْعلم، وَهَذَا هُوَ المذموم. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن ذكر الله تَعَالَى وَقِرَاءَة الْقُرْآن والاشتغال بِالْعلمِ إِذا كَانَت غالبة عَلَيْهِ فَلَا يدْخل تَحت هَذَا الذَّم.

وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وحَنْظَلَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وباللام ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة وَاسم أبي سُفْيَان الْأسود، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب قَالَ: سَمِعت حَنْظَلَة قَالَ: سَمِعت سَالم بن عبد الله يَقُول: سَمِعت عبد الله بن عمر يحدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مثله، وَهَذَا السَّنَد أقوى من سَنَد البُخَارِيّ على مَا لَا يخفى، وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى الصَّدَفِي الْمصْرِيّ شيخ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.

قَوْله: (لِأَن يمتلىء) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَأَن مَصْدَرِيَّة وَهُوَ فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره هُوَ قَوْله: (خير لَهُ) . قَوْله: (قَيْحا) نصب على التَّمْيِيز وَهُوَ الصديد الَّذِي يسيل من الدمل وَالْجرْح، وَيُقَال: هُوَ الْمدَّة الَّتِي لَا يخالطها الدَّم، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه الْبَزَّار ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن إِسْمَاعِيل عَن عَمْرو بن حُرَيْث عَن عمر رَضِي الله عَنهُ مَوْقُوفا، وَلَا نعلم أحدا أسْندهُ إلَاّ خَلاد عَن سُفْيَان، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا مَوْقُوفا، وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه، خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة على مَا نذكرهُ عَن قريب، وروى أَيْضا من حَدِيث عَوْف بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم من عانته إِلَى لهاته قَيْحا يتخضخض، خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَأبي الدَّرْدَاء. قلت: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه مُسلم قَالَ: بَيْنَمَا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعرج إِذْ عرض علينا شَاعِر ينشد، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (احْذَرُوا الشَّيْطَان أَو أَمْسكُوا الشَّيْطَان لِأَن يمتلىء جَوف رجل قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث خَالِد بن معدان عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ:

قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) . وَلما أخرج الطَّحَاوِيّ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة قَالَ: فكره قوم رِوَايَة الشّعْر وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَار. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ مسروقاً وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَالم بن عبد الله وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن شُعَيْب فَإِنَّهُم قَالُوا: يكره رِوَايَة الشّعْر وإنشاده، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَا قذع فِيهِ. قلت: أَرَادَ بالآخرين: الشّعبِيّ وعامر بن سعد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم والقوري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا حنيفَة ومالكاً وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبا يُوسُف ومحمداً وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبا ثَوْر وَأَبا عبيد، فأنهم قَالُوا: لَا بَأْس بِرِوَايَة الشّعْر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ هجاء وَلَا نكت عرض أحد من الْمُسلمين وَلَا فحش، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب والبراء بن عَازِب وَأنس بن مَالك وَعبد الله بن عَبَّاس وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الزبير وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعمْرَان بن الْحصين وَالْأسود بن سريع وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (لَا قذع فِيهِ) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبعين مُهْملَة وَهُوَ الْفُحْش والخنى، ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِمَا ملخصه، قيل لعَائِشَة: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء مشعراً) ، فَقَالَت عَائِشَة: يرْجم الله أَبَا هُرَيْرَة، حفظ أول الحَدِيث وَلم يحفظ آخِره: (إِن الْمُشْركين كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا من مهاجاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَقَوله: (جَوف أحدكُم) ظَاهره الْجوف مُطلقًا بِمَا فِيهِ من الْقلب وَغَيره وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْقلب خَاصَّة، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر لِأَن الْقلب إِذا وصل إِلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَإِن كَانَ يَسِيرا فَإِنَّهُ يَمُوت لَا محَالة بِخِلَاف غير الْقلب. وَقَوله: (شعرًا) ظَاهره الْعُمُوم لكنه مَخْصُوص بِمَا لم يكن مدحاً لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا يشْتَمل على الذّكر والزهد وَسَائِر المواعظ مِمَّا لَا إفراط فِيهِ.

٦١٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لأنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً حَتَّى يَرِيَه خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً.

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق للتَّرْجَمَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الطِّبّ. وَابْن مَاجَه فِي الْأَدَب جَمِيعًا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (حَتَّى يرِيه) ، زَاد هَذِه اللَّفْظَة أَبُو ذَر فِي رِوَايَته عَن الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَنسبه بَعضهم إِلَى الْأصيلِيّ أَيْضا، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد: حَتَّى يرِيه، ولسائر رُوَاة الصَّحِيح: قَيْحا يرِيه، بِإِسْقَاط حق. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان من طرق عَن الْأَعْمَش فِي أَكْثَرهَا حَتَّى يرِيه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقع فِي حَدِيث سعد عِنْد مُسلم حَتَّى يرِيه، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد البُخَارِيّ بِإِسْقَاط حَتَّى، فعلى ثُبُوتهَا يقْرَأ: يرِيه، بِالنّصب وعَلى حذفهَا بِالرَّفْع ويريه بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء من الوري وَهُوَ الدَّاء يُقَال: ورى يري فَهُوَ موري إِذا أصَاب جَوْفه الدَّاء، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الوري مثل الرَّمْي دَاء بداخل الْجوف، يُقَال: رجل موري بِغَيْر همز، وَقَالَ الْفراء: هُوَ الوري بِفَتْح الرَّاء، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ بِالسُّكُونِ مصدر، وبالفتح إسم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ورى الْقَيْح جَوْفه يرِيه ورياً: أكله. وَقَالَ قوم: حَتَّى يُصِيب رئته، وَأنْكرهُ غَيرهم لِأَن الرئة مَهْمُوزَة وَإِذا بنيت فعلا قلت: رأه يرآه، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِن الرئة أَصْلهَا من ورى وَهِي محذوفة، مِنْهُ تَقول: وريت الرجل فَهُوَ موري إِذا أصبت رئته، وَالْمَشْهُور فِي الرئة الْهَمْز.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله